ترمب: الولايات المتحدة ستسيطر على قطاع غزة... وتحوله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»

خلال المؤتمر الصحفي للرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض (رويترز)
خلال المؤتمر الصحفي للرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب: الولايات المتحدة ستسيطر على قطاع غزة... وتحوله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»

خلال المؤتمر الصحفي للرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض (رويترز)
خلال المؤتمر الصحفي للرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض (رويترز)

تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن تسيطر الولايات المتحدة  على قطاع غزة المدمر بسبب الحرب بعد إعادة توطين الفلسطينيين في أماكن أخرى وتطويره اقتصاديا.

ومن شأن هذه الخطوة أن تضرب عرض الحائط بالسياسة الأميركية المستمرة منذ عقود تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وكشف ترمب عن خطته المفاجئة من دون تقديم تفاصيل في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الزائر بنيامين نتنياهو. وجاء الإعلان في أعقاب اقتراح ترمب الصادم أمس الثلاثاء بإعادة توطين الفلسطينيين بشكل دائم من قطاع غزة في دول مجاورة، ووصف القطاع بأنه «موقع هدم».

وقال ترمب للصحفيين «الولايات المتحدة ستتولى السيطرة على قطاع غزة وسنقوم بعملنا معه أيضا. سنكون مسؤولين عن تفكيك جميع القنابل غير المنفجرة الخطيرة والأسلحة الأخرى في الموقع». وأضاف ترمب «إذا لزم الأمر، فسنفعل ذلك، وسنستولي على تلك القطعة، وسنطورها، وسنوجد الآلاف والآلاف من الوظائف، وستكون شيئا يمكن للشرق الأوسط بأكمله أن يفخر به». وعندما سُئل عمن سيعيش هناك، قال ترمب إنها قد تصبح موطنا «لشعوب العالم» وتوقع أن تصبح «ريفييرا الشرق الأوسط».

وقال نتنياهو إن ترمب «يفكر خارج الصندوق بطرح أفكار جديدة.. يظهر استعدادا لنسف التفكير التقليدي». وخاض الجيش الإسرائيلي حربا مع حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في غزة لأكثر من عام.

لكن ترمب لم يرد بشكل مباشر على سؤال عن كيف ستستطيع الولايات المتحدة الاستيلاء على أرض غزة واحتلالها على المدى الطويل وتحت أي سلطة يمكنها فعل ذلك. وقال «أتوقع ملكية طويلة الأمد وأرى أن ذلك سيجلب استقرارا كبيرا لهذا الجزء من الشرق الأوسط»، مضيفا أنه تحدث إلى زعماء المنطقة وأيدوا الفكرة. وأضاف ترمب «لقد درست هذا الأمر عن كثب على مدى أشهر عديدة»، قائلا إنه سيزور غزة ولكن دون أن يحدد الموعد.

ودعا ترمب في وقت سابق من أمس الثلاثاء الأردن ومصر مرة أخرى إلى استقبال سكان غزة، قائلا إن الفلسطينيين هناك ليس لديهم بديل سوى مغادرة القطاع الساحلي في أثناء إعادة بنائه بعد حرب طاحنة بين إسرائيل ومسلحي حماس استمرت نحو 16 شهرا. لكن هذه المرة قال ترمب إنه سيدعم إعادة توطين الفلسطينيين «بشكل دائم»، متجاوزا اقتراحاته السابقة التي رفضها الزعماء العرب بشدة بالفعل.

ومن المرجح أن يشكل التهجير القسري لسكان غزة انتهاكا للقانون الدولي، وسوف يلقى معارضة شديدة ليس فقط في المنطقة وإنما من جانب حلفاء واشنطن الغربيين أيضا. واستنكر القيادي في حماس سامي أبو زهري دعوة ترمب سكان قطاع غزة إلى مغادرته وقال إنها «طرد من أرضهم». وأضاف «نعتبرها وصفة لإنتاج الفوضى والتوتر في المنطقة، لأن أهل غزة لن يسمحوا بتمرير هذه المخططات، والمطلوب هو إنهاء الاحتلال والعدوان على شعبنا».

ولم يقدم ترمب أي تفاصيل عن كيفية تنفيذ عملية إعادة التوطين، لكن مقترحه يوافق رغبات اليمين المتطرف في إسرائيل ويتناقض مع التزام سلفه جو بايدن بعدم النزوح الجماعي للفلسطينيين. وأكدت السعودية رفضها أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وقالت إنها لن تقيم علاقات مع إسرائيل دون إقامة الدولة الفلسطينية.

