محور دون أصوات... «المقاومة» تخسر مهندسي الحرب النفسية

ملثمون وضباط ووجوه ناعمة من طهران وبغداد إلى بيروت وغزة

يمنيون يتابعون كلمة لـ«أبو عبيدة» المتحدث باسم «كتائب القسام» الذي أعلنت إسرائيل اغتياله في أغسطس 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
يمنيون يتابعون كلمة لـ«أبو عبيدة» المتحدث باسم «كتائب القسام» الذي أعلنت إسرائيل اغتياله في أغسطس 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

محور دون أصوات... «المقاومة» تخسر مهندسي الحرب النفسية

يمنيون يتابعون كلمة لـ«أبو عبيدة» المتحدث باسم «كتائب القسام» الذي أعلنت إسرائيل اغتياله في أغسطس 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
يمنيون يتابعون كلمة لـ«أبو عبيدة» المتحدث باسم «كتائب القسام» الذي أعلنت إسرائيل اغتياله في أغسطس 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

منذ هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لم تقتصر المواجهة في الشرق الأوسط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل اتسعت لتشمل جبهة موازية لا تقل خطورة: مهندسو السرديات والحرب النفسية.

وبرز متحدثون عسكريون ووجوه إعلامية، بعضهم ملثمون، وبعضهم ضباط، وآخرون يعملون في الظل، شكلوا العمود الفقري لسرديات «المقاومة»، وأداروا معركة الرواية والصورة والانطباع العام تحت مظلة واسعة شكلتها القوى المتحالفة مع إيران.

لم يكن هؤلاء مجرد ناطقين بأسماء فصائلهم أو جيوشهم، بل كانوا كذلك مهندسي خطاب متكامل، يقود حرباً تستهدف الخصوم والجمهور معاً. من تحتهم عملت شبكات متشعبة من المنصات، والناشطين، والأذرع الإعلامية، التي أعادت إنتاج الرسائل وتضخيمها عبر الفضاء الرقمي والإعلام التقليدي، بما يخدم سرديات القوى الحليفة لإيران في المنطقة.

ومع تصاعد العمليات العسكرية؛ من غزة إلى لبنان، وصولاً إلى الحرب الأخيرة على إيران، تعرضت هذه المنظومة لضربات مركزة، أزاحت عدداً من أبرز وجوهها، وباتت سردية المحور من دون ألسنٍ أو أصوات.

المتحدث باسم «الحرس الثوري» علي محمد نائيني خلال مؤتمر صحافي في يناير 2025 (إيسنا)

نائيني... مهندس «الحرب الإدراكية»

قُتل المتحدث باسم «الحرس الثوري» الإيراني، علي محمد نائيني، فجر الجمعة 20 مارس (آذار) 2026، في ضربة أميركية - إسرائيلية، ليغيب بذلك أحد أبرز الوجوه التي أدارت الخطاب الدعائي للجهاز العسكري في أشد مراحل الحرب حساسية.

كان نائيني، البالغ من العمر 69 عاماً، يشغل منصب المتحدث الرسمي ونائب العلاقات العامة في «الحرس الثوري» منذ يوليو (تموز) 2024، وهو موقع يتجاوز الوظيفة الإعلامية التقليدية إلى إدارة الرسائل السياسية وتثبيت رواية المؤسسة في الداخل والخارج.

وقبل ساعات من إعلان مقتله، نسبت إليه وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» تصريحات قال فيها إن الصناعة الصاروخية تستحق «العلامة الكاملة».

وبرز نائيني خلال حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025، والحرب الجارية الآن، بوصفه أحد مهندسي «الحرب النفسية» في الخطاب الإيراني الرسمي. وفي مداخلاته الإعلامية، قدّم المواجهة على أنها حرب متزامنة: نفسية، وإدراكية، وتكنولوجية، وعسكرية، مشدداً على أهمية الرواية والصورة والانطباع العام في حسم المعارك الميدانية.

وكان لافتاً تركيزه على دور الإعلام في «رواية الميدان» ومواجهة «الحرب الإدراكية» للخصوم، معرباً عن اعتقاده أن الهدف الرئيسي للطرف الآخر يتجاوز ضرب القدرات العسكرية إلى تفكيك الدولة وإضعاف التماسك الداخلي.

وقبل مقتله، كرر نائيني الوعيد بـ«المفاجآت» واستمرار القدرة على الردع. وبذلك يمثل مقتله ليس فقط خسارة إعلامية، بل ضربة لأحد الوجوه التي أدارت المعركة على مستوى الرسائل والتأثير النفسي، بقدر ما أدارتها المؤسسة على مستوى النار والردع.

