تقرير: حرب الـ12 يوماً دمرت عناصر القنبلة النووية لإيران

ضربات دفنت موقعاً أخفت فيه طهران يورانيوم عالي التخصيب

صورة من قمر اصطناعي تُظهر حفراً في منشأة نطنز عقب غارات جوية أميركية وسط الصراع الإيراني الإسرائيلي (رويترز)
صورة من قمر اصطناعي تُظهر حفراً في منشأة نطنز عقب غارات جوية أميركية وسط الصراع الإيراني الإسرائيلي (رويترز)
TT

تقرير: حرب الـ12 يوماً دمرت عناصر القنبلة النووية لإيران

صورة من قمر اصطناعي تُظهر حفراً في منشأة نطنز عقب غارات جوية أميركية وسط الصراع الإيراني الإسرائيلي (رويترز)
صورة من قمر اصطناعي تُظهر حفراً في منشأة نطنز عقب غارات جوية أميركية وسط الصراع الإيراني الإسرائيلي (رويترز)

بعد جدل حول نتائج الضربات على منشآت نووية إيرانية الشهر الماضي، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن تقييمات إسرائيلية وأميركية اتفقت أخيراً على أن «البنية التحتية لطهران اللازمة لإنتاج قنبلة نووية قد دُمرت».

وتحدث تقرير للصحيفة، السبت، عن «أدلة على أن البرنامج النووي الإيراني قد تعرض لأضرار بالغة إلى درجة أنه سيُعاق لمدة عام على الأقل، وربما لفترة أطول بكثير». وهو ما قد يكون من بين أسباب «البرود» الأميركي للعودة إلى المفاوضات النووية، على اعتبار أن إيران لم تعد «على عتبة دولة نووية»، حسب ما أفاد به مسؤول إسرائيلي للصحيفة.

وأضاف المسؤول أن إيران ستحتاج الآن إلى ما لا يقل عن عامين لبناء سلاح نووي قابل للاستخدام، بافتراض قدرتها على إخفاء أنشطتها بطريقة ما.

ومن الممكن أن تحاول طهران بناء جهاز نووي بدائي بسرعة أكبر، لكن المسؤول أضاف أن إسرائيل ستلاحظ على الأرجح التجربة النووية المقبلة، وقد تشن هجوماً لتعطيله.

ويدعم تقرير «واشنطن بوست» مزاعم كل من إدارة ترمب وإسرائيل بأن الحملة على إيران حققت أهدافها، رغم أن بعض المسائل لا تزال غير واضحة. فقد تكون إيران أخفت أجهزة طرد مركزي، أو مخزونات يورانيوم، أو أسلحة لم تُدمّر. كما أنه لا يزال بإمكانها الرد بالاندفاع نحو امتلاك قنبلة بموارد ضئيلة، أو بشن هجمات قد تكون مدمّرة لإسرائيل أو لمصالح الولايات المتحدة.

ملصق لمنشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو يعرض خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (أ.ف.ب)

تدمير «سلاح كهرومغناطيسي»

حسب «واشنطن بوست»، فإن حملة القصف، بالإضافة إلى تدمير العديد من أجهزة الطرد المركزي التي تُخصّب اليورانيوم، حطّمت معظم عناصر برنامج إيران لصناعة قنبلة نووية.

وعلى سبيل المثال، تعتقد مصادر إسرائيلية أن الإيرانيين كانوا يدرسون إنتاج سلاح «نبض كهرومغناطيسي» يمكنه شلّ إسرائيل إلكترونياً، وقنبلة اندماج نووي أكثر تعقيداً، بالإضافة إلى رأس حربي انشطاري قياسي.

وربما كان الجانب الأكثر تدميراً، والأقل تركيزاً على تداعياته في حملة إسرائيل، هو استهدافها لكبار العلماء النوويين الإيرانيين. وقالت المصادر إن الضربات في الساعات الأولى من الحرب قتلت جميع علماء الفيزياء الإيرانيين من المستويين الأول والثاني، وغيرهم من العلماء النوويين، بالإضافة إلى معظم المستوى الثالث.

وقالت الصحيفة إن الحصيلة «تُعد خسارة فادحة للمواهب، حيث يُعتقد أنها ستردع العلماء الإيرانيين الشباب عن المشاركة في برنامج ثبت أنه حُكم بالإعدام».