وبعد مضي أسبوعين فقط على بداية فترته الثانية، استضاف ترمب نتنياهو في البيت الأبيض لمناقشة مستقبل وقف إطلاق النار في غزة واستراتيجيات مواجهة إيران والآمال في تجديد الدفع نحو اتفاق تطبيع للعلاقات الإسرائيلية السعودية. وجاء اقتراحه بشأن غزة بعد أسبوعين محمومين في منصبه تحدث خلالهما ترمب عن استيلاء الولايات المتحدة على غرينلاند، وحذر بنما بشأن طريقة تعاملها مع قناة بنما، وأعلن أن كندا يجب أن تكون الولاية الأميركية الحادية والخمسين.

وقال للصحفيين قبل قليل من وصول نتنياهو «إنها منطقة هدم خالصة. إذا تمكنا من العثور على قطعة الأرض المناسبة، أو قطع كثيرة من الأرض، وبناء أماكن جميلة عليها مع وجود الكثير من المال في المنطقة، فهذا أمر مؤكد. أعتقد أن هذا سيكون أفضل بكثير من العودة إلى غزة».وحين سئل عن رد فعل الزعماء الفلسطينيين والعرب على اقتراحه، قال ترمب «لا أعرف كيف يمكن لهم (الفلسطينيون) أن يرغبوا في البقاء». وفي وقت لاحق، أدلى ترمب بتصريحات مماثلة ونتنياهو إلى جواره في المكتب البيضاوي، لكنه اقترح أن يغادر الفلسطينيون غزة إلى الأبد «في منازل جميلة حيث يمكنهم أن يكونوا سعداء ولا يتعرضون لإطلاق النار والقتل». وقال «إنهم لن يرغبوا في العودة إلى غزة».

وفي مؤتمر صحفي مشترك بعد محادثاتهما، أكد ترمب على اقتراحه، ووصف قطاع غزة بأنه «رمز للموت والدمار» منذ فترة طويلة، وقال إن الفلسطينيين هناك يجب إيواؤهم في «مناطق مختلفة» في بلدان أخرى. وقال إن الولايات المتحدة ستتولى السيطرة على قطاع غزة، و«تهدمه» وتوجد تنمية اقتصادية، لكنه لم يذكر كيف.وطرح ترمب، الذي عمل في تطوير العقارات قبل دخوله عالم السياسة، رؤية متفائلة لاستيلاء الولايات المتحدة على غزة بينما تجنب الخوض في تفاصيل عن كيفية تعامل الولايات المتحدة مع الجيب وتأمينه. وكان غامضا أيضا بشأن المكان الذي سيذهب إليه السكان الفلسطينيون في غزة، قائلا إنه واثق من أن مصر والأردن ستستقبلان الكثير منهم، على الرغم من رفض البلدين بالفعل للفكرة.

وأشاد ترمب بالشريط الساحلي الضيق، قائلا إن لديه إمكانات لأن يكون «ريفييرا الشرق الأوسط». وتسبب الهجوم العسكري الإسرائيلي، الذي أعقب هجوم حماس عبر الحدود في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في تسوية مساحات كبيرة من القطاع بالأرض.

ولم يناقش نتنياهو، الذي أشار إليه ترمب عدة مرات بلقبه «بيبي»، الاقتراح بعمق بخلاف الثناء على الرئيس الأميركي لاتباعه نهجا جديدا. وشبه بعض المدافعين عن حقوق الإنسان اقتراح ترمب بالتطهير العرقي.

وهذا أول اجتماع لترمب مع زعيم أجنبي منذ عودته إلى منصبه في 20 يناير (كانون الثاني)، ويستهدف إظهار العلاقات الوثيقة بين الرئيس الأميركي ونتنياهو بعد فترة من العلاقات المتوترة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي وبايدن بسبب طريقة تعامل إسرائيل مع الحرب في غزة.لكن نتنياهو قد يتعرض أيضا لضغوط من رئيس أميركي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته أحيانا ولا تتطابق أهدافه السياسية الأوسع نطاقا في الشرق الأوسط دائما مع مصالح نتنياهو المحلية والجيوسياسية.

 

 


مقالات ذات صلة

تباعد الأولويات يعمّق الخلاف بين واشنطن وطهران

شؤون إقليمية ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تباعد الأولويات يعمّق الخلاف بين واشنطن وطهران

أضحت الخلافات الجوهرية في مسار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران تتركز على أولويات الأجندة؛ إذ تتمسك واشنطن باتفاق نووي بينما تركز طهران على مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)

من الحقنة السامة إلى غاز النيتروجين... كيف تُعدم أميركا محكوميها؟

من الحقنة المميتة إلى غاز النيتروجين... كيف تحولت طرق الإعدام في أميركا إلى معركة تشريعية وقانونية؟

كوثر وكيل (لندن)
أميركا اللاتينية صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة البرازيلية اليساري لولا دا سيلفا والسيناتور المحافظ فلافيو بولسونارو (رويترز)

البرازيليون يختارون بين لولا وفلافيو بولسونارو تحت أنظار ترمب

بدأ البرازيليون التصويت الأحد للاختيار بين الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه المحافظ فلافيو بولسونارو، وسط توقعات بالذهاب إلى دورة ثانية.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يعلن تشكيل فريق لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تشكيل «قوة الذكاء الفائق»، وتعيين مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون، لقيادة فريق عمل مكلَّف بتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أميركيون يشاركون في تجمع انتخابي للرئيس ترمب بولاية أوهايو السبت (أ.ف.ب)

الديمقراطيون يقتحمون معاقل ترمب قبل الانتخابات

اتسعت خريطة المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى 10 ولايات فاز بها الرئيس ترمب بفارق كبير في انتخابات 2024، في مؤشر على تحول لافت بالسباق الانتخابي.

