المشروع «الكبير والجميل» يودي بسيناتور جمهوري

توم تيليس عارض ترمب وأعلن تقاعده السياسي

يسعى الجمهوريون لإقرار مشروع الموازنة قبل الرابع من يوليو (أ.ف.ب)
يسعى الجمهوريون لإقرار مشروع الموازنة قبل الرابع من يوليو (أ.ف.ب)
TT

المشروع «الكبير والجميل» يودي بسيناتور جمهوري

يسعى الجمهوريون لإقرار مشروع الموازنة قبل الرابع من يوليو (أ.ف.ب)
يسعى الجمهوريون لإقرار مشروع الموازنة قبل الرابع من يوليو (أ.ف.ب)

ساعات طويلة بانتظار المشرعين الأميركيين قبل تسليم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، النصر التشريعي الأول والأبرز في عهده الثاني.

فبعد التصويت الإجرائي في مجلس الشيوخ على مشروع الموازنة «الكبير والجميل» كما يصفه ترمب، الذي حصل بالكاد على الأصوات المطلوبة للاستمرار، يواجه المشروع تحديات جمة في ساعات ماراثونية من التصويت على تعديلات في مضمونه. وتتأهب القيادات الجمهورية للدفاع عن المشروع والتصدي للعرقلة الديمقراطية والخروق الجمهورية، خاصة بعد المعارضة العلنية الشرسة للسيناتور الجمهوري، توم تيليس، التي أودت بمستقبله السياسي في الكونغرس بعد أن قرر التقاعد إثر هجمات عنيفة من ترمب.

انشقاق جمهوري

السيناتور الجمهوري توم تيليس يتحدث مع الصحافيين في 3 يونيو 2025 في الكونغرس (أ.ف.ب)

فالرئيس الأميركي لا يتسامح مع أي منشق جمهوري في هذا المشروع، الذي عمل جاهداً لطرحه في الكونغرس، وهو الذي أدى بشكل من الأشكال إلى الشرخ العلني في العلاقة بينه وبين حليفه السابق إيلون ماسك الذي انتقد تفاصيله وأغضب الإدارة.

واليوم كانت الضحية السيناتور توم تيليس المصر على موقفه الرافض للمشروع بسبب التخفيضات المتعلقة بالرعاية الصحية الحكومية (ميديكيد) والتي حذر من تداعياتها على الأميركيين، مشيراً إلى أن نحو 660 ألفاً من سكان ولايته كارولاينا الشمالية سيخسرون التغطية بسبب المشروع. وقال تيليس: «لا شك أن هذا المشروع سيخون الوعد الذي قطعه دونالد ترمب». وتابع: «أقول للرئيس إنك تلقيت معلومات غير صحيحة. دعمك لمشروع مجلس الشيوخ سيُلحق الضرر بأشخاص مؤهلين ويستحقون الحصول على الرعاية الصحية (ميديكيد)».

لكن ترمب كان لتيليس بالمرصاد فوصفه في منشور ناري على منصته «تروث سوشيال» بـ«كثير الكلام والشكوى وليس من أصحاب الأفعال».

ويعلم تيليس جيداً أن المواجهة العلنية مع الرئيس الأميركي، في ولاية صوّتت لصالحه في الانتخابات الرئاسية، لها نتيجة واحدة: خسارته في الانتخابات التشريعية، لهذا فقد عمد إلى الإعلان عن تقاعده بعد نحو 12 عاماً أمضاها في مقعده في مجلس الشيوخ بهدف الاستمرار بمعارضة المشروع، ليخرج ترمب محتفلاً ويقول: «يا لها من أخبار جيدة! (السيناتور) توم تيليس لن يخوض السباق الانتخابي».

