الديمقراطيون يحذرون من تسبب «عاصفة ترمب» في أزمة دستورية

خياراتهم محدودة مع سيطرة الجمهوريين على غرفتي الكونغرس

ترمب يتحدث مع الصحافيين في قاعدة أندروز العسكرية في ماريلاند في 2 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث مع الصحافيين في قاعدة أندروز العسكرية في ماريلاند في 2 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
TT

الديمقراطيون يحذرون من تسبب «عاصفة ترمب» في أزمة دستورية

ترمب يتحدث مع الصحافيين في قاعدة أندروز العسكرية في ماريلاند في 2 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث مع الصحافيين في قاعدة أندروز العسكرية في ماريلاند في 2 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تهبّ عاصفة دونالد ترمب على واشنطن مزعزعة أسّس مؤسساتها الحكومية ومنظماتها الفيدرالية، وتاركة حلفاءها وخصومها في حيرة من أمرهم. فالرئيس الأميركي اتخذ سلسلة قرارات تحدى فيها الأعراف والتقاليد، امتحن فيها صلاحياته التنفيذية، وقدرات الكونغرس التشريعية، وحدود السلطة القضائية. ففي نظام بُني على فصل السلطات بهدف الشفافية والمساءلة والمحاسبة، يقف المشرعون حائرين أمام مجموعة من القرارات التي طالت مؤسسات فيدرالية أنشأها الكونغرس وموّلها بحكم صلاحياته الرئيسية المتمثلة بـ«قوة المحفظة»، وفصلت موظفين فيدراليين محميين من النقابات العمالية.

قرارات مثيرة للجدل

ترمب وروبيو في حدث انتخابي في كارولاينا الشمالية في 4 نوفمبر 2024 (رويترز)

أبرز هذه القرارات، وأكثرها إثارة للجدل، قرار إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ودمج بعض أقسامها بوزارة الخارجية تحت إشراف وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي أرسل رسالة إلى الكونغرس يبلغه فيها بالقرار، بعد إعلان إيلون ماسك، حليف ترمب ومدير وكالة «دوج»، عن الإغلاق عبر منصة «إكس». يقول روبيو، في رسالته، إن الوكالة قد «تنقل، وتعيد ترتيب، وتدمج بعض مهامها ومكاتبها إلى وزارة الخارجية، في حين أن ما تبقى من الوكالة قد يتم إلغاؤه بالتوافق مع القانون المعمول به».

لكن القانون المعمول به ينص على أن الكونغرس هو الجهة الوحيدة التي تستطيع إنشاء أو إلغاء وكالات فيدرالية ضمن صلاحياته التشريعية، وذلك عبر قرار من المحكمة العليا التي نظرت في المادتين الأولى والثانية من الدستور وحسمت قرارها بناء عليهما. وهذا ما يعتمد عليه الديمقراطيون في مساعيهم لصد قرارات ترمب، إذ وصف بعضهم ما يجري بـ«الأزمة الدستورية»، واعتبروا أن «تفكيك» الوكالة غير قانوني. وقال السيناتور الديمقراطي براين شاتز إن الوكالة «أسست من خلال قانون فيدرالي وبتمويل من الكونغرس. لا يمكن لدونالد ترمب وإيلون ماسك إلغاؤها بـ(ضربة قلم)، هما بحاجة لإقرار قانون».

كلمات ضربها ترمب بعرض الحائط، مؤكداً أنه لا يحتاج إلى عودة إلى الكونغرس في قراره «إلغاء» الوكالة إذا كان الأمر يتعلق بـ«الاحتيال». واتهم المسؤولين في الوكالة بذلك، قائلاً: «نريد أن نقوم بالصواب. وهو أمر كان يجب أن نفعله منذ وقت طويل».

تهديدات ديمقراطية

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي في الكونغرس في 23 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وبمواجهة هذه التحديات، لا تملك الأقلية الديمقراطية الكثير من الخيارات لمواجهة ماكينة جمهورية متماسكة في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

فقد جرت العادة أن يتحدى الكونغرس الإدارة ويواجهها، في حال كانت الأغلبية في المجلس التشريعي بيد الحزب المعارض للرئيس، عبر عقد جلسات استماع أو استدعاء مسؤولين في الإدارة كما فعل الجمهوريون في عهد بايدن.

