ترمب «خاب» أمله في بوتين لكنه «لم ييأس بعد»

تيار «أميركا أولاً» ينحاز للرئيس في دفع بوتين إلى «السلام من خلال القوة»

الرئيس ترمب لدى استقباله الأمين العام لـ«الناتو» أمس (رويترز)
الرئيس ترمب لدى استقباله الأمين العام لـ«الناتو» أمس (رويترز)
TT

ترمب «خاب» أمله في بوتين لكنه «لم ييأس بعد»

الرئيس ترمب لدى استقباله الأمين العام لـ«الناتو» أمس (رويترز)
الرئيس ترمب لدى استقباله الأمين العام لـ«الناتو» أمس (رويترز)

من الواضح أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدأ ما يسميه البعض «اللعب بقسوة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين». وقبل أكثر من 10 أيام، عبّر ترمب، ولا يزال، عن غضبه منه قائلاً إنه لم يكن «لطيفاً». ويرى البعض أن هذا التحول في موقف ترمب هو في الأساس من صنع بوتين، إذ بعد مكالمات هاتفية عدة بينهما، لم يغير موقفه من مواصلة الحرب.

قال الرئيس الأميركي إنه يشعر بخيبة أمل تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكنه لم ييأس منه بعد. وقال ترمب، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، بثّت الثلاثاء: «أشعر بخيبة أمل تجاهه (بوتين)، لكنني لم أيأس منه بعد. لكنني أشعر بخيبة أمل منه». وأضاف: «نجري محادثة رائعة. ثم أقول: هذا جيد، أعتقد أننا قريبون من إبرام اتفاق، ثم يقصف مبنى في كييف». ويوم الاثنين، قال ترمب، خلال اجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته: «لا أريد أن أقول إنه قاتل، لكنه رجل قوي».

الرئيس الأميركي خلال اجتماعه مع الأمين العام لحلف الأطلسي في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

3 أسباب وراء قرار ترمب

ووفقاً لمصادر مطلعة تحدثت مع وسائل إعلام أميركية، قرّر ترمب التصعيد مع بوتين لـ3 أسباب؛ أولاً، لأنه بات يعتقد أن بوتين لا يُظهر الاحترام له، حيث يتظاهر بالاستعداد للسلام، لكنه يتجاهل دعواته لوقف إطلاق النار. ثانياً، رأى فاعلية القوة العسكرية الأميركية عندما استخدم قاذفات «بي 2» الشبحية وصواريخ «توماهوك» ضد إيران. ثالثاً، يعتقد أن بوتين لن يتفاوض إلا إذا هُدد بقوة أكبر، أي من خلال التصعيد لوقف التصعيد.

ومع ذلك، تقول أنا بورشيفسكايا، كبيرة الباحثين في الشأن الروسي في معهد واشنطن، إنه من السابق لأوانه الحكم على ذلك. وقالت، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن موافقة ترمب الأخيرة على إرسال أسلحة إلى أوكرانيا هي خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن من السابق لأوانه الحكم على مدى التحول السياسي الذي يمثله هذا الأمر.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أرشيفية - رويترز)

في البداية، ظنّ ترمب أنه من السهل إقناع بوتين بوقف الحرب، كما أوضح يوم الاثنين. وقال: «شعرتُ أننا توصلنا إلى اتفاق نحو 4 مرات». لكنه بدا كأنه أدرك أخيراً أن السبيل الوحيد لإقناعه بتحقيق السلام هو رفع تكلفة استمرار الصراع بشكل كبير. وبذلك، يكون ترمب قد فتح فصلاً جديداً في الحرب الروسية الأوكرانية، يمكن أن يحمل معه الأمل في وقف الحرب، لكن الخطر أيضاً من تورط لا يريده.

وهدّد ترمب بفرض «رسوم جمركية صارمة» على روسيا، إذا لم تُحقق السلام خلال 50 يوماً. وتعهد بتوفير صواريخ باتريوت وأسلحة دفاع جوي ومدفعية، عن طريق دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي ستسلمها بدورها لأوكرانيا. ويبلغ إجمالي حزمة المساعدات العسكرية هذه 10 مليارات دولار.

