بايدن سيضرب... وهذه «سلة الخيارات والأهداف»

الرد الأميركي ينتظر معلومات استخبارية وتدابير لحماية القوات «دون توسيع الحرب»

بايدن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى فلوريدا الثلاثاء (أ.ف.ب)
بايدن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى فلوريدا الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

بايدن سيضرب... وهذه «سلة الخيارات والأهداف»

بايدن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى فلوريدا الثلاثاء (أ.ف.ب)
بايدن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى فلوريدا الثلاثاء (أ.ف.ب)

حمّل الرئيس الأميركي جو بايدن، الثلاثاء، إيران مسؤولية «تجهيز الأسلحة للمجموعة التي نفّذت الهجوم على قاعدة أميركية في الأردن، أودت بحياة 3 جنود أميركيين، لكنه جدّد التأكيد على أن واشنطن «لا تريد اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط».

وثمة مزاج في واشنطن يحاصر بايدن لتأخره في اتخاذ قرار بالرد على الهجوم الذي تبنته فصائل عراقية موالية لإيران، في حين يرى خبراء أن البيت الأبيض يدرس «سلة خيارات» تتضمن استهداف قادة ميليشيات في المنطقة، أقلها احتمالاً ضرب إيران بشكل مباشر.

وقال بايدن، لدى مغادرته البيت الأبيض إلى جولة انتخابية في فلوريدا، الثلاثاء، إنه «اتخذ قراره بشأن طبيعة الرد على هجوم بطائرة مسيّرة أسفر عن مقتل جنود أمريكيين في الأردن»، لكنه لم يتطرق إلى تفاصيل. وقال بايدن: «أنا أحمّلهم (إيران) المسؤولية، بمعنى أنّهم يزودون بالأسلحة الأشخاص الذين قاموا به (الهجوم)». مع تأخر الرد الأميركي على الهجوم تصاعدت التساؤلات فيما إذا كان السبب يعود إلى «ضعف» إدارة بايدن، بحسب اتهامات الجمهوريين، أو أنه «يتأنى في اختيار الأهداف» حتى لا يؤثر على «الحالة القائمة» في الشرق الأوسط.

بايدن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى فلوريدا الثلاثاء (أ.ف.ب)

رد متدرج ومستمر

وكرّر وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، خلال مؤتمره الصحافي مع أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ينس ستولتنبرغ مساء الاثنين، ما وعد به الرئيس بايدن، بالرد على الهجوم، وقال: إن الانتقام «يمكن أن يكون متعدد المستويات، ويأتي على مراحل ويستمر بمرور الوقت». وأضاف: «سنرد بشكل حاسم على أي عدوان، وسنحمّل الأشخاص الذين هاجموا قواتنا المسؤولية».

والتقى بايدن، الاثنين، كبار مسؤولي إدارته؛ لمراجعة الردود الأميركية المحتملة، حيث دعا عدد من الجمهوريين، وخصوصاً ممن يعدون من «الصقور» إلى «انتقام شديد»، بينما كان البيت الأبيض قلقاً من الانجرار إلى صراع آخذ في الاتساع في الشرق الأوسط.

وكان لافتاً صدور دعوات من دعاة «الانعزال» من أنصار الرئيس السابق دونالد ترمب، إلى عدم الانزلاق نحو حرب «غير مفيدة»؛ وهو ما حاذر ترمب نفسه إلى عدم الانجرار إليه، في تعليقاته التي اتهم فيها بايدن بالضعف، على الرغم من تباهيه بصرامته ضد إيران.

وعدّ بريان كاتوليس، نائب رئيس قسم السياسات في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، الاختلافات في مواقف الحزب الجمهوري، دليلاً على الانقسامات الداخلية التي يعانيها الحزب. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن الحزب الجمهوري منقسم داخلياً حول أهم قضايا السياسة الخارجية في يومنا هذا، ولم يعد يعرف ما الذي يمثله بعد الآن. «إنهم منقسمون بشدة ويعانون من زعيم انعزالي مثل دونالد ترمب».

