هل نسّقت كييف هجوم كورسك مع واشنطن؟

واشنطن وافقت على استخدام أسلحتها في ضرب أراضٍ روسية «تنطلق منها الهجمات»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل إلى غرفة اجتماعات مجلس الأمن القومي الروسي لمناقشة الهجوم الأوكراني على كورسك (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل إلى غرفة اجتماعات مجلس الأمن القومي الروسي لمناقشة الهجوم الأوكراني على كورسك (إ.ب.أ)
TT

هل نسّقت كييف هجوم كورسك مع واشنطن؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل إلى غرفة اجتماعات مجلس الأمن القومي الروسي لمناقشة الهجوم الأوكراني على كورسك (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل إلى غرفة اجتماعات مجلس الأمن القومي الروسي لمناقشة الهجوم الأوكراني على كورسك (إ.ب.أ)

على الرغم من عدم وضوح الأهداف الحقيقية للهجوم الأوكراني المفاجئ على منطقة كورسك الروسية، فإن تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين والغربيين قد تساعد في جلاء بعض الغموض. واللافت أن هذا الهجوم لم يُثر حفيظة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن حتى الآن، بيد أنه يُنفّذ بأسلحة أميركية وغربية، كانت واشنطن تضع قيوداً على استخدامها في مهاجمة عمق الأراضي الروسية. وطرح ذلك تساؤلات عمّا إذا كان هذا الهجوم تمّ بمساعدة، أو حتى بتنسيق، مع حلفائها الغربيين.

دعم أميركي

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في مبنى البنتاغون (أ.ف.ب)

عدّت إدارة بايدن الهجوم الأوكراني الأخير «استخداماً مقبولاً» للأسلحة الأميركية لضرب روسيا، بما يتوافق مع تغيير السياسة المتعلقة باستخدامها في مايو (أيار)، الذي سمح لأوكرانيا باستهداف القوات الروسية داخل روسيا «إذا كانت تستعد لشن هجمات على أوكرانيا».

وقالت المتحدثة باسم البنتاغون، سابرينا سينغ، للصحافيين، الخميس: «في حين يرون هجمات قادمة عبر الحدود، عليهم أن يكونوا قادرين على الرد». ليلحقها المتحدث باسم الخارجية، ماثيو ميلر، قائلاً إن روسيا شنت هجمات على أوكرانيا من منطقة كورسك، وإن الولايات المتحدة تؤيد حقّ كييف في الدفاع عن نفسها. وأضاف ميلر: «في المنطقة التي يعملون فيها، رأينا هجمات تأتي من هناك».

موقف تبناه مسؤولون ألمان أيضاً، إذ قال متحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية لصحيفة «واشنطن بوست» إن هدف برلين المعلن هو «دعم أوكرانيا في صراعها الدفاعي ضد المعتدي الروسي»، مُشيراً إلى تصريحات سابقة تؤكد «حق أوكرانيا بموجب القانون الدولي في الدفاع عن نفسها ضد هذه الهجمات».

وبدا أن الهجوم المفاجئ على كورسك، على بُعد حوالي 500 كيلومتر جنوب موسكو، كان يهدف إلى نقل الحرب إلى روسيا، لإجبارها على تحويل بعض مواردها العسكرية من جبهات أخرى، خصوصاً من المناطق التي حقّقت فيها تقدماً في الآونة الأخيرة، وتمكين كييف من الحصول على موقف أفضل في أي مفاوضات مستقبلية لوقف الحرب.

أفضل دفاع هو «الهجوم الجيد»

تقول إيفانا سترادنر، كبيرة الباحثين في الشأن الروسي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن الهجوم الأوكراني يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح. وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا من شأنه أن يسمح لكييف بقلب السيناريو على موسكو». ورأت أن هذا الأمر مهم، لأنه سيتعين على روسيا بذل وقت وطاقة وموارد في الدفاع عن نفسها، بدلاً من مهاجمة أوكرانيا، لأن أفضل دفاع هو الهجوم الجيد. وفيما أكّدت أن استخدام الأسلحة الأميركية لا ينتهك السياسات، لأن أوكرانيا دولة ذات سيادة، ويمكنها أن تقرر كيف تدافع عن نفسها ضد العدوان الروسي، أضافت قائلة: «إذا قررت أوكرانيا التفاوض مع روسيا، فإن هذا من شأنه أن يمنحها المزيد من النفوذ في المفاوضات».

