الجمهوريون يطلقون مسيرتهم الحمراء للعودة إلى البيت الأبيض بقيادة ترمب

أميركيون يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن تطلعاتهم… في زمن الخيبة من السياسيين

TT

الجمهوريون يطلقون مسيرتهم الحمراء للعودة إلى البيت الأبيض بقيادة ترمب

المرشح الرئاسي لانتخابات 2024 الرئيس السابق دونالد ترمب بعد لحظات من محاولة اغتياله في بنسلفانيا (أ.ب)
المرشح الرئاسي لانتخابات 2024 الرئيس السابق دونالد ترمب بعد لحظات من محاولة اغتياله في بنسلفانيا (أ.ب)

لا يعرف كثيرون في ميلووكي، وهي واحدة من المدن الزرقاء الكثيرة التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، كيف يمكن للرئيس السابق دونالد ترمب وأنصاره الجمهوريين أن يجعلوا «أميركا عظيمة مرة أخرى» في ظل الانقسامات السياسية والعرقية والدينية العميقة التي تمزّق هذه البلاد الشاسعة.

غير أن دواين تشينغيل، الذي يلبس ثياباً تقليدية تحاكي الشكل المفترض لـ«العم سام» وما كان يرتديه الأميركيون بعد فترة استقلال بلادهم عن الإنجليز عام 1776، لديه بعض الجواب بوصفه «العم سام الجديد». الجواب عنده: «دونالد ترمب، الذي سمى جيمس ديفيد (جاي دي) فانس مرشحاً على بطاقته لمنصب نائب الرئيس؛ أملاً في استقطاب جيل جديد من الأميركيين وتوسيع القاعدة الشعبية لـ(الحزب القديم العظيم)». راح تشينغيل يعزف على آلته الهارمونيكا، ثم قال لـ«الشرق الأوسط»: «العم سام هنا من أجل أميركا، وسنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى. سنعيد ترمب إلى السلطة حيث ينتمي، وسنجعل أميركا آمنة مرة أخرى، قوية مرة أخرى، مزدهرة مرة أخرى، ورائعة مرة أخرى، ونحن فخورون بكوننا أميركيين».

دواين تشينغيل الذي يعرّف عن نفسه باسم «العم سام الجديد» يتجادل مع شخص لديه آراء مختلفة خارج مقر المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري في ميلووكي (أ.ف.ب)

«بر أحمر» شاسع

أتى المندوبون الـ2400 للمشاركة في المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري إلى ميلووكي، في محاولة للتغلب على مشكلة رئيسية يواجهونها عموماً في مواسم الانتخابات الأميركية. تميل المدن الكبيرة المكتظة بالناس، وبمَن يحق لهم الانتخاب، إلى الحزب الديمقراطي الذي يتخذ من الأزرق لوناً ومن الحمار شعاراً له. أما الحزب الجمهوري فيعتمد بشدة على تأييد لا نظير له في البر الأميركي الشاسع، حيث يعيش الفلاحون وعمال المصانع والمناجم بسكينة ورخاء نسبيَّين، متعلقين بفيل الحزب رمزاً وبلونه الأحمر.

أشاع حضور آلاف الجمهوريين الآخرين من بقية الولايات الأميركية إلى ويسكونسن بعض الأمل في استمالة الناخبين في ميلووكي، معتقدين بأن ذلك يمكن أن يمنحهم أصوات هذه الولاية المتأرجحة، في مواجهة انتخابية يتوقع أن تكون ضارية مع الديمقراطيين ومرشحهم الرئيس جو بايدن أو سواه، في انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تحتل ويسكونسن مكانة رمزية مهمة في الانتخابات، ليس فقط لأن لديها 10 مندوبين سيمثلونها في المجتمع الانتخابي المؤلف من 538 مندوباً، بل لأنها واحدة من حفنة قليلة من الولايات المتأرجحة على غرار 5 أخرى هي: ميشيغان، وجورجيا، وأريزونا، وبنسلفانيا، ونيفادا. خسر الجمهوريون انتخابات عام 2020؛ بسبب خسارتهم في هذه الولايات.