لكن هذه ليست الحالة اليوم، إذ يتمتع الجمهوريون بالأغلبية في المجلسين، ما يعني أنهم يتحكمون بأجندة المجلس واللجان المختصة. لذا، تنحصر خيارات الديمقراطيين بخطط تهديدية ومقترحات عامة، عرضها زعيم الديمقراطيين في النواب حكيم جيفريز في رسالة كتبها إلى زملائه الديمقراطيين تهدف لرصّ الصف الديمقراطي.

وعرض جيفريز في رسالته «خطة لمعركة» مؤلّفة من 10 نقاط ترتكز بشكل أساسي على طرح مشروع قانون لصدّ أي اطلاع غير قانوني على أنظمة المعلومات في الوكالات الفيدرالية، التي تمكّن ماسك من خرقها والحصول على معلومات خاصة وحساسة بالموظفين في بعض الوزارات، كوزارة الخزانة. كما وعد بالسعي لرفع دعاوى قضائية للتصدي لقرارات أخرى، كإلغاء حق الجنسية بالولادة، وطرد موظفين فيدراليين، وعدد من المفتشين العامين الذين عينهم الكونغرس للإشراف على الوكالات الفيدرالية ومراقبتها.

خيارات بديلة

النائب الديمقراطي جيري كونولي في مؤتمر صحافي أمام مقر «USAID» في واشنطن في 3 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تتطلّب خطط من هذا النوع وقتاً طويلاً للتنفيذ، وقد لا تبصر النور، خاصة في ظل أغلبية جمهورية في المجلسين. لهذا، هدّد الديمقراطيون باستعمال ورقة التعطيل والعرقلة، خاصة أن الأغلبية الجمهورية ضئيلة وتحتاج إلى تعاون الديمقراطيين لإقرار بعض المشاريع على رأسها تمويل المرافق الفيدرالية الذي سينتهي في منتصف شهر مارس (آذار). وقال جيفريز في رسالته: «لقد كنت واضحاً مع القيادات الجمهورية في النواب، أن أي جهد لسرقة أموال دافعي الضرائب من الشعب الأميركي وإنهاء برامج (الرعاية الصحية) أو سحب التمويل من برامج مهمة للأميركيين، يجب أن يتم الحرص على منعها في مشروع التمويل الفيدرالي المقبل».

أما في مجلس الشيوخ، فقد هدد الديمقراطيون باستعمال قوة التعطيل أو «الفيليبستر»، التي تتمتع بها الأقلية لعرقلة التعيينات الرئاسية مثلاً، وهذا ما تحدث عنه السيناتور الديمقراطي إد ماركي وزميله براين شاتز، الذي تعهد بتجميد كل تعيينات ترمب في وزارة الخارجية بحكم منصبه في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ التي تشرف على الوزارة.

وفي حال لم تنجح هذه الأساليب التشريعية، طرح الديمقراطيون أفكاراً أخرى تحت شعار «المقاومة». فقال النائب جيري كونولي، كبير الديمقراطيين في لجنة المراقبة والإصلاح الحكومي: «سوف نحارب بكل طريقة ممكنة، في المحاكم، وعلى المنابر، وفي أروقة الكونغرس، ومع الرأي العام». ولعلّ النقطة الأخيرة هي الأهم هنا، إذ تصبّ في خانة ما توعد به جيفريز في خطته لتأسيس حملة للتوعية العامة، داعياً النواب إلى التواصل مباشرة مع الناخبين في ولاياتهم لتحريك الرأي العام الأميركي.

تحفظ جمهوري

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون يتحدث مع الصحافيين في الكونغرس في 28 يناير 2025 (أ.ف.ب)

أما الجمهوريون الذين شملهم عامل المفاجأة في قرارات ترمب، فقد تراوحت ردودهم بين الدعم والحذر، من دون معارضة تذكر. فقال زعيمهم في مجلس الشيوخ جون ثون، لدى سؤاله عن قانونية «تفكيك» الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إن سبب القرار هو «معرفة كيف يتم صرف أموال دافع الضرائب الأميركي، وما إذا كانت تتماشى مع أولويات البلاد فيما يتعلق بمصالحنا القومية». تصريح غاب عنه جواب واضح، ويدلّ على عدم رغبة أي جمهوري في مواجهة علنية مع ترمب قد تضعه في مرمى نيران الرئيس الأميركي.

