الديمقراطيون يحذرون من تسبب «عاصفة ترمب» في أزمة دستورية

خياراتهم محدودة مع سيطرة الجمهوريين على غرفتي الكونغرس

ترمب يتحدث مع الصحافيين في قاعدة أندروز العسكرية في ماريلاند في 2 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث مع الصحافيين في قاعدة أندروز العسكرية في ماريلاند في 2 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
TT

الديمقراطيون يحذرون من تسبب «عاصفة ترمب» في أزمة دستورية

ترمب يتحدث مع الصحافيين في قاعدة أندروز العسكرية في ماريلاند في 2 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث مع الصحافيين في قاعدة أندروز العسكرية في ماريلاند في 2 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تهبّ عاصفة دونالد ترمب على واشنطن مزعزعة أسّس مؤسساتها الحكومية ومنظماتها الفيدرالية، وتاركة حلفاءها وخصومها في حيرة من أمرهم. فالرئيس الأميركي اتخذ سلسلة قرارات تحدى فيها الأعراف والتقاليد، امتحن فيها صلاحياته التنفيذية، وقدرات الكونغرس التشريعية، وحدود السلطة القضائية. ففي نظام بُني على فصل السلطات بهدف الشفافية والمساءلة والمحاسبة، يقف المشرعون حائرين أمام مجموعة من القرارات التي طالت مؤسسات فيدرالية أنشأها الكونغرس وموّلها بحكم صلاحياته الرئيسية المتمثلة بـ«قوة المحفظة»، وفصلت موظفين فيدراليين محميين من النقابات العمالية.

قرارات مثيرة للجدل

ترمب وروبيو في حدث انتخابي في كارولاينا الشمالية في 4 نوفمبر 2024 (رويترز)

أبرز هذه القرارات، وأكثرها إثارة للجدل، قرار إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ودمج بعض أقسامها بوزارة الخارجية تحت إشراف وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي أرسل رسالة إلى الكونغرس يبلغه فيها بالقرار، بعد إعلان إيلون ماسك، حليف ترمب ومدير وكالة «دوج»، عن الإغلاق عبر منصة «إكس». يقول روبيو، في رسالته، إن الوكالة قد «تنقل، وتعيد ترتيب، وتدمج بعض مهامها ومكاتبها إلى وزارة الخارجية، في حين أن ما تبقى من الوكالة قد يتم إلغاؤه بالتوافق مع القانون المعمول به».

لكن القانون المعمول به ينص على أن الكونغرس هو الجهة الوحيدة التي تستطيع إنشاء أو إلغاء وكالات فيدرالية ضمن صلاحياته التشريعية، وذلك عبر قرار من المحكمة العليا التي نظرت في المادتين الأولى والثانية من الدستور وحسمت قرارها بناء عليهما. وهذا ما يعتمد عليه الديمقراطيون في مساعيهم لصد قرارات ترمب، إذ وصف بعضهم ما يجري بـ«الأزمة الدستورية»، واعتبروا أن «تفكيك» الوكالة غير قانوني. وقال السيناتور الديمقراطي براين شاتز إن الوكالة «أسست من خلال قانون فيدرالي وبتمويل من الكونغرس. لا يمكن لدونالد ترمب وإيلون ماسك إلغاؤها بـ(ضربة قلم)، هما بحاجة لإقرار قانون».

كلمات ضربها ترمب بعرض الحائط، مؤكداً أنه لا يحتاج إلى عودة إلى الكونغرس في قراره «إلغاء» الوكالة إذا كان الأمر يتعلق بـ«الاحتيال». واتهم المسؤولين في الوكالة بذلك، قائلاً: «نريد أن نقوم بالصواب. وهو أمر كان يجب أن نفعله منذ وقت طويل».

تهديدات ديمقراطية

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي في الكونغرس في 23 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وبمواجهة هذه التحديات، لا تملك الأقلية الديمقراطية الكثير من الخيارات لمواجهة ماكينة جمهورية متماسكة في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

فقد جرت العادة أن يتحدى الكونغرس الإدارة ويواجهها، في حال كانت الأغلبية في المجلس التشريعي بيد الحزب المعارض للرئيس، عبر عقد جلسات استماع أو استدعاء مسؤولين في الإدارة كما فعل الجمهوريون في عهد بايدن.

