واشنطن تحشد التأييد للرد على هجوم «حماس»

أزمة الرهائن الأميركيين قد «تعيد تورط» الولايات المتحدة في المنطقة

منظمو مؤتمر صحافي في تل أبيب (الثلاثاء) يعدون لافتات للأميركيين الإسرائيليين المفقودين منذ هجوم مفاجئ لـ«حماس» السبت (أ.ب)
منظمو مؤتمر صحافي في تل أبيب (الثلاثاء) يعدون لافتات للأميركيين الإسرائيليين المفقودين منذ هجوم مفاجئ لـ«حماس» السبت (أ.ب)
TT

واشنطن تحشد التأييد للرد على هجوم «حماس»

منظمو مؤتمر صحافي في تل أبيب (الثلاثاء) يعدون لافتات للأميركيين الإسرائيليين المفقودين منذ هجوم مفاجئ لـ«حماس» السبت (أ.ب)
منظمو مؤتمر صحافي في تل أبيب (الثلاثاء) يعدون لافتات للأميركيين الإسرائيليين المفقودين منذ هجوم مفاجئ لـ«حماس» السبت (أ.ب)

أظهر الموقف الأميركي الذي تكرر على لسان غالبية المسؤولين الأميركيين وقادة الحزب الجمهوري، منذ بدء هجوم «حماس» على إسرائيل، «نظرة موحدة» تجاه أهم حليف للولايات المتحدة في المنطقة.

وتُرجم ذلك عبر تأكيدات على توفير وتقديم كل وسائل الدعم لها في تجاوز للخلافات الداخلية، لتسهيل إقرار المزيد من الأموال لإسرائيل، «إذا تطلب الأمر موافقة الكونغرس»، وفق البيت الأبيض.

وبينما عدت العملية التي نفذتها «حماس»، يوم السبت، أكبر خطأ قامت به الحركة، متجاوزة بكثير الخطوط الحمراء، نقلت وسائل الإعلام الأميركية تأكيدات عن قيام إدارة الرئيس جو بايدن بتوسيع دائرة مناقشاتها واتصالاتها مع قادة دول المنطقة والعالم، خصوصاً حلفاءها الأوروبيين، لحشد الدعم لإسرائيل.

وأجرى وزير الخارجية أنتوني بلينكن، الثلاثاء، اتصالاً بنظيره الإسرائيلي، إيلي كوهين، ناقش فيه الدعم الأميركي لإسرائيل. وقال في بيان، إنه «أكد مجدداً الجهود لضمان الإفراج الفوري عن جميع الرهائن». كما أجرى بلينكن اتصالاً بوزيرة الخارجية الفرنسية، كاترين كولونا، وجددا التأكيد على تنديدهما بهجمات «حماس» على إسرائيل. وأضاف بلينكن: «لإسرائيل الحق في حماية مواطنيها من هذه الهجمات، وتأمين إطلاق سراح الرهائن».

دعم عسكري غير محدود

وسارعت إدارة بايدن إلى تقديم الدعم العسكري لإسرائيل التي توعد رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو «بتغيير وجه الشرق الأوسط»، بينما تعهد المسؤولون الأميركيون بمحاسبة «أولئك الذين قتلوا أميركيين أو يُحتمل أن يكونوا قد أُخذوا رهائن في قطاع غزة».

السكرتير الصحافي للبنتاغون العميد الجنرال بات رايدر خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 5 أكتوبر (أ.ب)

وقال مسؤول دفاعي كبير، إن البنتاغون «يزيد دعمه» لأقرب حليف له في الشرق الأوسط، رداً على ما وصفه المسؤولون الأميركيون بـ«التكتيكات الوحشية الجديدة»، التي ميزت هجوم (السبت) الذي شنه مسلحو «حماس» على جنوب إسرائيل.

ومع تصاعد أعداد القتلى، وتنفيذ إسرائيل أوسع عمليات قصف لقطاع غزة، وفرض حصار واسع النطاق عليه، فقد عد ذلك تمهيداً للطريق، لما يمكن أن يكون هجوماً دموياً طويلاً. وقال مسؤول الدفاع للصحافيين: «هذه الوحشية التي رأيناها ترتكب ضد المدنيين الإسرائيليين، تشبه ما قامت به (داعش)».