وقال مسؤول أميركي إن التقييمات تشير إلى أن الأوكرانيين يحاولون عرقلة تحرك القوات الروسية إلى منطقة خاركيف، جنوب شرقي سومي. وقال مسؤول آخر إنه يبدو من المرجح أن ترغب أوكرانيا في إرهاق الوحدات الروسية بدلاً من الاستيلاء على الأراضي، والاحتفاظ بها على المدى الطويل. وأضاف أن «روسيا ليس لديها القوة البشرية التي تمكنها من خلالها إرسال تعزيزات (...) مع الحفاظ على وضع قوتها الحالي وأعدادها، سواء في منطقة خاركيف أو في الشرق. لكن عليها أن تسحب القوات من مكان ما».

نافذة موسكو قد تغلق قريباً

وفي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، الخميس، رأت أن الجيش الروسي أُتيحت له الفرصة لإحداث تحول حقيقي في الحرب قرب نهاية عام 2023. «فقد فشل هجوم أوكرانيا المضاد، واستنفدت كميات كبيرة من الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، وواجهت صعوبة في تجنيد المزيد من العناصر، وتأخرت أميركا في تقديم حزمة الدعم بقيمة 61 مليار دولار نحو 6 أشهر». لكن على مدى الأشهر الستة الماضية، فشلت روسيا بشكل عام في الاستفادة من هذه الفرص. ورغم شنّها هجمات جوية وصاروخية ضد البنية التحتية الأوكرانية، لم تتمكن من السيطرة إلا على أجزاء صغيرة من الأرض، لكن بكلفة بشرية عالية تجاوزت 180 ألف ضحية روسية، حسب تقديرات استخبارية غربية.

جنود أوكرانيون مع مسعفين يعملون على انتشال ضحايا قصف روسي على منطقة دونيتسك في 9 أغسطس (أ.ف.ب)

وتوقع التقرير ألّا تتمكن روسيا من مواصلة هذا النوع من الهجمات المكلفة إلى الأبد، وبأن النافذة المتاحة لها قد تغلق قريباً. وهذا يعني أن أوكرانيا يجب أن تبدأ في التخطيط لأفضل السبل للاستفادة من تراجع روسيا الوشيك، من بينها دراسة ساحة المعركة عن كثب، بحثاً عن علامات الضعف الروسي. ويمكنها العمل مع حلف شمال الأطلسي للتدريب والاستعداد لهجمات جديدة، وابتكار نظرية جديدة للنصر، وإبقاء توقيت العمليات الهجومية المستقبلية ومكانها سراً من أجل منح كييف أفضل فرصة لمفاجأة موسكو، وجعل موقفها العسكري غير قابل للدفاع عنه. وآنذاك فقط سوف تتمكن أوكرانيا من التفاوض بشروط مواتية وتحقيق فوز دائم.

وهو ما أكده ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس الأوكراني، خلال مقابلة على التلفزيون الوطني، الخميس، من دون أن يشير إلى عملية التوغل في كورسك، قائلاً: «إن أي أعمال عسكرية على الأراضي الروسية يمكن أن تحسن موقف أوكرانيا خلال المفاوضات المستقبلية مع روسيا لإنهاء الحرب».

ويتوافق هذا التصريح مع إعراب المسؤولين الأوكرانيين عن شعورهم بالحاجة لتحسين موقفهم العسكري، قبل انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني)، خاصة إذا فاز مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترمب، الذي قال إنه سيدفع الجانبين بسرعة للتوصل إلى تسوية تفاوضية للحرب.


مقالات ذات صلة

ترمب: لا مانع من تعليق برنامج إيران النووي 20 عاماً إذا كان الالتزام حقيقياً

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب مغادراً بكين (أ.ب) p-circle

ترمب: لا مانع من تعليق برنامج إيران النووي 20 عاماً إذا كان الالتزام حقيقياً

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، إنه لا يمانع في تعليق إيران لبرنامجها النووي 20 عاماً، لكن يجب أن يكون ذلك التزاماً «حقيقياً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية إعلانات كأس العالم تملأ المدن الأميركية استعداداً للمونديال (رويترز)

هل تنجح كأس العالم في تعزيز شعبية كرة القدم في الولايات المتحدة؟

لطالما اعتبرت الولايات المتحدة آخر الأسواق الكبرى غير المفتوحة أمام كرة القدم، لكن «بلاد العام سام» احتضنت اللعبة بدرجة لافتة خلال العقود القليلة الماضية.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب) p-circle

لماذا مُنع ترمب من استخدام هاتفه الجوال خلال زيارته إلى الصين؟

لم يكن بإمكان ترمب استخدام هاتفه الشخصي أثناء وجوده في الصين، وهو ما شكّل أحد أبرز التحديات اللوجستية التي واجهها إلى جانب فريق البيت الأبيض على الأرض.