هبة القدسي (واشنطن)

أميركا: مقتل شخصين وإصابة العشرات جراء إطلاق نار بولاية جورجيا

عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

أميركا: مقتل شخصين وإصابة العشرات جراء إطلاق نار بولاية جورجيا

عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

قتل شخصان بالرصاص وأصيب ما يقرب من ثلاثين شخصاً آخرين في حفل أقيم بحي سكني، في وقت مبكر من صباح اليوم الأحد، بولاية جورجيا الأميركية، حسبما أفاد مسؤولو إنفاذ القانون بالولاية.

وقال مكتب التحقيقات في جورجيا، في بيان، إن عناصر الشرطة بمقاطعة دولي كانوا يقومون بدورية في حفل بحي سكني نحو الساعة 01:25 صباح اليوم الأحد في مدينة فيينا عندما تم إطلاق أعيرة نارية، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال مسؤولون إن عناصر الشرطة عثروا على شخصين مقتولين في مكان الحادث والعديد من الأشخاص الآخرين الذين أصيبوا بالرصاص. ولم تحدد الشرطة أياً من المصابين الـ35 في الواقعة أصيب بالرصاص، ولم تقدم أي تفاصيل حول إصاباتهم ومدى خطورتها. وقال مكتب التحقيقات في جورجيا إن الضحايا تم نقلهم إلى عدة مستشفيات لتلقي العلاج. وأضاف المكتب أنه يجري تشريح جثتي القتيلين.


من الحقنة السامة إلى غاز النيتروجين... كيف تُعدم أميركا محكوميها؟

غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)
غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)
TT

من الحقنة السامة إلى غاز النيتروجين... كيف تُعدم أميركا محكوميها؟

غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)
غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)

تحتل عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة الأميركية مكانةً بالغة التعقيد والخصوصية في النظام الجنائي الغربي، إذ لا تُشكِّل مجرد ممارسة عقابية موحدة، بل تمثل مرآة للانقسام الجغرافي والسياسي والتشريعي العميق بين الولايات.

ووفقاً للبيانات الموثَّقة لدى «مركز معلومات عقوبة الإعدام (DPIC)»، تظل العقوبة مدرجة رسمياً وقانونياً في 27 ولاية، بالإضافة إلى تطبيقها على المستوى الفيدرالي وداخل المؤسسة العسكرية.

وفي المقابل، نجحت 23 ولاية (إلى جانب العاصمة واشنطن) في إلغاء العقوبة تماماً، بينما تتبنى ولايات كبرى، وفي مقدمتها كاليفورنيا وأوريغون، سياسة «الوقف الاختياري المعلق» بقرارات مباشرة من حكامها.

ولا تملك عاصمة القرار، واشنطن، كلمة الفصل في كيفية إنهاء حياة المحكومين، بل تُرك الأمر لكل ولاية لتصيغ بروتوكولها الخاص.

ويبرز هذا التباين بوضوح عند تأمل آليات التنفيذ، حيث تتصدر الحقنة المميتة المشهد في 27 ولاية بوصفها وسيلةً رئيسيةً.

غير أن النقص الحاد في العقاقير السامة والملاحقات القانونية دفع ولايات عدة لتفعيل بدائل توصف بالوحشية، فبينما تُبقي 9 ولايات على الكرسي الكهربائي ملاذاً ثانياً تتيح 9 ولايات أخرى غرف الغاز، في حين تحتفظ 5 ولايات بخيار الرمي بالرصاص.

وفي طليعة هذه المنظومة تبرز ولاية تكساس، «عاصمة الإعدام الأميركية»، التي نفَّذت وحدها أكثر من 602 عملية إعدام منذ عام 1976، متبوعة بولاية فلوريدا بـ141 عملية.

وفي تكساس، يُحقَن السجين بجرعة مكثفة من عقار «البنتوباربيتال» في وريد الذراع.

أما أوكلاهوما (132 عملية)، فقد شهدت غرفتها تجارب مريرة لخلط 3 عقاقير تسببت مراراً في حروق داخلية مرعبة قبل الموت.

وفي المقابل، اختارت ولاية ألاباما هذا العام سلوك درب مغاير تماماً عبر تقنية اختناق النيتروجين، حيث يُجبَر السجين على تنفس الغاز النقي عبر قناع محكم حتى يتوقف دماغه عن العمل لقلة الأكسجين.