الرصاصة والرئاسة

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب وزوجته ميلانيا على المنصة في المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ويسكونسن (رويترز)

على الرغم من محاولات وقفه المتكررة منذ خسارته تلك الانتخابات، بما في ذلك عبر منافسين آخرين من حزبه، ظلّ ترمب مُصمّماً على العودة إلى البيت الأبيض ثأراً من «سرقة» بايدن لنتائجها. والآن يرى الجمهوريون فرصةً نادرةً في ترمب، الذي نجا الأسبوع الماضي من محاولة اغتيال في بنسلفانيا، وهو متقدم أصلاً في الاستطلاعات كلها على بايدن. ولكن هم مَن يعتقدون أيضاً بأن «معجزة» الرصاصة التي اخترقت الجزء الأعلى من الأذن اليمنى لترمب ستساعده على الوصول إلى الرئاسة.

وعبّر دواين تشينغيل عن اعتقاده بأن «80 في المائة سينتخبون ترمب إذا كانت الانتخابات آمنة»، عادّاً أنه «عندما نصوّت لصالح ترمب، فإننا نصوّت لصالح شخص خارجي لديه كثير من المال ولا يُشرى»، فضلاً عن أنه «هنا من أجلنا. إنه على استعداد لتلقي رصاصة من أجلنا، ولذا نحن على استعداد للدفاع عنه».

وظهرت هذه الثقة عند مندوب ولاية ميسيسيبي، كليفتون كارول، الذي عبّر عن قناعته بأن «البلاد بأسرها» باتت الآن مُتّحدة حول مرشح الجمهوريين. وقال: «نرى أشخاصاً لم يدعموا قط دونالد ترمب يلتفون حوله؛ لأنهم يرون شخصاً يمكنهم الوثوق به».

وانعكس ذلك أيضاً على المنافسين السابقين لترمب على بطاقة الحزب الجمهوري للانتخابات، إذ قالت الحاكمة السابقة لولاية كارولاينا الجنوبية، نيكي هايلي، إن «دونالد ترمب يحظى بدعمي القوي، نقطة على السطر!»، علماً بأنها حذّرت طوال أشهر من «فوضى» يمكن أن تُسبّبها عودة ترمب إلى البيت الأبيض. وكذلك تعهّد منافسان سابقان آخران، هما حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، ورجل الأعمال فيفيك راماسوامي، بالولاء التام لترمب الذي جلس مستمتعاً بإظهار هذه الوحدة خلف شخصه.

ويُركّز أنصار المرشح الرئاسي الجمهوري على الضمادة التي تغطي أذن ترمب، التي تدل بالنسبة لهم على «شجاعة رجل حاول البعض إسقاطه» لكنه «لا يستسلم أبداً». وهكذا تمثل الصورة التاريخية التي ظهر بها ترمب بعيد إصابته، وخدّه مُلطّخ بالدماء، وقبضته مرفوعة، وهو يدعو أنصاره إلى «القتال» بينما كان حرّاسه الشخصيون يجلونه على عجل من المنصّة الانتخابية في مدينة باتلر بولاية بنسلفانيا.

قطار ترمب

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يلوّح للحشود في المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي بويسكونسن (أ.ف.ب)

ولكن هذا جانب واحد فقط مما يدفع الموظفة المتقاعدة في فلوريدا، ديبي ستولت، التي حضرت إلى ميلووكي بوصفها مندوبةً عن الولاية لتزكية ترشيح ترمب، الذي «لا يُمثّل الطبقة السياسية». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لا نريد سياسيّاً لمنصب الرئيس. لذلك حصلنا على رجل أعمال، وكان أفضل رئيس في حياتي». وزادت: «سأدعمه بغض النظر عمّا يحدث. أنا على متن قطار ترمب، وسأظل هناك إلى الأبد».