تشييع عنصر في «كتائب حزب الله» ببغداد بعد يوم من مقتله بضربة جوية جنوب العراق مطلع مارس 2026 (أ.ف.ب)

«أبو علي العسكري»... سفير الظل

لم يكن «أبو علي العسكري» شخصاً بقدر ما كان وظيفة إعلامية - أمنية معقدة. مثّل حلقة الوصل بين القرار الميداني والمنصة الإعلامية، وأداة لفرض الإيقاع السياسي وفق الرؤية الإيرانية في العراق.

أُعلن مقتله في 16 مارس (آذار) 2026، عقب هجمات صاروخية استهدفت مواقع في بغداد، بينها منزل في حي الكرادة، كان يُعتقد أنه يضم اجتماعاً لقيادات فصائل مسلحة، مع ترجيحات بأنه استُهدف أيضاً ضمن ضربات أخرى شرق العاصمة.

ورغم ذلك، فإن هويته الحقيقية وملابسات مقتله بقيتا جزءاً من الغموض الذي شكّل أساس تأثيره.

وحدة قياس «أبو علي العسكري» كانت تشمل أيضاً وضعَ قواعد اشتباك، ورسمَ حدود الأوزان السياسية للاعبين المحليين من السنة والكرد، والتلويحَ بالعصا تجاه المقاربات العراقية مع الخارج، بما في ذلك العلاقة مع المحيط العربي والخليجي والدولي. وبالنظر إلى تأثيره، فسيبدو الأداة الفعالة التي كانت تتكفل توجيه العملية السياسية كي ترسو دائماً عند المقاربة الإيرانية في العراق.

«أبو عبيدة» متحدثاً خلال عرض عسكري بقطاع غزة في 11 نوفمبر 2019 (رويترز)

«أبو عبيدة»... الصوت الملثم

تحول «أبو عبيدة» رمزاً إعلامياً بارزاً، بفضل حضوره الملثم وخطابه الذي جمع بين التهديد والتعبئة النفسية. وقاد منظومة إعلام «القسام» عِقدين، وأسهم في تثبيت هوية بصرية وصوتية مؤثرة في الوعي الجمعي.

ازدادت شهرة «أبو عبيدة» بشكل كبير خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014، وهي الحرب التي استمرت نحو 55 يوماً، وكان «أبو عبيدة» فيها حلقة الوصل بين المقاتلين في الأنفاق والعُقَد القتالية المختلفة وبين أهل غزة، وكذلك بين غزة والعالم.

واكتسب «أبو عبيدة» شعبية كبيرة داخل فلسطين وفي الدول العربية المختلفة لمصداقيته، فلم يكن يميل إلى المبالغة كثيراً في وصف العمليات العسكرية، وكذلك لفصاحته وقوة لغته العربية.

كان أول ظهور لـ«أبو عبيدة» سُجّل في عامي 2002 و2003، بوصفه أحد مسؤولي «القسام» الميدانيين. ثم نظّم أول مؤتمر صحافي له في 2 أكتوبر 2004 بمسجد «النور» شمال قطاع غزة، حيث أعلن عن عدد من العمليات العسكرية التي نفذتها «كتائب القسام» ضد قوات ودبابات إسرائيلية ضمن عمليات أطلق عليها «أيام الغضب».

قُتل في 30 أغسطس (آب) 2025، بضربة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى في حي الرمال غرب مدينة غزة حيث كان موجوداً؛ وفق الرواية الإسرائيلية.

المسؤول الإعلامي في «حزب الله» محمد عفيف خلال مؤتمر صحافي بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)

محمد عفيف... صائغ الرسائل

يُعدّ محمد عفيف من أبرز مهندسي الإعلام في «حزب الله»، حيث تولى إدارة العلاقات الإعلامية وصياغة الرسائل السياسية سنوات طويلة، وكان قريباً من قيادة «الحزب».

وبرز دوره بشكل استثنائي بعد اغتيال قيادات «الحزب» في 2024، حين ملأ فراغاً إعلامياً حساساً.

ودفعت مواقف عفيف بعض الإعلاميين إلى وصفه بـ«الصَّحَّاف»؛ إشارة إلى وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصَّحَّاف؛ لِعَدِّهم أنه يوهم الناس وجمهور «الحزب» بـ«بطولات وهمية»، وأن ما يقوله «يجافي الواقع».

يقول باحثون عن عفيف إنه «تولى المسؤوليات الإعلامية في (الحزب) منذ أكثر من 30 سنة، وكان مستشاراً إعلامياً لنصر الله، وكانت له علاقات إعلامية مع كثير من الصحافيين اللبنانيين والعرب، وطور العمل الإعلامي في (الحزب)، وتولى في إحدى المراحل إدارة تلفزيون (المنار)»، وباغتياله «بات التصعيد الإسرائيلي كبيراً للضغط على المقاومة في لبنان».