وتعتقد إسرائيل أنها أوقفت، بقتلها علماء إيرانيين بارزين، برامج «النبض الكهرومغناطيسي» و«الاندماج النووي»، التي كان قادة «الحرس الثوري» الإيراني يرون أن تطويرها لا يتعارض مع فتوى المرشد علي خامنئي التي تحرّم صنع قنبلة نووية.

وتصف مصادر إسرائيلية وأميركية الهجوم بأنه «حرب جوية وحرب تجسس وحرب خوارزميات في آن واحد». كما وجّهت الولايات المتحدة الضربة القاضية عندما قصفت قاذفات «بي-2» التحصينات، وأطلقت السفن البحرية صواريخ توماهوك، لتتوج تلك الضربات تدمير إسرائيل للبرنامج النووي الإيراني.

صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة فوردو النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)

ضوء أخضر من ترمب

وأكد تقرير «واشنطن بوست» أن إدارة ترمب منحت إسرائيل الضوء الأخضر لشنّ هجومها في 13 يونيو (حزيران) الماضي، لكنها أوضحت أنها لن تتدخل إلا إذا كانت الحملة تسير على ما يرام.

ويتطابق تقييم إسرائيل لما بعد العملية مع معظم تفاصيل ما كشف عنه التحليل الأميركي. فقد أدى القصف الإسرائيلي والأميركي المشترك إلى تدمير منشأة «نطنز» وتعطيل مجمّع التخصيب الكبير المدفون تحت الأرض في «فوردو».

كما دمّرت الضربات على أصفهان منشأة تحويل اليورانيوم اللازمة لتحويل المواد الانشطارية إلى صفيحة معدنية مطلوبة لصنع سلاح، ودفنت موقعاً أخفت فيه إيران 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب.

وحتى لو كانت لدى إيران مخابئ سرية أخرى لليورانيوم عالي التخصيب، فإن هذا على الأرجح لن يساعد في صنع «قنبلة قذرة»، وهي جهاز محمّل بالمواد النووية لخلق انتشار إشعاعي يشبه ما حصل بعد الانفجار في منشأة تشيرنوبيل بأوكرانيا القرن الماضي.

تدمير صواريخ باليستية

حسب مصادر «واشنطن بوست»، فقد تمكّن الإسرائيليون بعد اليومين الأولين من الحرب، من تدمير نصف الصواريخ الباليستية الإيرانية البالغ عددها 3 آلاف صاروخ، ونحو 80 في المائة من منصات إطلاق الصواريخ البالغ عددها 500.

وتعتقد إسرائيل أن إيران كانت تخطّط لزيادة مخزونها من الصواريخ الباليستية إلى 8 آلاف، وكان من شأن تأخير الهجوم التسبب في ضرر أكبر بكثير لإسرائيل جراء الضربات المضادة.

وما فاجأ إسرائيل، وفق «واشنطن بوست»، أن إيران كانت لديها ترسانة أكبر من المتوقع من الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، التي يصعب استهدافها، ما تسبب في الضرر الأكبر وباستنفاد مخزونات الدفاع الجوي الإسرائيلي والأميركي.

وإلى جانب استهداف المنشآت النووية والعلماء، دمّرت الهجمات الإسرائيلية الأسس اللوجيستية للبرنامج، بما في ذلك مقره، وأرشيفه، ومختبراته، ومعدات الاختبار، وفقاً للمصدر الإسرائيلي.

ومع ذلك، قد يزيد هذا الدمار من رغبة إيران في امتلاك سلاح نووي، لكن سيكون من الصعب إعادة بناء كل هذا البرنامج.

وتبقى المعضلة السياسية لإدارة ترمب هي ما إذا كانت ستسعى إلى اتفاق نووي جديد من شأنه أن يمنع إيران من إعادة بناء برنامجها، في الوقت الذي لا تزال فيه طهران ترفض مطلب حظر التخصيب. لكن في الوقت الحالي، وربما لفترة طويلة مقبلة، فإن معظم هذه المنشآت لم تعد سوى أنقاض وغبار.