مشوار صعب

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في البيت الأبيض في 26 يونيو 2025 (رويترز)

ورغم هذه المعارضة، تبدو حظوظ المشروع بالإقرار في مجلس الشيوخ عالية نسبياً، ولعلّ خير دليل على ذلك هو التصويت الإجرائي الذي أظهر تأييد 51 جمهورياً له، أغلبية بسيطة تضمن إقراره، إلا في حال حصول مفاجآت في الساعات الطويلة التي تنتظر مجلس الشيوخ في مسار التصويت على التعديلات. وقد أعرب ترمب عن تفاؤله بمصير المشروع فقال على «تروث سوشيال»: «إن القانون الكبير والجميل يمضي بشكل جيد! اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً!» وبانتظار نتيجة التصويت في «الشيوخ»، يحبس رئيس مجلس النواب الجمهوري ماسك جونسون أنفاسه، فالمشروع بنسخته الجديدة سيتوجه إليه مجدداً وأمامه مهمة صعبة في جمع الأصوات الجمهورية الكافية لإقراره في مجلس النواب. ولديه وقت محدود لتسليمه إلى البيت الأبيض في الرابع من يوليو (تموز)، يوم عيد الاستقلال الأميركي الذي أراد ترمب توقيع المشروع رسمياً خلاله لضمان رمزيته.


مقالات ذات صلة

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

العالم منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

تطرح أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند تحدياً جديداً وربما غير مسبوق لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقد يكون حتى وجودياً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ سيارة مدرعة تابعة للشرطة تصل إلى موقع إطلاق نار في مينيابوليس بالولايات المتحدة (أ.ب)

أميركا: مقتل امرأة برصاص رجل أمن خلال حملة لملاحقة المهاجرين في مينيابوليس

أعلنت السلطات الأميركية اليوم الأربعاء أن ضابطاً فيدرالياً أطلق النار على سائقة سيارة في مينيابوليس وأرداها قتيلة، بعد أن حاولت دهس عناصر من قوات إنفاذ القانون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصلان إلى قصر الإليزيه (إ.ب.أ) play-circle

تحديات الوحدة في مواجهة التهديدات الأميركية والروسية

أوروبا وأوكرانيا بين تصعيد ترمب وحسابات الأمن الغربي

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيسان الأوكراني زيلينسكي والفرنسي ماكرون قبل اجتماع ثلاثي في الإليزيه (أرشيفية - د.ب.أ) play-circle

الغربيون ينسقون خطواتهم بشأن أوكرانيا مع توافر الدعم الأميركي

«تحالف الراغبين» يحقق قفزة مهمة بعد موافقة واشنطن على المشاركة في الضمانات الأمنية ماكرون: فرنسا مستعدة للمشاركة «بعدة آلاف» من جنودها في أوكرانيا

ميشال أبونجم (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن على هامش اجتماع لحلف شمال الأطلسي في لاهاي (أ.ب)

غرينلاند في عين ترمب... والأوروبيون يخشون تفكّك «الناتو»

حاول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تهدئة المشرعين في الكونغرس بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها مسؤولو الإدارة باستخدام الجيش للسيطرة على غرينلاند.

علي بردى (واشنطن)

أميركا: مقتل امرأة برصاص رجل أمن خلال حملة لملاحقة المهاجرين في مينيابوليس

سيارة مدرعة تابعة للشرطة تصل إلى موقع إطلاق نار في مينيابوليس بالولايات المتحدة (أ.ب)
سيارة مدرعة تابعة للشرطة تصل إلى موقع إطلاق نار في مينيابوليس بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

أميركا: مقتل امرأة برصاص رجل أمن خلال حملة لملاحقة المهاجرين في مينيابوليس

سيارة مدرعة تابعة للشرطة تصل إلى موقع إطلاق نار في مينيابوليس بالولايات المتحدة (أ.ب)
سيارة مدرعة تابعة للشرطة تصل إلى موقع إطلاق نار في مينيابوليس بالولايات المتحدة (أ.ب)

أعلنت السلطات الأميركية اليوم الأربعاء أن ضابطاً فيدرالياً أطلق النار على سائقة سيارة في مينيابوليس وأرداها قتيلة، بعد أن حاولت دهس عناصر من قوات إنفاذ القانون خلال حملة أمنية لمكافحة الهجرة في المدينة، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقالت المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي، تريشيا ماكلولين، في بيان لها، إن ضابط إدارة الهجرة والجمارك أطلق النار على المرأة داخل سيارتها في حي سكني بمدينة مينيابوليس.