اغتيل عفيف في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بغارة إسرائيلية استهدفت مبنى بمنطقة رأس النبع في بيروت، في واحدة من الضربات التي طالت البنية الإعلامية لـ«الحزب».

«أبو حمزة»... ملثم «السرايا»

كان «أبو حمزة» أحد أبرز الوجوه الإعلامية للفصائل الفلسطينية، بصفته الناطق العسكري باسم «سرايا القدس» منذ 2014.

اعتمد خطاباً مباشراً ومكثفاً، يربط بين العمليات العسكرية والتأثير النفسي، خصوصاً في ملف الأسرى.

اسمه الحقيقي هو ناجي ماهر أبو سيف، وقد كُشف عنه أول مرة عقب مقتله، بعد أن عُرف بـ«الرجل الملثم» طيلة سنوات؛ حفاظاً على هويته الأمنية.

قُتل في 18 مارس (آذار) 2025، بغارة جوية إسرائيلية استهدفت منزله في وسط قطاع غزة؛ ما أدى إلى مقتله مع عدد من أفراد عائلته.


مقالات ذات صلة

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

المشرق العربي تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد المتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» وأبرز قيادات النظام في الرقة

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

الحكومة والجيش الإسرائيليان يتعرضان لانتقادات، ونتنياهو يخشى أن يتسبب ذلك في هزيمته الانتخابية، والجنرالات يخشون من فقدان الهيبة.

نظير مجلي (تل أبيب)
تحليل إخباري الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الاجتماع العسكري «اللبناني - الإسرائيلي» بموعده لتبادل الطروحات دون الحسم

تتصدر الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مدينتي النبطية وصور وجوارهما، وتعد الأعنف والأوسع منذ أسابيع، جدول أعمال أول اجتماع عسكري بين لبنان وإسرائيل.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عمال إنقاذ وسكان محليون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمبنى في أعقاب غارة جوية إسرائيلية بمنطقة الشويفات جنوب بيروت على مشارف الضاحية الجنوبية للعاصمة 28 مايو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يعلن تنفيذ غارة جوية «دقيقة» في منطقة بيروت

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفَّذ غارة جوية «دقيقة» في منطقة بيروت، اليوم (الخميس)، وذلك بعد غارات سابقة على جنوب لبنان أسفرت عن مقتل 14 شخصاً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مذكرة هدنة تنتظر توقيع ترمب وسط نفي إيراني

ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح 28 فبراير الماضي (أ.ب)
ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح 28 فبراير الماضي (أ.ب)
TT

مذكرة هدنة تنتظر توقيع ترمب وسط نفي إيراني

ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح 28 فبراير الماضي (أ.ب)
ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح 28 فبراير الماضي (أ.ب)

أفادت مصادر أميركية بأن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى اتفاق بشأن مذكرة تفاهم لتمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يوافق عليها بعد، في وقت نفت فيه رواية إيرانية قريبة من فريق التفاوض أن يكون النص أصبح نهائياً.

وبحسب «رويترز»، ستحدد المذكرة كيفية التعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو من بين أولى القضايا التي ستُناقش خلال فترة الستين يوماً، وفق تقرير سابق لموقع «أكسيوس»، الذي كان أول من أورد الخبر. ورفض البيت الأبيض التعليق.

وأكدت المصادر أميركية، أن واشنطن وطهران تنتظران موافقة ترمب على إطار اتفاق يقضي بتمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً، وبدء مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وقال مسؤول أميركي مطلع إن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين توصلوا إلى اتفاق مبدئي لتمديد وقف إطلاق النار وبدء محادثات نووية. لكنه أشار إلى أن إيران لم تؤكد الاتفاق فوراً، وأن ترمب لم يوقع عليه بعد.

وأضاف مسؤول أميركي آخر أن الخطوط العريضة للاتفاق أُنجزت، لكنه شدد على أنه «لا يوجد اتفاق» ما لم يوافق عليه ترمب، موضحاً أن أسئلة لا تزال قائمة بشأن ما إذا كان الرئيس الأميركي سيقبل المقترح.

ونقلت «سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين أن الاتفاق المبدئي يظل رهناً بموافقة ترمب، وكذلك بموافقة المرشد الإيراني، وهي خطوة لم يتضح بعد ما إذا كانت قد تمت. وأضافت أن ترمب يستطلع آراء مستشاريه للتأكد من أن الاتفاق يمكن تقديمه داخلياً على أنه أقوى من اتفاق 2015 النووي، الذي انسحب منه، وسط ضغوط من صقور الحزب الجمهوري ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعدم إبرام اتفاق يخفف الضغط على طهران.

تضارب حول الحسم

في المقابل، نقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر قريب من فريق التفاوض الإيراني قوله إن نص مذكرة التفاهم المحتملة بين إيران والولايات المتحدة «لم يصبح نهائياً أو قطعياً» حتى الآن، خلافاً لما ذكرته مصادر غربية.