لكن هذه ليست الحالة اليوم، إذ يتمتع الجمهوريون بالأغلبية في المجلسين، ما يعني أنهم يتحكمون بأجندة المجلس واللجان المختصة. لذا، تنحصر خيارات الديمقراطيين بخطط تهديدية ومقترحات عامة، عرضها زعيم الديمقراطيين في النواب حكيم جيفريز في رسالة كتبها إلى زملائه الديمقراطيين تهدف لرصّ الصف الديمقراطي.

وعرض جيفريز في رسالته «خطة لمعركة» مؤلّفة من 10 نقاط ترتكز بشكل أساسي على طرح مشروع قانون لصدّ أي اطلاع غير قانوني على أنظمة المعلومات في الوكالات الفيدرالية، التي تمكّن ماسك من خرقها والحصول على معلومات خاصة وحساسة بالموظفين في بعض الوزارات، كوزارة الخزانة. كما وعد بالسعي لرفع دعاوى قضائية للتصدي لقرارات أخرى، كإلغاء حق الجنسية بالولادة، وطرد موظفين فيدراليين، وعدد من المفتشين العامين الذين عينهم الكونغرس للإشراف على الوكالات الفيدرالية ومراقبتها.

خيارات بديلة

النائب الديمقراطي جيري كونولي في مؤتمر صحافي أمام مقر «USAID» في واشنطن في 3 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تتطلّب خطط من هذا النوع وقتاً طويلاً للتنفيذ، وقد لا تبصر النور، خاصة في ظل أغلبية جمهورية في المجلسين. لهذا، هدّد الديمقراطيون باستعمال ورقة التعطيل والعرقلة، خاصة أن الأغلبية الجمهورية ضئيلة وتحتاج إلى تعاون الديمقراطيين لإقرار بعض المشاريع على رأسها تمويل المرافق الفيدرالية الذي سينتهي في منتصف شهر مارس (آذار). وقال جيفريز في رسالته: «لقد كنت واضحاً مع القيادات الجمهورية في النواب، أن أي جهد لسرقة أموال دافعي الضرائب من الشعب الأميركي وإنهاء برامج (الرعاية الصحية) أو سحب التمويل من برامج مهمة للأميركيين، يجب أن يتم الحرص على منعها في مشروع التمويل الفيدرالي المقبل».

أما في مجلس الشيوخ، فقد هدد الديمقراطيون باستعمال قوة التعطيل أو «الفيليبستر»، التي تتمتع بها الأقلية لعرقلة التعيينات الرئاسية مثلاً، وهذا ما تحدث عنه السيناتور الديمقراطي إد ماركي وزميله براين شاتز، الذي تعهد بتجميد كل تعيينات ترمب في وزارة الخارجية بحكم منصبه في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ التي تشرف على الوزارة.

وفي حال لم تنجح هذه الأساليب التشريعية، طرح الديمقراطيون أفكاراً أخرى تحت شعار «المقاومة». فقال النائب جيري كونولي، كبير الديمقراطيين في لجنة المراقبة والإصلاح الحكومي: «سوف نحارب بكل طريقة ممكنة، في المحاكم، وعلى المنابر، وفي أروقة الكونغرس، ومع الرأي العام». ولعلّ النقطة الأخيرة هي الأهم هنا، إذ تصبّ في خانة ما توعد به جيفريز في خطته لتأسيس حملة للتوعية العامة، داعياً النواب إلى التواصل مباشرة مع الناخبين في ولاياتهم لتحريك الرأي العام الأميركي.

تحفظ جمهوري

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون يتحدث مع الصحافيين في الكونغرس في 28 يناير 2025 (أ.ف.ب)

أما الجمهوريون الذين شملهم عامل المفاجأة في قرارات ترمب، فقد تراوحت ردودهم بين الدعم والحذر، من دون معارضة تذكر. فقال زعيمهم في مجلس الشيوخ جون ثون، لدى سؤاله عن قانونية «تفكيك» الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إن سبب القرار هو «معرفة كيف يتم صرف أموال دافع الضرائب الأميركي، وما إذا كانت تتماشى مع أولويات البلاد فيما يتعلق بمصالحنا القومية». تصريح غاب عنه جواب واضح، ويدلّ على عدم رغبة أي جمهوري في مواجهة علنية مع ترمب قد تضعه في مرمى نيران الرئيس الأميركي.

