نتنياهو يزور واشنطن في خضم العاصفة السياسية الداخلية

مسؤولون سابقون يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن سيناريو 2015

نتنياهو يتحدث مع الصحافيين قبل مغادرته إلى أميركا في 22 يوليو 2024 (د.ب.أ)
نتنياهو يتحدث مع الصحافيين قبل مغادرته إلى أميركا في 22 يوليو 2024 (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يزور واشنطن في خضم العاصفة السياسية الداخلية

نتنياهو يتحدث مع الصحافيين قبل مغادرته إلى أميركا في 22 يوليو 2024 (د.ب.أ)
نتنياهو يتحدث مع الصحافيين قبل مغادرته إلى أميركا في 22 يوليو 2024 (د.ب.أ)

بينما تتخبّط الولايات المتحدة في أزماتها الداخلية غير المسبوقة بعد تنحّي رئيسها جو بايدن عن السباق الرئاسي، يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للدخول في معترك الأزمة مع زيارته المقررة إلى واشنطن هذا الأسبوع.

فنتنياهو الذي لم يزر الولايات المتحدة منذ عام 2020 ليس غريباً عن الأزمات الحزبية الأميركية، على العكس فهو معروف بشغفه في تحريك الدفة لصالح طرف ضد آخر، وخير دليل على ذلك خطابه الشهير في عام 2015 أمام «الكونغرس»، حين وجّه انتقادات لاذعة إلى الرئيس الأسبق باراك أوباما بسبب الاتفاق النووي الإيراني؛ ما أثار حفيظة الديمقراطيين الذين لم ينسوا هذه اللحظة حتى يومنا هذا.

بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب)

زيارة جدلية

ولهذا السبب، يقارن كثيرون ما بين تلك الزيارة التي طغت عليها رسائل تحدٍّ حزبية، والزيارة الأحدث في خضم أزمة ديمقراطية دفعت بالحزب إلى إعلان حالة التأهب القصوى ترقباً للمرحلة المقبلة مع اختيار كامالا هاريس بديلة لبايدن.

وينتقد براين كتوليس، كبير الباحثين في «معهد الشرق الأوسط»، توقيت زيارة نتنياهو، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «التوقيت في الحياة مهم، وقد اختار نتنياهو أسوأ توقيت ليزور واشنطن؛ لأن أميركا منهمكة في سياساتها الداخلية وانتخاباتها».

ويتابع كتوليس: «على عكس زيارته في عام 2015 وخطابه أمام (الكونغرس) حين سُلّطت الأضواء عليه ووقف الجمهوريون والديمقراطيون في المجلس ترحيباً بما قاله، هذه المرة سوف يحظى باهتمام أقل في وسائل الإعلام، ويواجه ردود فعل منقسمة في السياسة».

وبمواجهة هذه الأجواء المتشنجة، سعى نتنياهو إلى التخفيف من وطأة زيارته، فقال، قبل مغادرته على متن طائرة متوجهة إلى الولايات المتحدة، إن إسرائيل ستبقى حليف أميركا الأساسي في الشرق الأوسط «بغض النظر عمن سيختاره الأميركيون رئيساً».

تصريحات مشبعة بالمعاني المبطنة، يسعى من خلالها نتنياهو إلى رأب الصدع بينه وبين بايدن، في ظل تجاذب علني بينهما خيّم على أجواء العلاقة في الفترة الأخيرة.

وبينما ينتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي لقاءً وعده به بايدن في المكتب البيضاوي يوم الثلاثاء، يرفض مايكل سينغ، المدير السابق لمكتب الشرق الأوسط وإيران في البيت الأبيض في عهد بوش الابن، المقاربة الداعية إلى تأجيل زيارة نتنياهو بسبب التجاذبات الداخلية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «من المناسب لنتنياهو أن يزور واشنطن في الوقت الحالي، فعلينا أن نستكمل عملنا في مجال الأمن القومي رغم الأزمة السياسية الداخلية».

