هل يمهد رفع العقوبات الأميركية عن سوريا لاتفاقات أمنية بين دمشق وتل أبيب؟

إلغاء عقوبات قيصر خلال 30 يوماً وإعادة النظر في تصنيف الشرع و«هيئة تحرير الشام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفتح صفحة جديدة لعلاقات أميركية سورية وثيقة بعد رفع العقوبات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفتح صفحة جديدة لعلاقات أميركية سورية وثيقة بعد رفع العقوبات (رويترز)
TT

هل يمهد رفع العقوبات الأميركية عن سوريا لاتفاقات أمنية بين دمشق وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفتح صفحة جديدة لعلاقات أميركية سورية وثيقة بعد رفع العقوبات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفتح صفحة جديدة لعلاقات أميركية سورية وثيقة بعد رفع العقوبات (رويترز)

ترددت الأصداء المرحبة بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع العقوبات المفروضة على سوريا الذي دخل حيز التنفيذ بدءاً من اليوم الثلاثاء، وعدّته بداية لإعادة تشميل علاقات الولايات المتحدة بنظام أحمد الشرع والحكومة السورية الجديدة وما يعنيه من إعادة خريطة التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.

وأعلنت إدارة ترمب أن الغرض من رفع العقوبات، هو مساعدة الحكومة السورية الجديدة على الاستقرار بعد الحرب الأهلية التي أطاحت بنظام بشار الأسد. لكن القرار فتح الباب أمام تساؤلات حول الضغوط الأميركية التي يمكن أن تمارسها إدارة الرئيس ترمب لدفع دمشق إلى إبرام اتفاقات أمنية مع تل أبيب، في خطوات تؤدي تباعاً إلى توقيع اتفاقية تطبيع بين البلدين في إطار اتفاقات إبراهيم التي يعدّها ترمب أبرز إنجازات ولايته الأولى، ويريد المضي قدماً في توسيع هذه الاتفاقات استغلالاً لتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة.

كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (رويترز)

وقد أوضحت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض مساء الاثنين للصحافيين أن إنهاء العقوبات على سوريا هو محاولة لتعزيز ودعم مسار البلاد نحو الاستقرار والسلام، وأوضحت أن القرار التنفيذي يستثني العقوبات المفروضة على الرئيس السابق بشار الأسد وشركائه ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار المخدرات والأشخاص المرتبطين بأنشطة الأسلحة الكيميائية و«داعش» والجماعات التابعة لها ووكلاء إيران، حيث ستبقى هذه العقوبات كما هي.

«قيصر» مخفياً هويته بمعطف أزرق خلال جلسة نقاش في الكونغرس الأميركي لقانون حماية المدنيين السوريين (أرشيفية - أ.ف.ب)

ووصف محللون قرار رفع العقوبات بأنه خطوة تمهد لانفتاح أميركي كبير على حكومة أحمد الشرع، وقد نص القرار التنفيذي - الذي نشره البيت الأبيض - على إعادة النظر في تصنيف «هيئة تحرير الشام» منظمة إرهابية، وفي تصنيف أحمد الشرع إرهابياً عالمياً. ويفتح قرار ترمب التنفيذي أيضاً الباب أمام تقديم مساعدات أميركية مباشرة للحكومة السورية الجديدة والسماح بتصدير سلع كانت خاضعة للقيود والرقابة المشددة منذ تطبيق قانون قيصر وهو تشريع وقّعه ترمب ليصبح قانوناً في ديسمبر (كانون الأول) 2019 ويفرض عقوبات على نظام الأسد.

وقد أشار القرار التنفيذي في مادته الخامسة إلى تخويل وزيري الخارجية والخزانة تقديم إحاطة إلى الكونغرس خلال 30 يوماً لطلب تعليق العقوبات المتعلقة بقانون قيصر بشكل جزئي أو كلي، وفقاً لمراقبة الأوضاع في سوريا.

تعليق قانون قيصر

من جانبه، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن الولايات المتحدة تقوم بكل الخطوات لدعم سوريا موحدة ومستقرة، مشيراً إلى أنه تتم حالياً دراسة تعليق قانون قيصر بالكامل، وقال في بيان، إن العقوبات الأميركية لن تشكل عائقاً أمام مستقبل سوريا، وإن هذه الإجراءات تعكس رؤية ترمب لبناء علاقة جديدة بين الولايات المتحدة وسوريا مستقرة وموحدة وتنعم بالسلام مع جيرانها.