أمّا مشرعون جمهوريون آخرون، كالسيناتور توم ثيليس مثلاً، فـ«تمنّوا» أن يتواصل ترمب مع الكونغرس في قرارات من هذا النوع، في حين عرض آخرون كالسيناتورة الجمهورية ليزا مركوفسكي رؤية مختلفة تفسّر بشكل من الأشكال شخصية ترمب، التي قالت: «النمط الحالي هو أن ثمة قرارات تؤخذ، ويتم نشر الأخبار المرتبطة بها، ثم يترافق هذا مع ردود أفعال متفجرة، ثم نكتشف أن الأمور ليست كما تبدو، مثل تضييق نطاق القرارات الرئاسية أو إلغاء التعريفات الجمركية مثلاً. لذلك أعتقد أننا جميعاً نحاول تحديد الرد المناسب».

تتحدث مركوفسكي هنا عن قرار ترمب تجميد المساعدات الفيدرالية ثم العودة عن قراره، فضلاً عن تأجيل تطبيق التعريفات الجمركية بعد التهديد بها بحق كل من المكسيك وكندا.

حدود القرارات التنفيذية

ترمب وجونسون خلال لقاء الرئيس الأميركي مع نواب جمهوريين في مؤتمرهم بفلوريدا في 27 يناير 2025 (أ.ف.ب)

يحذر كثيرون من أن قرارات ترمب في حال عدم التصدي لها، قد تتوسع لتشمل مرافق أخرى، كوزارة التعليم مثلاً التي وجّه بإلغائها. وهنا يقول رئيس مجلس النواب مايك جونسون بكل وضوح: «الرئيس الأميركي يستعمل صلاحياته التنفيذية بطريقة متناسبة. فقد وكّله الشعب الأميركي بالمهمة. دعونا لا ننسى أنه خاض حملته الانتخابية على أساس إعادة الحس المنطقي والوعي المالي والحرص على أن تكون الحكومة أكثر فاعلية».

إلا أن مقاربة من هذا النوع هي سيف ذو حدين، فترمب ليس لديه ما يخسره، إذ إن ولايته الحالية هي الأخيرة له بحسب الدستور، إلا إذا دفع نحو تغييره كما قال مازحاً. في حين أن الجمهوريين لديهم الكثير يخسرونه في صناديق الاقتراع، في حال شعر الأميركيون بوطأة هذه القرارات. ولعلّ الإجابة عن هذا ستتضح في الانتخابات التشريعية النصفية وموعدها بعد عامين.


مقالات ذات صلة

الضوء الأخضر لمرشح ترمب... تيليس ينهي «حصار» وارش بعد إغلاق ملف باول

الاقتصاد تيليس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم جلسة استماع لجنة الخدمات المصرفية لتثبيت وارش (رويترز)

الضوء الأخضر لمرشح ترمب... تيليس ينهي «حصار» وارش بعد إغلاق ملف باول

أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس أنه سيتخلّى عن معارضته تثبيت مرشح الرئيس دونالد ترمب لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وارش يدلي بشهادته خلال جلسة استماع ترشيحه لعضوية ورئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

بعد تبرئة باول... لجنة «الشيوخ» للتصويت على ترشيح وارش لرئاسة «الفيدرالي»

تحركت لجنة في مجلس الشيوخ للمضي قدماً في ترشيح كيفين وارش لرئاسة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، وحددت موعداً للتصويت يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد باول يعقد مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في ديسمبر (رويترز)

انتصار قضائي لباول ينهي «معركة المباني» ويمهد الطريق لوارش لرئاسة «الفيدرالي»

أنهت وزارة العدل الأميركية تحقيقاتها مع رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز) p-circle

خاص واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

صعّد الكونغرس الضغوط على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية؛ لأن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أفراد من القوات الجوية الأميركية يقومون بأعمال صيانة على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية في غرب إنجلترا - يوم 8 أبريل (إ.ب.أ)

ترمب أمام استحقاق «سلطات الحرب» مع اقتراب مهلة 60 يوماً

يتيح القانون تمديداً لمرة واحدة لمدة 30 يوماً، إذا قدّم الرئيس إفادة خطية بأن وقتاً إضافياً ضروري لتسهيل الانسحاب الآمن للقوات الأميركية.

روبرت جيميسون (واشنطن)

ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأحد، إنّ المشتبه فيه الذي أُلقي القبض عليه بعد محاولته اقتحام عشاء «رابطة مراسلي البيت الأبيض»، الذي كان يحضره، كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية».

