العنف السياسي بالولايات المتحدة... مشهد يتكرر كحوادث إطلاق النار في المدارس

صدمة بعد اغتيال نائبة في ولاية مينيسوتا وزوجها

تم تنكيس الأعلام بعد أن قتل رجل الديمقراطية ميليسا هورتمان عضوة مجلس النواب بعد إطلاق النار عليها وزوجها مارك خارج مبنى الكابيتول بولاية مينيسوتا في سانت بول مينيسوتا في 14 يونيو 2025 (رويترز)
تم تنكيس الأعلام بعد أن قتل رجل الديمقراطية ميليسا هورتمان عضوة مجلس النواب بعد إطلاق النار عليها وزوجها مارك خارج مبنى الكابيتول بولاية مينيسوتا في سانت بول مينيسوتا في 14 يونيو 2025 (رويترز)
TT

العنف السياسي بالولايات المتحدة... مشهد يتكرر كحوادث إطلاق النار في المدارس

تم تنكيس الأعلام بعد أن قتل رجل الديمقراطية ميليسا هورتمان عضوة مجلس النواب بعد إطلاق النار عليها وزوجها مارك خارج مبنى الكابيتول بولاية مينيسوتا في سانت بول مينيسوتا في 14 يونيو 2025 (رويترز)
تم تنكيس الأعلام بعد أن قتل رجل الديمقراطية ميليسا هورتمان عضوة مجلس النواب بعد إطلاق النار عليها وزوجها مارك خارج مبنى الكابيتول بولاية مينيسوتا في سانت بول مينيسوتا في 14 يونيو 2025 (رويترز)

توالت بيانات الصدمة والتعازي بشكل مخيف السبت الماضي، بعد اغتيال نائبة في ولاية مينيسوتا وزوجها، ومحاولة اغتيال نائب آخر وزوجته في حادثتين منفصلتين، ما يعكس واقعاً يزداد فيه العنف السياسي، حتى بات شبه روتيني في الحياة الأميركية، كما ورد في تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الخميس.

فريق التدخل السريع في «بروكلين بارك» بمينيسوتا... يوم السبت (نيويورك تايمز)

وقال النائب الجمهوري ستيف سكاليز، الذي نجا من محاولة اغتيال في مباراة بيسبول عام 2017: «أنباء مروعة». أما رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، التي تعرَّض زوجها لاعتداء بمطرقة عام 2022، فقالت: «أنا وبول نشعر بالحزن الشديد». بدورها، قالت النائبة السابقة غابي غيفوردز، التي أُصيبت برصاصة في الرأس عام 2011: «أنا وعائلتي نعرف جيداً رعب استهداف المرء بإطلاق نار».

ثقوب الرصاص في باب منزل عضو مجلس الشيوخ جون هوفمان في شامبلين بمينيسوتا... يوم السبت (نيويورك تايمز)

شخصيات أخرى أبدت تضامنها، منهم حاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو، الذي تعرَّض لمحاولة إحراق مقر إقامته في مدينة هاريسبرغ عام 2025، وحاكمة ولاية ميشيغان غريتشن ويتمير، التي نجت من مؤامرة اختطاف عام 2020، بالإضافة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نجا من محاولتَي اغتيال خلال حملته الانتخابية عام 2024.

كان مسؤولو إنفاذ القانون يحققون في إطلاق النار على اثنين من أعضاء الهيئة التشريعية بالولاية وزوجتيهما بمينيسوتا... يوم السبت (نيويورك تايمز)

ترمب: لن يتم التساهل مع هذا العنف

وقال الرئيس الأميركي: «لن يتم التساهل مع هذا العنف المروع في الولايات المتحدة». إلا أن قائمة الناجين من العنف السياسي، التي تتسع يوماً بعد يوم، تعكس واقعاً مغايراً.

ففي الأشهر الثلاثة الماضية فقط، شهدت البلاد سلسلةً من الحوادث الدامية، بما في ذلك إضرام النار في منزل حاكم ولاية بنسلفانيا في أثناء نومه مع أسرته بداخله، وإطلاق نار على اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية خارج فعالية في واشنطن، إضافة إلى إحراق متظاهرين في ولاية كولورادو كانوا يطالبون بالإفراج عن رهائن إسرائيليين. كما استُهدف مقر الحزب الجمهوري في ولاية نيو مكسيكو، ومعرض سيارات تابع لشركة «تسلا» بالقرب من مدينة ألباكركي بعبوات ناسفة، ما أسفر عن سقوط قتلى ووقوع أضرار مادية واسعة.