أمّا مشرعون جمهوريون آخرون، كالسيناتور توم ثيليس مثلاً، فـ«تمنّوا» أن يتواصل ترمب مع الكونغرس في قرارات من هذا النوع، في حين عرض آخرون كالسيناتورة الجمهورية ليزا مركوفسكي رؤية مختلفة تفسّر بشكل من الأشكال شخصية ترمب، التي قالت: «النمط الحالي هو أن ثمة قرارات تؤخذ، ويتم نشر الأخبار المرتبطة بها، ثم يترافق هذا مع ردود أفعال متفجرة، ثم نكتشف أن الأمور ليست كما تبدو، مثل تضييق نطاق القرارات الرئاسية أو إلغاء التعريفات الجمركية مثلاً. لذلك أعتقد أننا جميعاً نحاول تحديد الرد المناسب».

تتحدث مركوفسكي هنا عن قرار ترمب تجميد المساعدات الفيدرالية ثم العودة عن قراره، فضلاً عن تأجيل تطبيق التعريفات الجمركية بعد التهديد بها بحق كل من المكسيك وكندا.

حدود القرارات التنفيذية

ترمب وجونسون خلال لقاء الرئيس الأميركي مع نواب جمهوريين في مؤتمرهم بفلوريدا في 27 يناير 2025 (أ.ف.ب)

يحذر كثيرون من أن قرارات ترمب في حال عدم التصدي لها، قد تتوسع لتشمل مرافق أخرى، كوزارة التعليم مثلاً التي وجّه بإلغائها. وهنا يقول رئيس مجلس النواب مايك جونسون بكل وضوح: «الرئيس الأميركي يستعمل صلاحياته التنفيذية بطريقة متناسبة. فقد وكّله الشعب الأميركي بالمهمة. دعونا لا ننسى أنه خاض حملته الانتخابية على أساس إعادة الحس المنطقي والوعي المالي والحرص على أن تكون الحكومة أكثر فاعلية».

إلا أن مقاربة من هذا النوع هي سيف ذو حدين، فترمب ليس لديه ما يخسره، إذ إن ولايته الحالية هي الأخيرة له بحسب الدستور، إلا إذا دفع نحو تغييره كما قال مازحاً. في حين أن الجمهوريين لديهم الكثير يخسرونه في صناديق الاقتراع، في حال شعر الأميركيون بوطأة هذه القرارات. ولعلّ الإجابة عن هذا ستتضح في الانتخابات التشريعية النصفية وموعدها بعد عامين.


مقالات ذات صلة

القضاء الأميركي يوقف إعلانات ترمب الممولة من الضرائب

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمر بجانب السناتور الديمقراطي جون فيترمان وآخرين في مبنى «الكابيتول» بواشنطن (أرشيفية - أ.ب)

القضاء الأميركي يوقف إعلانات ترمب الممولة من الضرائب

أمرت قاضيةٌ فيدرالية الرئيسَ الأميركي، دونالد ترمب، بإلغاء كل الإعلانات التلفزيونية المتبقية التي تمولها ملايين دولارات دافعي الضرائب؛ للترويج لرسائله السياسية.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب) p-circle

مطالبات جمهورية وديمقراطية بتراجع ترمب عن صفقة الديزل مع روسيا

دعا أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي الرئيس دونالد ترمب إلى «التراجع» عن صفقة توريد الديزل المبرمة مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهرون يحملون لافتات تحتج على مساعي ترمب تعديل عملية التصويت عبر البريد خارج مبنى الكونغرس في 14 سبتمبر (أ.ف.ب)

التصويت في أميركا... بين تسهيل الاقتراع ومخاوف التزوير

يتوجّه ناخبون أميركيون إلى صناديق الاقتراع في عدد من الولايات التي فتحت أبواب التصويت المبكر، فيما تلقّى الملايين بطاقات الاقتراع عبر البريد.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح للصحافيين أثناء سيره في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب: نجري محادثات بنّاءة مع إيران ولن نهاجمها قبل الانتخابات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إن الولايات المتحدة تُجري محادثات مثمرة مع إيران ولن تشن هجوماً عليها قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب أمام لوحة إعلانية تدعو إلى المشاركة في الانتخابات النصفية للكونغرس... بولاية تكساس مساء 7 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترمب يروّج للجمهوريين في تكساس رغم المآخذ على باكستون

حشد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الناخبين في تكساس؛ دعماً لمرشحه كين باكستون في مواجهة أجواء سياسية متوترة بشأن احتمال فوز الديمقراطيين بالانتخابات النصفية...