مقالات ذات صلة

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

شؤون إقليمية بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

قالت باكستان، الخميس، إنها ترى «زخماً» بالجهود الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق «هرمز»، لكنها شددت على أن القرار النهائي بشأن استئناف الملاحة يعود إلى طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد)
شؤون إقليمية صورة نشرها غروسي على منصة «إكس» من لقائه مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في واشنطن

غروسي: المفاوضات النووية مع إيران في مأزق

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني متوقفة حالياً.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بزشكيان يتحدث إلى رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في طهران الخميس (الرئاسة الإيرانية)

مباحثات قطرية - إيرانية لدفع التهدئة والحوار

يبدأ رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الخميس، زيارة إلى طهران لمواصلة جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، وخفض التوتر.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية إيرانية تحمل أكياس تسوق إلى جانب لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شمال طهران الثلاثاء 25 أغسطس الحالي (إ.ب.أ)

بزشكيان يدافع عن التفاوض: الحرب ليست حلاً

دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، عن مواصلة المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة، قائلاً إن الحرب «ليست دائماً طريقاً لتجاوز المشكلات».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)

من «أنتيفا» إلى «فلسطين أكشن»... ترمب يدوّل الحرب على «الإرهاب اليساري»

مظاهرة لحركة «فلسطين أكشن» في لندن (أرشيفية - إ.ب.أ)
مظاهرة لحركة «فلسطين أكشن» في لندن (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

من «أنتيفا» إلى «فلسطين أكشن»... ترمب يدوّل الحرب على «الإرهاب اليساري»

مظاهرة لحركة «فلسطين أكشن» في لندن (أرشيفية - إ.ب.أ)
مظاهرة لحركة «فلسطين أكشن» في لندن (أرشيفية - إ.ب.أ)

لم تعد حملة إدارة الرئيس دونالد ترمب على ما تسميه «الإرهاب اليساري» محصورة في خطاب سياسي يستهدف حركة «أنتيفا» داخل الولايات المتحدة. فمع إدراج وزارة الخزانة الأميركية مجموعة «فلسطين أكشن» البريطانية على قائمة «الإرهابيين العالميين المصنفين بصورة خاصة»، انتقلت الحملة إلى استخدام العقوبات المالية الأميركية ضد مجموعات وشبكات أجنبية، في خطوة تعطي واشنطن قدرة على ملاحقة أموالها والمتعاملين معها عبر الحدود.

تكمن أهمية القرار في أنه لا يتعلق بمجموعة واحدة أو بالخلاف حول أساليبها التخريبية فحسب، بل يؤسس لاختبار أوسع: هل تبقى مكافحة الإرهاب مرتبطة بطبيعة الفعل وخطورته، أم تتحول تدريجياً إطاراً آيديولوجياً يجمع جماعات يسارية وفوضوية ومؤيدة للفلسطينيين ضمن شبكة تهديد واحدة؟ وهو سؤال تزداد حساسيته عندما تتقاطع حماية المنشآت العسكرية مع حرية الاحتجاج، وتتحول العقوبات الأميركية معياراً تمتثل له مصارف ومؤسسات خارج الولايات المتحدة.

جانب من احتجاج أنصار حركة «فلسطين أكشن» خارج المحكمة الملكية للعدل في لندن 28 أبريل الماضي (أ.ب)

من الخطاب إلى العقوبات

جاء القرار بعد نحو ستة أسابيع من استضافة وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مسؤولين من أكثر من 60 دولة في واشنطن، داعياً إلى إعادة توجيه الجهود الدولية نحو ما وصفه بـ«إرهاب اليسار المتطرف». وقال إن التهديد الذي تمثله الجماعات الإسلامية المسلحة تراجع بفعل التعاون الدولي، في حين ظلت أعمال العنف اليسارية «نقطة عمياء»، مطالباً بتحديد هذا التهديد ورسم شبكاته وإعادة بناء هيكلية مكافحته. وكانت واشنطن قد صنفت، منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، أربع جماعات أوروبية فوضوية منظمات إرهابية أجنبية، وأعلنت سياسة لتقييد تأشيرات المنتمين إلى مجموعات تتهمها بدعم العنف أو التخريب الاقتصادي.