تُبدي ستولت إعجابها بترمب على الرغم من موقفه المعارض لحق الإجهاض، مُوضّحة أنه «عندما تعلق الأمر لأول مرة بالمواجهة بين رو ووايد، حصل ذلك عام 1973، ولم تكن التكنولوجيا التي لدينا اليوم موجودة في ذلك الوقت»، وهي تظهر الآن أن «هناك نبض قلب طفل».

وتؤيدها في ذلك المعالجة النفسية روبن سيبولد، التي أتت إلى ميلووكي لتنضمّ إلى «أشخاص ذوي تفكير مماثل» في القضايا التي شغلت المشاركين في المؤتمر، بما في ذلك الإجهاض. وقالت إن «الجدل الحقيقي هو أن الناس لم يفهموا أنه بمجرد الحمل، يصبح هذا الطفل كائناً حياً». وأوضحت أنه كونها معالجة نفسية، أوصت بكتاب بعنوان «حياة الطفل الذي لم يولد بعد» حول «ما يشعر به الطفل، وكل ما تمرّ به الأم، وما يمرّ به الوالدان، والصراعات، وغير ذلك».

وأكدت كذلك أنها داعمة لترمب بعد محاولة الاغتيال. وقالت: «أعتقد بأنه مع ازدياد عدد الأشخاص الذين بدأوا يفهمون ما يحدث بالفعل في بيئتنا السياسية، ويفهمون مواقف الرئيس ترمب حقاً، ومَن هو حقاً، أعتقد بأنكم ستشهدون كثيراً من الأشخاص الذين جرى استطلاع آرائهم، أو منظمي استطلاعات الرأي، يقولون إنهم لن يصوّتوا له، مثل الأقليات. ولكن أعتقد بأنهم يؤيدونه».

قضايا محورية

بالإضافة إلى الإجهاض، ركّز المشاركون في المؤتمر على موضوعات «عزيزة» على قلب المرشح الرئاسي، مثل القدرة الشرائية، والهجرة، والجريمة، والأمن الذي تضمنه «أميركا قوية». وتوالى على المنصة أميركيون غير معروفين اختيروا لأنهم فقدوا قريباً أو عزيزاً على يد مهاجر غير قانوني، أو بجرعة زائدة من مخدر «الفنتانيل» القاتل.

وجاءت تسمية السيناتور فانس، (39 عاماً)، الذي يعارض المساعدات لأوكرانيا ويتحدث بخطاب شعبوي مناهض للهجرة، نائباً للرئيس، إشارةً إلى أن ترمب يسعى إلى توسيع قاعدة الحزب الجمهوري وجاذبيته عند الأميركيين الذين يفتقدون «الحلم الأميركي» الذي يتحدث أنصار عن استعادته، من خلال «مسار جديد» حدد معالمه فانس الوافد إلى عالم السياسة الأميركية من بيئة منسية في الضواحي الأميركية الفقيرة.

إحباط وخيبة

انضمّ أفراد أسرة ترمب إليه في المنصة في ختام خطابه فجر الجمعة في ويسكونسن (رويترز)

وقفت المحامية المتقاعدة آنا ساراس، التي تعمل حالياً سيدة أعمال تطوعت لإنجاح النشاطات الجمهورية المكثفة قبل مؤتمرهم العام في ويسكونسن وخلاله، متأملةً فيما يحصل في أميركا. وإذ أشارت إلى أنها وُلدت وترعرعت في ميلووكي، وانتقلت إلى أماكن كثيرة، قالت لـ«الشرق الأوسط»: «أجد نفسي في هذه المرحلة من حياتي محبطةً وخائبةً من الاختيارات التي أمامنا من الجمهوريين والديمقراطيين». وأضافت: «دعمت كلا الطرفين في حياتي. ومع ذلك، في هذه المرحلة، أشعر بخيبة أمل ليس إلا. أشعر بأنه من ناحية لدينا شخص يجب أن يتمتع بالتواضع للتنحي، ومن ناحية أخرى لدينا شخص يشبه إلى حد ما القصة الرمزية لـ(الإمبراطور الذي ليست لديه ملابس)، ولم يقف أحد ليقل أي شيء عن ذلك، والأشخاص الذين يتبعونه يخيفونني، في حين أن الأشخاص الذين يتبعون الجانب الديمقراطي من المسالمين نوعاً ما، ولا يفعلون أي شيء حيال ذلك بطريقة نشطة».

