بايدن وحرب غزة... اتساق مع إسرائيل أم تخبط في السياسات؟

الرئيس الأميركي يواجه انتقادات بعد دعوته لـ«وقفة» مؤقتة للمعارك

الرئيس الأميركي جو بايدن خلال أحد المؤتمرات الصحفية في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال أحد المؤتمرات الصحفية في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

بايدن وحرب غزة... اتساق مع إسرائيل أم تخبط في السياسات؟

الرئيس الأميركي جو بايدن خلال أحد المؤتمرات الصحفية في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال أحد المؤتمرات الصحفية في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن، بالحاجة إلى «وقفة» للحرب بين إسرائيل و«حماس» تساؤلات عدة بشأن فرص تحقيقها والقدرة على إقناع تل أبيب بها، لكنها على المستوى الداخلي الأميركي فتحت الباب للحديث عن مدى اتساق أو تخبط سياسات البيت الأبيض خلال هذه الحرب.

فعلى مستوى حزبيّ، قوبلت الدعوة الرئاسية الأميركية للوقفة بتكهنات -وأحياناً اتهامات- لإدارة بايدن بالخضوع لـ«مطالب اليساريين والتقدميين» في حزبه لوقف إطلاق النار، في إشارة إلى تنامى تيار يثير المخاوف داخل «الحزب الديمقراطي» بشأن السياسة الخارجية للبلاد تجاه المدنيين الفلسطينيين، وما يعده هؤلاء «مساندة عمياء» للحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، وعلى الجانب الآخر واجه بايدن، بطبيعة الحال، غضباً واسعاً واستياء من المدافعين عن إسرائيل.

وجاءت إفادة بايدن بشأن «الوقفة» خلال حديثه في مينيابوليس مساء (الأربعاء) لجمع التبرعات لحملته الانتخابية، حينما طالبته سيدة تُدعى جيسيكا روزنبرغ، بالدعوة إلى «وقف إطلاق النار فوراً» في غزة، وهو ما ردّ عليه بايدن بتأييد الفكرة قائلاً: «أعتقد أننا بحاجة إلى فترة توقف، لإفساح الوقت لإخراج الأسرى».

وأضاف بايدن مدافعاً عن سياسات إدارته: «أنا مَن أقنع بيبي (نتنياهو) بالدعوة إلى وقف إطلاق النار لإخراج الأسرى، وأنا مَن تحدث إلى السيسي (الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي) لإقناعه بفتح باب معبر رفح».

وتحدث بايدن عن معاناة الفلسطينيين في غزة، قائلاً: «لقد رأينا الصور المفجعة من غزة والأطفال الذين ينامون بينما يبكون فقدان والديهم، والآباء الذين يكتبون أسماء أطفالهم على أيديهم وأرجلهم حتى يمكن التعرف عليهم إذا ماتوا تحت الأنقاض»، وأضاف: «إن كل حياة بريئة تُفقد هي مأساة».

متظاهرون رفعوا الأعلام الفلسطينية في ولاية تكساس يطالبون الإدارة الأميركية بإعلان وقف لإطلاق النار بعد قيام إسرائيل بالتوسع في عملياتها العسكرية ضد المدنيين (د.ب.أ)

التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي حذّر إدارة بايدن من تقويض الديمقراطية الأميركية، وتكلفة المسؤولية الأخلاقية من سقوط الآلاف من القتلى الأبرياء من الفلسطينيين. وعلى الجهة الأخرى عبّر بعض المشرعين الجمهوريين عن غضبهم، إذ قالت السيناتور مارشا بلاكبرن، عبر منصة «إكس»: «إن الرئيس بايدن يطالب الآن بوقف إطلاق النار ويقول: نحتاج إلى وقفة بين إسرائيل وحماس»، وتساءلت: «أين ذهبت تصريحاتك بالمساندة الصلبة لإسرائيل».