الإجراء الجديد حوّل هذا التوجه عمليةً مالية مترابطة. فإلى جانب «فلسطين أكشن»، عاقبت الخزانة منظمة «أوتيستيشي إنفنتاتي» الإيطالية، متهمة إياها بتوفير استضافة إلكترونية واتصالات مشفرة وأدوات رقمية لخلايا من «أنتيفا» ومجموعات يسارية عنيفة. كما استهدفت حركة «مسار بديل» واثنين من مسؤوليها، قائلة إنها مرتبطة بشبكة «صامدون» التي تعدها واشنطن واجهة لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وقال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن بلاده ستستخدم «كامل ثقل أدواتها الاقتصادية» لقطع خطوط تمويل هذه الجماعات.

تصنيف مالي واسع

قانونياً، لم يصدر القرار عن وزارة الخارجية بوصفه إدراجاً جديداً على قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية»، بل عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الخزانة، الذي صنف «فلسطين أكشن» بموجب الأمر التنفيذي 13224 الصادر بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ويعني ذلك تجميد أي أصول للمجموعة تخضع للولاية الأميركية، ومنع الأميركيين والمؤسسات العاملة عبر النظام المالي الأميركي من تقديم أموال أو سلع أو خدمات لها. كما قد تتعرض مصارف أجنبية لعقوبات ثانوية إذا سهّلت معاملات مهمة لمصلحتها.

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن بلاده ستستخدم «كامل ثقل أدواتها الاقتصادية» لقطع خطوط تمويل هذه الجماعات (متداولة)

وتقول الخزانة إن المجموعة دعمت منذ تأسيسها عام 2020 أعمالاً أصابت عناصر من الشرطة البريطانية، واقتحمت منشآت دفاعية وعسكرية وألحقت بمعدات أضراراً بملايين الدولارات، ثم روّجت لهذه الأساليب دولياً. وتركزت أنشطتها خصوصاً على منشآت شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية وشركات تتعامل معها. في المقابل، نقلت «رويترز» عن المؤسسة المشاركة في تأسيس المجموعة هدى عموري قولها إن هدف عملياتها هو تعطيل ما وصفته بـ«آلة الحرب الإسرائيلية»، عادَّةً أن القرار يهدّد حرية التعبير والعمل المؤيد للفلسطينيين.

هذا التباين لا يلغي إمكان ملاحقة اقتحام المنشآت أو إصابة رجال الشرطة أو تدمير الممتلكات بموجب القوانين الجنائية العادية. لكنه يضع الخلاف عند مستوى آخر: متى يصبح التخريب لتحقيق غاية سياسية إرهاباً، ومتى يبقى جريمة احتجاجية مهما كانت جسامتها؟

بريطانيا ترسم السابقة

استندت واشنطن بصورة واضحة إلى السابقة البريطانية. فقد حظرت لندن «فلسطين أكشن» في يوليو (تموز) 2025 بموجب قانون الإرهاب، لكن القرار ما زال موضع نزاع قضائي. قضت المحكمة الابتدائية بعدم قانونيته، عادَّةً أنه خالف سياسة وزارة الداخلية ومَسَّ بصورة غير متناسبة حرية التعبير والتجمع، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف ذلك الحكم. وستنظر المحكمة العليا الطعن يومي 4 و5 نوفمبر المقبل.

أنصار منظمة «فلسطين أكشن» ينظّمون احتجاجاً خارج المحكمة الملكية للعدل في لندن 28 أبريل الماضي (أ.ب)

صحيفة «الغارديان» قالت إن حكماً بريطانياً حديثاً كشف عن صعوبة رسم الحد الفاصل. فقد رفض قاضٍ معاملة خمسة ناشطين أتلفوا فرعاً لمصرف «باركليز» وتسببوا بأضرار تجاوزت 200 ألف جنيه إسترليني بوصفهم مرتبطين بالإرهاب، عادَّاً أن الفعل لم يبلغ العتبة العالية المطلوبة، وإن أبقى إدانتهم بالتخريب قائمة. وترى «هيومن رايتس ووتش» أن المعايير الدولية الأفضل تحصر الإرهاب بأفعال تستهدف إحداث الموت أو الإصابة الجسيمة أو احتجاز رهائن، لا بالأضرار المادية التي لا تعرض الحياة للخطر.