وأوضح ترمب، في مكالمة هاتفية مع شبكة «فوكس نيوز»: «عندما تقرأون بيانه، فستجدون أنّه يكره المسيحية»، واصفاً المهاجم بأنّه «مضطرب للغاية بشكل واضح»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

واقتحم رجل مسلح الردهة خارج قاعة عشاء رفيع المستوى للصحافيين كان يحضره ترمب وكثير من كبار القادة الأميركيين مساء السبت، واندفع نحو قاعة الاحتفالات قبل أن يحاصره عملاء الخدمة السرية ويحتجزوه. ولم يُصب الرئيس بأذى، ونُقل على الفور بعيداً.

وعبر ‌الرئيس ‌الأميركي عن ‌اعتقاده أنه ​كان المستهدف من هذا الحادث.

وعن المفاوضات مع إيران، قال ترمب، وفقاً لوكالة «رويترز»، إن إيران ‌يمكنها ‌التواصل ​مع ‌الولايات المتحدة ‌إذا كانت ترغب في ‌التفاوض على إنهاء الحرب بين البلدين.

ورأى ترمب أنه «إذا أرادوا (الإيرانيون) التحدث، فيمكنهم القدوم إلينا أو الاتصال بنا. كما تعلمون: لدينا هاتف، ولدينا خطوط اتصال ‌جيدة ‌وآمنة».

وألغى ترمب، ​السبت، ‌زيارة كان من ‌المقرر أن يجريها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان؛ مما ‌شكل انتكاسة جديدة لآفاق السلام، وذلك بعد أن غادر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إسلام آباد عقب إجرائه محادثات مع مسؤولين باكستانيين فقط.

وعاد عراقجي بعد ذلك إلى باكستان على الرغم من غياب ​المسؤولين الأميركيين.


واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
TT

واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)

مع أخذ أسعار النفط في الاعتبار، انتهجت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقاربة متقلّبة في فرض العقوبات على روسيا وإيران.

وأعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت في منتصف أبريل (نيسان) أن الولايات المتحدة لن تمدّد الإعفاء الذي يسمح ببيع النفط الروسي. وبعد يومين فقط، مساء الجمعة، أصدرت وزارة الخزانة مهلة جديدة لمدة 30 يوماً. وأدان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الإعفاء، قائلاً إن «كل دولار يُدفع مقابل النفط الروسي هو مال للحرب». كما وصف ديمقراطيون في مجلس الشيوخ هذا التحوّل بزاوية 180 درجة بأنه قرار «مُخزٍ»، ثم قال بيسنت يوم الجمعة لوكالة «أسوشييتد برس» إن الولايات المتحدة لا تعتزم تجديد الإعفاء مرة أخرى، علماً بأن الإعفاء الحالي ينتهي في 16 مايو (أيار).

ويعكس هذا التراجع بشأن عقوبات النفط الروسي حالة الارتباك في أداء السياسة الأميركية، في وقت تواجه فيه إدارة ترمب تداعيات الحرب التي بدأتها مع إسرائيل ضد إيران. فبينما كانت الولايات المتحدة في السابق قادرة على استخدام قوتها المالية لشل اقتصادات خصومها، باتت دول مثل روسيا وإيران تستخدم نفوذها في أسواق الطاقة للرد. وهذا ما أجبر وزارة الخزانة، المشرفة على برنامج العقوبات الأميركي، على الارتجال.

عقوبات وإعفاءات

وأطلقت إدارة ترمب يوم الجمعة حملة واسعة من العقوبات استهدفت 40 شركة شحن وسفينة قالت إنها جزء من «أسطول الظل» الإيراني لناقلات النفط، في إطار توسيع جهودها لشل الاقتصاد الإيراني. كما فرضت عقوبات على مصفاة صينية مستقلة، وهي «هنغلي للبتروكيماويات»، التي تُعد من أكبر مشتري النفط الخام والمنتجات النفطية الإيرانية.

وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، قال بيسنت إن قرار تمديد الترخيص الخاص بروسيا جاء بعد ضغوط من دول نامية طالبته بالحفاظ على كميات أكبر من النفط الروسي في السوق، أثناء وجودها في واشنطن لحضور اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقال بيسنت: «كان اعتقادي أننا لن نقوم بذلك»، مضيفاً أن الدول الفقيرة تعاني من نقص عالمي في النفط.