ويمثل هذا الحادث تصعيداً خطيراً في أحدث سلسلة من عمليات إنفاذ قوانين الهجرة في المدن الأميركية الكبرى في عهد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتعتبر المرأة خامس قتيل على الأقل في عدد من الولايات منذ عام 2024.

وتشهد مدينتا مينيابوليس وسانت بول حالة من التوتر منذ أن أعلنت وزارة الأمن الداخلي يوم الثلاثاء عن بدء العملية، حيث من المتوقع أن يشارك فيها نحو ألفي عنصر، وذلك على خلفية مزاعم احتيال تتعلق بمقيمين صوماليين.

تجمّع حشدٌ كبيرٌ من المتظاهرين في موقع الحادث بعد إطلاق النار، حيث عبّروا عن غضبهم تجاه الضباط المحليين، والفيدراليين الموجودين هناك، بمن فيهم غريغوري بوفينو، المسؤول الكبير في إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، والذي كان رمزاً لحملات القمع في لوس أنجليس، وشيكاغو، وغيرهما.

وفي مشهدٍ يُذكّر بحملات القمع في لوس أنجليس وشيكاغو، هتف المارة ضد الضباط وأطلقوا صافراتٍ أصبحت شائعةً خلال تلك العمليات.

وهتفوا بصوتٍ عالٍ من خلف الشريط الأمني: «عار! عار! عار!» و«اخرجوا من مينيسوتا يا إدارة الهجرة والجمارك!».

بعد إطلاق النار، صرّح رئيس البلدية جاكوب فراي بأنّ عناصر الهجرة «يُثيرون الفوضى في مدينتنا».

لقطة جوية تُظهر اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة بعد إطلاق النار على سائقة سيارة وسط حملة مكثفة لإنفاذ قوانين الهجرة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز)

وقال فراي على وسائل التواصل الاجتماعي: «نطالب بمغادرة إدارة الهجرة والجمارك للمدينة والولاية فوراً. نحن نقف صفاً واحداً مع مجتمعات المهاجرين واللاجئين».

المنطقة التي وقع فيها إطلاق النار هي حيّ متواضع جنوب مركز مدينة مينيابوليس، على بُعد بضعة شوارع فقط من بعض أقدم أسواق المهاجرين في المنطقة، وعلى بُعد ميل واحد (1.6 كيلومتر) من المكان الذي قُتل فيه جورج فلويد على يد الشرطة عام 2020.

أفاد القس هيرالد أوسورتو، راعي كنيسة القديس بولس-سان بابلو اللوثرية، والتي تضمّ أغلبية من المصلّين اللاتينيين في المنطقة: «نحاول أن نعيش حياتنا على أكمل وجه ممكن في ظلّ الخوف والقلق اللذين نشعر بهما».

وعقدت شبكة الدفاع عن المهاجرين، وهي ائتلاف من منظمات تُعنى بالمهاجرين في مينيسوتا، دورة تدريبية مساء الثلاثاء لنحو 100 شخص مستعدّين للنزول إلى الشوارع لمراقبة تطبيق القانون الفيدرالي. وقالت ماري موران: «أشعر بأنني إنسانة عادية، ولديّ القدرة على فعل شيء ما، لذا عليّ أن أفعله».


تحديات الوحدة في مواجهة التهديدات الأميركية والروسية

صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
TT

تحديات الوحدة في مواجهة التهديدات الأميركية والروسية

صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وجدت أوروبا وأوكرانيا نفسيهما أمام معادلة شديدة الحساسية: رئيس أميركي لا يتردد في استخدام القوة أو التهديد بها، مقابل قارة تحتاج إلى الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى لضمان أمن أوكرانيا ومنع تكرار أي عدوان روسي مستقبلي.