وقال المسؤول إن الخطوات لتزويد إسرائيل بالذخائر وإعادة نشر الأصول العسكرية الأميركية تهدف إلى إظهار التزام الولايات المتحدة تجاه حليفتها، وردع إيران أو الجماعات الوكيلة لها في الشرق الأوسط من شن هجمات متراكمة. وأضاف المسؤول: «يجب على هؤلاء الخصوم أن يفكروا مرتين».

وقال مسؤول ثانٍ بوزارة الدفاع، إن المجموعة الهجومية لحاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد»، التي تضم قوة تتراوح ما بين 5 آلاف إلى 6 آلاف فرد، ستنتشر في المنطقة. ومن المتوقع أن يجري وضع عناصر أخرى من دعم البنتاغون الموعود، بما في ذلك طائرات «إف 35» و«إف 16» المتمركزة في المنطقة، في مواقعها الجديدة في الأيام المقبلة. وقال المسؤول: «التركيز الآن هو وضع الأصول التي أُعْلِنَ عنها في مكانها الصحيح لتوفير أكبر مجموعة متنوعة من الخيارات للقيادة السياسية».

تورط جديد في المنطقة؟

وتدرس الإدارة أيضاً تسريع تسليم إسرائيل طلباتها من الأسلحة، بما في ذلك صواريخ الدفاع الجوي وقذائف المدفعية وذخيرة الرشاشات. ومن المعروف أنه لدى البنتاغون مخازن أسلحة استراتيجية في إسرائيل منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، جرى استخدام بعض مخزوناتها في الحرب الأوكرانية، ويتوقع أن تُستخدم من قبل إسرائيل التي لها الحق في ذلك من بين كل دول المنطقة.

الرئيس جو بايدن مع وزير الخارجية بلينكن يلقيان ملاحظات حول هجمات «حماس» في إسرائيل في البيت الأبيض السبت (إ.ب.أ)

ويعدّ احتمال تصاعد الصراع وتمدده في المنطقة بما يشمل إيران تحدياً للرئيس بايدن الذي حاول تركيز سياسته الخارجية على الصين والحرب في أوكرانيا، غير أن الأزمة المتجددة، وإمكان تورط الولايات المتحدة بشكل مباشر، على الأقل في أزمة الرهائن الناشئة، يهددان بجر البيت الأبيض بشكل أعمق إلى المنطقة.

لا يوجد تورط إيراني مباشر

وحضّ الجنرال تشارلز براون، الرئيس الجديد لهيئة الأركان المشتركة، إيران على «عدم التورط»، وقال في أول تصريحات له منذ هجوم يوم السبت: «أردنا أن نبعث رسالة قوية مفادها أننا لا نريد أن يتسع هذا الأمر». وأضاف براون: «الفكرة هي أن تصل هذه الرسالة بصوت عالٍ وواضح لإيران». وأجرى براون اتصالات مع نظيره الإسرائيلي اللفتنانت جنرال هيرتسي هاليفي حول تطورات الوضع يوم الاثنين.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي اللواء هارتسي هاليفي (أرشيفية)

ورغم تأكيد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي، على أن الولايات المتحدة «ليس لديها أي نية لنشر قوات أميركية على الأرض»، فإنه حذر من أن «الرئيس بايدن سيتأكد دائماً من أننا نحمي مصالح أمننا القومي».

ورغم كل المعطيات التي تشير إلى «دور إيراني ما»، فإن المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين لم يصلوا إلى حد إسناد دور مباشر لها في التخطيط لهجوم «حماس».

وعُدت التحفظات الأميركية والإسرائيلية على اتهام إيران بالتورط مباشرة، إشارة إلى احتمال أن يكون قرار «حماس» بتنفيذ العملية قد اتخذه قائد «كتائب القسام» محمد الضيف بنفسه، خصوصاً أن «التحرشات» التي تجري على الجبهة اللبنانية مع إسرائيل يعدها البعض «مدروسة»، ولا تشير إلى «مغامرة غير محسوبة من إيران».

ملف الرهائن الصعب

ويعترف المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون بصعوبة ملف الرهائن، خصوصاً بعد تهديد «حماس» بأنها ستقوم بإعدام الرهائن إذا واصلت إسرائيل قصف غزة وقتل المدنيين. ورغم هذا التهديد، يعتقد البعض أنه يشير إلى أن «حماس قد استنفدت» زخم ما حققه هجومها المفاجئ، وباتت في موقع الدفاع، معرضة كل قياداتها للخطر.