وتوقع سينغ أن زيارة من هذا النوع من شأنها أن «تصبّ في مصلحة بايدن»، وفسّر قائلاً: «أتوقع أن يرحّب الرئيس بايدن بهذه الزيارة، بوصفها فرصة لإظهار أنه لا يزال قادراً على ممارسة أعماله رئيساً رغم إنهاء حملته لولاية ثانية».

نتنياهو يتحدث أمام «الكونغرس» في 3 مارس 2015 (أ.ب)

عائلات الأسرى

وفي محاولة لإقناع الإدارة الأميركية بالامتناع عن استقباله، توجهت عائلات الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس» مباشرة إلى بايدن تطلب منه أن يقول لضيفه نتنياهو «Don't» (لا تفعل)، وهي الكلمة التي تفوّه بها بايدن تجاه إيران، محذراً من مغبة توسيع رقعة الحرب.

ويريد أهالي الأسرى من الرئيس بايدن أن يوجه تحذيراً حازماً مماثلاً، ولكن هذه المرة إلى رئيس حكومتهم، نتنياهو، الذي يماطل في إقرار صفقة لوقف النار وتبادل الأسرى. ويقولون فيها إنهم يثقون بأن الرئيس الأميركي مخلص أكثر من رئيس حكومتهم لقضية الأسرى الإسرائيليين، وأنهم يثقون بصدق نياته أكثر مما يثقون بنتنياهو.

وعبّرت عن موقفهم البروفيسورة نوعا ليمونة، وهي محاضرة في الفلسفة، في مقال نشرته بصحيفة «هآرتس»، قائلة: «هذه دعوة يائسة للرئيس الأميركي، جو بايدن، الذي أعلن انسحابه من المنافسة على الرئاسة. في الحقيقة هذه هي أيامك الصعبة، وربما لا تكون إسرائيل على رأس اهتماماتك. ينشرون بأنك معزول ومهان. أيضاً أنك فحصت تأخير الإعلان إلى ما بعد زيارة نتنياهو في واشنطن. أنت لم ترغب في إعطائه هذه المتعة. ولكن، هناك طريقة أخرى تغزّ فيها الإبرة في بالون غطرسة نتنياهو».

متظاهرون يطالبون بإطلاق سراح الأسرى لدى «حماس» في تل أبيب الجمعة (إ.ب.أ)

وزادت الكاتبة الإسرائيلية مخاطبة بايدن: «أنت تعرف ما هو السيرك المتوقع أن يعرضه (أي نتنياهو) في الأيام المقبلة. هو سيلقي خطاباً في (الكونغرس)، وسيعبّر عن الشكر المنافق لأميركا على مساعدتنا، وسيعطي إشارات على أنه كان يمكنكم أن تفعلوا مزيداً، وسيحظى بالتصفيق من الجمهوريين، وربما حتى الوقوف (تقديراً) على حسابك. هو يأمل الالتقاء معك، وأكثر من ذلك مع دونالد ترمب، الذي تعوّل الحكومة الأكثر تهديداً في تاريخنا على عودته إلى البيت الأبيض».

وتعتقد الكاتبة أن الزيارة «يجري تسويقها هنا على أنها فرصة للتأثير في الشعب الأميركي ومنتخبيه من أجل مصالح إسرائيل، ولكن نحن نعرف أن جمهور الهدف الأساسي في هذا الاحتفال هو نحن، وأن الهدف هو تحسين صورته المهتزة، وعرضه زعيماً عالمياً له تأثير دولي».

رقم قياسي في «الكونغرس»

وبعد لقاء بايدن المرتقب، يتوجه نتنياهو إلى «الكونغرس» الأميركي لمواجهة تجاذبات من نوع آخر، إذ سيُلقي خطاباً أمام مجلسي «الكونغرس» يوم الأربعاء في تمام الساعة 2 بتوقيت واشنطن، ليصبح بذلك الزعيم الأجنبي الأول الذي يتحدث أمام غرفتي المجلس التشريعي 4 مرات؛ الأولى في عام 1996 في عهد الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون، ثم في عامي 2011 و2015 خلال عهد الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما.