وأوضح روبيو أن الخارجية الأميركية تدرس التعليق الكامل لقانون قيصر في إطار مراجعة شاملة للسياسات الأميركية تجاه سوريا، واتخاذ الإجراءات المناسبة فيما يتعلق بتصنيف «هيئة تحرير الشام» والرئيس أحمد الشرع، وتصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، وأيضاً درس سبل تخفيف عقوبات الأمم المتحدة.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

وكان روبيو قد حذر لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في إحاطة في 20 مايو (أيار) من أن الحكومة السورية الجديدة قد تنهار وتتسبب في «حرب أهلية شاملة»، إذا لم تتعاون الولايات المتحدة مع الحكومة الانتقالية. وبعد يومين من شهادة الوزير، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة توجيهات برفع بعض العقوبات المفروضة على البنوك وشركات الطيران السورية.

لقاء الرياض

الرئيس دونالد ترمب يصافح الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في الرياض 14 مايو 2025 (أ.ب)

وقد التقى الرئيس ترمب الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض خلال زيارة ترمب التاريخية إلى المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات، منتصف مايو الماضي، بحضور الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية، ومشاركة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في اللقاء عبر الهاتف. وفي هذا اللقاء الذي يعد الأول من نوعه بين زعيمي الولايات المتحدة وسوريا منذ أكثر من 25 عاماً، أعلن الرئيس ترمب استعداده لرفع كل العقوبات عن سوريا لتشجيع السلام والازدهار في سوريا. وقال للصحافيين بعد هذا اللقاء، إنه يريد أن تنجح سوريا وإن الإدارة ستواصل مراقبة التقدم المحرز للحكومة السورية ولديها أولويات محددة، أولاها «اتخاذ خطوات ملموسة تحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل ومكافحة الإرهاب وترحيل الإرهابيين الفلسطينيين ومنع عودة ظهور داعش».

سوريا وإسرائيل

وتخطط إدارة الرئيس ترمب لتشجيع سوريا على المضي قدماً في اتفاق من شأنه إرساء علاقات رسمية بين سوريا وإسرائيل رغم التاريخ الطويل من العداء بين البلدين لأكثر من خمسة عقود. وأشار موقع «أكسيوس» نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين إلى أن إدارة ترمب تجري محادثات تمهيدية مع كلٍّ من إسرائيل وسوريا بشأن اتفاقية محتملة بين البلدين، وهو ما أثار التكهنات حول الإغراءات التي يقدمها الرئيس ترمب لحكومة الشرع برفع العقوبات للمضي قدماً في المحادثات مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاقات «أمنية» جديدة.

ورغم أن كلمة «تطبيع» ليست مطروحة على الطاولة بعد، لكن إدارة ترمب تريد تمهيد الطريق لجهود دبلوماسية تؤدي إلى تخفيف التوترات وتحديث الترتيبات الأمنية على طول الحدود الإسرائيلية السورية.

قال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية للصحافيين، إن «السبيل لإغراء» سوريا بالانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم «هو جعلها مثمرة لهم اقتصادياً وحضارياً وسلاماً وازدهاراً». وأضاف: «كل هذا يتضافر، وما حدث بين إسرائيل وإيران يمنحنا فرصة لذلك. اللحظة الراهنة، وهم يدركونها تماماً، لم تكن موجودة من قبل».

مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توماس برّاك خلال رفع علم بلاده على مقر إقامة السفير في دمشق (د.ب.أ)

ووفقاً للمسؤولين الإسرائيليين، تسعى إسرائيل للحصول على ضمانات تؤدي إلى اتفاق سلام، حيث أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مبعوث الرئيس ترمب إلى سوريا توم برّاك، اهتمامه بالتفاوض على اتفاقية أمنية جديدة مع الحكومة السورية، تشمل مجموعة من الاتفاقيات، منها تحديث اتفاق فك الاشتباك الذي تم توقعيه عام 1974 وتنتهي باتفاق لتطبيع العلاقات.