بذلك، تكون إدارة ترمب قد صدّرت إلى الخارج معركة أميركية داخلية حول اليسار والعنف السياسي، قبل أن يحسم القضاء البريطاني حتى مشروعية السابقة التي استندت إليها. وقد تمنح الأدوات الجديدة واشنطن قدرة أكبر على ضرب شبكات تمويل فعلية، لكنها تنشئ أيضاً سابقة يمكن لأي إدارة لاحقة قلب اتجاهها واستخدامها ضد جماعات يمينية.


ارتفاع قياسي في اعتقالات المهاجرين عبر الولايات المتحدة

رجل أمن يرش بهاراً على قناع متظاهر خارج مبنى البلدية في نيوآرك بنيوجرسي (أرشيفية - رويترز)
رجل أمن يرش بهاراً على قناع متظاهر خارج مبنى البلدية في نيوآرك بنيوجرسي (أرشيفية - رويترز)
TT

ارتفاع قياسي في اعتقالات المهاجرين عبر الولايات المتحدة

رجل أمن يرش بهاراً على قناع متظاهر خارج مبنى البلدية في نيوآرك بنيوجرسي (أرشيفية - رويترز)
رجل أمن يرش بهاراً على قناع متظاهر خارج مبنى البلدية في نيوآرك بنيوجرسي (أرشيفية - رويترز)

أظهر تحليل لبيانات فيدرالية أميركية أن عمليات اعتقال المهاجرين ارتفعت بصورة حادة خلال الصيف، لتشمل آلافاً لم يدرجوا سابقاً على لوائح الترحيل الجماعي من أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة. فيما علقت وزارة الخارجية الأميركية بشكل مؤقت كل المواعيد الخاصة بالحصول على تأشيرة هجرة أميركية.

وحصل «مشروع بيانات الترحيل» الأكاديمي على هذه البيانات الفيدرالية عبر دعوى قضائية تتعلق بالسجلات العامة، التي كشفت عن ارتفاع عمليات اعتقال المهاجرين إلى مستويات قياسية، إذ بلغ عدد الاعتقالات التي نفذتها «آيس» 43 ألفاً في يونيو (حزيران) و49 ألفاً في يوليو (تموز) الماضيين. وأثارت حادثتا إطلاق نار مميتتان، تورط فيهما عناصر من «آيس»، في تكساس وماين، غضباً واسعاً، لكنهما لم تُبطئا وتيرة الاعتقالات.

وتتضمن البيانات الجديدة تفاصيل كل عملية اعتقال نفذتها «آيس» حتى 5 أغسطس (آب) الماضي. وتقدم صورة أوضح حتى الآن عن كيفية تغير أنشطة الوكالة منذ أن أجبرها رد الفعل الشعبي على التراجع عن التكتيكات العدوانية التي شهدتها مينيابوليس مطلع هذا العام.

ضباط ملثمون بينهم عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (آيس) يدخلون محكمة الهجرة في فينيكس بأريزونا (أرشيفية - رويترز)

وصرح ناطق باسم وزارة الأمن الداخلي بأن الإدارة ملتزمة بوعودها باعتقال المجرمين وترحيلهم، وأن أي شخص يقيم في البلاد بشكل غير قانوني هو هدف.

2000 يومياً

وبعد تثبيته في منصبه خلال الربيع، وعد وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين بإنفاذ القانون بهدوء ولكن بفاعلية. ويبدو أن «آيس» باتت أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق هدفها المتمثل في ألفي عملية اعتقال يومياً.

وقالت المسؤولة السابقة في إدارة الهجرة والجمارك كلير تريكلر - ماكنولتي لصحيفة «نيويورك تايمز» إن «لديهم عدداً أكبر من الضباط، وموارد مالية أكبر، ومساحة احتجاز أكبر، وشركاء محليين أكثر، وأنظمة أفضل. وهم الآن يجمعون كل العناصر معاً لبناء هذه الآلة الفعالة للترحيل».

وبلغت اعتقالات المهاجرين مستويات قياسية في كل الولايات، بما فيها مونتانا وفيرمونت، اللتان توجد فيهما كثافة سكانية منخفضة. غير أن الزيادة الأكبر حصلت في فلوريدا وتكساس، اللتين تضمان عدداً كبيراً من المهاجرين غير الشرعيين.