وعبّرت عن شعورها «بخيبة أمل كبيرة»، آملة بشدة في «ألا ينظر الناس في كل أنحاء العالم إلى الولايات المتحدة ويسخرون مما لدينا هنا. بل علينا أن نتذكر مدى عظمة هذا البلد، وكم من الفرص المتاحة لنا».

بالنسبة إلى كثيرين مثل ساراس، يبدو الكلام الذي يقوله الزعماء الحزبيون، من جمهوريين وديمقراطيين، مجرد وعود بعيدة المنال.


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف شخص بموجب اتفاقيات سرية مع 35 دولة لاستقبال مهاجرين لا تربطهم أي صلات بتلك الدول، وفقاً لتحقيق نُشرته (الاثنين) مجموعة «فوربيدن ستوريز» الصحافية.

ولكن التقرير كشف عن ظروف صعبة يمر بها المرحّلون من الولايات المتحدة إلى عدد من الدول الأفريقية، إذ كشف التحقيق عن أن ثلث اتفاقيات الترحيل التي وقّعتها الولايات المتحدة كان مع دول أفريقية (12 اتفاقية على الأقل).

التوجه نحو أفريقيا

أشارت «فوربيدن ستوريز» إلى أن إدارة ترمب تواصلت مع 49 دولة أفريقية، من أصل 54، خلال بحثها عن دول لاستقبال مهاجرين مرحَّلين لا تربطهم بها أي صلة، وأشرف على هذه المفاوضات مكتب «إعادة الهجرة» في وزارة الخارجية الأميركية، برئاسة كريستيان إيرهاردت.

وقال التحقيق إن المفاوضات في الغالب تكون سرية، وتستخدم ضغوطاً مثل قيود التأشيرات أو ربطها بمساعدات، في حين ترفض كثير من الدول قبول أصحاب السجلات الجنائية العنيفة، لكن بعضها يقبل بذلك مثل دولة سواتيني، التي وقّعت اتفاقية بقيمة 5 ملايين دولار لاستقبال 160 شخصاً.

واعتمد التحقيق على أكثر من 100 مقابلة (منها 33 مع مرحّلين)، ووثائق داخلية، وتتبع رحلات، فيما يشير إلى أن المرحّلين غالباً هم أشخاص عاشوا سنوات طويلة في أميركا، لديهم عائلات أو عملوا هناك، ومنحهم قضاة أميركيون حماية من الترحيل إلى أوطانهم.

تعنيف ممرضة!

كشف التحقيق عن أن غانا استقبلت أكثر من 110 أشخاص، عبر 9 رحلات على الأقل منذ سبتمبر (أيلول) 2025، ولكن غانا وافقت فقط على استقبال مرحّلين من أصول غرب أفريقية، وفي بعض الحالات، أعادت ترحيلهم سريعاً إلى بلدانهم الأصلية مثل نيجيريا أو سيراليون، رغم وعود أولية بتوفير «ملاذ آمن».

طائرات تُستخدم لترحيل المهاجرين على مدرج مطار في ولاية تكساس الأميركية (أ.ب)

ومن أشهر قصص الترحيل، رابياتو كوياتيه (58 عاماً)، وهي ممرضة عاشت معظم حياتها في أميركا بعد فرارها من سيراليون، بسبب الحرب الأهلية التي ضربت البلد الصغير والفقير الواقع في أقصى غرب القارة الأفريقية.