وتسيطر إسرائيل على المنطقة العازلة بين البلدين ومنطقة جبل الشيخ التي تعد منطقة استراتيجية تتمكن فيها إسرائيل من توجيه هجمات ضد الأراضي السورية. وتقوم إدارة ترمب بمحادثات ومشاورات مع تقديم حوافز للحكومة السوية للانخراط في هذه الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل. فيما أشارت مصادر بالبيت الأبيض إلى أن تحقيق تقدم ملموس في مسار هذه الاتفاقيات يستغرق وقتاً، خاصة أن إسرائيل ترفض الانسحاب من المناطق السورية التي تسيطر عليها إلا في مقابل توقيع اتفاق سلام كامل وتطبيع مع سوريا.

وصرح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، يوم الاثنين، بأن إسرائيل منفتحة على اتفاق مع سوريا، لكنه شدد على أن «مرتفعات الجولان ستبقى جزءاً من إسرائيل بموجب أي اتفاق يتم التوصل إليه في المستقبل». وقد اعترف ترمب خلال ولايته الأولى بولاية إسرائيل على هضبة الجولان.


مقالات ذات صلة

روبيو يزور كولومبيا والإكوادور وبيرو الأسبوع المقبل

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن (إ.ب.أ)

روبيو يزور كولومبيا والإكوادور وبيرو الأسبوع المقبل

يتوجه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأسبوع المقبل، في جولة بأميركا اللاتينية تشمل كولومبيا والإكوادور والبيرو، التي يقيم قادتها علاقات وثيقة مع ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» - 31 مارس (رويترز)

ترمب وهيغسيث يعيدان رسم هرم القيادة العسكرية الأميركية

يرى مؤيدو إصلاحات هيغسيث أنها جوهرية لتقليص بيروقراطية متضخمة، أما المنتقدون فيرون أن كثافة التغييرات تضيق مساحة المشورة العسكرية المستقلة.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند يوم 28 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: أميركا «انتصرت بالفعل» على إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة «انتصرت بالفعل» على إيران، لأنها منعتها من امتلاك سلاح نووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيسة الفنزويلية بالنيابة ديلسي رودريغيز تتحدّث مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت خلال اجتماع في كاراكاس - فنزويلا 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ) p-circle

كيف بدأت أميركا جني ثمار الاتفاق النفطي مع فنزويلا؟

توسّع واشنطن حضورها في قطاع النفط الفنزويلي عبر اتفاقات واستثمارات ضخمة، فيما تراهن كاراكاس على زيادة الإنتاج والعائدات مع تأكيد سيادتها على الحقول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)

«اعتقل المهاجرين وابنِ الجدار»... ألعاب جديدة على موقع البيت الأبيض الرسمي

أطلقت الإدارة الأميركية يوم الخميس، سلسلة من الألعاب الإلكترونية التي تحاكي بعض أولوياتها، من بينها تشديد الرقابة على الحدود وبناء الجدار الحدودي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

معركة الخرائط الانتخابية في أميركا تحتدم قبل أسابيع من اقتراع التجديد النصفي

مكتب اقتراع في ساوث كارولاينا خلال الانتخابات التمهيدية الجمهورية يوم 25 أغسطس (رويترز)
مكتب اقتراع في ساوث كارولاينا خلال الانتخابات التمهيدية الجمهورية يوم 25 أغسطس (رويترز)
TT

معركة الخرائط الانتخابية في أميركا تحتدم قبل أسابيع من اقتراع التجديد النصفي

مكتب اقتراع في ساوث كارولاينا خلال الانتخابات التمهيدية الجمهورية يوم 25 أغسطس (رويترز)
مكتب اقتراع في ساوث كارولاينا خلال الانتخابات التمهيدية الجمهورية يوم 25 أغسطس (رويترز)

حقّق الديمقراطيون، الخميس، مكسبين قضائيين متزامنين في معركة إعادة رسم الدوائر الانتخابية، لكن بتأثيرين وتوقيتين مختلفين.

ففي ميسوري، أبطلت المحكمة العليا في الولاية خريطة جمهورية كان يُراد استخدامها في انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يعزز فرص الديمقراطيين في الاحتفاظ بأحد مقعديهم. أما في ميريلاند، فسمحت المحكمة بعرض تعديل دستوري على الناخبين قد يمهّد لإلغاء المقعد الجمهوري الوحيد في الولاية، ولكن ابتداءً من انتخابات عام 2028.