السيناتور تشاك شومر زعيم الأقلية والسيناتورة الديمقراطية تينا سميث من مينيسوتا في واشنطن هذا الأسبوع (نيويورك تايمز)

وعلى خلفية هذه الوقائع المتكررة، جاء اغتيال النائبة الديمقراطية في مينيسوتا، ميليسا هورتمان وزوجها مارك داخل منزلهما صباح السبت، وإصابة عضو مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي جون أ. هوفمان وزوجته إيفيت بالرصاص، ليُشكِّلا صدمةً جديدةً للرأي العام، لكنهما لم يكونا مفاجئَيْن تماماً في ظل تصاعد موجات العنف السياسي في البلاد.

لقد انتقل العنف السياسي، ببطء ولكن بثبات، من هامش المشهد إلى واقع لا مفر منه، فأصبحت التهديدات العنيفة، بل وحتى محاولات الاغتيال أو تنفيذها، جزءاً من المشهد السياسي، وتُشكِّل تياراً خفياً مستمراً في الحياة الأميركية.

الرئيس ترمب في احتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الجيش في «ناشيونال مول» في واشنطن... يوم السبت (نيويورك تايمز)

وأعرب النائب الديمقراطي غريغ لاندسمان من ولاية أوهايو، عن شعور دائم بالخوف من احتمال تعرُّضه لإطلاق نار خلال مشاركاته في الفعاليات الجماهيرية، قائلاً: «في كل مرة أشارك فيها في فعالية انتخابية مكتظة، أتخيل نفسي ملقى على الأرض أنزف». وأضاف واصفاً تلك الرؤية الكابوسية التي تطارده: «تظل هذه الصورة عالقةً في ذهني. لا أعتقد أنها ستزول. أتخيل نفسي وأنا وحيد على الأرض».

وتعكس هذه الصورةُ الازدواجيةَ المقلقةَ للعنف السياسي في أميركا اليوم، فعلى غرار حوادث إطلاق النار في المدارس، بات هذا النوع من العنف أمراً مقززاً، لكنه في الوقت نفسه أصبح شبه روتيني، وهي حقيقة أخرى من حقائق الحياة في بلدٍ يعيش حالةً من القلق، ومجتمع مُستقطَب على نحو خطير.

وكان الرئيس الأميركي نفسه قد تعرَّض لمحاولتَي اغتيال خلال حملته الانتخابية العام الماضي، إحداهما عندما خدشت رصاصة أذنه في أثناء إلقائه خطاباً في مدينة بتلر بولاية بنسلفانيا، والأخرى بعد أسبوعين في ولاية فلوريدا، حين راقبه مسلحٌ يحمل بندقية نصف آلية من خارج ملعب الغولف الخاص به.

فرضت قوات إنفاذ القانون طوقاً أمنياً حول منزل الديمقراطية البارزة ميليسا هورتمان عضوة مجلس النواب بعد إطلاق النار عليها وزوجها مارك في «بروكلين بارك» بمينيسوتا في 14 يونيو 2025 (رويترز)

وبلغت التهديدات العنيفة ضد المشرِّعين مستوى قياسياً العام الماضي، للعام الثاني على التوالي، ومنذ انتخابات عام 2020، أصبح مسؤولو الانتخابات على مستوى الولايات والمحليات هدفاً للتهديدات العنيفة والمضايقات، وكذلك القضاة والمدعون العامون الفيدراليون وغيرهم من مسؤولي المحاكم.

وحتى أبريل (نيسان)، سُجّلت أكثر من 170 حادثة تهديد ومضايقات استهدفت مسؤولين محليين في نحو 40 ولاية هذا العام، وفقاً للبيانات التي جُمعت لمبادرة «سد الفجوات» في جامعة برينستون.

وحتى في الفترات التي تغيب فيها أعمال العنف المباشرة، ظلت الأجواء السياسية مشحونة بالخطاب العنيف والتهديدات المتكررة.