صورة مجمعة للجنود الذين قُتلوا في هجوم مسيّرة على قاعدة أميركية في شمال شرق الأردن (البنتاغون - أ.ف.ب)

إيران مسؤولة

ويعتقد مسؤولو إدارة بايدن، أن المسلحين المدعومين من إيران كانوا وراء الغارة؛ مما يجعل أي خيار محفوفاً بالأخطار سياسياً وعسكرياً أيضاً، في الوقت الذي تؤكد فيه على أنها لا تسعى إلى حرب مع إيران.

وقال جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، للصحافيين: «نحن لا نسعى إلى حرب أخرى. نحن لا نسعى إلى التصعيد. لكننا بالتأكيد سنفعل ما هو مطلوب لحماية أنفسنا ومواصلة تلك المهمة والرد بشكل مناسب على هذه الهجمات».

ورفض كيربي الإجابة عن أسئلة حول طبيعة أو توقيت أي ضربة انتقامية أميركية. وقال: «لن أقوم بإرسال أي تصريحات ولن أقف أمام الرئيس أو أمام صانع القرار الخاص به». لقد التقى مرتين فريق الأمن القومي، أمس واليوم. إنه يدرس الخيارات المتاحة أمامه».

وقالت نائبة المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية، سابرينا سينغ، في مؤتمرها الصحافي مساء الاثنين: «إننا نعلم أن هذه ميليشيا مدعومة من (الحرس الثوري الإسلامي)». وأضافت: «إنها تحمل آثار (كتائب حزب الله). لكن دون إجراء تقييم نهائي لذلك، تواصل فرقنا هنا إجراء التحليل. نحن نعلم أن إيران تقف وراءها. وبالتأكيد كما قلنا من قبل... تواصل إيران القيام بذلك وتسلح وتجهز هذه الجماعات لشن هذه الهجمات وسنحمّلها المسؤولية بالتأكيد».

ولم تتطرق سينغ إلى التقارير الصحافية التي تحدثت أن خلطاً قد حصل في تحديد هوية الطائرة المسيّرة، لتزامن وصولها مع عودة طائرة مسيّرة أميركية إلى القاعدة؛ الأمر الذي منع المسؤولين العسكريين عن تأمين الحماية لاتخاذ قرار في إسقاطها. وقالت: إن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد أسباب فشل وسائل الدفاع الجوية من إسقاط المسيّرة المعادية.

بايدن خلال اجتماعه بكبار مسؤولي إدارته لمراجعة الرد الأميركي المحتمل (رويترز)

ضربة لا محالة

وبينما يناقش كبار مستشاري بايدن كيفية معايرة ردهم، فإن الولايات المتحدة أيضاً في خضم ضربات عسكرية متواصلة ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن رداً على هجماتهم على السفن قبالة شبه الجزيرة العربية. ويقول الحوثيون، إنهم يشنّون تلك الهجمات تضامناً مع الفلسطينيين في غزة.

وقال بريان كاتوليس، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يتوقع أن تقوم إدارة بايدن بتوجيه ضربات عسكرية تستهدف قيادات الميليشيات المسؤولة ومن يدعمها. وأضاف، أنه من المرجح أيضاً أن تقوم بغارات جوية لإضعاف قدرات هذه القوات، بما في ذلك مصانع إنتاج الطائرات من دون طيار. ورأى أن التأخير في الرد الأميركي المحتمل في الغالب، يرجع إلى التأكد من أن الولايات المتحدة لديها معلومات استخباراتية صحيحة حول من ستستهدف، بالإضافة إلى ضمان أقصى قدر من الدعم من الحلفاء الإقليميين واتخاذ تدابير لحماية القوات الأميركية المتمركزة في المنطقة.