ميسوري تعود إلى الخريطة القديمة

قضت المحكمة العليا في ميسوري، بإجماع أعضائها، بأن الخريطة التي أقرها المجلس التشريعي ذو الغالبية الجمهورية العام الماضي لم تدخل حيز التنفيذ؛ لأن معارضيها قدموا في الوقت المحدد أكثر من 300 ألف توقيع لإخضاعها لاستفتاء شعبي.

وبموجب الحكم، ستُجرى انتخابات نوفمبر وفق خريطة عام 2022، فيما يقرر الناخبون في اليوم نفسه ما إذا كانوا سيوافقون على الخريطة الجديدة لاستخدامها مستقبلاً. وكانت الحدود الجديدة قد صُممت لمنح الجمهوريين فرصة الفوز بسبعة من مقاعد الولاية الثمانية في مجلس النواب، بدلاً من ستة، عبر تفكيك أجزاء من الدائرة الخامسة في مدينة كانساس التي يمثلها الديمقراطي إيمانويل كليفر.

وقالت المحكمة إن حق المواطنين في طلب الاستفتاء يشكل جزءاً أساسياً من العملية التشريعية في الولاية، منتقدة تأخر وزير داخلية ميسوري الجمهوري ديني هوسكينز في البت بصلاحية العريضة. وخلصت إلى أن خريطة 2022 هي الوحيدة النافذة قانوناً في انتخابات نوفمبر.

لكن القرار أحدث ارتباكاً انتخابياً؛ لأن الانتخابات التمهيدية في أغسطس (آب) أُجريت وفق الخريطة الجمهورية الجديدة، فيما سيخوض المرشحون الانتخابات العامة ضمن حدود مختلفة. وأعلنت المدعية العامة للولاية كاثرين هاناواي عزمها على اللجوء إلى المحكمة العليا الأميركية، ووصفت الحكم بأنه تسبب في «أزمة دستورية»، غير أن ضيق الوقت قبل طباعة بطاقات الاقتراع يحد من فرص تغيير المسار سريعاً.

ميريلاند... معركة مؤجلة إلى 2028

في ميريلاند، لم تعتمد المحكمة خريطة ديمقراطية جديدة، بل سمحت بإدراج «سؤال ثالث» على بطاقة اقتراع نوفمبر يتعلّق بحدود الدوائر الانتخابية. وإذا وافق عليه الناخبون، فسيؤكد التعديل أن معايير الولاية المتعلقة بتماسك الدوائر وحدودها الجغرافية تنطبق على الدوائر التشريعية المحلية، وليس بالضرورة على دوائر الكونغرس.

وقد يمنح ذلك الديمقراطيين مساحة أوسع لإعادة رسم الخريطة قبل انتخابات 2028، واستهداف الدائرة التي يمثلها الجمهوري آندي هاريس، العضو الجمهوري الوحيد ضمن وفد الولاية المؤلف من ثمانية نواب.

ورفضت المحكمة اعتراضات جمهورية تتعلق بالمواعيد والإجراءات التشريعية، لكنها أقرت بأن الصياغة الأصلية للسؤال كانت مضللة، وأمرت باستبدالها بصياغة أكثر مباشرة. وبذلك تركت القرار النهائي للناخبين، من دون أن تمنح الديمقراطيين مكسباً انتخابياً فورياً في انتخابات 2026.

جبهة جديدة في صراع وطني

يتجاوز الحكمان حدود الولايتين؛ إذ يأتيان ضمن صراع وطني على إعادة رسم الدوائر، بعدما شجع الرئيس دونالد ترمب الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون على تعديل خرائطها لتعزيز فرص الحزب في الاحتفاظ بالغالبية الضيقة في مجلس النواب.

ويمنح حكم ميسوري الديمقراطيين فائدة مباشرة، عبر حماية مقعد كليفر من الخريطة الجمهورية خلال الانتخابات المقبلة، فيما يوفر حكم ميريلاند فرصة محتملة لمعادلة بعض المكاسب الجمهورية لاحقاً.