ففي الأيام الخمسة الماضية، شهدت الأوضاع تصاعداً في التوتر السياسي، إذ تم طرح عضو في مجلس الشيوخ أرضاً وتقييده بالأصفاد لمحاولته طرح سؤال حول أحداث لوس أنجليس على وزيرة الأمن الداخلي في مؤتمر صحافي، وفي الوقت نفسه، تم تهديد حاكم ولاية بالاعتقال من قبل الرئيس، كما تعرَّض لاتهامات مهينة من قبل رئيس مجلس النواب، الذي استخدم تعبير «التغطية بالقطران والريش»، وهو تعبير مجازي يُستخدَم للإشارة إلى تعرُّض شخص لمذلّة أو إهانة شديدة، مستوحى من عقوبة قديمة كان يُغطى فيها الشخص بالقطران ثم الريش في نوع من العقاب أو السخرية.

وبينما كانت الدبابات تستعد للتقدم في شارع الدستور بواشنطن في استعراض سياسي للقوة النارية، حذَّر الرئيس الأميركي من أن أي متظاهر هناك سيُواجَه بـ«قوة شديدة».

واتّبع رد الفعل على حادثة إطلاق النار في مينيسوتا يوم السبت نمطاً مألوفاً، حيث أصدر قادة كلا الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) بيانات أدانوا فيها الحادثة الأخيرة، وقدَّموا تعازيهم للضحيتين، ثم توالت الدعوات لتوفير مزيد من الحماية.

من جانبه، حذَّر زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور تشاك شومر من الاكتفاء بإدانة عمليات إطلاق النار، قائلاً: «إدانة العنف دون معالجة أسبابه لا تكفي... يجب أن نبذل مزيداً من الجهود لحماية بعضنا بعضاً، وحماية ديمقراطيتنا، والقيم التي تُوحِّدنا نحن الأميركيين».

وطالب شومر بتوفير حماية أمنية إضافية لعضوتَي مجلس الشيوخ الديمقراطيتين عن ولاية مينيسوتا، إيمي كلوبوشار وتينا سميث، وكذلك للسيناتور الديمقراطي أليكس باديلا من كاليفورنيا، وذلك بعد تعرُّضه للاعتداء وتقييده لفترة وجيزة عندما حاول طرح سؤال على وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، خلال مؤتمر صحافي.

وطلب شومر من رئيس أمن مجلس الشيوخ وزعيم الأغلبية في المجلس، جون ثيون، عقد إحاطة شاملة حول إجراءات تأمين أعضاء مجلس الشيوخ.

وألقت السيناتورة إيمي كلوبوشار باللوم في تصاعد أعمال العنف على تفاقم التعصب الحزبي، وانتشار المعلومات المضللة عبر الإنترنت. ودعت كلوبوشار، الصديقة المقربة للنائبة السابقة ميليسا هورتمان، التي قُتلت في مينيسوتا، السياسيين إلى إعادة تقييم خطابهم، قائلة: «الناس أصبحوا أكثر غضباً، وبدأوا يتصرفون بناءً على ما يقرأونه على الإنترنت. في مرحلة ما، عليك أن تنظر إلى نفسك في المرآة عندما ترى ما يحدث هنا. كل مسؤول منتخب يفعل ذلك».

ولطالما كان العنف السياسي جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الأميركي منذ تأسيس البلاد، وغالباً ما كان يندلع في فترات التغيير الكبير، حيث قُتل 4 رؤساء في أثناء توليهم مناصبهم، وأُصيب خامس بجروح بالغة بالرصاص، كما شهد الكونغرس عشرات المشاجرات والمبارزات وغيرها من حوادث العنف بين أعضائه على مرِّ السنين.

واليوم، وعلى الرغم من أن غالبية الأميركيين لا يؤيدون العنف السياسي، فإن نسبة متزايدة منهم باتت ترى في خصومها السياسيين تهديداً للبلاد، بل إن بعضهم يذهب إلى حد نزع الصفة الإنسانية عنهم، وفق ما أظهرت استطلاعات الرأي.

وكان للرئيس ترمب دورٌ في هذا التحوُّل، فمنذ ترشحه في الانتخابات الرئاسية عام 2016، أبدى موافقته الضمنية - على الأقل - على العنف ضد خصومه السياسيين، وشجَّع الحاضرين في تجمعاته الانتخابية على «ضرب المتظاهرين ضرباً مبرحاً»، وأشاد بنائبٍ اعتدى على صحافي، ودافع عن مثيري الشغب في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، الذين طالبوا بـ«شنق (نائب الرئيس الأميركي السابق) مايك بنس»، كما كان من أوائل قراراته في ولايته الرئاسية الثانية العفو عن هؤلاء المشاغبين.