ولم يعلّق البيت الأبيض ولا وزارة الخزانة على ما إذا كان قرار تخفيف العقوبات على روسيا جاء بتوجيه مباشر من الرئيس دونالد ترمب.

وتؤدي هذه التسهيلات إلى ملء خزائن روسيا بما يُقدّر بنحو 200 مليون دولار يومياً، ما يقوّض سنوات من الجهود الأميركية والغربية الهادفة إلى تقليص قدرة موسكو على تمويل حربها في أوكرانيا.

وقال السيناتور الديمقراطي كريس كونز، خلال استجوابه بيسنت في جلسة الأربعاء: «لا تحتاج إلى قراءة كتاب (فن الحرب) لتدرك أن مساعدة خصمك على جني الأموال في حين أنك في حالة حرب معه، فكرة سيئة». وأضاف: «لا يوجد بلد استفاد من هذه الحرب أكثر من روسيا»، مشيراً إلى أن إيراداتها تدعم أيضاً إيران عسكرياً.

الضغط على إيران

أما الاستراتيجية تجاه إيران، فبدت هي الأخرى مضطربة؛ فقد منحت الولايات المتحدة الشهر الماضي إعفاءً لمدة 30 يوماً يسمح ببيع النفط الإيراني، بحجة المساهمة في خفض أسعار النفط العالمية، ومنع طهران من الاستفادة عبر إغلاق مضيق هرمز. لكن الإدارة غيّرت مسارها هذا الشهر؛ إذ سمحت بانتهاء الإعفاء وأطلقت «عملية الغضب الاقتصادي»، مع فرض عقوبات جديدة على إيران. كما وسّع الجيش الأميركي نطاق حصاره للسفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية ليشمل مياه العالم الأوسع.

وشبّه بيسنت هذه المبادرة بحملة قصف مالي. وخلال الأسبوع الماضي، شدّد هو وترمب على الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران، معتبرين أنها لن تتمكن خلال أيام من تخزين مزيد من النفط، ما سيجبرها على إغلاق آبارها، مع احتمال تعرّضها لأعطال دائمة، ودفع الاقتصاد نحو الانهيار.

وقالت جينيفر كافاناه، الباحثة البارزة ومديرة تحليل الشؤون العسكرية في مركز «ديفنس برايورتيز»: «إنها حالة من الارتداد المفاجئ في السياسة». وأضافت أن هذا التذبذب يُظهر أن إدارة ترمب «لم تتوقع أن يستمر هذا الوضع كل هذه المدة».

وأوضحت أنه في السابق كان «الضغط الأساسي» عسكرياً، مع افتراض أن القصف سيدفع إيران إلى الاستسلام. لكن مع استمرار القتال وارتفاع تكلفته، بات التصعيد العسكري أقل قبولاً، خاصة أن ترمب «استنفد التصعيد الخطابي إلى أقصاه» بتهديده بمحو الحضارة الإيرانية قبل وقف إطلاق النار، ما أدى إلى التحول نحو الأدوات الاقتصادية.

تحديات «هرمز»

وقد زادت إيران من تعقيد استراتيجية العقوبات الأميركية عبر إغلاق مضيق هرمز، مستخدمة أدوات عسكرية في إطار «حرب اقتصادية».

وأشار تحليل لشركة «لويدز ليست» المتخصصة في معلومات الشحن إلى وجود «مؤشرات على اضطراب عمليات أسطول الظل الإيراني» في ظل الحصار الأميركي العالمي، مع قيام بعض الناقلات بتغيير مسارها أو التوقف. غير أن بيانات تتبّع السفن أظهرت أيضاً أن ناقلات مرتبطة بإيران لا تزال تواصل الإبحار.

وقال «البنتاغون» الخميس إن القوات الأميركية أوقفت وصعدت إلى متن ناقلة ثانية خاضعة للعقوبات تحمل نفطاً إيرانياً في المحيط الهندي، بعد عملية مماثلة يوم الثلاثاء. لكن كافاناه حذّرت من أن «الحصارات ليست حلولاً سريعة»، معتبرة أن إيران قد تكون قادرة على تحمّل الضغوط؛ لأنها تتطلب وقتاً لتحقق أثرها.