لذلك، لا يتعلق الأمر بانتصارين متساويين. فالأول يغيّر قواعد انتخابات وشيكة، والثاني يسمح بخوض معركة سياسية أمام الناخبين تمهيداً لخريطة قد لا تظهر نتائجها قبل عام 2028. وفي الحالتين، تؤكد المحكمتان أن المجالس التشريعية لا تملك الكلمة الأخيرة في رسم الدوائر. غير أن الأحكام لا تنهي الصراع. فهي تنقله من قاعات التشريع إلى صناديق الاقتراع، وربما إلى المحكمة العليا الأميركية، في معركة باتت فيها حدود الدوائر جزءاً أساسياً من المنافسة على السيطرة على الكونغرس.


روبيو يزور كولومبيا والإكوادور وبيرو الأسبوع المقبل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

روبيو يزور كولومبيا والإكوادور وبيرو الأسبوع المقبل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن (إ.ب.أ)

يتوجه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأسبوع المقبل، في جولة بأميركا اللاتينية تشمل كولومبيا والإكوادور والبيرو، التي يقيم قادتها علاقات وثيقة مع الرئيس دونالد ترمب، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية، الجمعة.

وتأتي الجولة المقررة من الثلاثاء إلى الخميس بعد أيام فقط من إبرام واشنطن اتفاقاً مثيراً للجدل مع فنزويلا يمنح الولايات المتحدة السيطرة على نحو خُمس احتياطاتها النفطية الهائلة.

وشهدت أميركا اللاتينية في الأشهر الأخيرة موجة انتصارات انتخابية للمحافظين، مع تولي كيكو فوجيموري الرئاسة في البيرو، وأبيلاردو دي لا إسبرييلا الرئاسة في كولومبيا، وهما مرشحان حظيا بدعم ترمب.

وقالت وزارة الخارجية إن الجولة، التي سيلتقي خلالها روبيو أيضاً الرئيس الإكوادوري اليميني دانيال نوبوا، تهدف إلى «تعزيز الشراكات الأميركية الرئيسية» وبحث زيادة التعاون في مكافحة عصابات المخدرات وتعميق العلاقات التجارية.

وقال المتحدث باسم الوزارة تومي بيغوت، في بيان: «سيؤكد الوزير طوال الجولة التزام إدارة ترمب بنصف كرة غربي آمن ومزدهر وديمقراطي»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت واشنطن بوضوح عزمها فرض الهيمنة الأميركية في أميركا الجنوبية بموجب ما يُسمى «عقيدة دونرو»، وهي صيغة حدّث بها ترمب «عقيدة مونرو» العائدة إلى القرن التاسع عشر، والتي دعت القوى الاستعمارية الأوروبية إلى عدم التدخل في نصف الكرة الغربي.

وفي كولومبيا، سيبحث روبيو دعم الولايات المتحدة لاستجابة بوغوتا لتداعيات الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد الشهر الماضي، وأسفر عن مقتل أكثر من 330 شخصاً وتشريد الآلاف، وفق بيغوت.

وكانت علاقة إدارة ترمب بحكومة الرئيس اليساري السابق غوستافو بيترو سيئة للغاية، ورحبت بقوة بفوز دي لا إسبرييلا في الانتخابات.

ومنذ توليه منصبه في السابع من أغسطس (آب)، انتهج الرئيس الجديد بدعم أميركي سياسة متشددة حيال الجماعات المسلحة التي يمولها الاتجار بالمخدرات.

وتُعد كولومبيا أكبر منتج للكوكايين في العالم، وقد شهدت تصاعداً في الاشتباكات العنيفة بين جماعات متمردة وعصابات تتنافس للسيطرة على طرق تهريب المخدرات المربحة.

وانضمت كولومبيا أيضاً إلى «درع الأميركيتين»، وهو تحالف أنشأه ترمب لمكافحة عصابات المخدرات ويضم دولاً في أميركا اللاتينية بينها الأرجنتين والإكوادور والسلفادور. ويتوجه روبيو بعد ذلك إلى الإكوادور.

وانضمت كيتو إلى واشنطن في عمليات ضد قوارب تقول الدولتان إنها مرتبطة بعصابة «لوس تشونيروس» الإجرامية الناشطة في تجارة المخدرات.