ومع ذلك، لم يتحدث ترمب عمّا إذا كانت المساعدات العسكرية ستشمل أيضاً بعض الأسلحة الهجومية الجديدة القوية. وبحسب مصادر في البنتاغون، يرجح أن يتضمن قرار ترمب الإذن باستخدام صواريخ «أتاكامز» بعيدة المدى الموجودة حالياً في أوكرانيا بمداها الكامل البالغ 300 كيلومتر. ومع أن مدى هذه الصواريخ لا يبلغ موسكو، أو سانت بطرسبرغ، فإنه سيستهدف القواعد العسكرية والمطارات ومستودعات الإمدادات في عمق روسيا، التي أصبحت الآن خارج نطاق القصف. كما قد تشمل الحزمة أيضاً مزيداً من أنظمة الدفاع الجوي الصاروخي.

ترمب يشجع زيلينسكي

كما درس ترمب إرسال صواريخ «توماهوك» كروز، وهي الصواريخ التي استخدمت ضد المنشآت النووية الإيرانية الشهر الماضي. ونقلت صحيفة «فاينانشال تايمز»، اليوم (الثلاثاء)، عن مصدرين مطلعين، أن الرئيس ترمب شجّع أوكرانيا في محادثات سرية على تكثيف ضرباتها العميقة على الأراضي الروسية، بل سأل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في محادثة هاتفية جرت في 4 يوليو (تموز) الحالي، عما إذا كان بإمكانه ضرب موسكو إذا زوّدته الولايات المتحدة بأسلحة بعيدة المدى.

وبحسب الصحيفة، فقد سأل ترمب نظيره الأوكراني قائلاً: «فولوديمير، هل يمكنك ضرب موسكو؟ هل يمكنك ضرب سانت بطرسبرغ أيضاً؟». وردّ زيلينسكي قائلاً: «بالتأكيد. يمكننا ذلك إذا أعطيتمونا الأسلحة». وبحسب المصدرين، عبّر ترمب عن تأييده للفكرة، موضحاً أن الهدف منها هو «جعل الروس يشعرون بالألم» ودفع الكرملين إلى طاولة التفاوض.

وقال مسؤول غربي، مطلع على الاتصال، للصحيفة، إن مضمون الحديث يعكس رغبة متزايدة لدى شركاء أوكرانيا في الغرب في تزويدها بأسلحة قادرة على «نقل الحرب إلى قلب موسكو»، وهي رغبة تشاركها بعض الأوساط في الإدارة الأميركية، وإن كان ذلك يُطرح على نحو غير معلن.

ووفقاً لـ3 مصادر مطلعة، أدّت هذه المحادثة إلى قيام الجانب الأميركي بتقديم قائمة بأسلحة محتملة للرئيس الأوكراني زيلينسكي خلال زيارته الأخيرة إلى روما، شملت أنظمة بعيدة المدى، يمكن توفيرها من خلال تحويلات عبر أطراف ثالثة.

زيلينسكي والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (أ.ف.ب)

وقال زيلينسكي، يوم الاثنين، إنه كان يعمل على اتفاقيات دفاعية «كبيرة» مع إدارة ترمب، لكن «لم يحن الوقت بعد للكشف عن التفاصيل علناً». وطلبت أوكرانيا الحصول على صواريخ «توماهوك» الدقيقة، التي يصل مداها إلى نحو 1600 كيلومتر، لكن الإدارة الأميركية، سواء في عهد الرئيس جو بايدن أو ترمب، أبدت مخاوف من «قلة ضبط النفس» لدى أوكرانيا، بحسب أحد المصادر.

ترمب يحرص على قاعدته

ومع أن ترمب بدا وكأنه قد اتخذ خياراً قد يكون صائباً من وجهة نظر صقور الجمهوريين، بإدراكه أن بوتين لن يُقدم تنازلات دون مزيد من الضغط، فإنه قد يكون شرع أيضاً في مسار تصعيدي لا تُعرف مخاطره. وهو ما انعكس في إجابته على سؤال من أحد الصحافيين، خلال اجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في المكتب البيضاوي. فقد سأله: «إذا قرّر بوتين التصعيد أكثر، فإلى أي مدى أنتم مستعدون للذهاب ردّاً على ذلك؟» وردّ ترمب بحدة: «لا تسألوني سؤالاً كهذا، إلى أي مدى؟»، أريد أن تُحسم الحرب فقط.