وبالموازاة مع ذلك، تعيش ولايات مثل كاليفورنيا مفارقة كبرى، فبينما تضم أكبر «طابور إعدام» في البلاد بمئات السجناء، فإن حاكمها يفرض وقفاً اختيارياً للتنفيذ منذ عقود.

غرفة الإعدام بالحقنة المميتة التابعة لولاية ألاباما تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 7 أكتوبر 2002 داخل سجن هولمان الإصلاحي في مدينة أتمور (أسوشييتد برس)

أسماء حُفرت في سجلات الإعدام بين الجنسين

تكشف الإحصاءات التراكمية التاريخية عن اختلال ديموغرافي هائل ومستمر بين الجنسين داخل زنازين طابور الإعدام (Death Row) وفي السجلات التاريخية للمُنفَّذة بحقهم الأحكام.

فمنذ إعطاء الضوء الأخضر القضائي لإعادة تفعيل العقوبة في العصر الحديث عام 1977، نُفِّذ الحكم بحق ما يزيد على 1680 رجلاً، بينما لم يتجاوز عدد النساء اللواتي نُفِّذت بحقهن الأحكام 18 امرأة فقط طوال نصف قرن، وهو ما يمثل نسبة ضئيلة تقارب 2 في المائة فقط من إجمالي الحالات.

ويُعزى هذا الفارق الضخم، حسب الخبراء القانونيِّين والاجتماعيِّين، إلى طبيعة الجرائم الجنائية المرتَكبة، حيث يميل العنصر النسائي إجمالاً إلى عدم الانخراط في جرائم القتل المقترنة بظروف تشديدية قاسية كالاختطاف والسرقة المسلحة، وهي الجرائم الرئيسية التي يبيح القضاء الأميركي دستوريّاً معاقبتها بالإعدام.

كما تلعب الدفوع القانونية المرتبطة بالخلفيات النفسية، وتاريخ التعرض للاعتداءات، دوراً كبيراً في تخفيف الأحكام الصادرة بحق النساء من الإعدام إلى السجن المؤبد في أثناء المحاكمات.

تيموثي ماكفي العقل المدبر لتفجير أوكلاهوما الإرهابي عام 1995 (إف بي آي)

وحُفرت في الذاكرة القضائية أسماء ذكور هزَّت جرائمهم الرأي العام الأميركي، فإلى جانب تيموثي ماكفي، العقل المدبر لتفجير أوكلاهوما الإرهابي عام 1995 والذي أُعدم بالحقنة المميتة عام 2001. نجد القاتل المتسلسل الشهير تيد باندي الذي صُعق بالكرسي الكهربائي صباح يوم 24 يناير (كانون الثاني) في سجن ولاية فلوريدا عام 1989.

واعترف باندي رسمياً بقتل 30 امرأة وفتاة في 7 ولايات أميركية مختلفة خلال فترة السبعينيات. ومع ذلك، فإن الخبراء والمحققين الجنائيين يقدرون أن العدد الحقيقي لضحاياه أعلى من ذلك بكثير، وقد يتجاوز 100 ضحية، نظراً لأن العديد من الجرائم والملفات بقيت غامضة ولم يُعثر على جثث ضحاياها.

القاتل المتسلسل الشهير تيد باندي (ويكيبيديا)

يبرز أيضا اسم جون واين غيسي المعروف بـ«المهرج القاتل» الذي أُعدم في إلينوي عام 1994 بعد إدانته بقتل 33 شاباً وصعَّب انسداد أنبوب المحاليل من عملية حقنه بالسم لـ18 دقيقة كاملة.

جون واين غيسي المعروف بـ«المهرج القاتل» الذي أُعدم في إلينوي عام 1994 (ويكيبيديا)

كما لا يغيب عن السجلات اسم ستانلي «توكي» ويليامز، مؤسِّس عصابة «كريبس» الشهيرة في لوس أنجليس، الذي تحوَّل داخل سجنه إلى كاتب لأدب الأطفال ومناهض للعنف ورُشِّح لجائزة «نوبل»، إلا أن حاكم كاليفورنيا آنذاك أرنولد شوارزنيغر رفض العفو عنه لِيُعدَم بالحقنة عام 2005 وسط احتجاجات شعبية عارمة.

ستانلي «توكي» ويليامز، مؤسِّس عصابة «كريبس» الشهيرة في لوس أنجليس (ويكيبيديا)

وبالمثل، شهدت المقاطعات إعدام قتلة متسلسلين بارزين مثل وليام بونين، المعروف بـ«قاتل الطرق السريعة»، الذي أنهت ولاية كاليفورنيا حياته كيميائياً عام 1996 بعد ملاحقات قضائية معقدة.