«الشرق الأوسط» (بكين - واشنطن)
الولايات المتحدة​ عميلان من دائرة الهجرة والجمارك «آيس» خلال دورية في مطار رونالد ريغان الوطني في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)

قاضٍ أميركي يأمر إدارة ترمب بإعادة امرأة كولومبية بعد ترحيلها إلى الكونغو

أمر قاض فيدرالي إدارة الرئيس الأميركي ترمب بإعادة امرأة كولومبية إلى الولايات المتحدة من الكونغو، بعد ترحيلها إلى الدولة الأفريقية التي كانت قد رفضت قبولها.

بندر الشريدة (واشنطن)
العالم  ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب) p-circle

خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

عقد الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب محادثات رفيعة المستوى في بكين، الخميس، تناولت حربَي إيران وأوكرانيا والتعاون الاقتصادي الثنائي.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«إف بي آي» يرصد 200 ألف دولار لضبط خبيرة استخبارات أميركية متهمة بالتجسس لإيران

شعار الـ«إف بي آي» (أ.ب)
شعار الـ«إف بي آي» (أ.ب)
TT

«إف بي آي» يرصد 200 ألف دولار لضبط خبيرة استخبارات أميركية متهمة بالتجسس لإيران

شعار الـ«إف بي آي» (أ.ب)
شعار الـ«إف بي آي» (أ.ب)

أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) تخصيص مكافأة مقدارها 200 ألف دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض على المتخصصة السابقة في مكافحة التجسس بسلاح الجو الأميركي مونيكا إلفريده ويت ومحاكمتها، بعدما انشقت إلى إيران عام 2013 واتُّهمت لاحقاً بكشف معلومات سرية.

وكانت هيئة محلفين اتحادية كبرى قد وجهت إلى ويت (47 عاماً) في فبراير (شباط) 2019 تهماً بالتجسس، بينها نقل معلومات تتعلق بالدفاع الوطني إلى الحكومة الإيرانية، ولا تزال حتى الآن فارّة.

إعلان الـ«إف بي آي» عن مونيكا إلفريده ويت (أ.ب)

وقال دانيال ويرزبيكي، المسؤول الخاص عن قسم مكافحة التجسس والجرائم الإلكترونية في مكتب الـ«إف بي آي» بواشنطن، في بيان الأربعاء، إن ويت «خانَت قسمها للدستور الأميركي قبل أكثر من عقد عبر انشقاقها إلى إيران وتزويد النظام الإيراني بمعلومات دفاعية وطنية، ومن المرجح أنها لا تزال تدعم أنشطته الخبيثة».

وأضاف: «لم ينسَها مكتب التحقيقات الفيدرالي، ويعتقد أنه في هذه اللحظة الحساسة من تاريخ إيران، هناك من يعرف شيئاً عن مكان وجودها».

ولم يتضح على الفور سبب إعادة تسليط الضوء على قضية ويت التي خدمت في سلاح الجو الأميركي بين عامي 1997 و2008، وتلقت تدريباً على اللغة الفارسية، وشاركت في مهمات سرية لمكافحة التجسس في الخارج، بما في ذلك في الشرق الأوسط. وعملت لاحقاً متعاقدة مع وزارة الدفاع الأميركية.

وانشقت ويت التي ترعرعت في ولاية تكساس إلى إيران عام 2013 بعد دعوتها إلى مؤتمرين في البلاد تكفلت طهران بجميع نفقاتهما، وقالت وزارة العدل الأميركية إنهما روّجا لدعاية مناهضة للغرب وأدانا المعايير الأخلاقية الأميركية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وقبل ذلك، كان الـ«إف بي آي» قد حذر ويت بشأن أنشطتها، لكنها أبلغت العملاء بأنها لن تقدم معلومات حساسة عن عملها إذا عادت إلى إيران، بحسب المدعين.

ووفقاً للائحة الاتهام، فإن ويت «عرّضت للخطر معلومات وبرامج حساسة وسرية تتعلق بالدفاع الوطني الأميركي».