وقال المصدر إن إيران لم تُبلغ الوسيط الباكستاني حتى هذه اللحظة بأن النص أصبح نهائياً. وأضاف أنه إذا جرى التوصل فعلاً إلى نص نهائي، فستعلن طهران ذلك للوسيط الباكستاني وللرأي العام.

وأكد المصدر أن أي رواية تنقلها مصادر غربية عن إنجاز التفاهم نهائياً «ليست معتبرة» إلى حين صدور إعلان إيراني رسمي.

وتتباين هذه الرواية مع ما نقلته شبكة «إن بي سي نيوز»، عن مسؤول عربي كبير مشارك مباشرة في الوساطة بين واشنطن وطهران، قال إن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين اتفقوا على بنود اتفاق هدنة قبل ثلاثة أيام، لكن الجانبين أخّرا إنجازه وإعلانه.

وقال المسؤول: «كان الاتفاق قد أُغلق بالفعل في الدوحة قبل ثلاثة أيام، والآن يلعب الجميع لعبة الدجاجة والبيضة»، واصفاً التأخير بأنه «محبط».

وأضاف أن المفاوضين الإيرانيين وافقوا أولاً وعادوا إلى قيادتهم لإعلان الاتفاق، وأن الجانب الأميركي يفعل الأمر نفسه الآن، بانتظار موافقة نهائية من ترمب.

تفاصيل المذكرة

وفق «أكسيوس»، تنص مذكرة التفاهم على أن تكون الملاحة عبر مضيق هرمز «غير مقيدة». وقال مسؤول أميركي إن ذلك يعني عدم فرض رسوم أو مضايقات على السفن، وأن على إيران إزالة جميع الألغام من المضيق خلال 30 يوماً.

كما سيُرفع الحصار البحري الأميركي، لكن ذلك سيتم بالتناسب مع استئناف حركة الملاحة التجارية، وفق مسؤول أميركي.

وقالت مصادر «أكسيوس» إن مذكرة التفاهم ستتضمن التزاماً إيرانياً بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، كما ستنص على أن أولى القضايا التي سيجري التفاوض بشأنها خلال فترة الستين يوماً ستكون كيفية التخلص من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وكيفية التعامل مع التخصيب الإيراني.

وستلتزم الولايات المتحدة بمناقشة تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ضمن المفاوضات، إضافة إلى بحث آلية لمساعدة إيران على بدء تلقي السلع والمساعدات الإنسانية.

وأفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الاتفاق، وفق الرواية الأميركية، قد يسمح لطهران ببيع النفط في ظل تعليق لعقوبات أميركية، في مقابل إعادة فتح الملاحة تدريجياً ورفع الحصار على الموانئ الإيرانية بما يتناسب مع حجم الشحن التجاري المستأنف عبر المضيق.

ضغط على ترمب

كانت إدارة ترمب صرحت مرات عدة بأن اتفاقاً لإنهاء القتال أصبح وشيكاً، غير أن إيران عارضت هذه الادعاءات أو قللت من شأنها.

وقال ترمب في البداية إن الحرب ستستمر من أربعة إلى ستة أسابيع، لكنها دخلت الآن شهرها الثالث. وفي بعض الأحيان، أشار إلى أن الصراع قد ينتهي خلال أيام، قبل أن يعود لاحقاً ويشير إلى أنه قد يستمر لبعض الوقت.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، ارتفعت التوقعات بالتوصل إلى اتفاق عندما ألغى ترمب خططه للبقاء في واشنطن خلال العطلة، وتغيب عن حفل زفاف ابنه، متذرعاً بـ«ظروف تتعلق بالحكومة».

ويوم الأحد، قلل مسؤول رفيع في إدارة ترمب من احتمال التوصل إلى اتفاق وشيك، لكنه قال إن هناك اتفاقاً مبدئياً حول الخطوط العريضة لاتفاق.

ويتعرض ترمب لضغوط متزايدة من صقور إيران في حزبه، الذين حثوه على عدم إبرام أي اتفاق لا يعالج فوراً برنامج إيران النووي.

وزاد القلق المتنامي لدى الناخبين بشأن ارتفاع الأسعار، خصوصاً أسعار الوقود، من الضغوط السياسية على الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترمب، والذي يُتوقع على نطاق واسع أن يواجه صعوبة في الحفاظ على سيطرته على مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ.

وقال ترمب إن هدفه الرئيسي في هذه الحرب هو منع إيران من تطوير سلاح نووي باستخدام اليورانيوم عالي التخصيب. وتنفي طهران باستمرار أن لديها خططاً للقيام بذلك.