ترمب وهيغسيث يعيدان رسم هرم القيادة العسكرية الأميركية

وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» - 16 أبريل الماضي (أ.ب)
وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» - 16 أبريل الماضي (أ.ب)
TT

ترمب وهيغسيث يعيدان رسم هرم القيادة العسكرية الأميركية

وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» - 16 أبريل الماضي (أ.ب)
وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية بالشرق الأوسط في «البنتاغون» - 16 أبريل الماضي (أ.ب)

لم تكن استقالة وزير الجيش الأميركي دان دريسكول، ثم إعلان الرئيس دونالد ترمب ترشيح القائم بأعمال وزير البحرية هونغ كاو لتولي المنصب بصورة دائمة، مجرد تغييرين متزامنين في قيادة المؤسسة العسكرية الكبرى في العالم؛ فالقراران يُلخّصان اتجاهاً امتدّ منذ وصول بيت هيغسيث إلى وزارة الحرب في يناير (كانون الثاني) 2025، شمل تقليص القيادات العليا، وتوسيع رقابته على التعيينات والترقيات، وإزاحة المسؤولين غير المنسجمين مع أولوياته.

مؤيدو هذه التغييرات يصفونها بأنها استعادة للسيطرة المدنية ومحاسبة بيروقراطية متضخمة. أما المنتقدون فيرون أن كثافة التغييرات وطريقتها تضيقان مساحة المشورة العسكرية المستقلة، وتربطان الاستمرار في المنصب بالولاء السياسي والشخصي. وبين الروايتين، تكشف حالة دريسكول أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الثقافة المؤسسية، بل أيضاً حول من يقود التحديث، ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما تختلف التقديرات المهنية مع توجه القيادة السياسية.

خروج دريسكول وصعود كاو

أعلن دريسكول استقالته من دون أن يقدم سبباً علنياً، وحدد الثالث من سبتمبر (أيلول) آخر يوم كامل له في المنصب. وفي رسالته الرسمية، أشاد بترمب وهيغسيث وبجنود الجيش. لكن صحيفة «واشنطن بوست» نقلت عن مصادر مطلعة أن ترمب كان قد شجعه قبل أسابيع على البقاء حتى انتخابات التجديد النصفي، وأن دريسكول اشتكى للرئيس من أن إدارة هيغسيث تضر بالجيش. البيت الأبيض وصف هذه الرواية بأنها غير صحيحة.

هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سنتكوم» الجنرال تشارلز كوبر خلال مؤتمر في «البنتاغون» - 16 أبريل (رويترز)

وكان دريسكول أحد أبرز وجوه التحول نحو شراء أسرع وأرخص للمعدّات العسكرية، وإدخال الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، وفتح الباب أمام شركات تقنية أصغر بدلاً من الاعتماد الحصري على كبار المتعهدين. لذلك، لا تبدو استقالته منفصلة عن إقالة رئيس أركان الجيش راندي جورج، وخروج قادة آخرين ارتبطوا بالأجندة نفسها.

وعيّن ترمب آدم تيلي، مساعد وزير الجيش للأشغال المدنية، قائماً بأعمال الوزير «بمفعول فوري». وسبق لتيلي أن عمل في البيت الأبيض خلال ولاية ترمب الأولى ورئيساً لموظفي السيناتور الجمهوري بيل هاغرتي. لكن التعيين يبقي قمة الجيش في وضع مؤقت؛ إذ يتولى الجنرال كريستوفر لانييف أيضاً رئاسة الأركان بالوكالة.

في المقابل، يقدم ترشيح كاو، المحارب القديم واللاجئ الفيتنامي السابق، نموذجاً أقرب إلى ما تفضله الإدارة: ضابط متقاعد أمضى 25 عاماً في العمليات الخاصة البحرية، ومرشح جمهوري سابق، وعمل منسجماً مع هيغسيث منذ توليه المنصب بالوكالة بعد إطاحة جون فيلان.