كما يثير الحصار العالمي تساؤلات قانونية وعملياتية لكونه غير مقيّد جغرافياً، في وقت لا تستطيع فيه الولايات المتحدة احتجاز سوى عدد محدود من السفن، ما يعني أن تأثيره العملي قد يكون «هامشياً»، إلى جانب إضعاف سمعة واشنطن كحامية للنظام الدولي.

وقال إدوارد فيشمان، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، إن الاستخدام المتخبّط للعقوبات يعكس تداخل الحربين الاقتصادية والعسكرية. وأضاف: «لا نملك نموذجاً جاهزاً لهذا النوع من الحروب الاقتصادية، وهو ما قد يفسّر بعض التخبّط الأميركي».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».


ملك بريطانيا يزور أميركا وسط توتر بين ترمب وستارمر

ملك بريطانيا تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعرضان حرس الشرف بعد وصولهما إلى قلعة وندسور بإنجلترا 17 سبتمبر 2025 (أرشيفية - أ.ب)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعرضان حرس الشرف بعد وصولهما إلى قلعة وندسور بإنجلترا 17 سبتمبر 2025 (أرشيفية - أ.ب)
TT

ملك بريطانيا يزور أميركا وسط توتر بين ترمب وستارمر

ملك بريطانيا تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعرضان حرس الشرف بعد وصولهما إلى قلعة وندسور بإنجلترا 17 سبتمبر 2025 (أرشيفية - أ.ب)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعرضان حرس الشرف بعد وصولهما إلى قلعة وندسور بإنجلترا 17 سبتمبر 2025 (أرشيفية - أ.ب)

يبدأ الملك تشارلز الثالث زيارة إلى الولايات المتحدة الاثنين تشمل مهمة دبلوماسية حساسة وهي تخفيف التوترات بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء كير ستارمر، مع تجنّب «قضية إبستين» التي تعد شوكة في خاصرة العائلة المالكة. رسمياً يُقدّم قصر باكنغهام هذه الزيارة التي تستغرق أربعة أيام، وتم تنظيمها بناء على طلب الحكومة البريطانية، بوصفها فرصة «للاحتفال بالروابط التاريخية» بين البلدين لمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. لكن نادراً ما أثارت زيارة ملكية كل هذا الجدل. فمع أن دونالد ترمب نجل سيدة اسكوتلندية ومعجب كبير بالعائلة المالكة، ووصف الملك بأنه «رجل رائع» الخميس على شبكة «بي بي سي»، إلا أنه كثّف هجماته على حلفائه البريطانيين منذ نهاية فبراير (شباط)، عندما أبدت لندن لأول مرة تحفظاتها بشأن الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران. وهاجم الرئيس الأميركي رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر مطلع مارس (آذار)، قائلاً: «نحن لا نتعامل مع ونستون تشرشل». كما سخر من الجيش البريطاني وقلّل من شأن مساهمته في التحالف الدولي الذي خاض الحرب ضد «طالبان» في أفغانستان. ودفعت تلك الهجمات بعض أعضاء البرلمان، مثل زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي، إلى المطالبة بتأجيل الزيارة. وقد أيّد هذا الرأي 48 في المائة من البريطانيين، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» في بداية أبريل (نيسان).

خطاب «مشفّر» في الكونغرس

وبدا ترمب في حالة مزاجية تصالحية الخميس، إذ صرّح لهيئة الإذاعة البريطانية بأن الزيارة يمكن أن «تصلح بالتأكيد... العلاقة الخاصة» بين البلدين. ومن المنتظر أن يعمل الملك، الذي سبق أن أظهر مهاراته في «القوة الناعمة» خلال زيارة ترمب الرسمية إلى المملكة المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2025، على استغلال ذكرى يوم الاستقلال لمعالجة التوترات الحالية بلطف. ويتوقع كري بريسكوت، المتخصص في الدور السياسي للملكية في جامعة «رويال هولواي» بلندن، أن يضع تشارلز الثالث هذه التوترات في سياق «250 عاماً من العلاقات الثنائية» التي شهدت حتماً «تقلبات»، وذلك في خطاب سيلقيه الثلاثاء أمام الكونغرس الأميركي، وهو الأول لملك بريطاني منذ خطاب إليزابيث الثانية عام 1991. ويضيف: «عليه أن يذكرها... لكنني أتخيل أنه سيفعل ذلك بطريقة مشفّرة إلى حد ما». ورغم أنه لم يعتلِ العرش إلا عام 2022، فإن الملك البالغ 77 عاماً، والذي لا يزال يتلقى العلاج من السرطان، ملمٌّ جيداً بهذه الممارسات الدبلوماسية، وقد أثبت أنه «متحدث أفضل» من والدته إليزابيث الثانية، وفقاً لهذا الخبير. وخلال زيارته إلى كندا في مايو (أيار) 2025، عندما أثار دونالد ترمب قلق جيرانه بتصريحه بأن كندا يجب أن تكون الولاية الأميركية الحادية والخمسين، حظي الملك البريطاني، وهو أيضاً رأس الدولة في كندا، بتصفيق حار عندما تحدث عن كندا «القوية والحرة».