ورغم أن إجابته تعكس تشاؤمه بشأن الحرب تحسباً لحصول مفاجآت، فإنه يجادل بأن تجديد تحالفه مع أعضاء «الناتو» لا يعدّ خروجاً عن شعار «أميركا أولاً»، ويعكس أيضاً محاولته الحفاظ على وعوده أمام قاعدته، التي عكست بعض الاستطلاعات الأخيرة أنها بدأت تميل للموافقة على سياساته الجديدة التي تركز على «السلام من خلال القوة»، خصوصاً بعدما أظهرت «جدواها» في إيران.

حتى مع رغبة ترمب في زيادة الضغط على موسكو، مقاوماً الجناح الانعزالي في تلك الحركة، يصرّ على أن هذه الخطوة الأخيرة تتماشى مع «أميركا أولاً»، وتتوافق مع رؤية راسخة، ليس مع أنصار «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة ثانية) فقط، بل مع شريحة واسعة من الأميركيين، مفادها أن أميركا تعرضت للنهب من قِبل حلفائها، وأن أوروبا، على وجه الخصوص، قد حصلت على امتيازات دفاعية مجانية.

ورغم مبالغته في تقدير حجم المساعدات التي قدّمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا، قال ترمب مُشيراً إلى حلفائه الأوروبيين «الأغنياء جداً»: «لن نُصدّق ذلك، لكننا سنُصنّعه، وسيدفعون ثمنه... إنهم متمسكون بهذا القرار بشدة، ونحن متمسكون به أيضاً، لكننا سندفع مبالغ طائلة، ونحن ببساطة لا نريد الاستمرار فيه».

الرئيس الأميركي خلال اجتماعه مع الأمين العام لحلف «الأطلسي» في البيت الأبيض (رويترز)

البنتاغون يؤيد ترمب

 

وكان لافتاً ما نشره، يوم الاثنين، إلبريدج كولبي، مسؤول السياسات في البنتاغون، على منصة «إكس» بعد إعلان ترمب عن قراره دعم أوكرانيا بفترة وجيزة، مشدداً على مبدأ «أميركا أولاً» وداعماً للرئيس. وكتب كولبي: «من جوهر المنطق السليم للرئيس ترمب، رسالة (أميركا أولاً)، أن تحالفاتنا يجب أن تكون عادلة ومنصفة لتكون مستدامة. هذا أمر منطقي للغاية، لكنه كان يُنظر إليه لسنوات عديدة على أنه بدعة. ومع ذلك، ومع الالتزام التاريخي لحلف الناتو، نرى الآن أن هذا القرار قابل للنجاح، وسيُحسّن ليس وضع الأميركيين فقط، بل حلفائنا الأوروبيين أيضاً».

وفيما انتقد ستيف بانون، كبير مستشاري ترمب السابق، مع كثيرين في حركة «ماغا»، قراره الجديد في بودكاست «غرفة الحرب» الخاص به، يوم الاثنين، أشار إلى أن «الأولوية الأولى» لزيلينسكي هي جرّ ترمب إلى عمق الصراع. وقال بانون: «نحن على وشك تسليح أشخاص لا نملك أي سيطرة عليهم. هذه ليست الحرب العالمية على الإرهاب. إنها حرب طاحنة على الطراز القديم في أوروبا، ونحن نُجرّ إليها».

 

ناخبو ترمب يؤيدونه

غير أن مسؤولاً كبيراً في البيت الأبيض نفى معارضة القاعدة السياسية للرئيس لتحركاته، مشيراً إلى استطلاع رأي حديث أجرته شركة «إيكيلون إنسايتس» أظهر أن ما يقرب من ثلثي ناخبي ترمب يؤيدون استمرار إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا. وأشار إلى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لشخصيات مؤيدة لترمب تُنسب إليه الفضل في تعهد الناتو الجديد بالإنفاق ودفع أوروبا إلى دعم الأسلحة الجديدة لأوكرانيا بشكل كامل.

ورفضت آنا كيلي، نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض، هذه التصريحات. وقالت: «إن قاعدة (ماغا) وأكثر من 77 مليون أميركي صوتوا للرئيس ترمب، ليسوا مذعورين مثل وسائل الإعلام. إنهم يثقون بترمب، ويعلمون أن هذا الرئيس يُعيد السلام من خلال القوة».