والقاسم المشترك المهم هنا هو ليس أن الخطاب حصل في عهد الرؤساء الديمقراطيين، بل إنه تم بدعوة الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب، إذ إن الخطابات الـ4 ستكون أمام مجلس نواب يسيطر عليه الجمهوريون الذين لا يوفّرون مناسبة لتحدي الرؤساء الديمقراطيين.

ويسلّط كتوليس الضوء على هذه الانقسامات الحزبية، خصوصاً بعد الدعوة الشهيرة لزعيم الديمقراطيين في الشيوخ تشاك شومر، نتنياهو إلى التنحي، فيقول: «سوف يصفّق له الجمهوريون بحماسة، في حين سيتحفظ الديمقراطيون. بكل بساطة واقع الحال هو أن معظم الزعماء الأميركيين لا يحبون نتنياهو، ولا يثقون به، ولا يحترمونه في هذه المرحلة المتأخرة من مسيرته السياسية».

وتابع كتوليس لـ«الشرق الأوسط»: «السياسيون لن يتحدثوا عن هذه المشاعر علناً، لكنهم سيذكّرون نتنياهو على أنه الشخص الذي حوّل العلاقة الأميركية - الإسرائيلية إلى شرخ حزبي في السياسة الأميركية».

من ناحيته، يستبعد سينغ في هذا الإطار أي مقارنة مع خطاب عام 2015، حين وجّه نتنياهو انتقادات لاذعة إلى أوباما من منصة «الكونغرس»، ما أثار حفيظة البيت الأبيض، وبعض الديمقراطيين.

ويقول سينغ: «في ذلك الوقت، كانت هناك اختلافات جذرية بين أميركا وإسرائيل حول الاتفاق النووي مع إيران. اليوم هناك توافق أفضل بين الطرفين بشأن طهران. ورغم وجود اختلافات بشأن غزة فإن إدارة بايدن كانت داعمة بشكل واسع لسياسة إسرائيل، رغم الانتقادات الدولية الشديدة».

ترمب ونتنياهو في القدس في 23 مايو 2017 (أ.ب)

بين 3 مسؤولين

عندما يلقي نتنياهو خطابه أمام مجلسي «الكونغرس»، ستجلس نائبة بايدن، كامالا هاريس، وراءه بصفتها رئيسة لمجلس الشيوخ. وسيكون أمام نتنياهو مهمة صعبة في التودد لهاريس التي وعلى الرغم من دعمها لإسرائيل، فإنها تحدثت بلهجة أكثر ودية من بايدن مع المعارضين لتل أبيب في ظل حرب غزة التي ستُلقي بظلالها أيضاً على الخطاب، إذ أعلن نحو 100 مُشرّع ديمقراطي نيتهم مقاطعة الخطاب.

وبينما يتوقع أن يلتقي نتنياهو مع هاريس، خلال زيارته، يخيّم شبح الرئيس السابق دونالد ترمب على هذه الزيارة. فالعلاقة الودية التي جمعت بين الرجلين في عهد الرئيس السابق، تبدّدت بعد أن هنّأ نتنياهو بايدن بفوزه على ترمب في الانتخابات الرئاسية في عام 2020؛ ما أثار حفيظة الرئيس السابق المعروف بحبه للولاء.

ويسعى نتنياهو إلى إعادة العلاقات إلى مجاريها، فعمد إلى تسجيل شريط فيديو يدين فيه محاولة اغتيال ترمب، وعلى الرغم من أن الرئيس السابق أعاد نشر تصريحات نتنياهو على حسابه الخاص في «تروث سوشيال»، فإن هذا لم يضمن لرئيس الوزراء بعد لقاء ثنائياً يجمع بينهما لإعادة إحياء شعلة العلاقة.