وأضاف البيان الأميركي أن «ويت كشفت عمداً معلومات عرّضت أفراداً أميركيين وعائلاتهم المنتشرين في الخارج للخطر، كما أجرت أبحاثاً لصالح النظام الإيراني لمساعدته على استهداف زملائها السابقين في الأجهزة الحكومية الأميركية».


أميركا تتمسّك بـ«الغموض الاستراتيجي» أمام خطّ بكين الأحمر

الرئيسان الأميركي والصيني في بكين في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي والصيني في بكين في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

أميركا تتمسّك بـ«الغموض الاستراتيجي» أمام خطّ بكين الأحمر

الرئيسان الأميركي والصيني في بكين في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي والصيني في بكين في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

غادر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الصين بعد زيارة وصفها بـ«التاريخية» اختبرت مستقبل العلاقة بين أكبر قوتين في العالم، وتطرّقت إلى خلافات اقتصادية وتجارية تُربك الأسواق الدولية، وشملت رسائل سياسية تتجاوز حدود آسيا.

وفيما هيمنت على الزيارة أجواء إيجابية، تمثّلت في الاحتفاء الرسمي الكبير الذي خصّصه شي جينبينغ لضيفه الأميركي، وفي عبارات المدح التي وجّهها ترمب لمضيفه، إلا أنها لم تُفضِ إلى اتفاقيات ملموسة حول قضايا الرسوم، أو جهود فتح مضيق هرمز، أو حتى مستقبل تايوان.

وبينما أبدى الرئيس الصيني مرونة في المحادثات التجارية، والتعاون التكنولوجي، ودعماً لمبدأ إنهاء حرب إيران ومنع الانتشار النووي، فإنّه كان صارماً في موقف بلاده من تايوان وعدّ دعم واشنطن للجزيرة عسكرياً ولحراك الاستقلال «خطاً أحمر».

واستمزج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، آراء خبراء ومسؤولين سابقين حول مخرجات قمّة بكين التاريخية، وما إذا كان سيّد البيت الأبيض قد نجح في تحقيق اختراق في علاقات بلاده مع التنين الصيني.

من الرابح؟

ترمب وهو يغادر بكين في 15 مايو 2026 (رويترز)

يقول مايكل كنينغام، كبير الباحثين في برنامج الصين في معهد «ستيمسن»، إن العلاقة بين واشنطن وبكين «ديناميكية ومعقّدة للغاية»، مع استفادة كلّ من الرئيسين من أوراق اقتصادية ودبلوماسية مهمة. واستدلّ كنينغام باستغلال الصين اعتماد الصناعات التكنولوجية الأميركية على صادرات المعادن النادرة، وتوجيهه بحظر توريدها رداً على قرار ترمب رفع الرسوم الجمركية على بكين في بداية ولايته الثانية.

وترى يان تشانغ بينيت، البروفسور في جامعة جورج واشنطن، أن الزيارة كانت مربحة للطرفين؛ «إذ إن الهدف بالنسبة لهما كان استقرار العلاقة، واستعادة الوصول إلى السوق الأميركية بالنسبة للجانب الصيني». وأضافت: «لم يكن الهدف من هذا الاجتماع إبرام أي صفقات، بل فتح الأبواب والتأكد من بقاء قنوات الاتصال مفتوحة. وقد حددت هذه القمة المسار المستقبلي، حيث سيُعقد عدد من اجتماعات لمجموعات العمل بهدف إبرام بعض الصفقات التجارية».

من جهته، أشاد دنيس ويلدر، مدير ملفّ الصين سابقاً في مجلس الأمن القومي وكبير الباحثين في مبادرة الحوار الأميركي - الصيني في جامعة «جورج تاون»، بتوصل الرئيسين إلى «قرارات ملموسة» بشأن «بروتوكول الذكاء الاصطناعي». وأوضح أن كلاً من الولايات المتحدة والصين تعهّدت بحفظ الأنظمة المتطوّرة التي تطوّرها شركات خاصّة كأسرار نووية. بعبارة أخرى، لن تكون هذه الأنظمة متاحة للجمهور العام، وستستخدمها فقط المنظمات الحكومية أو الأطراف الخاصة الموثوق بها».