إيرانيون يقودون سياراتهم قرب لوحة مناهضة لإسرائيل في ساحة فلسطين وسط طهران كُتب عليها بالفارسية: «إسرائيل لن ترى السنوات الـ15 المقبلة» - 28 مايو 2026. وجاءت الصورة في يوم ندّدت فيه الخارجية الإيرانية بما وصفته بانتهاكات أميركية بعد الضربات على بندر عباس وأعربت عن تضامنها مع سلطنة عمان عقب تهديدات ترمب (أ.ف.ب)

شروط متداخلة

جاء الحديث عن التفاهم بينما بدا وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران متذبذباً، بعد موجة قتال جديدة قالت القيادة المركزية الأميركية إن الكويت اعترضت خلالها صواريخ أُطلقت من إيران، في حين قالت واشنطن إن قواتها أسقطت مسيّرات إيرانية قرب مضيق هرمز واستهدفت محطة تحكم أرضية في بندر عباس كانت على وشك إطلاق مسيّرة إضافية، وسط اتهامات متبادلة بين الجانبين بخرق الهدنة من دون العودة إلى قتال شامل.

ويسعى ترمب إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره في السابق نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي. كما يسعى إلى دفع إيران للتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.

وتريد طهران رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول المجمدة لمساعدة اقتصادها المتضرر بشدة. كما تصر إيران على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان ضد جماعة «حزب الله» المسلحة المدعومة من طهران.


تركيا: فصل جديد من التوتر بين جبهتي «الشعب الجمهوري»

أنصار حزب «الشعب الجمهوري» في مظاهرة احتجاجية على قرار المحكمة إعادة كمال كليتشدار أوغلو لرئاسة الحزب (رويترز)
أنصار حزب «الشعب الجمهوري» في مظاهرة احتجاجية على قرار المحكمة إعادة كمال كليتشدار أوغلو لرئاسة الحزب (رويترز)
TT

تركيا: فصل جديد من التوتر بين جبهتي «الشعب الجمهوري»

أنصار حزب «الشعب الجمهوري» في مظاهرة احتجاجية على قرار المحكمة إعادة كمال كليتشدار أوغلو لرئاسة الحزب (رويترز)
أنصار حزب «الشعب الجمهوري» في مظاهرة احتجاجية على قرار المحكمة إعادة كمال كليتشدار أوغلو لرئاسة الحزب (رويترز)

فتحت جبهة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية الذي أعيد إلى رئاسة الحزب «مؤقتاً» بقرار قضائي، فصلاً جديداً للتوتر مع قيادته المنتخبة برئاسة أوزغور أوزيل، في استمرار لتعميق الأزمة داخل المعارضة.

وفي تحركات تهدف إلى المماطلة وعرقلة عقد اجتماع المجموعة البرلمانية التي يترأسها أوزيل، أعلنت جبهة كليتشدار أغلو تأجيل اجتماع المجلس المركزي التنفيذي للحزب، الذي كان مقرراً الاثنين.

وكان من المتوقع أن يتم خلال الاجتماع، اختيار أعضاء المجلس التنفيذي المركزي الجديد، وتحديد خريطة طريق عملية انعقاد المؤتمر العام للحزب لانتخاب رئيسه الجديد وأعضاء مجالسه.

كليتشدار أوغلو يتجه للتجميد

وعلّق نائب رئيس الحزب للشؤون الاقتصادية، أوزغور كارابات، على البيان الذي لم يحمل أي توقيع، قائلاً إن «حزب (الشعب الجمهوري) لم يكن يوماً أداة لوصاية القصر الرئاسي أو التلاعب القضائي، هذه العقلية التي لا تجرؤ حتى على عقد اجتماع مجلس الحزب وتنشر قراراتها دون توقيع، لا مكان لها إطلاقاً في حزبنا».

واعتبر معلقون وحقوقيون، أن خطوة تأجيل الاجتماع تعكس عزم كليتشدار أوغلو على المماطلة، وتعطيل عملية عقد المؤتمر العام للحزب وتجميد الوضع على ما هو عليه حالياً.

كمال كليتشدار أوغلو (من حسابه في إكس)

وفي خطوة لاحقة، نشر خطاب مُوقّع من كليتشدار أوغلو، وموجّه إلى نواب البرلمان، يؤكد، أن موعد ومكان اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب لم يُحددا بعد، وأنه سيحدد موعد الاجتماع وجدول أعماله ومكانه.

وأضاف: «ما لم تُقدم المعلومات اللازمة بشأن هذه الأمور وفقاً لتوجيهاتي، فلن تعقد المجموعة اجتماعها».

ورد نائب رئيس المجموعة البرلمانية للحزب، مراد أمير، الذي كان موجوداً بالبرلمان لاستقبال وفود الأحزاب التي زارت مقر المجموعة البرلمانية لتبادل التهنئة بعيد الأضحى، مشككاً في أن التوقيع الموجود على الخطاب، المخالف للدستور، هو توقيع كليتشدار أوغلو.