وتنفذ «آيس» أكثر من 380 عملية اعتقال يومياً في تكساس، وأكثر من 230 عملية اعتقال يومياً في فلوريدا، بزيادة تتجاوز 100 عملية اعتقال يومياً في كل ولاية مقارنة بفصل الربيع. ومع ذلك، طالت هذه الزيادة ولايات يقودها الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء.

وشهدت نيوجيرسي ونيومكسيكو تضاعفاً في عدد الاعتقالات، رغم أن الولايتين سنّتا قوانين تُقيّد تعاون الحكومة مع «آيس». وسجلت «آيس» أرقاماً قياسية في الاعتقالات عبر جوانب عدة. فهي وظفت آلافاً إضافيين من العملاء. كما اعتمدت بشكل أكبر على شركائها من أجهزة إنفاذ القانون على مستوى الولايات. وكذلك وسّعت برنامج تفويض ضباط الشرطة المحليين لاعتقال المهاجرين.

قوات «آيس» تعتقل متظاهراً في مينيابوليس يوم 15 يناير 2026 (أ.ب)

وتُظهر البيانات أن فلوريدا سجلت ما لا يقل عن 15 ألف حالة اعتقال من خلال هذا البرنامج في عهد ترمب، بينما سجلت تكساس نحو 10 آلاف حالة. لكن البرنامج كان ذا أهمية خاصة في ولايات أصغر حجماً مثل وايومينغ وويست فيرجينيا.

ولم تحقق الوكالة بعد هدفها المعلن المتمثل في توفير 100 ألف سرير احتجاز، ولكن مع افتتاح العديد من مرافق الاحتجاز الجديدة هذا الخريف، وإمكان إحياء خطة تحويل المستودعات إلى مراكز احتجاز، يبدو أنها على وشك توسيع نطاق الاحتجاز بشكل ملحوظ خلال العام المقبل.

وبلغ متوسط ​​عمليات الترحيل أكثر من ألف شخص يومياً منذ الصيف الماضي، وهناك مؤشرات على تسارع وتيرتها.

تأشيرات الهجرة

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الحكومة باشرت تطبيق تعليق مؤقت في كل أنحاء العالم، للمواعيد الخاصة بالحصول على تأشيرة هجرة إلى الولايات المتحدة، لإتاحة الوقت لتدريب الموظفين القنصليين.

وأفاد ناطق باسم وزارة الخارجية بأن هذه المواعيد التي تتمثل في مقابلة بين مواطن أجنبي يطلب تأشيرة وموظف قنصلي، ستخضع لـ«تعديلات» لإتاحة المجال لهذا التدريب.

ويسري هذا الإجراء الاستثنائي في كل السفارات والقنصليات الأميركية في أنحاء العالم، ولا يشمل تأشيرات السياحة أو الدراسة أو الأعمال أو العمل المؤقت في الولايات المتحدة.

ولم يُحدَّد موعد استئناف هذه المواعيد، لكنّ مسؤولاً في وزارة الخارجية أشار إلى توقف لـ«أسابيع».

وجعل الرئيس ترمب من مكافحة الهجرة غير النظامية أولوية، وقام بترحيل عدد ضخم من المهاجرين غير النظاميين، كما قيّد الدخول القانوني للأجانب، أحياناً بشكل صارم، وبمعاقبة الأجانب الذين يتجاوزون مدة تأشيراتهم في الولايات المتحدة.


واشنطن تعيد صياغة «الناتو»... تحالف للدفاع المشترك أم علاقة مشروطة بالولاء؟

تكتسب زيارة إلبريدج كولبي إلى بروكسل أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا (رويترز)
تكتسب زيارة إلبريدج كولبي إلى بروكسل أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا (رويترز)
TT

واشنطن تعيد صياغة «الناتو»... تحالف للدفاع المشترك أم علاقة مشروطة بالولاء؟

تكتسب زيارة إلبريدج كولبي إلى بروكسل أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا (رويترز)
تكتسب زيارة إلبريدج كولبي إلى بروكسل أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا (رويترز)

حمل إلبريدج كولبي إلى مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل رسالتين متوازيتين: أوروبا لا تزال «مصلحة أساسية» للولايات المتحدة، لكن استمرار العلاقة بصورتها الحالية لم يعد مضموناً. فوكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات، الذي أطلع سفراء الحلف، الخميس، على مراجعة الانتشار العسكري الأميركي، أشاد بتقدم الأوروبيين في تحمل مسؤولية دفاعهم التقليدي، لكنه قال إن قضايا استخدام القواعد والتحليق والعبور لا تزال تحتاج إلى تسوية، فيما تمنح واشنطن الأولوية لنصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