هذه المفارقة تفسر الحذر الأوروبي الواضح في التعامل مع سلسلة خطوات وتصريحات مثيرة للقلق، من التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، إلى التلويح بالضغط على غرينلاند، وصولاً إلى خطاب يعيد إلى الأذهان منطق «مناطق النفوذ» أكثر مما يستحضر قواعد النظام الدولي الليبرالي.

الرئيسان ماكرون وزيلينسكي يصلان معاً إلى قاعة الاجتماع وتظهر في الصورة أعلام الدول المشاركة فيه في قصر الإليزيه (رويترز)

في هذا السياق، لم تكن اجتماعات باريس الأخيرة محطة تفاوضية عادية، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الأوروبيين على الحفاظ على وحدة الموقف الغربي، وفي الوقت نفسه إبقاء الإدارة الأميركية منخرطة بجدية في ملف أوكرانيا، رغم الانشغالات الأميركية المتزايدة في مناطق أخرى من العالم.

حذر أوروبي في العلن وقلق في الكواليس

في المشهد العلني، بدا القادة الأوروبيون حريصين على ضبط اللغة والنبرة. فعقب قمة باريس، وعندما سُئل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تصريحات ترمب المتعلقة بغرينلاند وفنزويلا، اكتفى بالقول: «هذه الملفات ليست مرتبطة مباشرة بما نناقشه اليوم»، قبل أن يضيف في مقابلة تلفزيونية: «لا أستطيع أن أتخيل سيناريو تنتهك فيه الولايات المتحدة سيادة الدنمارك». هذا الموقف لم يكن تعبيراً عن اطمئنان بقدر ما كان انعكاساً لرغبة واضحة في تجنب أي صدام سياسي مع واشنطن.

لكن خلف هذا الخطاب المتزن، يعترف مسؤولون وخبراء أوروبيون بوجود قلق عميق.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً المستشار الألماني فريدريتش ميرتس في الإليزيه (د.ب.أ)

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، مارك ليونارد، قوله إن «هناك فجوة هائلة بين ردود الفعل العلنية والخاصة للقادة الأوروبيين»، موضحاً أن «الكثيرين يشعرون بالذعر مما قد يحدث لاحقاً، خصوصاً فيما يتعلق بغرينلاند، لكنهم في العلن يتجنبون أي انتقاد لترمب». وأضاف ليونارد: «الأوروبيون يدركون أن هذه لحظة خطرة للغاية بالنسبة لأوكرانيا، ولذلك فهم يفضلون الصمت على المجازفة بإغضاب واشنطن. كل ما لديهم من نفوذ يريدون استخدامه لصالح كييف».

الاستثناء الأوضح كان رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي تحدثت بلهجة غير مسبوقة، محذّرة من أن أي تحرك أميركي ضد غرينلاند «سيكون بمثابة نهاية لحلف شمال الأطلسي». وقالت: «إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة عضو في الناتو، فسينهار النظام الأمني الذي وفر الاستقرار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية».

هذا التردد يعكس هشاشة الموقف الأوروبي. فعلى الرغم من كل الحديث عن «الاستقلالية الاستراتيجية»، لا تزال أوروبا تعتمد على المظلة الأميركية، عسكرياً واستخباراتياً، في مواجهة روسيا. وأي إشارة إلى تباعد أو صدام مع واشنطن قد تُقرأ في موسكو على أنها فرصة لتعزيز الضغوط العسكرية والسياسية على كييف.

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

أوكرانيا بلا أوهام واستعداد للأسوأ

في قلب هذا المشهد، تقف أوكرانيا التي تحاول تحقيق توازن بالغ الدقة بين الانخراط في المفاوضات وعدم الوقوع في فخ التفاؤل المفرط. الرئيس فولوديمير زيلينسكي أكد أن فريق التفاوض الأوكراني يناقش «أكثر القضايا تعقيداً»، وعلى رأسها مسألة الأراضي ومحطة زابوريجيا النووية. وقال في منشور على منصة «إكس»: «وجهت الفريق إلى بحث الصيغ المحتملة لعقد اجتماعات على مستوى القادة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية».