علي بردى (واشنطن)

القضاء الأميركي يوقف إعلانات ترمب الممولة من الضرائب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمر بجانب السناتور الديمقراطي جون فيترمان وآخرين في مبنى «الكابيتول» بواشنطن (أرشيفية - أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمر بجانب السناتور الديمقراطي جون فيترمان وآخرين في مبنى «الكابيتول» بواشنطن (أرشيفية - أ.ب)
TT

القضاء الأميركي يوقف إعلانات ترمب الممولة من الضرائب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمر بجانب السناتور الديمقراطي جون فيترمان وآخرين في مبنى «الكابيتول» بواشنطن (أرشيفية - أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمر بجانب السناتور الديمقراطي جون فيترمان وآخرين في مبنى «الكابيتول» بواشنطن (أرشيفية - أ.ب)

أمرت القاضيةُ الفيدرالية الأميركية في نيويورك، جنيفر روشون، الأحد، الرئيسَ، دونالد ترمب، بإلغاء كل الإعلانات التلفزيونية المتبقية التي تمولها ملايين الدولارات من دافعي الضرائب؛ للترويج لرسائله السياسية والانتخابية.

وكتبت قاضية المحكمة الجزئية في مانهاتن، روشون، في أمرها المؤقت لمدة أسبوعين، أنه يتعين على الإدارة «إلغاء أو (التسبب في إلغاء)» أي إعلانات من البث أو النشر، بما فيها تلك التي كان مقرراً بثها ليل الأحد.

وجاء قرارها بعدما أفادت وزارة الأمن الداخلي، في ملف قدمته للمحكمة السبت، بأن الإعلانات «لن تستمر» بعد الأحد، وأنه لا توجد لديها أي خطط لشراء مساحات إعلانية إضافية بعد ذلك التاريخ.

وكان الرئيس ترمب أعلن أن أموال الحملة الانتخابية ستُستخدم لدفع تكاليف الإعلانات مستقبلاً.

ويحظر الأمر القضائي على الإدارة «استخدام أو صرف أو تحويل الأموال» المخصصة لوزارة الأمن الداخلي «لتطوير أو إنشاء أو نشر أو بث أو توزيع أو عرض» الإعلانات.

وبدأت الإعلانات، التي بُثّت أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، ببث إعلان يشبه إعلانات حملة ترمب الرئاسية لعام 2024، وآخر يظهر فيه هو ووزير الحرب، بيت هيغسيث، يروجان للحرب على إيران.

وتمجد هذه الإعلانات ترمب وتعكس خطابه السياسي قبل الانتخابات النصفية للكونغرس في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويعرض أحدها مقطعاً لترمب يتحدث فيه عن خطر الشيوعية، بينما يعيد آخر بث إعلان من حملته الرئاسية السابقة. وبدأ بث الإعلان الـ5 في الحملة الثلاثاء الماضي، وهو يركز على اعتقال إدارة ترمب الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو.

وموّلت هذه الإعلاناتِ 20 مليون دولار أضافها مكتب الإدارة والميزانية إلى بند في ميزانية وزارة الأمن الداخلي مخصص لـ«النشاطات التذكارية»، وفقاً لما نشرته صحيفة «واشنطن بوست» سابقاً. وكان الكونغرس وافق على هذا الإنفاق لـ«نصب تذكارية لشهداء الخدمة، واحتفالات الذكرى السنوية للوزارة أو الوكالة، ومراسم التكريم»، وفق تقرير للجنة الميزانية في مجلس النواب.

وأيدت القاضية روشون ائتلافاً يشمل منظمة «كومن كوز» الرقابية غير الحزبية، التي طعنت في الإعلانات ووصفتها بأنها تُخالف القانون الفيدرالي الذي يمنع الوكالات من استخدام أموال دافعي الضرائب لأغراض «الدعاية والترويج» غير المصرح به.

وكتبت روشون أنه «لا يجوز للمدعَى عليهم توقيع أو تجديد أو توسيع أي اتفاق يجيز تطوير أو إنشاء أو نشر أو وضع أو بث الإعلانات محل الطعن» خلال فترة سريان أمرها التي تمتد أسبوعين، بعدما رجحت أن المدعين «سينجحون في دعواهم» وأنهم «سيتكبّدون ضرراً لا يمكن جبره في حال عدم صدور أمر قضائي».