رُحّلت كوياتيه إلى غانا، ثم أُجبرت على العودة إلى بلدها الأصلي سيراليون وسط مشاهد عنيفة، حيث انتشر مقطع فيديو منها وهي حافية القدمَيْن وتُسحب من شعرها بعنف، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً.

مركز احتجاز

أما في غينيا الاستوائية فيبدو الوضع أكثر إثارة للقلق، حيث يشير التقرير إلى أنه بموجب اتفاق بقيمة 7.5 مليون دولار، استقبلت نحو 66 شخصاً عبر 6 إلى 7 رحلات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من جنسيات مختلفة مثل إريتريا، وإثيوبيا، ومصر، وأنغولا، والكاميرون، وكوبا، والبرازيل.

وأوضح التحقيق أن أغلب هؤلاء المرحّلين محتجزون في فندق «بامي» المتداعي على أطراف العاصمة مالابو، الذي تحول إلى سجن فعلي، وسط تقارير عن ظروف سيئة بسبب نقص الرعاية الطبية، والمنع من الاتصال، والضغط النفسي.

ويؤكد التحقيق أن السلطات الغينية اعتقلت في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مواطناً مصرياً وآخر إريترياً، بعد أن وثقا بالفيديو سوء الظروف التي يتم احتجاز المرحّلين فيها، ونقل التحقيق عن شهود ومحامين أن الشرطة غطت رأسيهما بأكياس، وقيدتهما، وضربتهما بأعقاب البنادق، ودفعتهما على الدرج.

نيكا الإيرانية

تناول التحقيق قصة نيكا الإيرانية (32 عاماً)، التي فرت من إيران قبل نحو 18 شهراً بعد مشاركتها في احتجاجات ضد النظام، وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة، قضت أكثر من عام في مركز احتجاز للهجرة الأميركية، قبل أن يمنحها قاضٍ حماية قانونية بـ«منع الترحيل»، لأنها معرّضة لضرر جسيم أو خطر على حياتها إذا أُعيدت إلى إيران.

أُفرج عنها بموجب أمر قضائي في أواخر مايو (أيار) 2026، وأصبح بإمكانها العمل والبقاء في الولايات المتحدة مؤقتاً، ولكن بعد أقل من أسبوعين، أعادت سلطات الهجرة اعتقالها خلال موعد روتيني، ثم رحّلتها جواً إلى جمهورية أفريقيا الوسطى مع نحو 18 مهاجراً آخرين (من جنسيات مختلفة مثل أفغانستان والعراق وقيرغيزستان)، رغم الحماية القضائية.

لم يُخبروها بوجهتها مسبقاً، وظلّت مقيدة بالأصفاد طوال الرحلة، قبل أن تصل نيكا إلى عاصمة البلاد بانغي، وهي مدينة تصفها وزارة الخارجية الأميركية بأنها خطيرة جداً للسفر. حالياً تعيش في غرفة صغيرة شبه معزولة، وتخاف الخروج، وتنتظر مصيرها خشية أن تُرحّل مجدداً إلى إيران.


4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

قرّرت أربع شبكات أميركية كبرى تشكّل مجموعة التغطية الصحافية المشتركة لأنشطة الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، وقف هذه التغطية، وذلك تضامناً مع شبكة «سي إن إن» التي استبعدها الرئيس الأميركي من البيت الأبيض، وفقاً لبيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال براين بونتون، ممثل شبكة «فوكس» والمنسق لهذه المجموعة من القنوات المكلفة بتصوير الرئيس الأميركي على مدار اليوم وتوزيع اللقطات المصورة على وسائل الإعلام الأخرى: «اعتباراً من اليوم، لن تتولى مجموعة التغطية التلفزيونية المشتركة تغطية الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس والتي تندرج عادة ضمن نطاق التغطية المشتركة».

والشبكات الأربع هي «سي بي إس» و«إيه بي سي» و«إن بي سي» و«فوكس».


زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
TT

زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)

​يجلس مئات من زعماء العالم، الثلاثاء، تحت قبَّة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حاملين إلى دورتها السنوية الحادية بعد الثمانين آمالهم وتطلعات شعوبهم إلى عالم أفضل، لا ينهشه الجوع والفقر، ولا تستبد فيه الحروب والنزاعات، ولا تهدده الكوارث الطبيعية والتكنولوجيا الجديدة، وأحدثها الذكاء الذي من صنع الإنسان.

ولكن هيهات! كأن الجمعية العامة للأمم المتحدة (التي يشيع اختصار اسمها بـ«أونغا») في وادٍ، وواقع حال أعضائها الـ193 في وادٍ آخر.

ومع ،ذلك يترقب هذا الحشد الدولي الأكبر عالمياً اللحظة التي يدخل فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى المبنى العريق على الجادة الأولى في وسط مانهاتن، والمشرف على نهر إيست ريفر، لمعرفة ما إذا كان خطابه المكتوب لهذا العام يتضمن غير ما يكتبه في منشوراته شبه اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، وتصريحاته التلقائية أمام الصحافيين والعدسات، وغيرها من الوسائل، بغية توصيل رسائله ونداءاته بأن «أميركا أولاً»، وبهدف تعميم شعاره «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» («ماغا» اختصاراً) على من يسعى إلى كسب وده وتجنب غضبه، وعواقب العقوبات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو المالية التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى، على من يتجرأ على تحدي جبروتها.

أشخاص يحملون صوراً وقناديل أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك خلال مناسبة للأميركيين من أصول إيرانية ضد النظام الإيراني (رويترز)

ولترمب قصة طويلة وقديمة مع الأمم المتحدة. كان يطمح عندما كان مطوراً عقارياً في نيويورك إلى الفوز بعقد استثماري لتطوير مجمع المنظمة الدولية الواقع على بعد عشرات الأمتار فقط من «برج ترمب» الفاخر على الجادة الأولى أيضاً. غير أن مستثمراً آخر فاز بالعقد المجزي.

وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من تحقيق غايته، لم تتلاشَ عزيمة ترمب لتحقيق هذا الهدف؛ بل صار أكثر تصميماً من ذي قبل، ولا سيما أنه ومنذ صار رئيساً يرى حالات الضعف والفشل والأعطاب التي أصابت الأمم المتحدة التي أنشئت على أنقاض «عصبة الأمم» في نهاية عام 1945، على أساس التوازنات التي أرساها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.

عظيمة كأميركا

وفي عالم شهد -ولا يزال يشهد- تحولات هائلة منذ ذلك الحين، يشبِّه البعض الإخفاقات الراهنة للأمم المتحدة بسنوات الفشل التي سبقت انهيار «عصبة الأمم». وتندَّر بعض الدبلوماسيين بأن الرئيس ترمب يريد أن يطلق شعاراً جديداً «فلنجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة عظمية مرة أخرى» («مونغا» اختصاراً).

وفي دليل على جدية هذه التوجهات، يوزع المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قبعات «مونغا» على فريقه الدبلوماسي وحلفاء الولايات المتحدة في المنظمة الدولية.

ووصفت الناطقة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، السفير والتز لي بأنه «مبعوث رئيسي لجميع أولويات الرئيس» ترمب، الذي «يُقدِّر جهود السفير والتز في سبيل جعل الأمم المتحدة عظيمة مرة أخرى».

غير أن الدبلوماسيين الذين يتحدثون مع السفير والتز يعتقدون أن جعل الأمم المتحدة عظيمة حقاً، يستوجب عقد صفقة كبرى على غرار مؤتمر يالطا، الذي عُقد في مطلع عام 1945 بمشاركة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، سعياً إلى استعادة هيبتها المفقودة في وقف حربين تنخرط فيهما دولتان من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة مع إيران، وروسيا مع أوكرانيا، بالإضافة إلى الحيلولة دون وقوع حرب جديدة يخشاها كثيرون بين الصين وتايوان.