وليام بونين، المعروف بـ«قاتل الطرق السريعة»، الذي أنهت ولاية كاليفورنيا حياته كيميائياً عام 1996 (ويكيبيديا)

وعلى الجانب الآخر، يظل إعدام النساء حدثاً نادراً جداً لم يتجاوز 18 حالة فقط منذ عام 1976. وتتصدر هذه القائمة الوجيزة أسماء طبعت تاريخ العدالة، مثل ليزا مونتغومري التي أُعدمت بعد إدانتها بجريمة قتل مروعة واختطاف بواسطة الحقنة المميتة في الساعات الأولى من صباح يوم 13 يناير (كانون الثاني) 2021، داخل المجمع العقابي الفيدرالي في مدينة تير هوت بولاية إنديانا.

وجاء هذا التنفيذ بناءً على قرار استثنائي من إدارة الرئيس دونالد ترمب الأولى التي رفعت التجميد عن الإعدامات الفيدرالية، لتصبح مونتغومري (52 عاماً آنذاك) أول امرأة تُعدمها الحكومة الفيدرالية الأميركية منذ 67 عاماً.

ليزا مونتغومري أُعدمت في يناير (كانون الثاني) 2021 بقرار فيدرالي استثنائي بعد إدانتها بجريمة قتل مروعة واختطاف (ويكيبيديا)

وتنضم إليها أيلين ورنوس، التي تُعد أشهر قاتلة متسلسلة أميركية أُعدمت بالحقنة المميتة عام 2002 في فلوريدا، وتحولت سيرتها المأساوية إلى فيلم هوليوود الشهير «وحش» (Monster) الذي نالت عنه تشارليز ثيرون جائزة الأوسكار.

كما ألهمت شخصيتها المضطربة العديد من المسلسلات والوثائقيات العالمية التي ركزت على كواليس طفولتها القاسية وتدهور حالتها العقلية خلف القضبان.

أيلين ورنوس، القاتلة المتسلسلة التي نُفِّذ فيها الإعدام في فلوريدا عام 2002 (ويكيبيديا)

كما أُعدمت كارلا فاي تاكر بواسطة الحقنة المميتة في مساء يوم 3 فبراير (شباط) 1998، داخل سجن مدينة هانتسفيل بولاية تكساس، بعد قضائها 14 عاماً في طابور الإعدام إثر إدانتها بجريمة قتل مزدوجة مروعة باستخدام فأس عام 1983.

رغم حملات الالتماس الدولية الواسعة التي طالبت بالعفو عنها بعد تحولها السلوكي داخل السجن.

أُعدمت كارلا فاي تاكر في تكساس عام 1998 (ويكيبيديا)

وإذا إذا ما عدنا إلى الوراء قليلاً، فسنجد حالات تاريخية صاخبة مثل إيثيل روزنبرغ، التي أُعدمت بواسطة الكرسي الكهربائي في مساء يوم 19 يونيو (حزيران) 1953، داخل سجن «سينغ سينغ» الشهير بولاية نيويورك.

وجاء التنفيذ بعد إدانتها برفقة زوجها جوليوس روزنبرغ بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفياتي ونقل أسرار القنبلة الذرية الأميركية خلال ذروة الحرب الباردة، ليصبحا أول مدنيين يُعدمان بتهمة التجسس في وقت السلم في تاريخ الولايات المتحدة.

إيثيل روزنبرغ، أُعدمت بواسطة الكرسي الكهربائي في 1953، داخل سجن «سينغ سينغ» الشهير بولاية نيويورك بعد إدانتها برفقة زوجها جوليوس روزنبرغ (ويكيبيديا)

وتُعد باربرا غراهام سجينة أميركية أُعدمت في غرفة الغاز بولاية كاليفورنيا عام 1955 إثر إدانتها بجريمة قتل، ونالت قضيتها شهرة واسعة بسبب دفاعها المستميت عن براءتها حتى اللحظة الأخيرة.

وقد ألهمت مأساتها ومعاناتها داخل غرفة الموت صناعة السينما في هوليوود من خلال الفيلم الشهير «أريد أن أعيش!» (!I Want to Live) الذي ركّز على التشكيك في نزاهة الحكم الصادر بحقها.

باربرا غراهام التي أُعدمت في غرفة الغاز بولاية كاليفورنيا عام 1955 (ويكيبيديا)

أما المفارقة الأكثر إثارة، فتتجلى في الحالات الاستثنائية التي واجهت تعقيدات تقنية في أثناء تنفيذ الأحكام، حيث شهدت ولاية تينيسي حالة السجينة كريستا غيل بايك التي نُقلت إلى منشأة طبية بعد عدم نجاح محاولة تنفيذ حكم الإعدام بحقها عبر الحقن الوريدي.

زلزال تينيسي: ليلة فشل إعدام كريستا بايك

لم تكن غرف التنفيذ تتوقَّع أن تشهد واحدة من أعقد الأزمات القانونية والإنسانية في التاريخ الحديث للعدالة الأميركية كالتي فجَّرتها حالة السجينة كريستا غيل بايك (50 عاماً) في ولاية تينيسي.