وقال أمير إن «كليتشدار أوغلو يعرف الدستور جيداً، وإن المجموعة البرلمانية لن تنظر إلى هذا الخطاب وستعقد اجتماعاتها وفقاً للأصول، وإن كليتشدار أوغلو ليس له أي رأي أو سلطة أو حق الموافقة أو الاعتراض فيما يتعلق بمكان وزمان اجتماع المجموعة».

وأضاف أن المجلس التنفيذي للمجموعة البرلمانية سيجتمع يوم الاثنين المقبل لاتخاذ قرار بشأن موعد اجتماع المجموعة.

وانتخب نواب حزب «الشعب الجمهوري» أوزيل، السبت الماضي، رئيساً للمجموعة البرلمانية للحزب، بموافقة 110 نواب من إجمالي 138 نائباً للحزب.

أوزيل لا يرغب في الانقسام

وعلّق أوزيل في تصريحات، نشرت الخميس، على الخطوات التي يتخذها كليتشدار أوغلو، قائلاً: «ليس من الصواب أن يتصرف مسؤول معين وكأنه مسؤول منتخب، لأن هذا يخلق توتراً وضغطاً لا داعي لهما».

وأضاف: «بصفتنا القيادة المنتخبة للحزب، نريد أن تمر هذه الفترة الانتقالية سريعاً وأن تُجرى انتخابات جديدة لاختيار رئيس الحزب وأعضاء مجالسه، ولا يوجد ما يعيق ذلك كما يقول السيد كمال (كليتشدار أوغلو) الذي يتمسك برفع أمر الحظر الاحترازي من جانب المحكمة»، لافتاً إلى أن هناك 3 أو 4 طرق أخرى غير طريق المحكمة لانعقاده دون أي مخالفة قانونية، «لكنه يتهرب من صناديق الاقتراع، ويحاول تقسيم الحزب ودفعنا لتركه وتأسيس حزب جديد».

أوزيل يتمسك بإجراء انتخابات جديدة لرئاسة الحزب وكليتشدار أوغلو يماطل (رويترز)

وأشار أوزيل، إلى أن كليتشدار أوغلو، الذي قاد الحزب لمدة 13 سنة، وفشل في الفوز في 13 استحقاقاً انتخابياً خلال هذه الفترة، «يحاول خلق عداوة لمجرد أنني ترشحت ضده في المؤتمر العام للحزب في 2023، وحقق الحزب الفوز للمرة الأولى على حزب العدالة والتنمية الحاكم للمرة الأولى، كما عاد إلى موقع الحزب الأول في تركيا بعد 47 عاماً».

وبحسب النظام الأساسي للحزب، يمكن الدعوة إلى مؤتمر استثنائي بأغلبية بسيطة من أصوات أعضاء المجلس المركزي، بتأييد 31 عضواً من أعضائه الـ60، بعد استدعاء ثلثي الأعضاء (40 عضواً)، ويتعين على رئيس الحزب الدعوة إلى المؤتمر الاستثنائي في غضون 45 يوماً.

«سيارات حرام» تحرج كليتشدار أوغلو

ووسط التوتر حول الإجراءات التنظيمية، وجدت جبهة كليتشدار أوغلو نفسها في مأزق بعدما قامت بعرض سيارتين كان يستخدمهما رئيس الحزب أوزغور أوزيل، أمام المقر الرئيسي للحزب، الأربعاء، مع الإشارة إلى أنه «تم شراؤهما بأموال حرام»، وأن إحداهما قدمها رجل الأعمال المتهم في قضايا فساد عزيز إحسان أكطاش، ورئيس بلدية أوشاك (غرب) السابق المفصول من الحزب أوزكان ياليم.

جبهة كليتشدار أوغلو عرضت سيارتين للحزب للبيع قالت إنه تم شراؤهما بأموال حرام (إعلام تركي)

وأعلنت جبهة كمال كليتشدار أوغلو، أن حصيلة بيع السيارتين سيتم التبرع بها إلى «جمعية دعم الحياة المعاصرة»، التي أصدرت بدورها بياناً عبر حسابها في «إكس»، معلنة رفضها قبول هذا التبرع.

بدوره، علق أوزيل، بحسب ما نشر حساب مركزه الإعلامي على «إكس»، قائلاً إنه بعد الصور المقززة للمركبات في مقرنا، بات من الضروري قول بعض الكلمات، فقد تم شراء المركبتين بأموال الحزب، والفواتير متوفرة، وإحدى السيارتين اشتراها واستخدمها كليتشدار أوغلو عام 2022، وظل يستخدمها لمدة عام ونصف العام، ومن وضع تلك المركبة هناك جاهلٌ تماماً بهذا الأمر.