غير أن نبرة زيلينسكي باتت أكثر تشككاً في الأيام الأخيرة؛ ففي تصريح للصحافيين في كييف، قال: «نحن نتحدث ونسعى إلى السلام، لكننا في الوقت نفسه نستعد لاحتمال أن ترفض روسيا إنهاء الحرب». وأضاف: «لا أريد ولن أنتظر ستة أشهر أخرى على أمل أن ينجح المسار الدبلوماسي. هناك مساران: إنهاء الحرب، أو الاستعداد لخطوات روسية سلبية».

زيلينسكي شدد على أن أوكرانيا «لن تكون عائقاً أمام السلام»، لكنه ربط أي اتفاق بضرورة أن يكون «سلاماً مشرّفاً»، معتبراً أن «الأمر يعتمد على الشركاء، وعلى ما إذا كانوا قادرين على ضمان استعداد روسي حقيقي لإنهاء الحرب».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلقي كلمة في مؤتمر صحافي عقب توقيع إعلان نشر القوات في أوكرانيا (إ.ب.أ)

الضمانات الأمنية

تركزت المفاوضات الجارية في باريس، بمشاركة أميركية وأوروبية، على الضمانات الأمنية لما بعد وقف إطلاق النار. هذه الضمانات تشمل، وفق المسودات المتداولة، التزامات طويلة الأمد بدعم الجيش الأوكراني، ونشر قوة متعددة الجنسيات بقيادة فرنسية - بريطانية، على أن تضطلع الولايات المتحدة بدور «الضامن الخلفي»، سواء عبر المراقبة أو الدعم اللوجيستي والتقني، وربما العسكري إذا تجدد القتال.

من الجانب الأميركي، حاول المبعوث الخاص ستيف ويتكوف تقديم صورة إيجابية عن مخرجات اجتماعات باريس. وقال: «نعتقد أننا أنجزنا إلى حد كبير البروتوكولات الأمنية، وهي مهمة لكي يعلم الشعب الأوكراني أن هذه الحرب ستنتهي إلى الأبد»، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن «خيارات الأراضي ستكون القضية الأكثر حساسية»، معرباً عن أمله في «التوصل إلى تسويات».

من اليسار: المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف ورجل الأعمال الأميركي جاريد كوشنر في مؤتمر صحافي بعد قمة تحالف الراغبين (إ.ب.أ)

ويتكوف شدد على أن «الرئيس ترمب يقف بقوة خلف البروتوكولات الأمنية»، مضيفاً: «هذه الضمانات مصممة للردع والدفاع معاً. الرئيس لا يتراجع عن التزاماته».

في المقابل، يربط مسؤولون أميركيون بوضوح أي دور «ضامن» لواشنطن بمدى استعداد الأوروبيين لتحمل مسؤوليات أكبر. الرئيس الفرنسي ماكرون أقر بذلك حين قال: «الدعم الأميركي بالغ الأهمية، لكن هذا الدعم يفترض التزامات واضحة من الشركاء الأوروبيين».

ترمب وعودة منطق الإمبراطوريات

ما يثير القلق الأوروبي الأعمق هو الشعور بأن السياسة الخارجية الأميركية باتت تحكمها رؤية «إمبراطورية» واضحة. ونقلت صحيفة «الغارديان» عن مديرة معهد الشؤون الدولية في إيطاليا، ناتالي توتشي، قولها إن «السياسة الخارجية الأميركية اليوم إمبراطورية وبشكل متسق»، معتبرة أن هذا النهج «لا يعترف فقط بإمبراطورية أميركية، بل يقبل أيضاً بوجود إمبراطوريات روسية وصينية».

من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)

وتكتسب إشارات تاريخية مثل العرض الروسي السابق، الذي تحدث عنه تقرير لـ«نيويورك تايمز» عن مقايضة النفوذ في فنزويلا بحرية حركة في أوكرانيا، دلالة خاصة، فالتدخل الأميركي الأخير في كاراكاس أعاد إلى الأذهان فكرة الصفقات الجيوسياسية الكبرى، حيث يمكن تجاهل القانون الدولي إذا كان ذلك يخدم توازنات القوى.