تخبُّط في السياسات

استراتيجية إدارة بايدن، وفق المعلن من إفادات مسؤوليها، تركز على هدفين أساسيين؛ الأول: القضاء على حماس، والثاني: تجنب نشوب حرب إقليمية. لكنها تواجه هجوماً من اليمين الذي يتهمها بـ«التراخي عن تقديم المساعدات القوية والموقف الحاسم لدعم إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها».

وكذلك تواجه الإدارة هجوماً من اليسار التقدمي الذي يطالب بالدعوة لوقف إطلاق النار وإقرار «هدنة إنسانية» لحماية المدنيين الذين يتساقطون يوماً بعد يوم، وسط قلق في أوساط «الحزب الديمقراطي» من خسارة أصوات الكثير من أصوات العرب الأميركيين والمسلمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويواجه بايدن أيضا ضغوطاً متزايدة من كل من تيار اليمين وتيار اليسار لإخراج الأميركيين المحاصرين والرهائن من المنطقة.

متظاهرون رفعوا أيديهم ملطخةً باللون الأحمر في أثناء شهادة وزير الخارجية أنتوني بلينكن أمام لجنة مجلس الشيوخ بالكونغرس يوم الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

نصائح علنية وانتهاكات فعلية

بشكل علني شدد بايدن وأعضاء إدارته على ضرورة أن «تلتزم إسرائيل قوانين الحرب والقانون الإنساني الدولي، وتتخذ كل التدابير الممكنة لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين»، لكن وبشكل عملي، فإن تقديرات هيئات حقوقية وأممية تشير إلى انتهاكات عملية ترتكبها إسرائيل خلال حربها ضد غزة.

وفي إشارة إلى محاولة تجنب الإحراج الأميركي المتصاعد جراء ما ترتكبه إسرائيل، حاول جون كيربي المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، التبرير بقوله: «إن فقدان أرواح الأبرياء هو نتيجة مأساوية لا يمكن تجنبها في أثناء الحرب»، وشدد على وجود ما وصفها بـ«أدلة موثقة» تُثبت أن «(حماس) تستخدم المدنيين دروعاً بشرية».

تقول زها حسن، الباحثة في مؤسسة «كارنيغي للدراسات» إن «القانون الدولي يحدد سلوك الحرب والمعايير التي تعد دفاعاً مشروعاً عن النفس، وبالتالي لا يمكن القول إن كل شيء مباح أو أن جريمة حرب تبرر أخرى».

ووصفت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الضربات الإسرائيلية على السكان المدنيين في غزة بأنها «جريمة حرب».

الخطط والتوسيع

وبينما تحاول إدارة بايدن إظهار نوع من الاستقلالية حينما يتعلق الأمر بالخطط العملياتية الإسرائيلية، وأنها «لا تتدخل في فرض رؤيتها على إسرائيل»؛ فإن مصادر عدة بالبيت الأبيض تشير إلى أن «واشنطن تحاول إقناع تل أبيب باتباع نهج تدريجي لتحقيق هدفها في ملاحقة (حماس) بدلاً من هجوم بري واسع النطاق يؤدي إلى عدد هائل من الضحايا المدنيين».

وخلف الكواليس، يتحدث مسؤولو إدارة بايدن لنظرائهم الإسرائيليين عن «المخاوف والأضرار الناجمة عن تصرفات إسرائيل وسقوط الآلاف من الضحايا المدنيين، ما سيشعل صراعاً كاسحاً ويزيد من عزلة إسرائيل في المنطقة».

ويعتقد دانيال بايمان، الباحث في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS» أن «هناك مخاوف مبرَّرة لدى إدارة بايدن من تصرفات إسرائيل التي قد تؤدي إلى انخراط (حزب الله) في المعركة». ويستكمل: «إن حرباً أوسع يشارك فيها (حزب الله)، وغيره من الجماعات المدعومة من إيران ستشكّل تهديداً خطيراً لإسرائيل وتزيد من خطر الإرهاب الدولي».