وأمام ذلك اضطر المتحدث باسم كليتشدار أوغلو، أتاكان سونماز، إلى التصريح بأن السيارتين لا تربطهما أي صلة مباشرة بعزيز إحسان أكتاش أو أوزكان ياليم، وأنه تم اختيارهما وعرضهما لـ«أغراض رمزية»، وأنه يجري التحقيق في الأمر.


واشنطن وطهران تتبادلان الضربات وتقتربان من تفاهم

إيرانيون يقودون سياراتهم قرب لوحة مناهضة لإسرائيل في ساحة فلسطين وسط طهران كُتب عليها بالفارسية: «إسرائيل لن ترى السنوات الـ15 المقبلة» - 28 مايو 2026. وجاءت الصورة في يوم ندّدت فيه الخارجية الإيرانية بما وصفته بانتهاكات أميركية بعد الضربات على بندر عباس وأعربت عن تضامنها مع سلطنة عمان عقب تهديدات ترمب (أ.ف.ب)
إيرانيون يقودون سياراتهم قرب لوحة مناهضة لإسرائيل في ساحة فلسطين وسط طهران كُتب عليها بالفارسية: «إسرائيل لن ترى السنوات الـ15 المقبلة» - 28 مايو 2026. وجاءت الصورة في يوم ندّدت فيه الخارجية الإيرانية بما وصفته بانتهاكات أميركية بعد الضربات على بندر عباس وأعربت عن تضامنها مع سلطنة عمان عقب تهديدات ترمب (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تتبادلان الضربات وتقتربان من تفاهم

إيرانيون يقودون سياراتهم قرب لوحة مناهضة لإسرائيل في ساحة فلسطين وسط طهران كُتب عليها بالفارسية: «إسرائيل لن ترى السنوات الـ15 المقبلة» - 28 مايو 2026. وجاءت الصورة في يوم ندّدت فيه الخارجية الإيرانية بما وصفته بانتهاكات أميركية بعد الضربات على بندر عباس وأعربت عن تضامنها مع سلطنة عمان عقب تهديدات ترمب (أ.ف.ب)
إيرانيون يقودون سياراتهم قرب لوحة مناهضة لإسرائيل في ساحة فلسطين وسط طهران كُتب عليها بالفارسية: «إسرائيل لن ترى السنوات الـ15 المقبلة» - 28 مايو 2026. وجاءت الصورة في يوم ندّدت فيه الخارجية الإيرانية بما وصفته بانتهاكات أميركية بعد الضربات على بندر عباس وأعربت عن تضامنها مع سلطنة عمان عقب تهديدات ترمب (أ.ف.ب)

بينما يسابق الوسطاء الزمن لإنجاز مذكرة تفاهم تنتظر موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبادلت الولايات المتحدة وإيران ضربات قرب مضيق هرمز، في أخطر اختبار لوقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في أبريل (نيسان). وجاء التصعيد ليكشف عن هشاشة الهدنة، واتساع الخلاف حول إدارة الممر المائي، ومصير المفاوضات الرامية إلى إنهاء حرب مستمرة منذ ثلاثة أشهر.

وقال الجيش الأميركي إن قواته نفذت ضربات «مدروسة ودفاعية» ضد مسيرات إيرانية ومحطة تحكم أرضية في بندر عباس، فيما أعلن «الحرس الثوري» أنه استهدف القاعدة الأميركية التي انطلقت منها الضربة، محذراً من رد «أكثر حسماً» إذا تكرر الهجوم.

وجاء التصعيد بعد ساعات من نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب تقريراً إيرانياً عن مسودة تفاهم تتعلق بإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن واشنطن لا تناقش تخفيف العقوبات، وأن «لا دولة» ستسيطر على المضيق.

وأوضح مسؤول أميركي في إفادة للصحافيين أن الجيش الأميركي أسقط أربع طائرات مسيرة هجومية إيرانية، وقصف مركز تحكم أرضي في مدينة بندر عباس الساحلية كان على وشك إطلاق مسيرة خامسة.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته للتحدث بصراحة عن العمليات العسكرية، أن «هذه العمليات كانت محسوبة ولأغراض دفاعية بحتة، وتهدف إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار».

وحسب المسؤول الأميركي، كانت المسيرات الإيرانية تشكل تهديداً للقوات الأميركية قرب الممر المائي وللسفن التجارية العابرة للمنطقة. وقال أحدهم إن محطة التحكم الأرضية استُهدفت لأن طائرة مسيرة خامسة كانت على وشك الإقلاع منها.

مروحية من طراز «إم إتش - 60 سي هوك» تقلع من على متن السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس تريبولي» في أثناء عبورها بحر العرب (سنتكوم)

وقالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إن إيران أطلقت صاروخاً باليستياً باتجاه الكويت عند الساعة 10:17 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في 27 مايو (أيار)، مشيرة إلى أن القوات الكويتية اعترضته بنجاح.