ولم يعلق ترمب على الأمر القضائي، لكن بعد ردود فعل غاضبة من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين، صرّح في 5 أكتوبر (تشرين الأول) بأن لجنته السياسية ستغطي تكاليف الإعلانات المستقبلية.

وعبرت منظمة «ديمقراطية إلى الأمام» القانونية الخيرية عن «ارتياحها لسرعة استجابة المحكمة»، قائلة: «يسرنا أن المحكمة تحركت بسرعة لمنع استخدام مزيد من أموال دافعي الضرائب في مثل هذه الدعاية السياسية غير القانونية بشكل صارخ. لا يوجد أي مبرر قانوني - ولا سابقة - للرئيس لاستخدام أجهزة الدولة والأموال التي خصصها الكونغرس لأغراض أخرى؛ للتأثير على نتائج الانتخابات بما يخدم أجندته الشخصية».

وخلال الأسبوع الماضي، رفعت «اللجنة الوطنية الديمقراطية» دعوى قضائية منفصلة بشأن الإعلانات، مدعية أنها تخالف قواعد الإنفاق الانتخابي وتصعب على مرشحي المجموعة المنافسة.

وكذلك أثار استخدام الأموال العامة انتقادات حتى من بعض أعضاء الحزب الجمهوري. وصرح زعيم الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ، السناتور جون ثون، بأن الإعلانات «ينبغي ألا تمول من دافعي الضرائب».


ماسك يضخّ أموالاً غير مسبوقة لدعم الجمهوريين في الانتخابات

إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (أرشيفية - أ.ب)
إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (أرشيفية - أ.ب)
TT

ماسك يضخّ أموالاً غير مسبوقة لدعم الجمهوريين في الانتخابات

إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (أرشيفية - أ.ب)
إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (أرشيفية - أ.ب)

بات الملياردير إيلون ماسك أكبر ممول معروف للمرشحين الجمهوريين للانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، التي تُجرى بعد 3 أسابيع؛ إذ ضخ أكثر من 276 مليون دولار؛ أملاً في الحفاظ على غالبيتهم بمجلسَي النواب والشيوخ، ضمن خطوات تتلاقى مع إجراءات أخرى يتخذها الرئيس دونالد ترمب للحد من التصويت للمنافسين الديمقراطيين، بما في ذلك عبر مشروعات لإثبات الجنسية، وإبراز بطاقة هوية عند صناديق الاقتراع، فضلاً عن الحد من التصويت عبر البريد.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ممثلي أغنى رجل في العالم أرقاماً لم تُنشر من قبل بشأن تبرعات ماسك السياسية، ومنها 158 مليون دولار لـ«صندوق قيادة مجلس الشيوخ»، الذي يدعم مرشحي الحزب خلال الصيف، في حين يعدّ هذا أحد أكبر التبرعات السياسية في التاريخ الأميركي، بل هو يتجاوز ما جمعه «الصندوق الديمقراطي» من كل مانحيه في الفترة ذاتها.

كما أنشأ ماسك حملة حشد جمهورية عبر «لجنة أميركا سياسية» التي أسسها عام 2024. وتبرع بأكثر من 76 مليون دولار أُنفقت خلال الصيف على بناء برنامج حملات انتخابية لحشد الناخبين الجمهوريين الذين يصعب الوصول إليهم. وتنشط المجموعة في 7 دوائر انتخابية متنازع عليها في مجلس الشيوخ، وفي نحو 30 دائرة انتخابية بمجلس النواب.

الأموال الانتخابية

وكان ماسك تبرع بمبالغ طائلة، بلغت نحو 366 مليون دولار، للجان الفيدرالية خلال الدورة الانتخابية 2025 - 2026؛ أكثر مما تبرع به خلال انتخابات 2024، حين أنفق نحو 290 مليون دولار لمساعدة الرئيس ترمب والجمهوريين على العودة إلى السلطة. وقدم تبرعات أكبر بكثير، لم يفصح عنها، خلال كلتا الانتخابات.

وأسهم ضخ الأموال الهائل هذا في منح الحزب الجمهوري ميزة مالية في الانتخابات النصفية التي تُجرى يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مما يمكّن جماعات ممولة بشكل جيد، مثل «لجنة العمل السياسي» القوية التابعة لترمب، من إغراق وسائل الإعلام بالإعلانات في الأسابيع الأخيرة. ولا يضاهي أي ملياردير ديمقراطي ما ينفقه ماسك. ولا يزال المال مصدرَ قلق رئيسياً للحزب الديمقراطي في ظل بيئة سياسية مواتية.