في المحصلة، تكشف إدارة الأوروبيين وأوكرانيا لعلاقتهم مع ترمب عن براغماتية قاسية: كبح الانتقادات، وتقديم الأولوية للأمن، والرهان على أن الحاجة المتبادلة ستمنع انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة داخل المعسكر الغربي. لكن هذا الرهان يبقى محفوفاً بالمخاطر، في عالم تتآكل فيه القواعد القديمة، وتتصاعد فيه نزعات القوة، فيما لا تزال أوروبا تبحث عن موقعها بين حليف لا يمكن الاستغناء عنه، وخصم روسي لا يبدو مستعداً للتراجع.


غرينلاند في عين ترمب... والأوروبيون يخشون تفكّك «الناتو»

منازل مغطاة بالثلوج في نوك - غرينلاند (أ.ب)
منازل مغطاة بالثلوج في نوك - غرينلاند (أ.ب)
TT

غرينلاند في عين ترمب... والأوروبيون يخشون تفكّك «الناتو»

منازل مغطاة بالثلوج في نوك - غرينلاند (أ.ب)
منازل مغطاة بالثلوج في نوك - غرينلاند (أ.ب)

أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو المشرعين في الكونغرس أن التهديدات الأخيرة التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد غرينلاند لا تنذر بغزو وشيك، موضحاً أن الهدف هو شراء الجزيرة القطبية من الدنمارك، التي يتزايد قلق المسؤولين فيها وفي أوروبا عموماً من النوايا الأميركية التي يمكن أن تؤدي إلى تفكك حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وجاء كلام روبيو في سياق جلسة مغلقة عقدها مع زعماء الكونغرس، في وقت تحدّث فيه الرئيس ترمب ومسؤولون بصورة متزايدة عن السيطرة على الجزيرة التابعة للدنمارك وتتمتع بالحكم الذاتي. وشارك في الجلسة أيضاً وزير الحرب بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، لحشد الدعم لخطط الإدارة في شأن مستقبل فنزويلا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن على هامش اجتماع لحلف شمال الأطلسي في لاهاي (أ.ب)

وعندما سأله زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، عما إذا كانت إدارة ترمب تُخطّط لاستخدام القوة العسكرية في أماكن أخرى غير فنزويلا، بما في ذلك المكسيك وغرينلاند، سعى روبيو إلى تهدئة مخاوف المشرعين بتقليل احتمال استيلاء الولايات المتحدة على غرينلاند بالقوة، علماً بأن نائب كبيرة موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر لم يستبعد «غزو» الجزيرة.

وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وهو حليف قوي لترمب في الكونغرس، إن ما تفعله الإدارة في شأن غرينلاند «لا يعدو كونه مفاوضات». وأضاف: «نحن بحاجة إلى السيطرة القانونية والحماية القانونية لتبرير بناء المنطقة ونشر قواتنا فيها».

قلق أوروبي

قالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن ترمب «أوضح جلياً أن الاستحواذ على غرينلاند يُمثّل أولوية للأمن القومي للولايات المتحدة، وأنه أمرٌ حيوي لردع خصومنا في منطقة القطب الشمالي»، مضيفة أنه «يناقش وفريقه مجموعة من الخيارات لتحقيق هذا الهدف المهم في السياسة الخارجية، وبالطبع، فإن استخدام الجيش الأميركي هو دائماً خيار متاح للقائد الأعلى للقوات المسلحة».