 

 


مقالات ذات صلة

موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا

أوروبا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب) play-circle

موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا

موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا، وحذرت من «تصعيد التوتر السياسي والعسكري» بعد احتجاز ناقلة نفط روسية

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: وثيقة الضمانات الأمنية الأميركية جاهزة لوضع اللمسات الأخيرة مع ترمب

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم الخميس إن نص الضمان الأمني ​​الثنائي بين كييف ​وواشنطن «جاهز بشكل أساسي» ليتم الانتهاء منه مع الرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

تطرح أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند تحدياً جديداً وربما غير مسبوق لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقد يكون حتى وجودياً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

أوكرانيا: روسيا تهاجم ميناءين بمنطقة أوديسا

قال مسؤولون أوكرانيون إن روسيا هاجمت ميناءين بحريين في منطقة أوديسا الأوكرانية، اليوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رستم عمروف مستشار الأمن القومي الأوكراني (د.ب.أ)

مستشار الأمن الأوكراني: بحثنا مع واشنطن الإطار العام لإنهاء الحرب

أعلن رستم عمروف، مستشار الأمن القومي الأوكراني رئيس وفد بلاده في المفاوضات، أنه عقد اليوم الأربعاء، جولة أخرى من المشاورات مع الوفد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن البيت الأبيض، الخميس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا.

وفد تقدم مجلس الشيوخ الأميركي، اليوم ، بقرار من شأنه منع ترمب من اتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية ضد فنزويلا دون تفويض من الكونغرس، مما ‌يمهد الطريق ‌لدرس ‌الأمر ⁠باستفاضة ​أكبر ‌في المجلس المكون من 100 عضو.وجاء التصويت على تدبير يتعلق بالإجراءات للمضي قدما في قرار سلطات الحرب بأغلبية 52 ⁠صوتا مقابل 47، ‌إذ صوتت حفنة ‍من زملاء ترامب ‍الجمهوريين مع جميع ‍الأعضاء الديمقراطيين لصالح القرار.ويأتي التصويت أيضا بعد أيام من اعتقال القوات الأميركية الرئيس ​الفنزويلي نيكولاس مادورو في غارة عسكرية مباغتة ⁠على العاصمة الفنزويلية كراكاس.وعرقل الجمهوريون محاولتين سابقتين في مجلس الشيوخ العام الماضي بعدما كثفت الإدارة الضغط العسكري على فنزويلا بهجمات على قوارب في جنوب البحر الكاريبي منذ سبتمبر( ‌أيلول) الماضي.


الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستنسحب من عشرات المنظمات الدولية، بما فيها وكالات رئيسية لدى الأمم المتحدة، في خطوة تُقلّص تعاون واشنطن مع المجتمع الدولي في مجالات كثيرة، من قضايا تغير المناخ والسكان إلى زراعة القطن.

وعقب مراجعة شاملة من إدارته لانخراط الولايات المتحدة مع كل المنظمات الدولية، وقّع الرئيس ترمب الأربعاء قراراً تنفيذياً يُعلق الدعم الأميركي لـ66 منظمة ووكالة وهيئة ولجنة، ومنها 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة. وأوضح البيت الأبيض في بيان أن الولايات المتحدة ستنسحب من هذه الهيئات وتوقف أي تمويل لها؛ لأنها «تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة، وأمنها، وازدهارها الاقتصادي، وسيادتها». وأضاف أن «كثيراً من هذه الهيئات يُروّج لسياسات مناخية متطرفة، وحوكمة عالمية، وبرامج آيديولوجية تتعارض مع سيادة الولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية».

ومن المنظمات البارزة التي ستنسحب منها الولايات المتحدة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي كيان علمي يُعنى بأبحاث المناخ العالمية، والمنتدى العالمي للهجرة والتنمية الذي أسهم في صوغ ميثاق الأمم المتحدة للهجرة عام 2018، وصندوق الأمم المتحدة للسكان الذي يدعم الصحة والحقوق الإنجابية في كل أنحاء العالم، واللجنة الاستشارية الدولية للقطن التي تأسست في واشنطن قبل نحو 90 عاماً.

«تهديد» لسيادة أميركا

وفي بيان منفصل، أشاد وزير الخارجية ماركو روبيو بهذه الانسحابات، عادّاً أن كثيراً من المنظمات الدولية يخدم «مشروعاً عولمياً متجذراً في وهم مُفند لفكرة نهاية التاريخ»، مضيفاً أن هدفها الحقيقي هو «تقييد السيادة الأميركية».