لا تعني هذه الرسالة أن الولايات المتحدة تتجه بالضرورة إلى الانسحاب من «الناتو» أو التخلي رسمياً عن الدفاع المشترك. لكنها تكشف تحوّلاً أعمق: من التزام مؤسسي تُوزع أعباؤه جماعياً إلى علاقة أكثر انتقائية، يمكن أن يتأثر فيها حجم الحماية والانتشار العسكري بإنفاق كل دولة، وتسهيلها العمليات الأميركية، وانسجامها مع أولويات واشنطن خارج أوروبا.

وكيل وزارة الدفاع الأميركية إلبريدج كولبي مع الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في بروكسل الخميس (أ.ب)

أربع خرائط للقوات

تكتسب زيارة كولبي أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا.

وكشفت وثيقة «الشروط المرجعية» التي اطلعت عليها «رويترز» أن البنتاغون سيعد أربعة بدائل على الأقل، تتناول أعداد القوات ومواقعها وسرعة تعديل الانتشار وكلفة كل خيار، لعرضها على وزير الدفاع بيت هيغسيث بحلول 6 نوفمبر (تشرين الثاني)، قبل الموعد النهائي للمراجعة في ديسمبر (كانون الأول).

وبحلول 18 سبتمبر (أيلول)، سيشارك القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا مع كولبي في إحاطة لتحديد الخيارات التي ستُرفع إلى هيغسيث. وقال مسؤول رفيع في البنتاغون إن الإدارة تنتقل نحو دعم أميركي «حاسم ولكن أكثر محدودية»، مع وضع الحلفاء في موقع القيادة.

ولم تنتظر إعادة التموضع اكتمال المراجعة. فقد أشار تحليل لـ«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» إلى بدء خفض القوات الأميركية في ألمانيا ورومانيا وإستونيا، وإلغاء نشر قدرات للضربات البعيدة المدى في ألمانيا. وتشمل الخيارات المتداولة أيضاً تقليص طائرات مقاتلة ومنصات للتزود بالوقود والاستطلاع والقاذفات والقطع البحرية المخصصة لخطط الحلف، وإن لم تتحول كلها إلى قرارات نهائية.

وكيل وزارة الدفاع الأميركية إلبريدج كولبي في مقر «الناتو» في بروكسل الخميس (أ.ب)

اختبار يتجاوز الإنفاق

لطالما طالبت الإدارات الأميركية أوروبا بزيادة موازناتها الدفاعية. الجديد أن مراجعة ترمب لا تقيس المساهمات العسكرية والإنفاق فقط. فقد أرسلت واشنطن إلى أعضاء الحلف استبياناً يسأل عن القيود المفروضة على وصول القوات الأميركية إلى القواعد والمجال الجوي، ومدى استعداد الحكومات لإلغائها، وعن القواعد التي قد تعرقل التعاون الصناعي الدفاعي عبر الأطلسي.

وبحسب «رويترز»، تطلب أسئلة أخرى لتحديد ما إذا كانت الدولة أيدت علناً سياسات الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط ونصف الكرة الغربي. وبذلك يدخل الموقف السياسي ضمن معايير قد تؤثر في قرارات الانتشار. ووصفت مصادر دبلوماسية أوروبية هذا الربط بأنه نهج «تعاملي»، محذرة من تحول المراجعة إلى «مسابقة جمال» تتنافس فيها الدول على تقديم شروط أفضل للاحتفاظ بالقوات الأميركية.

برز هذا البعد بعد حرب إيران، حين اتهم ترمب وهيغسيث بعض الحلفاء بالتأخر أو الامتناع عن السماح للطائرات الأميركية باستخدام قواعدهم وأجوائهم. وأعلن هيغسيث ربط مساهمة واشنطن في موازنة «الناتو» بوفاء الآخرين بتعهدات الإنفاق، قائلاً إن دولاً ستنجح في المراجعة وأخرى ستفشل. ومن منظور الإدارة، لا يمكن مطالبة الولايات المتحدة بضمان أمن دول ترفض تسهيل عملياتها؛ أما الاعتراض الأوروبي، فيقوم على أن المادة الخامسة تخص الدفاع عن أراضي الحلف، ولا تمنح واشنطن تلقائياً تأييداً لحروب خارجه.