وفي اليوم الذي شهدت فيه الولايات المتحدة احتجاجات تحت شعار «لا ملوك» ضد إدارة ترمب، امتدت تداعيات حوادث إطلاق النار إلى الساحة السياسية بطرق عملية وملموسة، وفي مينيسوتا، حيث كانت عملية مطاردة مُطلِق النار جاريةً، حثّ مسؤولو إنفاذ القانون الناس على تجنب الاحتجاجات «من باب الحيطة والحذر».

وفي أوستن، بتكساس، أغلقت شرطة الولاية مبنى الكابيتول والأماكن المحيطة به بعد تلقيها تهديدات ضد مُشرِّعين كانوا يعتزمون المشارَكة في الاحتجاجات هناك، مساء السبت.

وقالت عالمة السياسة في جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة، ليليانا ميسون: «أحد أهداف العنف السياسي هو إسكات المعارضة، فالأمر لا يقتصر على استهداف عدد قليل من الأشخاص أو الضحايا، بل إن الهدف الحقيقي هو إخافة عدد أكبر من الناس وإسكاتهم، أكثر مما يمكن إيذاؤه جسدياً».


مقالات ذات صلة

أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
أوروبا وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

الجيش النيجيري يعلنُ القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»، بعد أن حاول عشرات المقاتلين من التنظيم الهجوم على قرية كوكاريتا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

هدد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي بتصفية 416 رهينة لديه إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي...

الشيخ محمد (نواكشوط)

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».


ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء اليوم (السبت)، للمرة الأولى عشاء مراسلي وسائل الإعلام المعتمدين في البيت الأبيض، ولكن خلافاً لما جرت عليه العادة، لن يشارك في اللقاء أيّ ممثل فكاهي يُدلي -وفقاً للتقليد المتبّع- بتعليقات ونكات عن الرئيس الأميركي، فيما يُتوقع أن يسود الحفل شيء من التشنج، نظراً إلى العلاقة المتوترة بينه وبين الصحافة، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستعاضت رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تنظّم هذا اللقاء السياسي-الإعلامي الكبير عن الحضور المعتاد لممثل فكاهي بدعوة «الساحر» المختص في قراءة الأفكار أوز بيرلمان.

ومنذ عودته إلى السلطة، دأب ترمب على مهاجمة الصحافة بلا هوادة، سواء في تصريحاته أو من خلال الدعاوى القضائية، في موازاة اتساع نفوذ حلفائه في المشهد الإعلامي، وهو ما يتجلى مثلاً في صفقة استحواذ «باراماونت سكايدانس» المملوكة لعائلة إليسون المقرّبة منه على «وارنر براذرز ديسكفري». وتملك هذه العائلة أيضاً قناة «سي بي إس».

وعمد البيت الأبيض، وكذلك وزارة الدفاع (البنتاغون)، إلى تقييد وحتى في بعض الحالات إلغاء تصاريح دخول وسائل إعلام عريقة، فيما تعاملت على نحو مختلف مع معلّقين مؤيدين لحركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا).

وتثير الدعوة الموجهة إلى الرئيس الذي وصف الصحافيين بأنهم «أعداء الشعب» استياء لدى هيئات تحرير وسائل الإعلام في واشنطن، وتتداول الأوساط الإعلامية رسالة مفتوحة وقّعها مئات الصحافيين وعدد من الجمعيات.

«التعبير بقوة»

وتدعو الرسالة أعضاء رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تجنّبت إلى الآن المواجهة المفتوحة مع ترمب، إلى «التعبير بقوة في مواجهة الرجل الذي يحاول تقويض التقليد العريق لصحافة مستقلة».

ودرج ترمب خلال ولايته الرئاسية الأولى على مقاطعة هذا العشاء، خلافاً لجميع أسلافه منذ عشرينات القرن الفائت، الذين كانوا يحرصون على المشاركة فيه.

وكتب على شبكته «تروث سوشيال»، مبرراً هذه المقاطعة: «لقد كانت الصحافة قاسية جداً معي».

وأفادت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت بأن الخطاب الذي يلقيه الرئيس، البالغ 79 عاماً، خلال هذا العشاء سيكون «مسلّيا جداً».

وتوقع أستاذ التواصل في جامعة كنساس، روبرت رولاند، أن يثير ترمب أمام الصحافيين «مآخذه» على الإعلام. ورأى الأكاديمي أن قرار الرئيس الأميركي المشاركة يدل على أنه «يشعر بأنه لا يُمس».