مقالات ذات صلة

إضراب عام للعرب في إسرائيل احتجاجاً على تفاقم الجرائم

شؤون إقليمية مواطنون عرب يتظاهرون في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (رويترز) play-circle

إضراب عام للعرب في إسرائيل احتجاجاً على تفاقم الجرائم

بدأ مواطنون عرب في إسرائيل، الخميس، إضراباً عاماً للاحتجاج على الانتشار الهائل للجريمة المنظمة في البلدات العربية، واتهموا الحكومة بالامتناع عن وقفها.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي حينها تساحي هنغبي (ومستشار الأمن القومي لاحقاً) خلال فعالية في بروكسل ببلجيكا يوم 31 يناير 2018 (رويترز)

هنغبي يدعو نتنياهو للاستعجال في التوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية» مع سوريا

دعا الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي بالحكومة الإسرائيلية تساحي هنغبي، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاستعجال في التوصل لاتفاق مع سوريا.

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز) play-circle

«حماس» تندد بضم نتنياهو لـ«مجلس السلام»

عبّرت حركة «حماس» عن استنكارها الشديد لضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، واصفة ذلك بأنه «مؤشر خطير». 

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري كلمة «حرب؟» كتبت على كتلة خرسانية على الجانب الإسرائيلي مع غزة في جنوب إسرائيل يوم الأربعاء (رويترز) play-circle

تحليل إخباري نتنياهو ينحني مؤقتاً لـ«المرحلة الثانية»... ويراهن على تعثر نزع سلاح «حماس»

روج مساعدون ومقربون من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية فوراً، لأن «الجمود الحالي يخدم (حماس)».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا وهو اللقاء الخامس بينهما 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

نتنياهو يقبل دعوة ترمب إلى المشاركة في «مجلس السلام»

قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المشاركة في «مجلس السلام» الخاص بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

ترمب يغادر سويسرا بعد مشاركته في منتدى دافوس

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب يغادر سويسرا بعد مشاركته في منتدى دافوس

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

غادر الرئيس الأميركي دونالد ترمب سويسرا، الخميس، وفق ما أفاد مصور في «وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي الذي هيمنت عليه التوترات بشأن غرينلاند.

وأقلعت الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» من مطار زيوريخ، غداة تأخر وصول الرئيس الأميركي إلى سويسرا بسبب عطل كهربائي أصاب الطائرة الأصلية، ما اضطره للعودة إلى واشنطن لاستبدالها.


كل ما نعرفه عن التسوية المقترحة بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع عمل مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته على هامش منتدى دافوس بسويسرا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع عمل مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته على هامش منتدى دافوس بسويسرا (أ.ب)
TT

كل ما نعرفه عن التسوية المقترحة بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع عمل مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته على هامش منتدى دافوس بسويسرا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع عمل مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته على هامش منتدى دافوس بسويسرا (أ.ب)

فيما يلي ما نعرفه عن التسوية المقترحة بين الولايات المتحدة والدنمارك بشأن غرينلاند، عقب إعلان الرئيس دونالد ترمب التوصل إلى «اتفاق إطار»، برعاية حلف شمال الأطلسي «الناتو».

ما أعلنه دونالد ترمب

كتب الرئيس الأميركي، على شبكته الاجتماعية «تروث سوشال» من منتجع دافوس السويسري، حيث يشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي: «خلال اجتماع عمل مثمر جداً مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، وضعنا إطار عمل لاتفاق مقبل بشأن غرينلاند، بل منطقة القطب الشمالي برُمتها».

وأكد دونالد ترمب، لاحقاً، للصحافيين، أن مسوَّدة الاتفاق منحت الولايات المتحدة «كل ما أرادته» و«إلى الأبد»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وعندما سُئل عما إذا كان هذا يعني امتلاك غرينلاند، تردّد ترمب ثم تهرَّب من الإجابة قائلاً: «هذا الاتفاق طويل الأمد»، و«سيدوم إلى الأبد»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

منع الصين وروسيا

أكد مارك روته أن المناقشات بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «ناتو» بشأن غرينلاند تهدف إلى منع روسيا والصين من الوصول إلى هذا الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي، وإلى دول المنطقة القطبية الشمالية الأخرى.