نهاية الحرب

وما بين دعوات الهدنة والدعم لإسرائيل، تشهد الإدارة الأميركية تخبطاً، ليس فقط بشأن تقليص أو زيادة الدعم، بل على مستوى صياغة سياسات صلبة وخطة واضحة المعالم لما بعد انتهاء مرحل القتال، وما يتعلق بمصير غزة والفلسطينيين.

ويغلّف الغموض شكل نهاية مرحلة الاقتتال. إسرائيل من جهتها تقول إن «هدفها من هذه الحرب هو تطهير غزة من (حماس) والقضاء على الحركة وتدمير بنيتها العسكرية»، وهو هدف محل محادثات موسعة بين المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين.

فهناك الكثير من الجدل بشأن رغبة إسرائيل في إعادة احتلال غزة ولو بشكل مؤقت، وأحاديث بشأن نقل السلطة في غزة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية التي تسيطر على الضفة الغربية، وكذلك بعض الأفكار بشأن ترتيبات لاستدعاء «قوات حفظ سلام دولية» للحفاظ على الأمن حينما تهدأ الأعمال العسكرية، وبحث لمدى إمكانية طرح «حل سياسي» أوسع بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويقول تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي في «معهد كوينسي»، إنه «بينما يقول المسؤولون الأميركيون إنهم يطرحون أسئلة صعبة على إسرائيل بشأن عملياتها العسكرية وأهداف الحرب على المدى الطويل، فإن شكل نهاية العمليات العسكرية والحرب بالنسبة لواشنطن لا تزال غامضة».

ويضيف: «لا يبدو أن هناك نهاية واضحة أمام إدارة بايدن حول النتائج الاستراتيجية للحرب وكيفية إدارتها بشكل يؤدي إلى النتائج المرجوة».

وفي حين أعرب بايدن عن معارضته إعادة سيطرة إسرائيل على قطاع غزة ونفي البيت الأبيض مراراً نيته نشر قوات أميركية في غزة؛ إلا أن واشنطن تعمل على تعزيز وجودها العسكري عبر إرسال مستشارين إلى تل أبيب لتقديم النصح والدعم وسط مخاوف من اتساع الصراع بعد الاشتباكات المتكررة بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان.


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأحد، إنّ المشتبه فيه الذي أُلقي القبض عليه بعد محاولته اقتحام عشاء «رابطة مراسلي البيت الأبيض»، الذي كان يحضره، كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية».

وأوضح ترمب، في مكالمة هاتفية مع شبكة «فوكس نيوز»: «عندما تقرأون بيانه، فستجدون أنّه يكره المسيحية»، واصفاً المهاجم بأنّه «مضطرب للغاية بشكل واضح»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

واقتحم رجل مسلح الردهة خارج قاعة عشاء رفيع المستوى للصحافيين كان يحضره ترمب وكثير من كبار القادة الأميركيين مساء السبت، واندفع نحو قاعة الاحتفالات قبل أن يحاصره عملاء الخدمة السرية ويحتجزوه. ولم يُصب الرئيس بأذى، ونُقل على الفور بعيداً.

وعبر ‌الرئيس ‌الأميركي عن ‌اعتقاده أنه ​كان المستهدف من هذا الحادث.

وعن المفاوضات مع إيران، قال ترمب، وفقاً لوكالة «رويترز»، إن إيران ‌يمكنها ‌التواصل ​مع ‌الولايات المتحدة ‌إذا كانت ترغب في ‌التفاوض على إنهاء الحرب بين البلدين.

ورأى ترمب أنه «إذا أرادوا (الإيرانيون) التحدث، فيمكنهم القدوم إلينا أو الاتصال بنا. كما تعلمون: لدينا هاتف، ولدينا خطوط اتصال ‌جيدة ‌وآمنة».

وألغى ترمب، ​السبت، ‌زيارة كان من ‌المقرر أن يجريها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان؛ مما ‌شكل انتكاسة جديدة لآفاق السلام، وذلك بعد أن غادر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إسلام آباد عقب إجرائه محادثات مع مسؤولين باكستانيين فقط.