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز خلال اجتماع لمجلس الأمن يوم 5 يناير (رويترز)

وقال إن الولايات المتحدة تستهدف «شبكة المنظمات غير الحكومية» و«الشبكات النخبوية» التي تديرها. وأضاف: «وجدت إدارة ترمب أن هذه المؤسسات (...) تفتقر إلى الإدارة الفعالة، وغير ضرورية، ومهدرة للموارد، وسيئة الإدارة، وخاضعة لمصالح جهات تسعى إلى تحقيق أجنداتها الخاصة التي تتعارض مع مصالحنا، أو أنها تُشكل تهديداً لسيادة أمتنا وحرياتها وازدهارها العام».

ويأتي هذا التحرك بعد مرور عام تقريباً على محاولة ترمب سحب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زاعماً أن ذلك ساعد «منتهكي حقوق الإنسان بالسماح لهم باستخدام المنظمة كغطاء يحميهم من المساءلة». وتصادم ترمب مراراً مع منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما فيما يتعلق بسياسات الهجرة والمناخ. وتساءل في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي: «ما الغرض من الأمم المتحدة؟»، مضيفاً أنها تمتلك «إمكانات هائلة»، لكنها في نهاية المطاف لا تُصدر سوى «كلام فارغ».

وعلى الرغم من أن الرئيس ترمب لم يُقدم على سحب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة نفسها، فإنه أثار أزمة في هذه المؤسسة العالمية بسحب مليارات الدولارات من التمويل، ومطالبتها بتغيير آلية عملها، ورفض دفع الرسوم المقررة لعام 2024 لميزانية الأمم المتحدة الاعتيادية. كما ألغت إدارته نحو مليار دولار من التمويل المخصص لرسوم عام 2025 وعمليات حفظ السلام، رغم أن الكونغرس خصصها بالفعل.

ولم يتّضح على الفور تأثير عمليات الانسحاب الجديدة، علماً بأن ترمب أنهى فعلاً مشاركة الولايات المتحدة مع بعض الهيئات الأممية، بما في ذلك الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، العام الماضي.

المنظمات الدولية

علّق الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ، سيمون ستيل، الخميس، قائلاً إن انسحاب ترمب من ‌معاهدة المناخ ‌ «خطأ فادح سيجعل الولايات المتحدة أقل أماناً وأقل ازدهاراً»، وسيُلحق الضرر بالاقتصاد الأميركي والوظائف ومستويات المعيشة.

الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل في بيليم بالبرازيل يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

وقال مدير مكتب الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، ريتشارد غاون، إن الولايات المتحدة «يبدو أنها تتخلى عن كيانات تُعنى بالقانون الدولي، والتنمية الاقتصادية، والتعاون البيئي، وحقوق المرأة». ولاحظ أنه منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، تعاملت إدارته مع التنمية والتعاون البيئي كـ«أجندات شبه اشتراكية»، وانتقدت بشدة أي جهود تبذل لتعزيز المساواة بين الجنسين. وإذ تساءل: «من الرابح هنا؟»، أجاب غاون: «على الأرجح الصين»، موضحاً أن «الصينيين استثمروا لسنوات في أذرع الأمم المتحدة التي تركز على سياسة التنمية. والآن انسحبت الولايات المتحدة من هذا المجال».

كذلك، قالت المديرة الوطنية للتواصل الحكومي والمناصرة في منظمة العفو الدولية أماندا كلاسينغ إن «هذا تأكيد واضح على نهج هذه الإدارة الانتقائي في التعامل مع حقوق الإنسان». وأضافت أن «هذا استمرار واضح لجهود الإدارة الرامية إلى تمزيق نظام عالمي أسهمت هذه الدولة في تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية لضمان الحماية الشاملة لجميع الناس، بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم».

وحتى الآن لم تنسحب الولايات المتحدة من بعض الهيئات التي توقع الخبراء أن تكون مهددة، ومنها منظمات الأمم المتحدة المعنية بالهجرة ومساعدة اللاجئين، فضلاً عن وكالة الطاقة الدولية، التي انتقدتها إدارة ترمب مراراً لعملها في مجال الطاقة النظيفة.