ووفقاً لروته، فإن الهدف هو ضمان أمن سبع دول قطبية شمالية، بشكل جماعي، في مواجهة روسيا والصين؛ أي الولايات المتحدة وكندا والدنمارك وآيسلندا والسويد وفنلندا والنرويج.

وأضاف الأمين العام لـ«الناتو» أن الأمر يتعلق بضمان عدم تمكن الصين وروسيا من الوصول الاقتصادي والعسكري إلى غرينلاند.

سيادة الدنمارك

وأكدت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن، في تصريح للتلفزيون الدنماركي: «موقفا الدنمارك وغرينلاند متطابقان، ولم تُجرَ أي مفاوضات، أمس، مع (الناتو) بشأن سيادتنا».

وكانت قد أكدت، في بيان سابق، أنه «من البديهي أن الدنمارك وغرينلاند هما فقط مَن يملكان صلاحية اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤونهما المشتركة».

وأشارت رئيسة وزراء الدنمارك إلى أن بلادها أجرت حواراً وثيقاً مع حلف «الناتو»، وأنها تحدثت شخصياً بانتظام مع الأمين العام للحلف مارك روته، ولا سيما قبل اجتماعه مع الرئيس ترمب في دافوس وبعده، مضيفة أنها نسّقت جهودها مع حكومة غرينلاند، طوال هذه العملية.

من جانبه، أكد روته، لشبكة «فوكس نيوز»، أن مسألة سيادة غرينلاند لم تُثَر خلال مناقشاته مع الرئيس الأميركي.

كما أفاد مصدر مطلع على المحادثات بين دونالد ترمب ومارك روته، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه لم يجرِ التطرق إلى فكرة إنشاء قواعد أميركية في غرينلاند تحت السيادة الأميركية.

إعادة تفاوض

ووفقاً للمصدر نفسه، ستعيد الولايات المتحدة والدنمارك التفاوض على اتفاقية الدفاع الموقَّعة في عام 1951 بشأن غرينلاند. وسيجري تعزيز الأمن في القطب الشمالي، وستسهم دول حلف «الناتو» الأوروبية في ذلك.

ومنذ عام 1951، منحت اتفاقية الدفاع التي جرى تحديثها عام 2004، القوات المسلّحة الأميركية حرية شبه كاملة في غرينلاند، مع وجوب إخطار السلطات مسبقاً.

ولا تملك الولايات المتحدة حالياً سوى قاعدة واحدة في غرينلاند، وهي قاعدة بيتوفيك (ثول سابقاً) الواقعة شمال هذه الجزيرة القطبية الشاسعة، بعد أن كانت تُدير نحو عشر قواعد خلال الحرب الباردة. ولهذا الموقع دور مهم في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية.


ترمب يعلن «إطار عمل» للتوصل إلى اتفاق «وشيك» حول غرينلاند

متظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك بغرينلاند الخميس (رويترز)
متظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك بغرينلاند الخميس (رويترز)
TT

ترمب يعلن «إطار عمل» للتوصل إلى اتفاق «وشيك» حول غرينلاند

متظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك بغرينلاند الخميس (رويترز)
متظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك بغرينلاند الخميس (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، قرب التوصل إلى اتفاق مستقبلي بشأن غرينلاند مع «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) يحقق للولايات المتحدة «ضمان الأمن والاستقرار» في الجزيرة. ووصف الضمانات بأنها «أولوية استراتيجية حيوية للولايات المتحدة وحلفائها».

وقال ترمب للصحافيين، الخميس، إنه ضمن للولايات المتحدة حق الوصول الكامل والدائم إلى غرينلاند، في صفقة مع «الناتو»، وأوضح أنها «صفقة نهائية طويلة الأجل، تضع الجميع في وضع جيد للغاية، خاصة فيما يتعلق بالأمن والمعادن».