وبحسب تقارير صحافية أميركية، فقد يشمل الرد الأميركي، مجموعة خيارات، من بينها توجيه ضربة مباشرة ضد إيران، وضرب الجماعات الوكيلة للنظام أو أفراده في الخارج، وزيادة الضغوط المالية على اقتصاد طهران المنهك. وفي السعي للحصول على رد مناسب، يجب على البيت الأبيض أن يزن رغبته في إرسال إشارة قوية إلى إيران ووكلائها، وضغط الكونغرس لاتخاذ إجراء حاسم، ورغبة إدارة بايدن في منع إشعال حرب إقليمية أوسع.

سلة خيارات أميركية

ومع إعلان ما يسمى «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهي مظلة للميليشيات الموالية لإيران، مسؤوليتها عن الهجمات على ثلاث قواعد أميركية في سوريا، بما في ذلك قاعدة التنف القريبة من الحدود العراقية والأردنية، تصاعدت المخاوف من أن يؤدي أي رد أميركي على تلك الميليشيات داخل العراق، إلى وقف المحادثات التي بدأت أولى جولاتها يوم السبت، لتنظيم العلاقات العسكرية الثنائية، بين العراق والولايات المتحدة؛ تمهيداً لسحب قوات التحالف.

وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» فإن توجيه ضربة أميركية مباشرة إلى الأراضي الإيرانية؛ وهو ما يدعو إليه بعض الجمهوريين، سيكون أمراً غير مسبوق. وهاجمت إدارة ريغان السفن الإيرانية ومنصات النفط البحرية رداً على قيام طهران بتلغيم سفينة حربية أميركية، لكن الجيش الأميركي لم يهاجم من قبل أهدافاً على الأراضي الإيرانية.

وحتى الرئيس السابق دونالد ترمب، الذي قاد حملة «الضغط الأقصى» ضد إيران، خطط لضربات مباشرة على إيران في عام 2019، لكنه ألغاها بعد ذلك بعد أن أسقطت إيران طائرة استطلاع أميركية من دون طيار.

وسعت إدارة بايدن إلى اتباع نهج أقل تصادمية مع إيران؛ مما يقلل بشكل كبير من فرص توجيه ضربة داخل إيران أو مياهها الإقليمية. لكن في عام الانتخابات، يقول المحللون: إن إدارة بايدن تخاطر بأن يُنظر إليها على أنها ضعيفة تجاه إيران إذا لم تقم بصياغة رد فعل قوي على مقتل جنود أميركيين.

ويمكن للولايات المتحدة أن ترد بشكل متناسب من خلال استهداف ما يسمى «محور المقاومة» الإيراني، وشبكات وكلائها في جميع أنحاء المنطقة، بدلاً من طهران نفسها، أو  اللجوء إلى مجموعة خيارات لا تصل إلى حد ضرب إيران مباشرة، مثل ضرب أفراد «فيلق القدس» شبه العسكري التابع لها في سوريا والعراق واليمن، أو ضرب السفن الإيرانية في البحر، أو شن هجوم كبير على الميليشيا المدعومة من إيران.

قال مستشار استخباراتي أميركي: إن «الحرس الثوري الإسلامي» ووكلاءه في دير الزور وأجزاء أخرى من شرق سوريا هم على رأس قائمة الضربات الأميركية وإن تحركاتهم تتم مراقبتها من كثب بواسطة الطائرات من دون طيار والأقمار الاصطناعية. وقال: «سيكون ميداناً للرماية».

وفي حين أن إيران تخضع بالفعل لعقوبات شديدة، ولكن لم يتم تطبيق جميع هذه العقوبات، إلا أن هناك مجالاً لمواصلة المزيد من الإجراءات الاقتصادية الانتقامية ضد طهران، خاصة عندما يتعلق الأمر بدول ثالثة. ويقول بعض المشرّعين ومسؤولي الأمن الأميركيين السابقين: إن الولايات المتحدة يمكن أن تكثف تطبيق العقوبات الحالية، وخاصة تعطيل مبيعات الطاقة وفرض عقوبات على الشركات والبنوك الأجنبية التي تساعد إيران. ويشمل ذلك كيانات في الصين، أكبر مشتر ٍللنفط في البلاد.