بايك، التي تقبع خلف القضبان منذ نحو 30 عاماً إثر إدانتها بجريمة قتل عام 1995 ولم تكن تبلغ حينها سوى 18 عاماً، تصدَّرت المشهد بوصفها أول امرأة يتقرَّر إعدامها في الولاية منذ 200 عام، كونها المرأة الوحيدة على طابور الإعدام هناك.

كريستا بايك (رويترز)

إلا أن التنفيذ الفعلي واجه عقبات طبية وقانونية بالغة، فرغم سماح المحكمة العليا الأميركية بمواصلة الإجراءات، فإن إتمام العملية بنجاح تعذر؛ بسبب صعوبات لوجستية واجهت الفريق المعني.

وأشار محامو الدفاع في مذكراتهم إلى أن المحكومة عانت من إخفاق كيميائي صارخ، وظلت في حالة حرجة دون توقف قلبها، مما أدى في النهاية إلى نقلها تحت حراسة مشددة إلى منشأة طبية خارجية، حيث وُضعت على أجهزة الدعم الطبي.

ولم تتأخر التداعيات السياسية والتشريعية، إذ سارع حاكم ولاية تينيسي، بيل لي، إلى إعلان تعليق فوري عمليات الإعدام كافة المبرمجة في الولاية حتى نهاية العام، موجهاً بإجراء مراجعة مستقلة لبروتوكولات السجون ما تسبب في استقالة رئيس إدارة السجون في تينيسي فرانك سترادا.

وأثارت الحادثة سجالاً سياسياً حاداً بين مطالبات بالعودة إلى وسائل تنفيذ بديلة، وأطراف أخرى تطالب بإلغاء المنظومة برمتها.

الأزمة التي فجَّرتها واقعة بايك لم تكن سابقة فريدة، بل جاءت امتداداً لسلسلة من الإخفاقات الفنية، مثل مأساة السجين توني كاروثرز في تينيسي نفسها خلال شهر مايو (أيار) حيث عجز الطاقم عن العثور على أوردة صالحة، مما اضطر حاكم الولاية للتدخل ومنحه إرجاءً للتنفيذ.

كاروثرز محكوم بتهمة الاختطاف والقتل العمد لثلاثة أشخاص في مدينة ممفيس، وهي الجريمة البشعة التي تعود فصولها إلى فبراير (شباط) من عام 1994.

السجين توني كاروثرز (مصلحة السجون والإصلاح في ولاية تينيسي)

وتُعيد هذه الواقعة التذكير بقصة السجين روميل بروم في أوهايو عام 2009، الذي أُرجئ تنفيذ حكمه بعد أن نجا أكثر من مرة بسبب صعوبات إجرائية في تجهيز الحقنة الوريدية، ليموت لاحقاً بفيروس «كورونا» داخل السجن عام 2020.

السجين روميل بروم في أوهايو (ويكيبيديا)

ومن قبلهما، واجه السجين كينيث سميث تعذر تنفيذ الحكم بالحقنة المميتة في ألاباما، قبل أن يتم إعدامه لاحقاً مطلع عام 2024 بواسطة غاز النيتروجين في إجراء هو الأول من نوعه.

السجين كينيث سميث (ويكيبيديا)

غير أن التحول الأبرز شهده ملف السجين ريشارد غلوسيب في أوكلاهوما، والذي واجه 9 مواعيد تنفيذ محددة طوال3 عقود، لينتزع حريته أخيراً ويُفرَج عنه بكفالة مالية منتصف عام 2026 بعدما قضت المحكمة العليا بإلغاء إدانته لوجود تلاعب وتستر من الادعاء العام، بانتظار إعادة محاكمته طليقاً.

السجين ريشارد غلوسيب (وزارة الإصلاح والتأهيل في ولاية أوكلاهوما)

عاصفة الإمدادات... والمأزق القانوني لوسائل التنفيذ

تتجاوز الأزمات الأخيرة حدود الولايات الفردية لتسلط الضوء على معضلة بنيوية تواجهها الولايات الأميركية بأكملها، وتتمثل في الشح الحاد في المواد الكيميائية القياسية المستخدمة في الإعدام.

فبسبب المقاطعة القانونية والأخلاقية التي فرضتها شركات الأدوية الكبرى والمصانع العالمية على بيع منتجاتها للاستخدام في غرف الإعدام، وجدت إدارات السجون الأميركية نفسها في مأزق لوجستي مستمر. وللإفلات من هذا الحصار، لجأت ولايات عدة إلى الاستعانة بمصادر تركيب محلية لإعداد تركيبات كيميائية بديلة.