وعلى المستوى الرسمي، جدد قادة «الناتو»، بمن فيهم ترمب، في قمة أنقرة الأخيرة التزامهم «الصلب» بالمادة الخامسة التي تعد الهجوم على عضو هجوماً على الجميع. لكن مصداقية الدفاع المشترك لا تتحدد بالنص وحده، بل أيضاً بالقوات والقواعد والقدرات الموضوعة مسبقاً لتنفيذه.

«الناتو 3.0»

يسمي كولبي هذا التحول «الناتو 3.0»؛ فأوروبا تتولى المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بالمظلة النووية وبحضور تقليدي أصغر وقدرات استراتيجية يصعب تعويضها سريعاً. ويعرض الأمين العام للحلف مارك روته المفهوم باعتباره إعادة توازن داخل «الناتو»، لا انفصالاً عنه، مشيراً إلى ارتفاع الإنفاق الأوروبي وتولي الحلفاء معظم الالتزامات التي خفضتها واشنطن.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يخاطب الصحافيين خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)

لكن المال وحده لا يسد الفجوة. فبحسب «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، لا تزال أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في شبكات القيادة والسيطرة ودمج المعلومات الاستخباراتية والدفاع الجوي والصاروخي والذخائر الدقيقة. كما تعوق محدودية القدرة الصناعية استبدال هذه الإمكانات، فيما قد يؤدي قياس الحلفاء وفق قربهم السياسي من واشنطن إلى منافسة بينهم، بدلاً من تعزيز التكامل وتقاسم الأدوار.

ويقول جون هاردي، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات لـ«الشرق الأوسط»، إن من الطبيعي أن تكون لواشنطن توقعات معينة من حلفائها، لكن «الناتو طريق ذو اتجاهين. وإذا أردنا من أصدقائنا أن يكونوا حلفاء جيدين، فعلينا نحن أيضاً أن نكون كذلك».

وأضاف أن قرارات الانتشار الأميركي في أوروبا ينبغي أن تستند إلى «تحليل واقعي للتهديدات وللمواضع الأفضل لتخصيص الموارد»، لأن التهديد الروسي سيستمر، فيما تحتاج أوروبا إلى وقت لإعادة التسلح. وحذر من أن ترك الأوروبيين أمام فجوات رئيسية في القدرات «قد يغري بالعدوان»، مشدداً على أنه لا ينبغي معاقبة حلفاء نموذجيين مثل بولندا ودول البلطيق بسحب وحدات من الجيش الأميركي لا تحتاج إليها ساحة المحيط الهادئ.

طائرة «غرومان إي-2 هوك آي» للإنذار المبكر والمراقبة الجوية تهبط على حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال مناورات لـ«الناتو» قبالة جزيرة كريت اليونانية في 27 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويرى «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» أن الفصل بين المظلة النووية والوجود التقليدي مصطنع جزئياً. فالقوات الأميركية تؤدي دور «سلك الإنذار» الذي يجعل تدخل واشنطن في مواجهة روسيا أكثر صدقية، وتوفر خيارات بين الاستسلام والانتقال مباشرة إلى التصعيد النووي. ولذلك قد يؤدي تقليص القدرات التقليدية المتقدمة إلى إضعاف المظلة النووية التي تقول الإدارة إنها ستبقيها سليمة.

لذلك يرى البعض أن مستقبل «الناتو» لا يتوقف على العدد الذي سيختاره هيغسيث من الجنود، بل على المعيار الذي سيحكم الاختيار. فإذا بقيت المراجعة وسيلة لإعادة توزيع الأعباء مع الحفاظ على قدرات الردع والتماسك السياسي، فقد تنتج تحالفاً أكثر توازناً. أما إذا أصبحت القواعد والحماية مكافأة للدول الأكثر توافقاً مع ترمب، فسيبقى الدفاع المشترك قائماً في المعاهدة، لكنه يتحول عملياً إلى ضمان متفاوت، تحدده درجة الولاء بقدر ما تحدده مقتضيات الأمن الجماعي.