وقال آرون ديفيد ميلر، المسؤول السابق بوزارة الخارجية، والذي شارك في محادثات التوسط في السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، إن إسرائيل من المحتمل أن تأخذ زمام المبادرة في المفاوضات أو العمليات العسكرية لاستعادة الرهائن، حتى لو كان هناك أميركيون من بين المحتجزين، واستطرد: «إذا كان هناك بالفعل مواطنون أميركيون (أو مزدوجو الجنسية) رهائن، فإن المعضلة الأساسية هي كيف يمكن للإسرائيليين التوفيق بين توغل كبير في غزة ومصير هؤلاء الرهائن؟».


مقالات ذات صلة

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص يمنيون يتابعون كلمة لـ«أبو عبيدة» المتحدث باسم «كتائب القسام» الذي أعلنت إسرائيل اغتياله في أغسطس 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

خاص محور دون أصوات... «المقاومة» تخسر مهندسي الحرب النفسية

لم تقتصر المواجهة في الشرق الأوسط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل اتسعت لتشمل جبهة موازية لا تقل خطورة: مهندسو السرديات والحرب النفسية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي سيارات تحمل أول مجموعة من الجرحى يغادرون مقر الصليب الأحمر الفلسطيني في خان يونس متجهين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر (إ.ب.أ) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قُتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة، بحسب ما أفادت هيئة الدفاع المدني ومستشفيان في القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يشقون طريقهم عبر أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... المسار الإنساني يتحرك والسياسي «محلك سر»

بعد 19 يوماً من الإغلاق، أعاد فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني الحديث عن المسار الإنساني مع بدء استعدادات لعودة فلسطينيين تم علاجهم للقطاع

محمد محمود (القاهرة)

بيسنت: أميركا تمتلك «أموالاً وفيرة» لتمويل حرب إيران

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)
TT

بيسنت: أميركا تمتلك «أموالاً وفيرة» لتمويل حرب إيران

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)

قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الأحد، إن الحكومة لديها «أموال وفيرة» لتمويل الحرب مع إيران، لكنها تطلب تمويلاً إضافياً من الكونغرس لضمان تزويد الجيش بالإمدادات الكافية في المستقبل.

واستبعد بيسنت في مقابلة مع «إن بي سي نيوز» ممارسة أي ضغوط من أجل إقرار زيادات ضريبية لتمويل الحرب.

ويواجه طلب الجيش الأميركي الحصول على تمويل إضافي قدره 200 مليار دولار للحرب ضد إيران معارضة شديدة في الكونغرس؛ إذ يشكك الديمقراطيون، وحتى بعض الجمهوريين، في ضرورة هذه الخطوة بعد إقرار اعتمادات دفاعية كبيرة العام الماضي.

ودافع بيسنت عن طلب التمويل دون أن يؤكد قيمة المبلغ.

ولم يرسل الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بعد طلباً إلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب للموافقة على هذا المبلغ، فيما أوضحت إدارته أن الرقم قد يتغير.

وقال بيسنت: «لدينا أموال وفيرة لتمويل هذه الحرب... هذا تمويل إضافي. لقد عمل الرئيس ترمب على تعزيز الجيش، كما فعل في ولايته الأولى، وكما يفعل الآن في ولايته الثانية، وهو يريد التأكد من أن الجيش مزود جيداً بالإمدادات في الفترة المقبلة».

وقال وزير الدفاع، بيت هيغسيث، الأسبوع الماضي إن الأموالَ الإضافية ضروريةٌ «لضمان التمويل الكافي لما تم إنجازه، ولما قد نضطر إلى فعله في المستقبل».

وأحجم الوزير عن الرد على سؤال بشأن احتمال إقرار زيادات ضريبية، واصفاً إياه بأنه سؤال «سخيف»، مؤكداً أن هذا الأمر «غير مطروح للنقاش إطلاقاً».

وتنبئ المؤشرات الأولية بأن هذه الحرب ستكون الأعلى تكلفة على الولايات المتحدة منذ الصراعات الطويلة في العراق وأفغانستان؛ إذ أبلغ مسؤولون في الإدارة المشرعين أن الأيام الستة الأولى من الحرب ضد إيران كلفت أكثر من 11 مليار دولار.