صورة وفرتها وزارة العدل الأميركية لقنينة من عقار «البنتوباربيتال» استُخدمت في إعدام سجينين في يوليو 2020 وفقاً لملفات المحكمة (أسوشييتد برس)

وتكمن المشكلة القانونية في أن هذه المركبات تفتقر غالباً للرقابة القياسية الفيدرالية، ويتم خلطها أحياناً بجرعات غير دقيقة، ما يتسبب في إخفاقات متكرِّرة وطعون دستورية ترتكز على التعديل الثامن للدستور الأميركي الذي يحظر العقوبات الوحشية وغير المألوفة.

إلا أن المحكمة العليا الفيدرالية وضعت معايير صارمة أمام السجناء، حيث تفرض عليهم لإيقاف تنفيذ طريقة معينة إثبات وجود بديل متاح وعملي يقلل الألم بشكل قاطع، وهو الشرط الذي دفع ولايات عدة لإقرار وسائل بديلة كالرمي بالرصاص أو غاز النيتروجين هرباً من أزمة العقاقير والحقن السامة التي باتت تهدِّد مستقبل العقوبة.


ترمب يعلن تشكيل فريق لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعلن تشكيل فريق لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، تشكيل «قوة الذكاء الفائق» (SIF)، وتعيين مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون لقيادة فريق عمل مكلَّف بتقييم مخاطر هذه التقنية، في خطوة تعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه ملفاً تكنولوجياً واقتصادياً تقوده شركات «سيليكون فالي» إلى قضية «أمن قومي» وأداة منافسة استراتيجية مع الصين. ويضم الفريق نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، إضافة إلى مسؤولين ومستشارين آخرين.

وقال ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشيال»، إن القوة الجديدة ستتولى تنسيق جهود الحكومة الفيدرالية لضمان استمرار «ريادة أميركا عالمياً في مجال الذكاء الفائق». وأوضح أن الفريق سيتولى أيضاً تنسيق تعامل الحكومة مع المستهلكين وجماعات المصلحة العامة والمنظمات الدينية ومشغلي البنية التحتية الحيوية وشركات الذكاء الاصطناعي.

وجاء الإعلان عقب ما وصفه ترمب بـ«الاتفاق التاريخي» الذي أُبرم في البيت الأبيض مع كبرى شركات التكنولوجيا بشأن مسؤولياتها تجاه الأميركيين. وإلى جانب كلايتون، تضم قيادة القوة رئيس لجنة التجارة الفيدرالية أندرو فيرغسون، ووكيل وزارة الحرب للبحوث والهندسة، وكبير مسؤولي التكنولوجيا إميل مايكل، ومدير مكتب إدارة شؤون الموظفين سكوت كوبور، على أن ترفع تقاريرها مباشرة إلى ترمب وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز.

وسيكون أمام الفريق الجديد 120 يوماً لرفع تقرير إلى الرئيس حول المخاطر التي تطرحها التكنولوجيا والفرص التي توفرها، وتحديد الأدوات المتاحة للحكومة للتعامل معها.

وصرح كلايتون لصحيفة «وول ستريت جورنال» بأن ترمب يريد ضمان بقاء الولايات المتحدة في الصدارة، محذراً من مخاطر كبيرة إذا لم تكن الشركات الأميركية في المقدمة؛ خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقدرات الخصوم.

وقال كلايتون: «طلب الرئيس تشكيل فريق يضمن تحقيق ما وعد به تماماً، وهو أن نبقى رواداً في مجال الاستخبارات الفائقة، وأن تُوضع مصالح الشعب الأميركي في المقام الأول». وأضاف أنّ «خطر عدم الريادة كبير». وتكشف هذه العبارة أن إدارة ترمب لا تنظر فقط إلى مخاطر تطوير أنظمة ذكاء أكثر قوة، وإنما إلى مخاطر أن تصل الصين إليها أولاً.

مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية جاي كلايتون (أ.ف.ب)

من ساكس إلى كلايتون

ويحمل اختيار كلايتون دلالة خاصة؛ لأنه يأتي خلفاً لديفيد ساكس، المستثمر ورجل الأعمال في «سيليكون فالي» الذي قاد ملف الذكاء الاصطناعي منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025 حتى مغادرته في مارس (آذار) الماضي. فساكس كان يمثل العلاقة المباشرة بين الإدارة وصناعة التكنولوجيا. أما كلايتون، الذي لا يمتلك خلفية تقنية مباشرة، وأمضى سنوات طويلة محامياً في قطاع الأعمال والمال في «وول ستريت» ومؤسسات مثل «غولدمان ساكس»، فيأتي إلى الملف من موقع مختلف تماماً: فهو يشرف بصفته مديراً للاستخبارات الوطنية، مما يشير إلى أن البيت الأبيض بات يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أصلاً استراتيجياً يجب حمايته من التجسس والاختراق والسرقة، وإدماجه بصورة أسرع في قدرات الدولة الدفاعية والاستخباراتية.