وعاد عراقجي بعد ذلك إلى باكستان على الرغم من غياب ​المسؤولين الأميركيين.


واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
TT

واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)

مع أخذ أسعار النفط في الاعتبار، انتهجت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقاربة متقلّبة في فرض العقوبات على روسيا وإيران.

وأعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت في منتصف أبريل (نيسان) أن الولايات المتحدة لن تمدّد الإعفاء الذي يسمح ببيع النفط الروسي. وبعد يومين فقط، مساء الجمعة، أصدرت وزارة الخزانة مهلة جديدة لمدة 30 يوماً. وأدان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الإعفاء، قائلاً إن «كل دولار يُدفع مقابل النفط الروسي هو مال للحرب». كما وصف ديمقراطيون في مجلس الشيوخ هذا التحوّل بزاوية 180 درجة بأنه قرار «مُخزٍ»، ثم قال بيسنت يوم الجمعة لوكالة «أسوشييتد برس» إن الولايات المتحدة لا تعتزم تجديد الإعفاء مرة أخرى، علماً بأن الإعفاء الحالي ينتهي في 16 مايو (أيار).

ويعكس هذا التراجع بشأن عقوبات النفط الروسي حالة الارتباك في أداء السياسة الأميركية، في وقت تواجه فيه إدارة ترمب تداعيات الحرب التي بدأتها مع إسرائيل ضد إيران. فبينما كانت الولايات المتحدة في السابق قادرة على استخدام قوتها المالية لشل اقتصادات خصومها، باتت دول مثل روسيا وإيران تستخدم نفوذها في أسواق الطاقة للرد. وهذا ما أجبر وزارة الخزانة، المشرفة على برنامج العقوبات الأميركي، على الارتجال.

عقوبات وإعفاءات

وأطلقت إدارة ترمب يوم الجمعة حملة واسعة من العقوبات استهدفت 40 شركة شحن وسفينة قالت إنها جزء من «أسطول الظل» الإيراني لناقلات النفط، في إطار توسيع جهودها لشل الاقتصاد الإيراني. كما فرضت عقوبات على مصفاة صينية مستقلة، وهي «هنغلي للبتروكيماويات»، التي تُعد من أكبر مشتري النفط الخام والمنتجات النفطية الإيرانية.

وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، قال بيسنت إن قرار تمديد الترخيص الخاص بروسيا جاء بعد ضغوط من دول نامية طالبته بالحفاظ على كميات أكبر من النفط الروسي في السوق، أثناء وجودها في واشنطن لحضور اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقال بيسنت: «كان اعتقادي أننا لن نقوم بذلك»، مضيفاً أن الدول الفقيرة تعاني من نقص عالمي في النفط.

ولم يعلّق البيت الأبيض ولا وزارة الخزانة على ما إذا كان قرار تخفيف العقوبات على روسيا جاء بتوجيه مباشر من الرئيس دونالد ترمب.

وتؤدي هذه التسهيلات إلى ملء خزائن روسيا بما يُقدّر بنحو 200 مليون دولار يومياً، ما يقوّض سنوات من الجهود الأميركية والغربية الهادفة إلى تقليص قدرة موسكو على تمويل حربها في أوكرانيا.

وقال السيناتور الديمقراطي كريس كونز، خلال استجوابه بيسنت في جلسة الأربعاء: «لا تحتاج إلى قراءة كتاب (فن الحرب) لتدرك أن مساعدة خصمك على جني الأموال في حين أنك في حالة حرب معه، فكرة سيئة». وأضاف: «لا يوجد بلد استفاد من هذه الحرب أكثر من روسيا»، مشيراً إلى أن إيراداتها تدعم أيضاً إيران عسكرياً.