وهذا العشاء الذي يحضره مئات الصحافيين ومديرو المؤسسات الإعلامية مع ضيوفهم من الأوساط السياسية والاقتصادية يُنظَّم كل عام في نهاية أبريل (نيسان)، ويُخصَّص ريعه لتمويل منح وجوائز.

دائرة مغلقة

ويشدد المدافعون عن هذا العشاء السنوي على كونه بمثابة احتفاء بحرية الصحافة. لكنّ هذه الأمسية تعرّضت أيضاً لانتقادات تمحورت على فكرة كونها تعبيراً عن ثقافة الدوائر المغلقة والتواطؤ.

وعلّقت مجلة «ذي أتلانتيك» بأن عشاء المراسلين «كان دائماً مزعجاً»، لكنه هذه السنة «محرج جداً». أما صحيفة «نيويورك تايمز» فقررت قبل سنوات تغطية الحدث من دون المشاركة فيه.

وكان أسلاف ترمب يُصغون بهدوء إلى خطاب لاذع يلقيه الممثل الفكاهي الضيف، ثم كان الرئيس نفسه يلقي كلمة زاخرة بالنكات يسخر فيها من نفسه.

أما ترمب الذي لا يتوانى عن إذلال خصومه، لكنه لا يحتمل أن يتعرّض هو نفسه للسخرية، فطالته خلال حضوره العشاء عام 2011 بصفته ضيفاً «لسعات» وجهها إليه الرئيس الأسبق باراك أوباما.

أوباما

فقد سخر أوباما بإسهاب يومها من رجل الأعمال العقاري الذي لم يكن تبوّأ بعد سدّة السلطة.

ونفى ترمب مراراً أن يكون قد قرر في تلك الليلة خوض سباق الوصول إلى البيت الأبيض بدافع الانتقام، كما يتردد في واشنطن.

واستخدم أوباما يومذاك كل ما أُوتي من قدرات خطابية، ليهزأ من نزعة ترمب إلى نشر نظريات المؤامرة، ومنها تلك التي تشكك في أصول وجنسية أول رئيس أسود للولايات المتحدة.

كذلك سخر الرئيس الديمقراطي في المناسبة نفسها من ولع مقدّم البرامج التلفزيونية السابق بالترويج لذاته وبالاستعراض.

وقال أوباما: «قولوا ما تشاءون عن السيد ترمب، لكنه سيأتي بالتغيير إلى البيت الأبيض»، عارضاً صورة للمقر الرئاسي الشهير، وقد تحول إلى فندق وكازينو مبهر يحمل علامة ترمب.

وخلال ولايته الثانية، غطى الرئيس الجمهوري البيت الأبيض بزخارف مذهّبة ورخامية، وعلّق فيه لوحات تحمل صورته، وأطلق مشروع بناء قاعة احتفالات ضخمة.


مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

أعلن الجيش الأميركي، الجمعة، أنه قتل شخصين في ضربة استهدفت قاربا يشتبه بتهريبه المخدرات، ما يرفع عدد ضحايا حملة واشنطن ضد «إرهابيي المخدرات» في أميركا اللاتينية إلى 182 قتيلا على الأقل.

وقالت القيادة العسكرية الجنوبية الأميركية في بيان على منصة «إكس»، أنها نفذت «ضربة عسكرية قاتلة على سفينة تشغلها منظمات مصنفة إرهابية».

أضافت «أكدت المعلومات الاستخباراتية أن السفينة كانت تعبر طرق تهريب مخدرات معروفة في شرق المحيط الهادئ، وأنها كانت تشارك في عمليات تهريب مخدرات»، مكررة العبارات نفسها التي تستخدمها لوصف العشرات من هذه العمليات منذ بدء الحملة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكان مسؤولون عسكريون أميركيون قد أعلنوا عن سبع ضربات مماثلة على الأقل في أبريل (نيسان*، ليصل إجمالي عدد القتلى في هذه العمليات إلى 182 على الأقل، وفقا لإحصاءات وكالة الصحافة الفرنسية.

ولم تقدم إدارة ترمب أي دليل قاطع على تورط القوارب التي تستهدفها في تهريب المخدرات، ما يثير الجدل حول شرعية هذه العمليات.

ويقول خبراء في القانون الدولي ومنظمات حقوقية، إن هذه الضربات ترقى على الأرجح إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ يبدو أنها تستهدف مدنيين لا يشكلون تهديدا مباشرا على الولايات المتحدة.