وتُمكّن هذه التبرعات ماسك، الذي يشرف على إمبراطورية شركات ضخمة استفادت من عقود فيدرالية هائلة، من المحافظة على نفوذه في السياسة الأميركية. وهو قد التزم الصمت حيال نشاطه السياسي منذ خلافه الحاد مع ترمب العام الماضي. بيد أن العلاقة بينهما عادت إلى سابق عهدها، وظهرا معاً في 3 نشاطات خلال الأسبوعين الماضيين، وأشاد كل منهما بالآخر.

والآن، تبرع ماسك بأكثر من ربع مليار دولار لدعم ترمب والجمهوريين في الانتخابات المقبلة.

ميول يمينية

وتشير هذه التبرعات إلى التزام ماسك اليمين، فضلاً عن استعداده ليكون لاعباً محتملاً في الانتخابات الرئاسية عام 2028. وأعلنت لجنته السياسية عزمها مواصلة نشاطها، وهي أول مرة تؤكد فيها مثل هذه الخطط.

وإلى جانب تبرعات ماسك للجنته السياسية و«صندوق قيادة مجلس الشيوخ»، أفاد ممثلوه بأنه قدم، خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) الماضيين، مبالغ أصغر حجماً؛ لكنها لا تزال كبيرة، لجماعات محافظة أخرى، منها 20 مليون دولار لـ«صندوق قيادة الكونغرس»، وهو اللجنة السياسية الرئيسية لأعضاء مجلس النواب الجمهوريين، و10 ملايين دولار لـ«لجنة لون ستار ليبرتي» التي تدعم المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن تكساس كين باكستون، و10 ملايين دولار لـ«رابطة حكام الولايات الجمهوريين»، ومليونا دولار لـ«رابطة المدّعين العامين الجمهوريين».

وبالإضافة إلى الـ276 مليون دولار المبلغ عنها، قدم ماسك أيضاً تبرعات بملايين الدولارات لدعم مرشحي الانتخابات النصفية عبر جهات غير ملزمة الإفصاح عن هوية مانحيها.

الضغوط الترمبية

امرأة ترفع قبضتها وتحمل لافتة كُتب عليها «صوّت» خلال مسيرة «دافع عن حق التصويت» عند نصب لينكولن التذكاري بواشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، لم تنجح ضغوط ترمب المختلفة في طمأنة الجمهوريين حيال الاستطلاعات المتعلقة بالانتخابات.

وبالإضافة إلى ضغوطه على الكونغرس لإقرار قانون إثبات الجنسية، وجهوده للحد من التصويت عبر البريد من خلال تغييرات في خدمة البريد، يدخل حيز التنفيذ هذا العام أكثر من 30 قانوناً انتخابياً أُقرت في ولايات يسيطر عليها الجمهوريون، ويتضمن كثير منها عناصر من مقترحات ترمب، مثل تغيير أنواع بطاقات الهوية المقبولة للتسجيل لأول مرة، واشتراطات لإثبات الجنسية.

ويسعى بعض القوانين الجديدة إلى تسهيل عملية التصويت. ويواصل آخرون في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون نهجاً بدأ في عام 2021 بعد ادعاءات ترمب بشأن وجود تزوير واسع النطاق في خسارته الانتخابات الرئاسية عام 2020 أمام الديمقراطي جو بايدن.

ومن التغييرات التي يواجهها الناخبون مع بدء التصويت المبكر: لم يعد بإمكان الطلاب في نيوهامشاير استخدام بطاقات هويتهم الطلابية. ويجب على ناخبي يوتاه الذين يعيدون بطاقات الاقتراع عبر البريد تضمين مزيد من المعلومات على الظرف. وقد يحتاج بعض الناخبين في ولاية ميسيسيبي إلى شهادات ميلاد أو جوازات سفر للتحقق من هوياتهم.

أصبحت قوانين التصويت والانتخابات هدفاً متكرراً للهيئات التشريعية. وسعت إدارة ترمب إلى تطبيق استراتيجيات متعددة للتأثير على انتخابات هذا العام، إلا إن معظمها أُحبط من قبل الكونغرس أو المحاكم.