مقالات ذات صلة

إردوغان يحذر من تداعيات حرب إيران ويؤكد تحييد تركيا

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان يحذر من تداعيات حرب إيران ويؤكد تحييد تركيا

حذّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأربعاء، من اتساع نطاق الحرب في إيران، مذكراً بأن أولوية حكومته هي ضمان اجتياز المرحلة الراهنة في المنطقة دون أضرار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

بزشكيان: لدى إيران الإرادة لوقف الحرب

أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، أن لدى إيران «الإرادة لوقف الحرب» لكنها تريد «ضمانات» بعدم «تكرار العدوان».

«الشرق الأوسط» (دبي)
رياضة عالمية منتخب إيران قبل مواجهة نظيره منتخب كوستاريكا في أنطاليا (أ.ف.ب)

«وديَّات المونديال»: بحضور إنفانتينو... إيران تكتسح كوستاريكا بخماسية

اكتسح منتخب إيران نظيره كوستاريكا بخمسة أهداف دون رد في مباراة وديّة أقيمت الثلاثاء في إطار استعداده لخوض منافسات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
شؤون إقليمية صواريخ إيرانية تُعرض في متحف القوات الجوية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)

«الحرس الثوري» الإيراني: سنستهدف شركات أميركية بالمنطقة ابتداءً من يوم غد

نقلت وسائل إعلام رسمية ​عن «الحرس الثوري» الإيراني قوله، اليوم الثلاثاء، إنه سيستهدف شركات أميركية في المنطقة، ‌ابتداء ‌من ​أول ‌أبريل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز) p-circle

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

ترمب بين إنهاء الحرب وترك هرمز مغلقاً: هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

إيلي يوسف (واشنطن)

إدانة حارس سجن سابق في نيويورك بالقتل غير العمد بعد ضرب نزيل حتى الموت

تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
TT

إدانة حارس سجن سابق في نيويورك بالقتل غير العمد بعد ضرب نزيل حتى الموت

تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)

أدين ضابط سجون، اليوم الأربعاء، بتهمة القتل غير العمد في واقعة ضرب أفضى إلى الموت لنزيل بمركز ميد ستيت الإصلاحي شمال ولاية نيويورك.

كما أدانت هيئة المحلفين في مدينة يوتيكا المتهم جونا ليفي بالاعتداء الجماعي والتآمر في قضية وفاة النزيل مسيح نانتوي في الأول من مارس (آذار) 2025، وما تبع ذلك من محاولات للتستر على الجريمة، بينما برأته الهيئة من تهمة القتل العمد من الدرجة الثانية.

ويعد ليفي أول حارس يمثل للمحاكمة في قضية وفاة نانتوي.

وكان نانتوي (22 عاماً) قد تعرض للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم.

ووفقاً للادعاء العام، فارق نانتوي الحياة نتيجة صدمة شديدة في الرأس وإصابات أخرى متفرقة في جسده جراء الاعتداء.


المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء في القضية المعروفة بـ«ترمب ضد باربارا»، في سياق حرصه على الأمر التنفيذي الذي أصدره في 20 يناير (كانون الثاني) 2025؛ يوم توليه السلطة رسمياً، حيث يسعى إلى إعادة تفسير البند الأول من التعديل الرابع عشر للدستور، الذي يمنح «حق الجنسية بالولادة» لكل من يولد على الأراضي الأميركية.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (أ.ف.ب)

وتمثل المرافعات لحظة فارقة في تاريخ أميركا الدستوري؛ فهل ستظل «الجنسية بالولادة» ركيزة للهوية الأميركية، أم أن التفسير الأصلي سيفتح الباب لإعادة رسم مفهوم «من هو أميركي»، مما يعني أن قرار المحكمة العليا قد يعيد تشكيل سياسات الهجرة لعقود قادمة، ويختبر قدرة المحكمة على الحفاظ على مصداقيتها وسط انقسام سياسي حاد.