وفي حوار مع شبكة «فوكس نيوز» صباح الخميس من دافوس، قال ترمب إنه حصل على كل ما يريده بالوصول الكامل لغرينلاند من دون أي تكلفة، وبلا حد زمني معين. وأشار إلى أن جزءاً من الدفاع الصاروخي المعروف باسم «القبة الذهبية» سيكون في غرينلاند، وأنه «إذا بدأ الأشرار بإطلاق النار سيمر ذلك فوق غرينلاند، ولذلك سنقوم بإسقاطه. إنه نظام لا يخطئ». وأضاف: «الرئيس رونالد ريغان كانت لديه هذه الفكرة منذ زمن طويل، لكن لم يكن لدى الولايات المتحدة التكنولوجيا اللازمة في ذلك الوقت، والآن لدينا تكنولوجيا لا تصدق».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في مؤتمر دافوس الخميس (أ.ب)

وحينما سئل عما إذا كانت الصفقة المحتملة، التي يدرسها الحلفاء، تتضمن الاستحواذ على غرينلاند، أجاب: «يتم التفاوض عليها الآن وعلى التفاصيل، لكنها في الأساس تعطي حق الوصول الكامل، ولا يوجد نهاية ولا يوجد حد زمني».

وعبر منصة «تروث سوشيال»، قال ترمب إنه عقد اجتماعاً مثمراً للغاية مع الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، ووضع معه إطاراً لاتفاق مستقبلي بشأن غرينلاند ومنطقة القطب الشمالي بأكمله. وقال: «هذا الحل إذا تم تنفيذه سيكون حلاً عظيماً للولايات المتحدة وجميع دول (الناتو)».

تراجع عن التهديدات

الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته يلقي كلمة في دافوس الخميس (أ.ب)

وأبدى ترمب ثقة كبيرة بأن الاتفاق بات وشيكاً، بعدما تراجع ترمب عن تهديداته السابقة بفرض رسوم جمركية على الحلفاء الأوروبيين. كما نفى بشكل قاطع فكرة استخدام القوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند، ما قلل من التوترات بين أعضاء «الناتو»، كما تراجعت فكرة شراء غرينلاند.

وقال روته للصحافيين إن الدنمارك ستحتفظ بسيادتها على غرينلاند، وإن الدول الأعضاء في حلف «الناتو» ستقوم بتكثيف الجهود الأمنية في القطب الشمالي في غضون عدة أشهر، بموجب إطار الاتفاق الذي تجري مناقشته.

وقال روته لوكالة «رويترز»: «سنجتمع في (الناتو) مع كبار قادتنا لتحديد ما هو ضروري. ولا شك لديّ في قدرتنا على إنجاز ذلك بسرعة. وأتمنى أن يتم ذلك في عام 2026».

وفي تصريحات لوكالة «بلومبرغ»، قال روته إنه جرى التوصل إلى حل لحماية القطب الشمالي، والاتفاق على عدم منح روسيا والصين أي حق في الوصول إلى الجزيرة، لافتاً إلى أن الدنمارك وغرينلاند مستعدتان لقبول المزيد من الوجود الأميركي.

انفتاح دنماركي مشروط

رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن تؤكد الاستعداد للحوار لكن بشروط (إ.ب.أ)

من جانبها، قالت الدنمارك إنها منفتحة على الحوار، ما دامت احترمت الولايات المتحدة حدودها ووحدة أراضيها، وأشارت إلى أن المقترح الأميركي يحتاج إلى موافقة سكان غرينلاند أيضاً.

وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، إنها تجري محادثات مع روته، وإن «الدنماركيين قادرون على التفاوض بشأن كل ما هو سياسي، والأمن والاستثمارات والاقتصاد، لكن لا يمكن التفاوض على السيادة». وشددت في بيان باللغة الدنماركية على أن الأمن في القطب الشمالي مسألة تهم «الناتو» بأكمله. وأوضحت أن بلادها «ترغب في مواصلة الحوار البنّاء حول كيفية تعزيز الأمن في القطب الشمالي، بما في ذلك مشروع (القبة الذهبية) الأميركي، شريطة أن يتم ذلك مع احترام سلامة أراضينا».