هرم قيادي أكثر انضباطاً

بدأت إعادة تشكيل قيادات وزارة الحرب علناً في فبراير (شباط) 2025، عندما أقال ترمب رئيس هيئة الأركان المشتركة تشارلز براون، وأعقب هيغسيث ذلك بإقالة قائدة البحرية ليزا فرانشيتي، ونائب رئيس أركان القوات الجوية جيمس سلايف، والسعي إلى استبدال كبار المحامين العسكريين. ثم توالت المغادرات والإقالات، وبينها قادة للجيش والقوات الجوية وقيادات قتالية وأجهزة استخبارية. وتختلف الإحصاءات لأن بعضها يحصي المعزولين فقط، وبعضها يضم المستقيلين والمتقاعدين مبكراً؛ لذا لا يصح جمعها في رقم واحد.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث إلى القوات في القاعدة البحرية الأميركية بقاعدة غوانتانامو بكوبا - 10 يونيو (رويترز)

إلى جانب تغيير الأشخاص، أمر هيغسيث في مايو (أيار) 2025 بخفض 20 في المائة من مواقع الجنرالات ذوي الأربع نجوم في الخدمة الفعلية، والنسبة نفسها من الضباط الجنرالات في الحرس الوطني، مع خفض إجمالي لا يقل عن 10 في المائة لجميع رتب الجنرالات والأدميرالات. وقدرت وكالة «أسوشييتد برس» أن الخطة قد تلغي أكثر من 120 موقعاً قيادياً.

الحجة الرسمية لهذه التغييرات هي تحويل الموارد المهدورة لتعزيز تمويل الوحدات القتالية، وربط الهيكل بخطة جديدة للقيادات الموحدة. لكن حجم وسرعة التعديلات ليسا القضية الوحيدة؛ فقد رافق تقليص القيادات خطاب عن استعادة «روح المحارب» وإنهاء سياسات التنوع، كما طالت الإقالات عدداً من أبرز النساء والضباط السود. يقول هيغسيث إن للرئيس والوزير حق اختيار فريق يثقون به.

في المقابل، تقول كاري لي، كبيرة الباحثين والمديرة التنفيذية في «شبكة الديمقراطية والأمن» التابعة لصندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن النمط يعكس «شخصنة» للقوة، لأن البقاء في صفوف «البنتاغون» القيادية بات يتأثر بالمواقف الشخصية وبمدى تأييد السياسات المفضلة، لا بسوء الأداء أو رفض تنفيذ الأوامر فقط. وتقترح لي اختباراً فاصلاً: هل يُعاقب الضابط على إخفاق في مهمته الحالية؟ أم على أداء سابق لا يروق للوزير؟

توصيات الترقية

لم يقتصر تدخل هيغسيث على شاغلي المناصب الحالية. ووفق «نيويورك تايمز»، حذف الوزير خلال العام الحالي، أسماء ما لا يقل عن 45 ضابطاً من توصيات الترقية التي رفعتها إليه القوات، وكان أكثر من نصفهم من النساء أو الضباط السود. كما أفادت تقارير أحدث بإزالة مرشحين لرتبتي لواء وعميد في الجيش، من دون إعلان أسباب فردية.

بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» - 31 مارس (رويترز)

ويقول «البنتاغون» إن مجالس الترقيات تُقدّم توصيات لا قرارات ملزمة، وإن للرئيس ووزير الدفاع صلاحيات واسعة في اختيار كبار القادة. وهذا صحيح من حيث المبدأ القانوني. لكن لي تضع اختباراً ثانياً للعملية: هل يتم اختيار البدلاء على أساس الكفاءة؟ أم على أساس تأييدهم مواقف سياسية بعينها؟ فالضابط الذي يرى أسماء ناجحة مهنياً تُشطب بلا تفسير قد يستنتج أن الاختلاف في الرأي يحمل تكلفة مهنية. ولهذا عبّر مشرّعون جمهوريون، بينهم سوزان كولينز وتوم تيليس ودون بيكون، عن قلق من غياب الشفافية، بينما دافع آخرون عن حق الإدارة في بناء فريقها.

وبهذا المعنى، تمثل قوائم الترقيات أداة أعمق من الإقالة: فهي لا تغير القيادة الراهنة فحسب، بل تحدد مسبقاً من سيصل إلى غرف القرار بعد أعوام. وإذا اقترنت بمعايير واضحة ومرتبطة بالأداء، فقد تصبح وسيلة إصلاح. أما إذا بقيت الأسباب سرية أو بدت انتقائية، فإنها قد تشجع الامتثال وتضعف قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بخبرات متنوعة.