وقد تجاوزت المرافعات مجرد مناقشة قانونية فنية، لتصبح مواجهة فلسفية عميقة بين التفسير الأصلي للدستور الذي تتبناه إدارة ترمب، وبين التمسك بالسوابق القضائية الراسخة التي تحمي النص الصريح للتعديل.

ومع أن المحكمة لم تصدر قرارها النهائي بعد، فإن الجلسة كشفت عن انقسامات عميقة بين القضاة التسعة، وأثارت شكوكاً جدية حول قوة الحجج التي قدمتها الإدارة، خاصة بعد هزيمة ترمب القضائية السابقة في قضية الرسوم الجمركية.

محتجون يرفعون يافطة «مولودون في أميركا - مواطنون» (رويترز)

جوهر الجدل

يعتمد الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب على تفسير التعديل الرابع عشر في الدستور، حيث يعتبر ترمب الأطفال المولودين لمهاجرين غير شرعيين أو زائرين مؤقتين لا يخضعون لـ«الاختصاص الكامل» للولايات المتحدة. ويدافع محامو الإدارة عن أن هذا التفسير يعيد «المعنى الأصلي» للتعديل الصادر بعد الحرب الأهلية لمنح الجنسية لأبناء فترة العبودية، وليس لأبناء «الأجانب غير الخاضعين للسيادة الأميركية»؛ مستعيناً بحكم قضائي عمره أكثر من 150 عاماً.

أما المدعون بقيادة الاتحاد الأميركي للحريات المدنية فيؤكدون أن هذا الأمر التنفيذي ينتهك سابقة حكم قضائي له 128 عاماً، وهو «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم أرك» لعام 1898، الذي أكد الجنسية التلقائية بالولادة بغض النظر عن وضع الوالدين (باستثناء أبناء الدبلوماسيين).

اتجاهات القضاة التسعة

رغم أن المرافعات لم تنتهِ بعد، فإن أسئلة القضاة ومواقفهم السابقة تسمح برسم خريطة واضحة للاتجاهات المحتملة للحكم المتوقع صدوره في يوليو (تموز) المقبل؛ فالجناح المحافظ (6 قضاة) برئاسة جون روبرتس رئيس المحكمة يُعرف بتوازنه المؤسساتي، وغالباً ما يميل إلى الحفاظ على استقرار المحكمة وتجنب القرارات الراديكالية، وقد يكون «الصوت المتأرجح» الذي يخشى من تداعيات إلغاء سابقة عمرها قرن على ملايين المواطنين.

أما القاضي كلارنس توماس فيعد أبرز الداعين للتفسير الأصلي، حيث يرى في حجج الإدارة فرصة لتصحيح «خطأ تاريخي» ويُتوقع أن يدعمها بقوة. ويعرف عن القاضي صامويل أليتو أنه شخص محافظ صلب، أبدى في قضايا سابقة شكوكاً في التوسع في حقوق المهاجرين. ومن المرجح أن يصوت لصالح ترمب.

الفريق القانوني لاتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

أما القاضي نيل غورسوش فهو نصير التفسير النصي والأصلي، وسيكون من أقوى الداعمين لإعادة تفسير «الاختصاص». القاضي بريت كافانو يعد شخصاً محافظاً معتدلاً نسبياً، لكنه يولي أهمية كبيرة للاستقرار القانوني، وقد يتردد إذا شعر أن القرار سيؤدي إلى فوضى إدارية. أما القاضية إيمي كوني باريت فهي أستاذة قانون سابقة وصارمة، ومن المتوقع أن تدعم الرؤية الأصلية للتعديل الرابع عشر.