جولة انتخابية لترمب لمحاولة إنقاذ الغالبية الجمهورية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية لدى نزوله من الطائرة «مارين 1» في عودته للبيت الأبيض السبت الماضي (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية لدى نزوله من الطائرة «مارين 1» في عودته للبيت الأبيض السبت الماضي (أ.ب)
TT

جولة انتخابية لترمب لمحاولة إنقاذ الغالبية الجمهورية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية لدى نزوله من الطائرة «مارين 1» في عودته للبيت الأبيض السبت الماضي (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية لدى نزوله من الطائرة «مارين 1» في عودته للبيت الأبيض السبت الماضي (أ.ب)

يكثف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، جولاته الانتخابية هذا الأسبوع؛ في محاولة لحماية الغالبية الجمهورية في الكونغرس، وذلك قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وسط مؤشرات على تراجع شعبيته ومخاوف جمهورية من خسارة مجلس النواب وتهديد السيطرة على مجلس الشيوخ.

وتشمل تحركات ترمب زيارة أوهايو الاثنين لدعم السيناتور الجمهوري جون هوستد، ثم ألاسكا الثلاثاء لمساندة السيناتور دان سوليفان، إلى جانب محطات في أريزونا ومونتانا لدعم مرشحين يخوضون سباقات متقاربة.

وتأتي الجولة امتداداً لزيارات شملت أوكلاهوما وألاباما ونبراسكا وتكساس وتينيسي، وهي ولايات منحته دعماً قوياً في انتخابات 2024. ويكشف اختيار ولايات جمهورية تقليدياً عن تحولٍ في استراتيجية البيت الأبيض من استمالة المستقلين في الولايات المتأرجحة إلى تعبئة القاعدة المحافظة، ومخاوف من أن شعبية ترمب الشخصية لا تنتقل تلقائياً إلى مرشحي الحزب عندما لا يكون اسمه على بطاقة الاقتراع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)

وتزداد المخاوف مع تراجع تأييد الرئيس ترمب إلى نحو 32 في المائة في استطلاع «رويترز - إبسوس»، وإلى منتصف «الثلاثينات» في تقديرات أخرى، بالتزامن مع ضغوط ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة وتداعيات الحرب مع إيران. وأفادت تقارير صحافية بأن قيادات جمهورية بدأت تعيد توجيه الموارد المالية لحماية مقاعد كانت تُعد آمنة، خصوصاً في تكساس وألاسكا وأيوا وأوهايو، بينما يحاول بعض المرشحين الابتعاد عن سياسات ترمب التجارية والعسكرية من دون الدخول في مواجهة مباشرة معه.

لعنة انتخابات منتصف الولاية

تعيد أرقام ترمب إلى الواجهة إحدى أرسخ القواعد في السياسة الأميركية؛ فحزب الرئيس غالباً ما يدفع الثمن في انتخابات منتصف الولاية. فمنذ 1934 وحتى 2022، خسر حزب الرئيس في المتوسط نحو 27 مقعداً في مجلس النواب و3 في مجلس الشيوخ، وإن ظلت عوامل مثل الاقتصاد، والحروب، ونوعية المرشحين، والخريطة الانتخابية، قادرة على تغيير حجم الخسارة. وترمب نفسه اختبر هذه القاعدة عام 2018. فقد دخل الانتخابات بنسبة تأييد بلغت نحو 44 في المائة، وخسر الجمهوريون 41 مقعداً في مجلس النواب وانتقلت السيطرة عليه إلى الديمقراطيين، رغم إضافة الحزب مقعدين في مجلس الشيوخ بفضل خريطة انتخابية مواتية.

ناخبون يدلون بأصواتهم خلال فترة التصويت المبكر بمجلس انتخابات مقاطعة هاميلتون يوم 9 أكتوبر 2026 في نوروود بولاية أوهايو الأميركية (رويترز)

وتشير التجارب التاريخية إلى أن حاجز الـ50 في المائة يمثل مؤشراً مهماً. فمنذ عام 1946، خسر حزب الرئيس في المتوسط نحو 14 مقعداً في مجلس النواب عندما تجاوزت شعبيته 50 في المائة، مقابل نحو 36 مقعداً عندما كانت دون ذلك المستوى.