الضغط على إيران

أما الاستراتيجية تجاه إيران، فبدت هي الأخرى مضطربة؛ فقد منحت الولايات المتحدة الشهر الماضي إعفاءً لمدة 30 يوماً يسمح ببيع النفط الإيراني، بحجة المساهمة في خفض أسعار النفط العالمية، ومنع طهران من الاستفادة عبر إغلاق مضيق هرمز. لكن الإدارة غيّرت مسارها هذا الشهر؛ إذ سمحت بانتهاء الإعفاء وأطلقت «عملية الغضب الاقتصادي»، مع فرض عقوبات جديدة على إيران. كما وسّع الجيش الأميركي نطاق حصاره للسفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية ليشمل مياه العالم الأوسع.

وشبّه بيسنت هذه المبادرة بحملة قصف مالي. وخلال الأسبوع الماضي، شدّد هو وترمب على الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران، معتبرين أنها لن تتمكن خلال أيام من تخزين مزيد من النفط، ما سيجبرها على إغلاق آبارها، مع احتمال تعرّضها لأعطال دائمة، ودفع الاقتصاد نحو الانهيار.

وقالت جينيفر كافاناه، الباحثة البارزة ومديرة تحليل الشؤون العسكرية في مركز «ديفنس برايورتيز»: «إنها حالة من الارتداد المفاجئ في السياسة». وأضافت أن هذا التذبذب يُظهر أن إدارة ترمب «لم تتوقع أن يستمر هذا الوضع كل هذه المدة».

وأوضحت أنه في السابق كان «الضغط الأساسي» عسكرياً، مع افتراض أن القصف سيدفع إيران إلى الاستسلام. لكن مع استمرار القتال وارتفاع تكلفته، بات التصعيد العسكري أقل قبولاً، خاصة أن ترمب «استنفد التصعيد الخطابي إلى أقصاه» بتهديده بمحو الحضارة الإيرانية قبل وقف إطلاق النار، ما أدى إلى التحول نحو الأدوات الاقتصادية.

تحديات «هرمز»

وقد زادت إيران من تعقيد استراتيجية العقوبات الأميركية عبر إغلاق مضيق هرمز، مستخدمة أدوات عسكرية في إطار «حرب اقتصادية».

وأشار تحليل لشركة «لويدز ليست» المتخصصة في معلومات الشحن إلى وجود «مؤشرات على اضطراب عمليات أسطول الظل الإيراني» في ظل الحصار الأميركي العالمي، مع قيام بعض الناقلات بتغيير مسارها أو التوقف. غير أن بيانات تتبّع السفن أظهرت أيضاً أن ناقلات مرتبطة بإيران لا تزال تواصل الإبحار.

وقال «البنتاغون» الخميس إن القوات الأميركية أوقفت وصعدت إلى متن ناقلة ثانية خاضعة للعقوبات تحمل نفطاً إيرانياً في المحيط الهندي، بعد عملية مماثلة يوم الثلاثاء. لكن كافاناه حذّرت من أن «الحصارات ليست حلولاً سريعة»، معتبرة أن إيران قد تكون قادرة على تحمّل الضغوط؛ لأنها تتطلب وقتاً لتحقق أثرها.

كما يثير الحصار العالمي تساؤلات قانونية وعملياتية لكونه غير مقيّد جغرافياً، في وقت لا تستطيع فيه الولايات المتحدة احتجاز سوى عدد محدود من السفن، ما يعني أن تأثيره العملي قد يكون «هامشياً»، إلى جانب إضعاف سمعة واشنطن كحامية للنظام الدولي.

وقال إدوارد فيشمان، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، إن الاستخدام المتخبّط للعقوبات يعكس تداخل الحربين الاقتصادية والعسكرية. وأضاف: «لا نملك نموذجاً جاهزاً لهذا النوع من الحروب الاقتصادية، وهو ما قد يفسّر بعض التخبّط الأميركي».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».