الجناح الليبرالي (3 قضاة): تتزعمه القاضية سونيا سوتومايور، وهي أكثر القضاة دفاعاً عن الحقوق المدنية. وصفت محاولات تقييد الجنسية سابقاً بأنها «انتهاك صارخ» للدستور. كما ركزت القاضية إيلينا كاغان على السياق التاريخي الواسع للتعديل. ومن المتوقع أن تقدم حججاً قانونية قوية ضد الأمر التنفيذي.

أما أحدث القضاة كيتانجي براون جاكسون التي عينها الرئيس السابق جو بايدن فهي ترى في النص الدستوري ضمانة للشمول، وستكون صوتاً معارضاً حاداً، ويُتوقع أن ينتهي الأمر بانقسام 6 - 3 أو 5 - 4 لصالح المحافظين، لكن صوت روبرتس قد يحدد ما إذا كان القرار سيكون واسع النطاق أم محدوداً.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (رويترز)

ويخشى المحللون أن يؤدي أي قرار يؤيد ترمب إلى إلقاء ظلال على جنسية ملايين الأميركيين المولودين بعد 1898م، مما يفتح الباب أمام دعاوى قضائية جماعية وفوضى إدارية.

ومن المتوقع صدور القرار النهائي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو 2026، مع نهاية الدورة القضائية الحالية. ويُعبّر مسؤولو الإدارة عن قلق حقيقي من أن يتحول هذا الملف إلى «هزيمة قضائية ثانية» بعد الحكم الذي أبطل سياسات ترمب الجمركية الواسعة في فبراير (شباط) الماضي. وكان ترمب قد هاجم المحكمة على منصة «تروث سوشيال» معتبراً الحكم السابق «يفتقر للولاء»، ويخشى أن تكرر المحكمة السيناريو ذاته في ملف الهجرة؛ الركيزة الأساسية لشعبيته.


بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واصفاً إياه بـ«نمر من ورق» بعد فشله في دعم جهود واشنطن العسكرية في حربها ضد إيران، في خطوة قد تقلب موازين الحلف.

وقال ترمب، خلال المقابلة، إن الولايات المتحدة لم تحصل على الدعم الكافي من الحلفاء و«الناتو لم يكن هناك من أجلنا» في الأزمة الأخيرة، معتبراً أن خطوة الانسحاب لم تعد مجرد فرضية وإنما هي خيار جاد يدرس تنفيذه.

وتأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949، ويضم حالياً 32 دولة. ويستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: ردع التوسع السوفياتي سابقاً، ومنع عودة النزعات العسكرية القومية في أوروبا، وتعزيز التكامل السياسي الأوروبي.

وقد وقّعت الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، معاهدة واشنطن في أبريل (نيسان) 1949، والتي لا تزال تشكّل أساس الحلف حتى اليوم.

كيف تفجر الخلاف بين ترمب و«الناتو»؟

الخلاف تفجّر أساساً بسبب الحرب على إيران، إذ عبّر ترمب عن غضبه من رفض دول أوروبية الانخراط في العمليات العسكرية أو دعمها لوجيستياً، بما في ذلك رفض استخدام القواعد العسكرية أو المجال الجوي. واعتبر أن الحلفاء «لم يكونوا إلى جانب الولايات المتحدة» عندما احتاجت إليهم، رغم ما وصفه بسجل طويل من الدعم الأميركي لأمن أوروبا.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، فإن إدارة ترمب ترى أن «الناتو» أصبح عبئاً غير متوازن، حيث تتحمل واشنطن الجزء الأكبر من الدفاع عن أوروبا من دون مقابل كافٍ.

وبرز هذا الخلاف بشكل حاد بعد رفض الحلفاء المشاركة في تأمين مضيق هرمز خلال الحرب، وهو ما اعتبره ترمب «اختبار ولاء» فشل فيه الحلف.