واشنطن لا نيويورك

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ خلال اجتماع منظمة «بريكس» في نيودلهي بالهند (أ.ب)

ويعكس غياب كل من الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عن «أونغا» هذا العام، استمرار عدم الرضا من زعيمَي دولتين كبريين على التوازنات الراهنة في الأمم المتحدة، علماً بأن الرئيس الصيني سيقوم -وقت انعقاد الجمعية العامة- بزيارة دولة بدعوة من ترمب لواشنطن العاصمة، من دون أن يعرِّج على نيويورك القريبة.

وبينما يحاول ترمب وشي رسم معالم العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة والصين، يخشى دبلوماسيون من تحوُّل هذه المنافسة إلى مجرد بداية لحرب باردة جديدة، عوض أن تكون فرصة لصفقة جديدة على غرار مؤتمر يالطا، الذي كان مقدمة لنشوء الأمم المتحدة بصيغتها الراهنة.

ووفقاً لبرنامج الكلمات الذي أُعد لليوم الأول من أسبوع الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة، سيعتلي المنصة أولاً رئيس الدورة الحالية للجمعية، وزير الخارجية البنغلاديشي السابق خليل الرحمن، ثم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لإلقاء كلمتين افتتاحيتين، على أن تكون الكلمة الأولى للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفقاً لتقليد تعتمده الجمعية العامة منذ نحو 7 عقود. ويليه الرئيس ترمب، بوصفه رئيس الدولة المضيفة للمنظمة الدولية.

وقبل أيام من هذه المناسبة، قال لولا دا سيلفا إنه سيطلب من ترمب «عدم التدخل في انتخابات البرازيل».

وظهرت التوترات بين الرئيس لولا دا سيلفا وإدارة ترمب عام 2025، حين طبَّقت الأخيرة موجة أولى من الرسوم الجمركية ضد البرازيل، رداً على محاكمة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يعد من حلفاء ترمب.

أصحاب الكلام

وسيتوالى على الكلام -الثلاثاء أيضاً- كل من: ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فضلاً عن نحو 20 آخرين من رؤساء الدول والحكومات.

وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة للأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الذي يعتبر القوة الرئيسية المحركة لها، في «صون السلم والأمن الدوليين» طبقاً لما جاء في ميثاقها، يُتوقع أن يعرض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (الذي تنتهي ولايته الثانية الأخيرة بعد مائة يوم فحسب) السنين العشر التي أمضاها في هذا المنصب، وكان خلالها شاهداً على تصدعات العالم ومصائبه.

لم يتمكن غوتيريش من فعل الكثير لوقف الحرب في سوريا، التي شهدت استخدام نظامها السابق الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، بينما كانت الأمم المتحدة عاجزة عن اتخاذ إجراءات لمنع الإفلات من العقاب. وتواصلت الأزمة في ليبيا على الرغم من تغيُّر المبعوثين الأمميين. ووقعت حرب جديدة في السودان من دون أن تتمكن الأمم المتحدة من إيصال المساعدات إلى ملايين اللاجئين. وكذلك فشلت في وضع حد للأزمة اللبنانية، رغم وجود نحو 10 آلاف جندي ضمن القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل).

ورافق غوتيريش -على غرار جميع الأمناء العامِّين الذين سبقوه- الشلل المزمن لمجلس الأمن في إيجاد تسوية منصفة للشعب الفلسطيني، الواقع منذ نشأة المنظمة الدولية تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ بل كان شاهداً على وقوع حرب غزة التي نفَّذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين من دون أي محاسبة، وحرب أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من 4 سنوات ونصف سنة، وشاهداً أيضاً على بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قبل نحو 7 أشهر.

ومع ذلك، لا يفقد غوتيريش الأمل في تعددية قطبية تبدو حتمية، إما على أساس التنافر، وإما على أساس التعايش تحت سقف القانون الدولي والأنظمة القائمة على القواعد.