ووافق الكونغرس بالفعل على تمويل قياسي للجيش منذ بدء ترمب ولايته الثانية في يناير (كانون الثاني) 2025. وفي الشهر الماضي، وقع ترمب على قانون مخصصات الدفاع للسنة المالية 2026، الذي بلغ تمويله نحو 840 مليار دولار.

وفي الصيف الماضي - رغم المعارضة الشديدة من الديمقراطيين - أقر الكونغرس، الذي يقوده الجمهوريون، مشروع قانون شاملاً لخفض الضرائب والإنفاق، تضمن 156 مليار دولار للدفاع.

ودافع بيسنت أيضاً عن تحركات إدارة ترمب في الآونة الأخيرة لرفع العقوبات عن النفط الإيراني والروسي، موضحاً أن ذلك سيتيح لدول أخرى غير الصين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، شراء النفط، مع منع ارتفاع أسعاره إلى 150 دولاراً للبرميل، والحد من إجمالي الإيرادات التي قد تحصل عليها إيران وروسيا.

وأشار إلى أن تحليلاً، أجرته وزارة الخزانة، أظهر أن الحد الأقصى للإيرادات النفطية الإضافية التي يمكن أن تحصل عليها روسيا هو مليارا دولار.


وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
TT

وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)

توفِّي روبرت مولر المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الذي أشرف على تحقيق في شبهة تدخُّل روسي في حملة دونالد ترمب الانتخابية الأولى، بينما لم يخف الرئيس الأميركي «سعادته» بهذا النبأ، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» وفاة مولر عن 81 عاماً نقلاً عن بيان للعائلة، من دون تحديد سببها، بينما سارع ترمب للتعليق على ذلك في منشور على «تروث سوشيال» كتب فيه «روبرت مولر توفّي للتوّ. جيّد. يسعدني أنه توفّي. لم يعد في وسعه أن يؤذي أبرياء!».

وتولَّى مولر إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي لمدّة 12 عاماً، وتسلّم مهامه قبيل اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأنشأ وحدة مكافحة الإرهاب في المكتب. وبعد مغادرته منصبه، كلّفته وزارة العدل بالتحقيق بين 2017 و2019 في شبهات تدخّل روسي في حملة ترمب.

وكانت ⁠صحيفة «نيويورك تايمز» قد ذكرت ‌العام الماضي ‌أن مولر يعاني من ​مرض باركنسون.

وعبرت ‌شركة ويلمر هيل للمحاماة، التي ‌عمل فيها مولر محامياً حتى تقاعده عام 2021، عن حزنها لرحيله. وقالت الشركة في بيان لها اليوم السبت «كان بوب ‌قائداً استثنائياً وموظفاً حكومياً متميزاً، وشخصاً يتمتع بأعلى درجات ⁠النزاهة».

وتقاعد ⁠مولر في 2013 بعد 12 عاما من توليه منصب مدير مكتب التحقيقات الاتحادي، لكن أحد كبار المسؤولين في وزارة العدل استدعاه للعودة إلى الخدمة العامة بعد أربع سنوات بصفته مستشارا خاصا لتولي التحقيق في تدخل روسيا في الانتخابات بعد أن ​أقال ترمب رئيس ​مكتب التحقيقات الاتحادي آنذاك جيمس كومي.


من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تُغيّر حربُ إيران، حتى الآن، الاستراتيجيةَ الدفاعية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها وضعتها تحت اختبار قاسٍ. فعلى المستوى النظري، ما زال ترتيب الأولويات المعلن قائماً: حماية «الوطن» ونصف الكرة الغربي وفق مقاربة «ملحق ترمب» لـ«عقيدة مونرو»، ثم ردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، مع تخفيف التورط الطويل والمكلف في الشرق الأوسط.

لكن على المستوى العملي، بدا أن واشنطن اضطرت إلى سحب أصول قتالية، ومنظومات دفاعية، وقوة بحرية - برمائية متقدمة، من المسرح الآسيوي؛ لإسناد الحرب ضدّ إيران. هنا يكمن جوهر الإرباك؛ إذ لم تعد المسألة سجالاً فكرياً بشأن ما إذا كانت آسيا هي الأولوية، بل أصبحت سؤالاً عملياً أكبر إلحاحاً: كيف يمكن الحفاظ على استراتيجية ردع الصين إذا كانت كل أزمة كبرى في الشرق الأوسط تفرض على الولايات المتحدة الاقتراض من قواتها الجاهزة في آسيا؟ هذا ما يقلق طوكيو وتايبيه وسيول، ويمنح بكين مادة دعائية ثمينة لتكرار أن «أميركا قوية؛ لكنها ليست دائماً الشريك الذي يمكن التعويل عليه عندما تتزاحم الجبهات».