المتحدثة باسم «الناتو»، أليسون هارت، قالت إن المفاوضات بين الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة ستستمر بهدف ضمان عدم تمكن روسيا والصين من ترسيخ وجودهما – اقتصادياً أو عسكرياً - في الجزيرة.

تقطيع كعكة على شكل جزيرة غرينلاند مزيّنة بالعَلَم الأميركي خلال فعالية للحزب الجمهوري في مركز كينيدي بواشنطن يوم 20 يناير 2026 (رويترز)

قواعد عسكرية واستثمارات

وأشارت مصادر بالبيت الأبيض في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المقترحات الأميركية في هذا الاتفاق تمنح الولايات المتحدة حرية أكبر في البناء على الجزيرة، بما يشمل إنشاء قيادة مشتركة «أميركية مع حلف (الناتو)»، في غرينلاند، للدفاع عن القطب الشمالي.

ويحتفظ الجيش الأميركي بوجود دائم في قاعدة «بيتوفيك» الجوية، شمال غربي غرينلاند، إضافة إلى ترتيبات تمنح الولايات المتحدة بناء قواعد عسكرية جيدة من دون الحاجة إلى تصريح من الدنمارك أو سلطات غرينلاند (وهو ما كان منصوصاً عليه في اتفاقية عام 1951 بين الولايات المتحدة والدنمارك حيث يُشترط على الولايات المتحدة إبلاغ الدنمارك وغرينلاند).

موقع بناء أسفل منازل مبنية على سفح التل في حين تمر السيارات بالقرب من نفق سولورسواك في نوك بغرينلاند الأربعاء (أ.ف.ب)

ووفقاً للمقترح الأميركي، ستقوم الولايات المتحدة بضخ استثمارات ضخمة (تقدر بنحو 15 إلى 20 مليار دولار في المرحلة الأولى) في البنية التحتية، والمواني، والمطارات العسكرية في غرينلاند. وينص مقترح الاتفاق أيضاً على مشاركة أميركية واسعة في استخراج المعادن النادرة (الليثيوم، والكوبالت، والغرافيت) مقابل دعم اقتصادي لسكان غرينلاند، إضافة إلى فتح قواعد عسكرية أميركية جديدة تحت مظلة «الناتو» مع الاحتفاظ بـ«السيادة الشكلية» للدنمارك.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين قولهم إن بعض الأفكار المطروحة للنقاش هي أن تتنازل الدنمارك عن سيادتها على مناطق صغيرة من غرينلاند، حيث ستقيم الولايات المتحدة قواعد عسكرية، لكن التفاصيل لا تزال قيد المناقشة.

ويشبه هذا المقترح الأميركي اتفاقاً أبرمته بريطانيا مع قبرص عام 1960 لإدارة قواعد على أراضيها، باعتبارها مناطق قواعد سيادية بريطانية، وتبقى تحت السيطرة البريطانية كـ«مناطق بريطانية وراء البحار» بعد استقلال قبرص. ووفقاً لهذا الاتفاق تم إنشاء إدارة مدنية مسؤولة عن واجبات الحكومة المدنية فيما يتعلق بالقانون والهجرة والقوة الشرطية، إضافة إلى عسكريين بريطانيين يعملون جنباً إلى جنب مع القبارصة.

وتسود حالة من الغموض والتشكك في الأوساط الأوروبية حول المقترحات الأميركية وإطار العمل حول غرينلاند، وسط تحركات مكثفة للحلفاء في «الناتو» لتعزيز الأمن في غرينلاند، وتساؤلات عن مقترحات الولايات المتحدة حول التعدين المحاط ببيروقراطية ومعارضة قوية من سكان غرينلاند، بسبب المخاطر المحيطة بالبيئة.