وناقش ترمب شراء غرينلاند خلال ولايته الرئاسية الأولى، لكنه صار الآن أكثر إصراراً على ضمها إلى الولايات المتحدة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث من القاعدة العسكرية الأميركية في بيتوفيك بغرينلاند يوم 28 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وحيال هذه التصريحات، وجّه زعماء أوروبيون تحذيراً شديد اللهجة لإدارة ترمب، داعين إلى احترام واشنطن لحدود حليفها التاريخي. وأفاد دبلوماسي أوروبي رفيع، طلب عدم نشر اسمه، لوكالة «رويترز»، بأن المسؤولين الأميركيين طرحوا في الأيام الأخيرة إمكان التحرك ضد غرينلاند كاحتمال واقعي متزايد في محادثاتهم مع نظرائهم الأوروبيين. وأضاف أن هذه المحادثات عقّدت النقاش القائم بين الزعماء الأميركيين والدنماركيين والغرينلانديين حول زيادة الاستثمارات العسكرية والاقتصادية الأميركية في أكبر جزيرة في العالم.

ويخشى القادة الدنماركيون أن يتجه ترمب، بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، شمالاً، بعد قوله إن غرينلاند «ضرورة» للأمن القومي للولايات المتحدة. واشتكى ترمب الأحد من أن «غرينلاند مليئة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان».

ودفعت هذه التصريحات الحادة رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن إلى التحذير من أن أي تحرك أميركي في غرينلاند سيهدد مستقبل حلف «الناتو». وأعلن زعماء فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا، إلى جانب فريدريكسن، في بيان الثلاثاء أن «حرمة الحدود» مبدأ عالمي، وأن «غرينلاند ملك لشعبها. ويعود القرار في المسائل المتعلقة بالدنمارك وغرينلاند لهما وحدهما».

وتُعدّ غرينلاند التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة جزءاً من مملكة الدنمارك منذ أكثر من 300 عام. وأظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها صحيفة «بيرلينجسكي» الدنماركية العام الماضي معارضة غالبية ساحقة من سكان غرينلاند ضمها إلى الولايات المتحدة، على رغم من أن الاستطلاع نفسه أظهر تأييد غالبية أقل للاستقلال عن الدنمارك.

ويقول القادة الدنماركيون إنهم زادوا الإنفاق على أمن القطب الشمالي بمقدار 13.7 مليار دولار عام 2025. والتزموا زيادات أخرى في السنوات المقبلة، في استثمارات تُظهر التزامهم أمن غرينلاند، واستجابتهم لمخاوف الولايات المتحدة من عدم تركيزهم بشكل كافٍ على القضايا العسكرية هناك في السنوات الأخيرة.

تغييرات أميركية

وزار مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى العاصمة نوك في غرينلاند مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي لعقد سلسلة من الاجتماعات مع نظرائهم الدنماركيين والغرينلانديين، والتي وصفوها بالمثمرة.

رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن في مارينبورغ بالدنمارك (أ.ب)

ولكن زعماء الدنمارك فوجئوا لاحقاً بتعيين ترمب حاكم لويزيانا جيف لاندري مبعوثاً أميركياً خاصاً إلى غرينلاند، فيما اعتبروه تجديداً لمحاولات البيت الأبيض فصل غرينلاند عن الدنمارك.

جاءت هذه التطورات في وقت يتأقلم فيه كبار قادة وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» مع إعادة تنظيم غير متوقعة أجريت العام الماضي، وتضمنت وضع قيادة العمليات العسكرية الأميركية في غرينلاند تحت سيطرة القيادة الشمالية الأميركية، بدلاً من القيادة الأوروبية، في خطوة أفاد «البنتاغون» بأنها تتماشى مع رغبة الرئيس ترمب في الدفاع عن الولايات المتحدة وبناء أمن قوي في النصف الغربي من الأرض.

وبعد الإعلان بفترة وجيزة، سافر قائد القيادة الشمالية الجنرال غريغوري غيلوت إلى قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند، والتقى كبار القادة العسكريين الدنماركيين. وقال مسؤولون عسكريون أميركيون إن هذه القاعدة النائية تضم ميناء للمياه العميقة شمالاً في العالم، ومدرجاً بطول 10 آلاف قدم، ومجموعة من تقنيات الدفاع الصاروخي الأميركية.