ملك بريطانيا يزور أميركا وسط توتر بين ترمب وستارمر

ملك بريطانيا تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعرضان حرس الشرف بعد وصولهما إلى قلعة وندسور بإنجلترا 17 سبتمبر 2025 (أرشيفية - أ.ب)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعرضان حرس الشرف بعد وصولهما إلى قلعة وندسور بإنجلترا 17 سبتمبر 2025 (أرشيفية - أ.ب)
TT

ملك بريطانيا يزور أميركا وسط توتر بين ترمب وستارمر

ملك بريطانيا تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعرضان حرس الشرف بعد وصولهما إلى قلعة وندسور بإنجلترا 17 سبتمبر 2025 (أرشيفية - أ.ب)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعرضان حرس الشرف بعد وصولهما إلى قلعة وندسور بإنجلترا 17 سبتمبر 2025 (أرشيفية - أ.ب)

يبدأ الملك تشارلز الثالث زيارة إلى الولايات المتحدة الاثنين تشمل مهمة دبلوماسية حساسة وهي تخفيف التوترات بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء كير ستارمر، مع تجنّب «قضية إبستين» التي تعد شوكة في خاصرة العائلة المالكة. رسمياً يُقدّم قصر باكنغهام هذه الزيارة التي تستغرق أربعة أيام، وتم تنظيمها بناء على طلب الحكومة البريطانية، بوصفها فرصة «للاحتفال بالروابط التاريخية» بين البلدين لمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. لكن نادراً ما أثارت زيارة ملكية كل هذا الجدل. فمع أن دونالد ترمب نجل سيدة اسكوتلندية ومعجب كبير بالعائلة المالكة، ووصف الملك بأنه «رجل رائع» الخميس على شبكة «بي بي سي»، إلا أنه كثّف هجماته على حلفائه البريطانيين منذ نهاية فبراير (شباط)، عندما أبدت لندن لأول مرة تحفظاتها بشأن الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران. وهاجم الرئيس الأميركي رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر مطلع مارس (آذار)، قائلاً: «نحن لا نتعامل مع ونستون تشرشل». كما سخر من الجيش البريطاني وقلّل من شأن مساهمته في التحالف الدولي الذي خاض الحرب ضد «طالبان» في أفغانستان. ودفعت تلك الهجمات بعض أعضاء البرلمان، مثل زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي، إلى المطالبة بتأجيل الزيارة. وقد أيّد هذا الرأي 48 في المائة من البريطانيين، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» في بداية أبريل (نيسان).

خطاب «مشفّر» في الكونغرس

وبدا ترمب في حالة مزاجية تصالحية الخميس، إذ صرّح لهيئة الإذاعة البريطانية بأن الزيارة يمكن أن «تصلح بالتأكيد... العلاقة الخاصة» بين البلدين. ومن المنتظر أن يعمل الملك، الذي سبق أن أظهر مهاراته في «القوة الناعمة» خلال زيارة ترمب الرسمية إلى المملكة المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2025، على استغلال ذكرى يوم الاستقلال لمعالجة التوترات الحالية بلطف. ويتوقع كري بريسكوت، المتخصص في الدور السياسي للملكية في جامعة «رويال هولواي» بلندن، أن يضع تشارلز الثالث هذه التوترات في سياق «250 عاماً من العلاقات الثنائية» التي شهدت حتماً «تقلبات»، وذلك في خطاب سيلقيه الثلاثاء أمام الكونغرس الأميركي، وهو الأول لملك بريطاني منذ خطاب إليزابيث الثانية عام 1991. ويضيف: «عليه أن يذكرها... لكنني أتخيل أنه سيفعل ذلك بطريقة مشفّرة إلى حد ما». ورغم أنه لم يعتلِ العرش إلا عام 2022، فإن الملك البالغ 77 عاماً، والذي لا يزال يتلقى العلاج من السرطان، ملمٌّ جيداً بهذه الممارسات الدبلوماسية، وقد أثبت أنه «متحدث أفضل» من والدته إليزابيث الثانية، وفقاً لهذا الخبير. وخلال زيارته إلى كندا في مايو (أيار) 2025، عندما أثار دونالد ترمب قلق جيرانه بتصريحه بأن كندا يجب أن تكون الولاية الأميركية الحادية والخمسين، حظي الملك البريطاني، وهو أيضاً رأس الدولة في كندا، بتصفيق حار عندما تحدث عن كندا «القوية والحرة».