«أولوية آسيا» لم تعد محصنة

الوثائق الرسمية لا تزال واضحة... فـ«استراتيجية الأمن القومي لعام 2025» تتحدث صراحة عن «ملحق ترمب لعقيدة مونرو» لاستعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، فيما تؤكد «استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026» أن الرهان الرئيسي هو «السلام عبر القوة» في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء بحيث يكون الدعم الأميركي «حاسماً لكنه محدود» على المسارح الأخرى.

جنود من مشاة البحرية الأميركية يترجلون من طائرة «أوسبري» خلال تدريب في أوكيناوا باليابان يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

نظرياً، هذا يعني أن الشرق الأوسط ليس ساحة استنزاف دائمة في سياسة ترمب الخارجية، بل هو مسرح يُفترض أن يُدار بضربات حاسمة وتكلفة سياسية وعسكرية أقل من الحروب الطويلة. غير أن حرب إيران كشفت عن حدود هذا الترتيب؛ فالرئيس ترمب يكرر أنه لا يريد «حرباً برية» جديدة، لكنه في الوقت نفسه يقول إن الولايات المتحدة ستفعل «ما يلزم». فيما أعلنت «رويترز» أن واشنطن تدفع آلافاً إضافيين من المارينز والبحارة إلى الشرق الأوسط، لينضمّوا إلى أكثر من 50 ألف عسكري موجودين أصلاً في المنطقة. هذا التناقض بين خطاب تقليص الانخراط، ووقائع التوسع العملياتي، هو ما يضعف صدقية «الأولوية الآسيوية» في نظر الحلفاء.

ما الذي نُقل من آسيا؟

الحديث لم يقتصر على إمكان نقل بطاريات «باتريوت» من كوريا الجنوبية، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية في شبه الجزيرة الكورية، بل شمل أيضاً قوة بحرية - برمائية متقدمة من اليابان. فقد أكدت تقارير عسكرية أن السفينة الهجومية البرمائية «تريبولي» اتجهت إلى الشرق الأوسط مع عناصر من «الوحدة الـ31» الاستكشافية البحرية، وهي قوة متمركزة في أوكيناوا اليابانية وتُعدّ من أهم أدوات الاستجابة السريعة الأميركية في غرب المحيط الهادئ. كما أظهرت بيانات التتبع عبور مجموعة «تريبولي» المؤلفة من 3 سفن ونحو 2200 من المارينز، مضيق ملقا بجنوب شرقي آسيا في طريقها إلى المنطقة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن هذه القوة صُممت أصلاً لسيناريوهات الجزر والنزاعات الساحلية في آسيا، أي لبيئة قريبة مباشرة من أي أزمة محتملة حول تايوان أو البحار المحيطة باليابان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس الماضي (رويترز)

قلق الحلفاء الآسيويين هنا ليس مبالغاً فيه؛ لأنه لا يتعلق بمجرد سفينة نقل، أو تدوير روتيني للقوات، بل بإعادة توجيه أداة ردع كاملة من مسرح حساس إلى آخر... فـ«تريبولي» ليست مجرد منصة برمائية، بل سفينة هجومية يمكن تشغيلها أيضاً على أنها «حاملة خفيفة»، وقد اختبرت سابقاً مفهوم نشر أعداد كبيرة من مقاتلات «إف35 بي» على متنها. وحين تُسحب هذه القدرة من آسيا، فإن الرسالة لا تُقاس فقط بعدد الجنود، بل بنوعية القوة التي غادرت.

وإلى جانب القوة البرمائية المتقدمة التي تحركت من اليابان، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن واشنطن دفعت أيضاً بتعزيزات برمائية إضافية من كاليفورنيا، تمثلت في مجموعة «بوكسر» البرمائية و«وحدة المارينز الـ11» وقوامها 2500 جندي، بما يدل على أن الحرب لم تعد تقتصر على إعادة توزيع الأصول في آسيا، بل باتت تستدعي قوات إضافية من البر الأميركي نفسه.