وكان ترمب قد أصدر في يونيو (حزيران) مذكرة للأمن القومي، تطالب بتسريع إدخال أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً إلى الجيش وأجهزة الاستخبارات، وبناء منشآت حوسبة عالية الأمان، وتعزيز سلاسل إمداد تستطيع الاستمرار حتى في أوقات الصراع.

الصين المنافس الأكبر

تقف الصين في خلفية هذا التحول؛ ذلك أن المنافسة بين القوتين لم تعد مقتصرة على الرقائق الإلكترونية أو نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما تمتد إلى مراكز البيانات والطاقة والحوسبة المتقدمة والبرمجيات مفتوحة المصدر والاستخدامات العسكرية والاستخباراتية. وقد أثار النائب الديمقراطي رو خانا، العضو البارز في لجنة مجلس النواب المعنية بالصين، المخاوف من منافسة الصين في هذا المجال، وطلب من شركات أميركية كبرى (بينها: «OpenAI»، و«Anthropic»، و«Google»، و«Meta»، و«xAI») الكشف عن أي محاولات صينية للوصول بصورة غير مشروعة إلى البيانات شديدة الحساسية التي تحدد قدرات النماذج المتقدمة، وهو ما يكشف أن قلق واشنطن لم يعد يتعلق فقط بمن يستطيع تطوير أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي؛ بل من يستطيع حماية التكنولوجيا والمعرفة التي تقف وراءه.

وتقول التقارير إن الشركات الصينية تعتمد على استراتيجية نشر نماذج مفتوحة المصدر يمكن استخدامها وتعديلها على نطاق واسع، بما يمنح بكين وسيلة لتوسيع حضور التكنولوجيا الصينية عالمياً، حتى في الأسواق التي تهيمن فيها الشركات الأميركية.

معضلة التنظيم

لكن وضع الذكاء الاصطناعي في إطار المنافسة مع الصين يخلق معضلة داخلية لإدارة ترمب. فكلما ازدادت المخاوف من المخاطر الأمنية والسيبرانية والعسكرية للأنظمة الأكثر تطوراً، ارتفعت الدعوات إلى رقابة حكومية أكبر.

ولكن البيت الأبيض يخشى أن يؤدي بناء نظام تنظيمي ثقيل إلى النتيجة المعاكسة: إبطاء الشركات الأميركية بينما تواصل الصين تطوير قدراتها. ولهذا ينص ميثاق فريق كلايتون على مواجهة الأخطار الناجمة عن الذكاء الفائق، مع منع «التنظيم المفرط والهيمنة التنظيمية» التي يمكن أن تعيق الابتكار والمنافسة. وتتفق هذه المهمة مع السياسة التي تبناها ترمب منذ عودته إلى السلطة. فقد ركزت خطته للذكاء الاصطناعي على 3 أهداف رئيسية، هي: تسريع الابتكار، وبناء البنية التحتية الأميركية، وقيادة الدبلوماسية العالمية للذكاء الاصطناعي. كما حذر البيت الأبيض من أن تعدد قوانين الولايات يمكن أن يخلق شبكة متضاربة من القواعد تضعف قدرة الشركات الأميركية على المنافسة عالمياً.

من اليسار: المدعي العام الأميركي تود بلانش ووزير الحرب بيت هيغسيث ووزير الخزانة سكوت بيسنت في حفل إطلاق منصة «America.gov» للذكاء الاصطناعي في واشنطن يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

فريق للأمن والاقتصاد معاً

وتكشف تركيبة فريق كلايتون حجم التحول. فهو يضم نائب الرئيس، ووزيرَي الدفاع والخزانة، إضافة إلى مسؤولين ومستشارين آخرين. ويشير وجود مسؤولين من وزارات الدفاع والخزانة ومجتمع الاقتصاد والاستخبارات في فريق واحد، إلى أن الإدارة لم تعد تفصل بين القوة التكنولوجية والقوة الاقتصادية والعسكرية.

وفي مفارقة تعكس تعقيد العلاقة بين واشنطن وبكين، يبحث البلدان أيضاً إنشاء قنوات للتعاون في التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي. وكشف وزير الخزانة سكوت بيسنت في تصريحات صحافية عدة عن اتجاه لاقتراح آلية اتصال طارئة بين الولايات المتحدة والصين، للتعامل مع الحوادث الخطيرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في أعقاب القمة التي جمعت الرئيس ترمب بنظيره الصيني شي جينبينغ.

ويقول المحللون أن تكليف كلايتون بهذه المهمة يعني أن يقوم مجتمع الاستخبارات بمهام حماية التفوق الأميركي من الخصوم، وتسريع استخدام التكنولوجيا في حماية الأمن القومي، والاستعداد لمخاطرها، ولكن من دون بناء قيود ترى إدارة ترمب أنها قد تساعد الصين أكثر مما تحمي الولايات المتحدة.