مقتل امرأة برصاص «إدارة الهجرة» في مينيابوليس يشعل مواجهة حزبية

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
TT

مقتل امرأة برصاص «إدارة الهجرة» في مينيابوليس يشعل مواجهة حزبية

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)

أعاد مقتل امرأة أميركية برصاص ضابط في إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أيس) خلال عملية أمنية في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، إشعال جدل وطني حاد حول سياسات الهجرة، وحدود استخدام القوة من قبل السلطات الفيدرالية، وتسييس أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة. الحادث، الذي وقع في مدينة لا تزال مثقلة بذاكرة احتجاجات 2020 بعد مقتل جورج فلويد، تحوّل سريعاً من واقعة أمنية قيد التحقيق إلى معركة سياسية مفتوحة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحلفائها الجمهوريين من جهة، ومعارضيها الديمقراطيين من جهة أخرى، في توقيت بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي نهاية العام.

ذكرى فلويد

وقعت الحادثة يوم الأربعاء عندما أطلق عنصر في «أيس» النار على امرأة تبلغ 37 عاماً، رينيه تُدعى نيكول غود وهي شاعرة وأم لثلاثة أطفال، خلال عملية لإنفاذ قوانين الهجرة في أحد أحياء مينيابوليس، ما أدى إلى إصابتها بطلق ناري في الرأس وفارقَت الحياة لاحقاً في المستشفى. وسرعان ما تجمّع مئات الأشخاص في موقع الحادث لإقامة وقفة احتجاجية وإضاءة الشموع، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الاحتجاجات التي اجتاحت المدينة قبل خمس سنوات.

أشخاص يحيون ذكرى أميركية قتلت برصاص أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس يوم 8 يناير (أ.ف.ب)

لكن ما يضفي على الحادث ثقلاً سياسياً إضافياً هو السياق الأوسع الذي وقع فيه. فمينيابوليس كانت واحدة من المدن التي استهدفتها إدارة ترمب بحملة مكثفة لتطبيق قوانين الهجرة، شملت نشر مئات العناصر الإضافيين وتنفيذ اعتقالات واسعة، في مدينة يقودها ديمقراطيون وتضم جالية مهاجرة كبيرة، وخصوصاً من أصول صومالية. هذه الحملات، التي تقول الإدارة إنها ضرورية لـ«استعادة النظام»، ينظر إليها خصومها على أنها محاولات متعمدة لاستفزاز المدن الزرقاء وتغذية خطاب «القانون والنظام» قبيل الاستحقاق الانتخابي.

رواية الإدارة

منذ الساعات الأولى، سارع الرئيس ترمب ووزارة الأمن الداخلي إلى تبني رواية واضحة: الضابط أطلق النار دفاعاً عن النفس. ترمب قال إن المرأة «كانت تعوق عمل عناصر إنفاذ القانون وتعتدي عليهم»، عادّاً أن ما جرى نتيجة «تحريض اليسار الراديكالي» ضد الشرطة وعناصر الهجرة. وأضاف أن عناصر «أيس» يتعرضون يومياً للتهديد والاعتداء في أثناء أداء واجبهم.

اشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)

وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم دعمت هذه الرواية، مؤكدة أن المرأة حاولت دهس أحد العناصر بسيارتها، وأن الضابط «استخدم تدريبه لإنقاذ حياته وحياة زملائه». وذهبت أبعد من ذلك حين وصفت الحادث بأنه «عمل إرهابي محلّي»، متهمة متظاهرين ونشطاء باستخدام السيارات بشكل متزايد لإعاقة عمليات الهجرة.

نائب الرئيس جيه دي فانس أعلن بدوره أن الإدارة تقف بالكامل خلف عناصر «أيس»، واصفاً مقتل المرأة بأنه «مأساة من صنعها». أما عدد من المشرعين الجمهوريين، فشدّدوا على ضرورة حماية عناصر إنفاذ القانون، محذرين من أن أي تشكيك في تصرفاتهم سيشجع على مزيد من العنف ضدهم.

دور «اليسار الراديكالي»

في الكونغرس، سارع قادة جمهوريون إلى الدفاع عن الإدارة. رئيس مجلس النواب مايك جونسون قال إن «المعطيات الأولية تشير إلى أن السيارة استُخدمت كسلاح»، مؤكداً أن عناصر الأمن يضطرون أحياناً لاتخاذ قرارات في أجزاء من الثانية. سيناتور ألاباما تومي توبيرفيل حمّل «اليسار الراديكالي» مسؤولية الحادث، وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي داعياً عناصر الهجرة إلى «إطلاق النار دفاعاً عن أنفسهم إذا تعرضوا لهجوم».