«إبستين» موضوع محظور

وتخيّم «قضية إبستين» والصداقة التي أقامها أندرو شقيق الملك مع المعتدي الجنسي الراحل، على هذه الزيارة التي ستقود تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى نيويورك الأربعاء لزيارة نصب 11 سبتمبر التذكاري. وشهدت هذه الفضيحة التي شوهت سمعة العائلة المالكة لأكثر من 15 عاماً، تطورات جديدة في الأشهر الأخيرة، مع نشر صور ورسائل بريد إلكتروني محرجة لأندرو. وتدخل الملك تشارلز الثالث مؤخراً بسحب جميع ألقاب أخيه الملكية، ومنها لقب الأمير. وتعهد ترك «العدالة تأخذ مجراها» بعد توقيف أندرو في فبراير، للاشتباه في تسريبه وثائق سرية إلى جيفري إبستين. ورغم أن الأمير السابق لم توجه إليه أي تهمة حتى الآن، ونفيه دائماً ارتكاب أي مخالفة، فإنه لا يزال قيد التحقيق القضائي. وقد دعا كثير من المشرعين الأميركيين أندرو للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس، ولكن دون جدوى. وكتب النائب الديمقراطي رو خانا، الناشط للغاية في هذه القضية، رسالة إلى الملك تشارلز الثالث يطلب فيها عقد اجتماع خاص مع ضحايا إبستين. كما قدمت عائلة فيرجينيا جوفري، المدعية الرئيسية على إبستين التي توفيت في أبريل 2025 طلباً مماثلا. ورفض قصر باكنغهام المقترح، عادّاً أن مثل هذا الاجتماع قد «يضر بالتحقيقات الجارية أو بالمسار الصحيح للعدالة». لكن النائب رو خانا وصف التبرير بأنه «سخيف»، مضيفاً في مقابلة مع صحيفة «التايمز» أن الملك «يجب أن يذكر (ضحايا إبستين) على الأقل في خطابه» أمام الكونغرس و«يعترف بالصدمة التي عانتها هؤلاء الشابات». ورأى أنه تم ترتيب الزيارة لتجنب إحراج الملك في هذا الموضوع. ولا يترك البرنامج الرسمي مجالاً للمفاجآت، وسيُسمح للمصورين فقط بتصوير الاجتماع بين ترمب وتشارلز الثالث في البيت الأبيض الثلاثاء.

أفراد من جهاز «الخدمة السرية» يقفون بالقرب من البيت الأبيض الأحد في إطار التحضيرات لزيارة الملك تشارلز الثالث (أ.ف.ب)

«تعاون أمني وثيق»

وتأتي زيارة الملك تشارلز إلى الولايات المتحدة بعد حادثة إطلاق النار على مأدبة عشاء لمراسلي البيت الأبيض في واشنطن بحضور ترمب. و‌قال دارين جونز كبير أمناء مجلس الوزراء البريطاني الأحد إن الحكومة تواصل تعاونها الوثيق مع الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة قبل الزيارة. ورداً على سؤال حول ‌الواقعة، قال ‌جونز لمحطة «سكاي نيوز» إن الحكومة ‌البريطانية وقصر باكنغهام يتعاملان مع ‌أمن الملك تشارلز «بأقصى درجات الجدية»، إذ تجري بالفعل مناقشات مكثفة ستستمر خلال الأيام المقبلة. وأضاف: «فيما يتعلق بزيارة ‌جلالة الملك إلى الولايات المتحدة الأسبوع المقبل... من الواضح أن أجهزتنا الأمنية تعمل بتعاون وثيق استعداداً لذلك».