بوش وأوباما وكلينتون

وتقدم تجربة جورج بوش الابن المثال الأوضح على تأثير شعبية الرئيس. ففي 2002، وبعد عام من «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، بلغت شعبيته نحو 67 في المائة، وكسر الجمهوريون القاعدة التاريخية، مضيفين 8 مقاعد في مجلس النواب ومقعدين في مجلس الشيوخ. لكن الصورة انقلبت عام 2006 عندما هبط تأييده إلى نحو 37 في المائة وسط الاستياء من حرب العراق، فخسر الجمهوريون 30 مقعداً في مجلس النواب و6 في مجلس الشيوخ، وفقدوا المجلسين.

أما باراك أوباما، فدخل انتخابات 2010 بتأييد بلغ نحو 45 في المائة، وسط بطالةٍ مرتفعة، ومعارضةٍ لقانون الرعاية الصحية، وصعود حركة «حزب الشاي». وكانت النتيجة خسارة الديمقراطيين 63 مقعداً في مجلس النواب و6 في مجلس الشيوخ. وفي 2014، كانت شعبيته أقل؛ نحو 41 في المائة، لكن خسائر مجلس النواب اقتصرت على 13 مقعداً، مما يؤكد أن شعبية الرئيس ليست العامل الوحيد.

عميل بالخدمة السرية يراقب الحضور خلال تجمع انتخابي للجمهوريين في كلاركسفيل بولاية تنيسي الأميركية السبت الماضي (رويترز)

وتكرر النمط مع بيل كلينتون عام 1994، عندما كانت شعبيته في منتصف الأربعينات، وخسر الديمقراطيون 54 مقعداً في مجلس النواب، و8 في مجلس الشيوخ، في «الثورة الجمهورية» التي أعادت للحزب السيطرة على مجلس النواب لأول مرة منذ 4 عقود. لكن عندما ارتفعت شعبية كلينتون إلى نحو 65 في المائة عام 1998، كسر الديمقراطيون القاعدة وأضافوا مقاعد بدلاً من خسارتها.

استثناء بايدن

غير أن انتخابات 2022 قدمت تحذيراً من التعامل مع شعبية الرئيس على أنها معادلة حسابية. فقد كان تأييد جو بايدن عند نحو 40 في المائة، ومع ذلك خسر الديمقراطيون 9 مقاعد فقط في مجلس النواب وأضافوا مقعداً في مجلس الشيوخ، وفشلت «الموجة الحمراء» المتوقعة. وكان أحد الأسباب الرئيسية قرار المحكمة العليا إلغاء الحماية الدستورية الفيدرالية للإجهاض، الذي رفع حماس الناخبين الديمقراطيين للتصويت لمصلحة الحزب الديمقراطي، إلى جانب بعض المرشحين الجمهوريين الغاضبين من قرار المحكمة العليا. وأثبتت التجربة أن الرئيس غير الشعبي يمثل عبئاً، لكنه لا يحدد بمفرده النتيجة.

السيناتور جون هوستيد يصافح الرئيس دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي بمدرسة «بتلر» الثانوية في فانداليا بولاية أوهايو يوم 3 أكتوبر 2026 (رويترز)

وهنا تكمن معضلة الجمهوريين في 2026. فنسبة تأييد ترمب الحالية أدنى من مستواه عشية انتخابات 2018، وأقل من مستويات كلينتون في 1994 وأوباما في 2010 وبايدن في 2022. لكنها لا تعني تلقائياً موجة ديمقراطية زرقاء؛ في ظل إعادة ترسيم الدوائر، والاستقطاب الحزبي، وقدرة بعض المرشحين الجمهوريين على التفوق محلياً على أرقام الرئيس.

وفي المقابل، تمنح تكاليف المعيشة والطاقة والحرب مع إيران الديمقراطيين أرضية للهجوم. وتبقى المفارقة أن اسم ترمب لن يكون على بطاقة الاقتراع، لكن الانتخابات ستتحول بدرجة كبيرة استفتاءً على رئاسته. والتحدي في جولاته الحالية هو إثبات أن قدرته على تعبئة القاعدة لا تزال أكبر من قدرة تراجع شعبيته على تعبئة خصومه. فإذا كان التاريخ يشير إلى أن الرئيس غير الشعبي يُثقل كاهل حزبه، فإن تجربة بايدن تذكّر بأن السؤال الحاسم ليس فقط مدى شعبية الرئيس، بل أي طرف لديه الدافع الأقوى للخروج والتصويت ضده أو من أجله.