ويأتي هذا الموقف مُنسجماً مع الخطاب الانتخابي الذي يعتمده ترمب وحلفاؤه، والقائم على شعار «القانون والنظام»، وتقديم الهجرة غير الشرعية بعدّها تهديداً مباشراً للأمن القومي، يتطلب قبضة حديدية، حتى لو أثارت الجدل.

استخدام «متهور» للقوة

في المقابل، جاءت ردود الفعل الديمقراطية غاضبة وحادّة. رئيس بلدية مينيابوليس، جاكوب فراي، وصف ما جرى بأنه «استخدام متهور للسلطة أدّى إلى مقتل شخص»، مطالباً إدارة الهجرة بـ«مغادرة المدينة فوراً». وذكّر فراي بأنه حذّر قبل أسابيع من أن التصعيد الفيدرالي قد يؤدي إلى سقوط قتلى، مؤكّداً: «قلت إن أحداً سيُقتل إذا استمرت هذه العمليات... وهذا ما حدث».

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ف.ب)

حاكم ولاية مينيسوتا تيم والز حمّل إدارة ترمب مسؤولية مباشرة عن الحادث، عادّاً أنها «تحكم بعقلية برامج تلفزيون الواقع»، وأن الاستعراض الأمني «خلق مناخاً من الخوف والفوضى». كما أعلن أنه وضع الحرس الوطني في حال تأهّب تحسباً لأي اضطرابات إضافية. السيناتورة الديمقراطية تينا سميث دعت إلى «تحقيق كامل وغير متحيز»، واتّهمت الإدارة بـ«التلاعب بالوقائع» لتبرير استخدام القوة المميتة. النائبة إلهان عمر رأت في الحادث دليلاً على «سياسات متهورة ومميتة»، مؤكدة أن الضحية لم تكن هدفاً لعملية الترحيل.

زاد من تعقيد المشهد انتشار مقاطع فيديو صوّرها شهود عيان، وأظهرت إطلاق النار بينما كانت السيارة تحاول الابتعاد، دون أن تُظهر بوضوح لحظة تعرّض أي عنصر لمحاولة دهس. هذا التناقض المزعوم بين الصور والرواية الرسمية غذّى شكوكاً واسعة لدى الرأي العام، ودفع معارضين إلى اتهام الإدارة بـ«استباق نتائج التحقيق» وفرض تفسير سياسي للحادث.

وأشار خبراء قانونيون إلى أن مثل هذه القضايا غالباً ما تتحول إلى اختبار لمصداقية المؤسسات، خصوصاً حين يتدخل رأس السلطة التنفيذية في توصيف الوقائع قبل انتهاء التحقيقات.

الهجرة في قلب المعركة الانتخابية

وبدا أن مقتل رينيه نيكول غود قد يتحول إلى قضية تعبئة للطرفين. فقد جاء في لحظة مفصلية، حيث تراهن إدارة ترمب على تشديد سياسات الهجرة لحشد قاعدتها الانتخابية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. في المقابل، يسعى الديمقراطيون إلى تحويل الحادث إلى رمز لخطورة عسكرة الهجرة، وإلى التحذير من أن سياسات ترمب لا تؤدي فقط إلى الانقسام، بل إلى سقوط ضحايا أبرياء، حتى من المواطنين الأميركيين.

صورة للسيارة التي تعرّضت لإطلاق نار أردى مواطنة أميركية قتيلة في في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 7 يناير (رويترز)

التحقيقات التي يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالي وسلطات ولاية مينيسوتا ستحدد المسؤوليات القانونية، لكن آثار الحادث السياسية بدأت بالفعل. فمهما كانت نتائج التحقيق، يبدو أن مقتل امرأة في مينيابوليس سيبقى جزءاً من السجال الوطني حول الهجرة والسلطة واستخدام القوة.

وفي بلد يعيش انقساماً حاداً، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما حدث فقط، بل كيف سيُستخدم ما حدث في معركة سياسية ستحدد ملامح الكونغرس المقبل، وربما اتجاه الولايات المتحدة في واحدة من أكثر قضاياها حساسية.