«إبستين» موضوع محظور

وتخيّم «قضية إبستين» والصداقة التي أقامها أندرو شقيق الملك مع المعتدي الجنسي الراحل، على هذه الزيارة التي ستقود تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى نيويورك الأربعاء لزيارة نصب 11 سبتمبر التذكاري. وشهدت هذه الفضيحة التي شوهت سمعة العائلة المالكة لأكثر من 15 عاماً، تطورات جديدة في الأشهر الأخيرة، مع نشر صور ورسائل بريد إلكتروني محرجة لأندرو. وتدخل الملك تشارلز الثالث مؤخراً بسحب جميع ألقاب أخيه الملكية، ومنها لقب الأمير. وتعهد ترك «العدالة تأخذ مجراها» بعد توقيف أندرو في فبراير، للاشتباه في تسريبه وثائق سرية إلى جيفري إبستين. ورغم أن الأمير السابق لم توجه إليه أي تهمة حتى الآن، ونفيه دائماً ارتكاب أي مخالفة، فإنه لا يزال قيد التحقيق القضائي. وقد دعا كثير من المشرعين الأميركيين أندرو للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس، ولكن دون جدوى. وكتب النائب الديمقراطي رو خانا، الناشط للغاية في هذه القضية، رسالة إلى الملك تشارلز الثالث يطلب فيها عقد اجتماع خاص مع ضحايا إبستين. كما قدمت عائلة فيرجينيا جوفري، المدعية الرئيسية على إبستين التي توفيت في أبريل 2025 طلباً مماثلا. ورفض قصر باكنغهام المقترح، عادّاً أن مثل هذا الاجتماع قد «يضر بالتحقيقات الجارية أو بالمسار الصحيح للعدالة». لكن النائب رو خانا وصف التبرير بأنه «سخيف»، مضيفاً في مقابلة مع صحيفة «التايمز» أن الملك «يجب أن يذكر (ضحايا إبستين) على الأقل في خطابه» أمام الكونغرس و«يعترف بالصدمة التي عانتها هؤلاء الشابات». ورأى أنه تم ترتيب الزيارة لتجنب إحراج الملك في هذا الموضوع. ولا يترك البرنامج الرسمي مجالاً للمفاجآت، وسيُسمح للمصورين فقط بتصوير الاجتماع بين ترمب وتشارلز الثالث في البيت الأبيض الثلاثاء.

أفراد من جهاز «الخدمة السرية» يقفون بالقرب من البيت الأبيض الأحد في إطار التحضيرات لزيارة الملك تشارلز الثالث (أ.ف.ب)

«تعاون أمني وثيق»

وتأتي زيارة الملك تشارلز إلى الولايات المتحدة بعد حادثة إطلاق النار على مأدبة عشاء لمراسلي البيت الأبيض في واشنطن بحضور ترمب. و‌قال دارين جونز كبير أمناء مجلس الوزراء البريطاني الأحد إن الحكومة تواصل تعاونها الوثيق مع الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة قبل الزيارة. ورداً على سؤال حول ‌الواقعة، قال ‌جونز لمحطة «سكاي نيوز» إن الحكومة ‌البريطانية وقصر باكنغهام يتعاملان مع ‌أمن الملك تشارلز «بأقصى درجات الجدية»، إذ تجري بالفعل مناقشات مكثفة ستستمر خلال الأيام المقبلة. وأضاف: «فيما يتعلق بزيارة ‌جلالة الملك إلى الولايات المتحدة الأسبوع المقبل... من الواضح أن أجهزتنا الأمنية تعمل بتعاون وثيق استعداداً لذلك».