معضلة تايوان

كان ملف تايوان من أبرز الملفات التي طرحت على طاولة نقاش الرئيسين. وقال الرئيس الأميركي، بعد مغادرته بكين، إنه تحدّث مع نظيره الصيني شي جينبينغ «كثيراً» عن الجزيرة، لكنه لم يقدم له أي تعهدات. وردّاً على سؤال بشأن تحذير شي من نشوب نزاع مع واشنطن بشأن الجزيرة ذات الحكم الذاتي، صرّح ترمب على متن الطائرة الرئاسية: «لا أعتقد ذلك... هو لا يريد أن يرى حرباً. لا يريد أن يشهد تحركاً نحو الاستقلال». وأضاف أن «موقف شي من تايوان قوي جداً... ولم أقدم تعهداً في أي اتجاه».

وشدّد سيّد البيت الأبيض على أن نظيره الصيني «لا يريد أن يرى صراعاً من أجل الاستقلال... لم أعلق على ذلك، بل اكتفيت بالاستماع إليه». وقبل القمة، قال ترمب إنه سيتحدث مع شي بشأن مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان، وهو ما يمثل خروجاً عن موقف واشنطن السابق بعدم استشارة بكين في هذا الشأن.

وفي حديثه للصحافيين، الجمعة، قال الرئيس الأميركي بشأن بيع الأسلحة: «سأتخذ قراراً خلال الفترة القصيرة المقبلة». وتعمل الولايات المتحدة بمبدأ «الصين الواحدة»، لكن قانوناً أميركياً يلزمها بتزويد تايوان بالأسلحة للدفاع عن نفسها. من جهتها، تعهدت الصين بضمّ الجزيرة ولم تستبعد استخدام القوة، وصعّدت الضغط العسكري في السنوات الأخيرة.

ويرى كنينغام أن تايوان هي فعلاً القضية الأهم من وجهة نظر الصين في العلاقات الأميركية - الصينية، مشيراً إلى أن الموقف الصيني «غير مستغرب». وأوضح: «إذا تصرفت الولايات المتحدة أو تايوان بطرق معينة تؤدي إلى استقلال تايوان من الناحية القانونية، فإن احتمال اندلاع حرب مع الصين سيكون مرتفعاً للغاية». وفي إشارة إلى تصريحات ترمب وبيان وزارة الخارجية الصينية حول تايوان، قال كنينغام إن اكتفاء الرئيس الأميركي بالاستماع «لم يمنح شي ما كان يريده، على الأقل في هذه المرحلة»، خلافاً للمخاوف التي عبّر عنها عدد من المشرّعين.

وتُذكّر بينيت هنا بسياسة «الغموض الاستراتيجي» التي تعتمدها أميركا في هذا الملف عن قصد، معتبرةً أن الولايات المتحدة تُفضّل الوضع الراهن مع تايوان، وهو موقف مشابه لما تفضله بكين أيضاً على حد تقييمها، لافتة إلى أن الصين لا تريد حلاً عسكرياً للقضية بل حلاً سياسياً. وعن الموقف الأميركي، تُشير بينيت إلى استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترمب التي توضح مدى أهمية تايوان بالنسبة للولايات المتحدة. وتضيف: «إنها تنتج نحو 80 في المائة من أشباه الموصلات في العالم. وهي مهمة جداً للاقتصاد الأميركي، وكذلك لاستراتيجيتنا العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد نصّت الاستراتيجية بوضوح شديد على عدم اتخاذ أي تحركات أحادية الجانب من أي من الطرفين».

الوفد الأميركي المرافق لترمب في زيارته في 14 مايو 2026 (أ.ب)

من ناحيته، اعتبر ويلدر أن الكثيرين أساؤوا تفسير استراتيجية إدارة ترمب التي ركزت على نصف الكرة الغربي، واعتبار أنها تعني الابتعاد عن شرق آسيا. وقال: «صحيح أنه سيكون هناك اهتمام أكبر بنصف الكرة الغربي، لكن نصف الكرة الغربي لا يتطلب قوة عسكرية ضخمة. هذا ما رأيناه في حالة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ستواصل القيادة الأميركية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ توسيع علاقاتنا مع اليابان والفيليبين. في الواقع، أجرينا للتو أكبر تدريبات عسكرية في الفليبين... وكانت القوات اليابانية موجودة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفيلبينية، وهو حدث استثنائي. لذا، لا يزال السلام من خلال القوة في صميم سياسة ترمب في شرق آسيا. وستظل هذه القضية في صميم الاهتمامات. وسنردع بكين عن شن أي هجوم».