نقص الذخائر والجاهزية

هذا هو بالتحديد ما بدأ يلفت نظر مراكز البحث والخبراء. وفق معهد «بروكينغز»، فإن اليابان لن تجد كثيراً من الطمأنينة ما دامت واشنطن تعيد توجيه موارد عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط؛ من السفن إلى منظومات الدفاع الجوي والمارينز في أوكيناوا، عادّةً أن الاضطراب الحالي يصدر من واشنطن نفسها بقدر ما يفرضه الخصوم.

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي الاتجاه نفسه، حذّرت دراسة حديثة من «مكتب المحاسبة» الحكومي الأميركي بأن الجاهزية العسكرية الأميركية تدهورت على مدى العقدين الماضيين؛ بسبب صعوبة الموازنة بين الطلب العملياتي والتحديث والاستدامة.

من جهتها، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» أن حرب إيران أدت إلى «تآكل ردع أميركا الصين»؛ لأن الموارد التي تُستهلك في الشرق الأوسط تصبح غير متاحة للمحيط الهادئ؛ من صواريخ الدفاع الجوي، إلى المدمرات وناقلات التزود بالوقود، حتى وسائط الاستطلاع. وتكتسب هذه الحجة وزناً أكبر لأنها لا تنطلق من رفض مبدئي للعمل العسكري، بل من سؤال الجاهزية: كيف يمكن ردع خصم بحجم الصين إذا كانت الصيانة والتدريب والمخزون البعيد المدى كلها تُستنزف في مسارح أخرى؟

ويضاف إلى ذلك بُعد آخر أعلى حساسية، هو استنزاف الذخائر بعيدة المدى. فقد أوردت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن تايوان تراقب بقلق الاستهلاك الأميركي الكثيف لصواريخ «JASSM-ER» و«توماهوك» في حرب إيران، خشية أن يُضعف ذلك الجاهزية الأميركية في أي مواجهة مستقبلية مع الصين.

بكين و«موعد 2027»

في قلب هذا المشهد يبرز عام 2027 بوصفه التاريخ الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بتقديرات بشأن تسارع الجاهزية الصينية حيال تايوان. صحيح أن التقديرات الاستخبارية الأميركية الأحدث قالت إن بكين لا تخطط حالياً لضمّ تايوان في ذلك العام، لكن وزير الدفاع التايواني، ويلينغتون كو، شدّد قبل أيام على أن التهديد الصيني «ضاغط وخطير جداً»، وأن الردع الفعّال هو وحده ما يمكن أن يجعل أي هجوم يبدو عالي التكلفة ومنخفض فرص النجاح. هذا يعني أن المسألة لم تعد تاريخاً جامداً، بل معادلة ردع متغيرة: كلما بدت الولايات المتحدة أعلى عرضة للتشتيت، بدت بكين أكبر ميلاً إلى اختبار حدود هذا الردع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

ومن هنا أيضاً يمكن فهم قلق الحلفاء وتأجيل زيارة ترمب الصين. فقد كان مقرراً أن يناقش ترمب والرئيس الصيني، شي جينبينغ، ملفات: تايوان، والرسوم، والرقائق، والمعادن النادرة... في نهاية هذا الشهر، لكن الحرب على إيران قلبت جدول الأولويات، وأُرجئت الزيارة أسابيع عدة.

بالنسبة إلى اليابان، التي تعتمد بشدة على نفط الخليج وتخشى الصين في آن معاً، تبدو المعادلة أشد تعقيداً: فهي لا تريد إضعاف التحالف مع واشنطن، لكنها لا تريد أيضاً أن يتحول الصراع مع إيران إلى ثقب أسود يبتلع التركيز الأميركي.

الخلاصة أن حرب إيران لم تُلغِ «أولوية الصين» في استراتيجية ترمب، لكنها كشفت عن أنها أولوية قابلة للتغيير وليست محصنة. فحين تُنقل بطاريات دفاع من كوريا الجنوبية، وتتحرك «تريبولي» مع المارينز المرتبطين بأوكيناوا إلى الشرق الأوسط، ويحذر الخبراء من أثر ذلك على الجاهزية والردع، يصبح السؤال أقل تعلقاً بما تقوله واشنطن عن أولوياتها، وأكبر ارتباطاً بما تستطيع فعلاً الحفاظ عليه عندما تتعدد الجبهات. وهذا بالضبط ما تراقبه بكين اليوم، وما يخشاه حلفاء أميركا في آسيا.