إلى جانب ذلك، فإن التوتر ليس جديداً، إذ تؤكد تقارير أميركية أن ترمب ينتقد الحلف منذ سنوات بسبب مسألة الإنفاق الدفاعي، معتبراً أن الدول الأوروبية لا تدفع ما يكفي مقابل الحماية الأميركية. ومع تصاعد الخلافات الحالية، تحوّل هذا الانتقاد إلى تشكيك أوسع في جدوى التحالف نفسه وإمكانية استمرار التزام الولايات المتحدة به، بحسب «واشنطن بوست».

هل يمكن لواشنطن الانسحاب من «الناتو»؟

لكن رغم تلويح ترمب بالانسحاب من الحلف، فإن ذلك يواجه قيوداً قانونية. إذ ينص «قانون تفويض الدفاع الوطني» لعام 2024 على منع أي رئيس من الانسحاب من «الناتو» من دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو إصدار قانون من الكونغرس، وفق تقرير نشرته مجلة «التايم».

إلا أن خبراء قانونيين أشاروا بحسب المجلة إلى أن هذه القيود ليست محكمة تماماً، إذ قد يحاول الرئيس الالتفاف عليها بالاستناد إلى صلاحياته في السياسة الخارجية.

ورأى خبراء أن ترمب قد يعتبر الانسحاب ضرورياً للأمن القومي، مستنداً إلى صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة. لكن ذلك قد يؤدي إلى مواجهة دستورية بين السلطة التنفيذية والكونغرس، وربما إلى نزاع قضائي.

كما أشار الخبراء إلى سوابق تاريخية، مثل انسحاب الرئيس جيمي كارتر من معاهدة دفاع مشترك مع تايوان، لكنهم أكدوا أن الوضع الحالي أكثر تعقيداً.

تداعيات محتملة على الحلف

بالمقابل، حذر محللون من أن مجرد طرح فكرة انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» يضر بالحلف، إذ يقوّض الثقة بين أعضائه ويضعف مبدأ الدفاع المشترك، كما قد يشجع خصوم الغرب ويؤثر على خطط الأمن الأوروبية، حتى لو لم يتم الانسحاب فعلياً، بحسب «التايم».

ويحذر خبراء من أن مجرد التلويح بالانسحاب يسبب بالفعل أضراراً ملموسة، إذ يضعف الثقة داخل التحالف ويخلق حالة من عدم اليقين في التخطيط العسكري الأوروبي، حتى من دون تنفيذ الخطوة فعلياً. ويرجّح كثير من المحللين أن النتيجة الأقرب على المدى القريب هي «ناتو أكثر أوروبية» مع استمرار التوتر مع واشنطن، بدلاً من انهيار كامل للحلف.

كذلك، تشير تقارير من وسائل إعلام أميركية ودولية مثل «رويترز» و«أسوشييتد برس» إلى أن أي انسحاب أميركي من «الناتو» سيُحدث صدمة استراتيجية عميقة للحلف، إذ تعتمد بنية التحالف بشكل كبير على القدرات العسكرية والقيادية للولايات المتحدة.

فواشنطن تمثّل العمود الفقري لقوة الردع داخل الحلف، خصوصاً في مواجهة روسيا، وأي انسحاب سيؤدي إلى إضعاف مبدأ «الدفاع المشترك» وتقويض الثقة بين الدول الأعضاء، وهو ما قد يحدّ من قدرة «الناتو» على الردع ويشجع خصوم الغرب على اختبار تماسكه.

التأثير لن يقتصر على «الناتو»

في المقابل، ترى تقارير أميركية أن التأثير لن يقتصر على «الناتو» فقط، بل سيطول الولايات المتحدة نفسها، إذ قد تفقد شبكة النفوذ العسكري الواسعة التي يوفرها الحلف، بما في ذلك القواعد العسكرية الأوروبية التي تتيح لها «إسقاط القوة» عالمياً بسرعة وتكلفة أقل. كما أن تراجع الالتزام الأميركي قد يدفع أوروبا إلى بناء منظومة دفاعية مستقلة، ما يعني تراجع الدور القيادي لواشنطن داخل النظام الأمني الغربي.