حرب إيران

قال الرئيس الأميركي إن «صبره تجاه إيران بدأ ينفد»، وإنه «اتفق مع الرئيس الصيني» على أنه لا يمكن السماح لطهران بامتلاك ​سلاح نووي، وأن عليها إعادة فتح مضيق هرمز. كما ذكر ترمب أنه يدرس ما إذا كان سيرفع العقوبات الأميركية المفروضة على شركات النفط الصينية التي تشتري النفط الإيراني. لكن تصريحاته لم تُقدّم سوى القليل من المؤشرات حول ما إذا كانت بكين ستستخدم نفوذها لدى طهران لإنهاء صراعٍ قالت إنه ما كان ينبغي أن يبدأ مطلقاً.

هيغسيث يتحدث مع نظيره الصيني دونغ جون في بكين في 14 مايو 2026 (أ.ب)

ويُشكّك ويلدر في موقف الصينيين بشأن هذه القضية، «فهم لن يساعدوا الولايات المتحدة في موضوع إيران، إذ ينظرون إلى الحرب على أنها مشكلة أميركية».

وأشار ويلدر إلى أن استنزاف الموارد الأميركية في حرب إيران تصب لمصلحة الصين، ما يعد نقطة ضعف للأميركيين. وأوضح: «نحن نستهلك ذخائرنا الثمينة والمكلفة بوتيرة سريعة للغاية، وبصراحة لا نمتلك القاعدة الصناعية اللازمة لتعويضها بسرعة. والصينيون يدركون ذلك. ثانياً، اضطررنا إلى نقل وحدة من مشاة البحرية من اليابان إلى منطقة المحيط الهادئ. كما اضطررنا إلى نقل قوات أخرى إلى المنطقة. لذا اضطررنا إلى تقليص وجودنا في شرق آسيا من أجل خوض هذه الحرب. وهذه مشكلة».

لكن بينيت تؤكد أن الطرفين الأميركي والصيني يرغبان في التوصل إلى حلّ لحرب إيران، لافتة إلى أن الصين لديها احتياجات هائلة من الطاقة، رغم مصادر الطاقة المتجددة التي تزخر بها. وقالت: «تستورد الصين كميات هائلة من الطاقة من الشرق الأوسط. ونحو 80 في المائة من نفطها يأتي من الشرق الأوسط وحده».


ترمب: لم أبحث مع شي مسألة الرسوم الجمركية

الرئيس دونالد ترمب يشير بيده أثناء صعوده إلى طائرة الرئاسة «إير فورس ون» في مطار بكين الدولي ببكين (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يشير بيده أثناء صعوده إلى طائرة الرئاسة «إير فورس ون» في مطار بكين الدولي ببكين (أ.ب)
TT

ترمب: لم أبحث مع شي مسألة الرسوم الجمركية

الرئيس دونالد ترمب يشير بيده أثناء صعوده إلى طائرة الرئاسة «إير فورس ون» في مطار بكين الدولي ببكين (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يشير بيده أثناء صعوده إلى طائرة الرئاسة «إير فورس ون» في مطار بكين الدولي ببكين (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه لم يبحث مع نظيره الصيني شي جينبينغ، خلال زيارته إلى بكين التي اختتمت الجمعة، مسألة الرسوم الجمركية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح ترمب للصحافيين أثناء رحلة العودة إلى بلاده: «لم نتحدث في الأمر. هم يدفعون رسوماً جمركية، رسوماً جمركية مهمة، لكننا لم نتحدث في الأمر... لم يتم التطرق إلى الموضوع».

واختتم ترمب قمة بكين مع نظيره شي اليوم، بإعلان ما وصفه بـ«صفقات تجارية رائعة»، لكن رد فعل الأسواق والمستثمرين كشف سريعاً عن أن الحصيلة الاقتصادية الفعلية للقمة جاءت أقل بكثير من التوقعات التي سبقتها، في وقت نجح فيه الجانبان سياسياً في تثبيت هدنة هشة بين أكبر اقتصادين في العالم دون معالجة الخلافات البنيوية العميقة بينهما.

والقمة، التي انعقدت وسط اضطرابات عالمية متصاعدة بفعل الحرب الإيرانية وضغوط أسواق الطاقة والتباطؤ الاقتصادي العالمي، كانت تُعدّ اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن وبكين على إعادة ضبط علاقتهما الاقتصادية بعد سنوات من الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التكنولوجية المتبادلة.