ووصفت «سنتكوم» إطلاق الصاروخ بأنه «انتهاك صارخ» لوقف إطلاق النار من جانب النظام الإيراني، وقالت إنه جاء بعد ساعات من إطلاق القوات الإيرانية خمس طائرات مسيرة هجومية أحادية الاتجاه، شكلت «تهديداً واضحاً» في مضيق هرمز ومحيطه.

وأضافت القيادة الأميركية أن القوات الأميركية اعترضت جميع المسيّرات بنجاح، كما منعت إطلاق مسيرة سادسة من موقع تحكم أرضي إيراني في بندر عباس.

وأكدت «سنتكوم» أن القيادة المركزية الأميركية وشركاءها الإقليميين سيبقون «يقظين ومنضبطين» في الدفاع عن القوات والمصالح الأميركية ضد ما وصفته بـ«العدوان الإيراني غير المبرر».

وفي تحديث يومي، قالت «سنتكوم»، الخميس، إن القوات الأميركية أعادت حتى الآن توجيه 111 سفينة تجارية في إطار إجراءات الحصار البحري المفروض على إيران، لضمان الامتثال للقيود الجديدة على الملاحة في محيط مضيق هرمز، مع استمرار الانتشار البحري الأميركي المكثف في الخليج العربي وبحر العرب.

رواية «الحرس الثوري»

في المقابل، قالت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن «الحرس الثوري» استهدف القاعدة الأميركية المسؤولة عن هجوم وقع في وقت مبكر قرب مطار بندر عباس.

وقال «الحرس الثوري»، من دون أن يحدد تلك القاعدة، إن أي تكرار لما وصفه بالعدوان سيؤدي إلى رد «أكثر حزماً».

وأعلنت العلاقات العامة لبحرية «الحرس الثوري» أن 26 سفينة تجارية وناقلة نفط عبرت مضيق هرمز، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بعد حصولها على تصاريح وبالتنسيق مع بحرية «الحرس الثوري».

وقالت بحرية «الحرس الثوري» إن «السيطرة الذكية» على مضيق هرمز تُنفذ «باقتدار كامل»، مؤكدة أن الحصول على إذن والتنسيق للمرور في المضيق «أمر قطعي»، وأن العبور من مسارات أخرى سيُعدّ «إخلالاً» وستتم مواجهته.

زورق تابع لـ«الحرس الثوري» يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وأضافت أن عدة سفن حاولت، ليل الأربعاء، عبور المضيق الدولي بصورة غير مصرح بها، بعد التلاعب بأنظمة الملاحة وإطفائها، مشيرة إلى أن عناصر بحرية «الحرس الثوري» وجهوا إليها إنذارات لاسلكية عدة، قبل أن يوقفوا سفينتين منها في مكانهما، فيما اضطرت بقية السفن إلى العودة.

وقالت بحرية «الحرس الثوري» إن الجيش الأميركي «انتهك وقف إطلاق النار» بإطلاق عدة صواريخ على مناطق خالية في مطار بندر عباس، مؤكدة أن الهجوم لم يسفر عن أي خسائر.

وأضافت أنه رداً على هذا «الاعتداء»، استُهدفت القاعدة الأميركية التي انطلقت منها الضربة، محذرة من أن أي تكرار لهذا الإجراء من جانب الجيش الأميركي سيُقابل بـ«رد قاسٍ».

وشددت بحرية «الحرس الثوري» على أن «السيطرة وإدارة مضيق هرمز تتمان فقط من جانب بحرية (الحرس الثوري)»، وأن أي «إخلال» في المضيق سيُقابل بـ«رد حاسم».

إدانة إيرانية

ونددت وزارة الخارجية الإيرانية، الخميس، بما وصفته بـ«الانتهاكات المتواصلة لوقف إطلاق النار» من جانب الولايات المتحدة، بعد ضربات أميركية ليلية على بندر عباس في جنوب إيران.

وقال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إن إيران «ستتخذ كل التدابير الضرورية للدفاع عن سيادتها الوطنية وسلامة أراضيها».

وانتقد بقائي «الانتهاكات المتواصلة لوقف إطلاق النار من جانب الولايات المتحدة، ولا سيما الهجمات على الملاحة التجارية في الخليج وفي أعالي البحار، فضلاً عن الضربات الجوية التي نفذت في الأيام الأخيرة على جنوب إيران».

كما ندد بتصريحات لترمب بشأن عزمه على تأمين الملاحة في مضيق هرمز. وقال بقائي إن التهديدات تمثل «مؤشراً مقلقاً إلى شيوع الفوضى والترهيب في العلاقات الدولية».

ومن جانبه، قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن ما وصفه بـ«تحركات» أميركية جرت ليل الأربعاء تُعد «انتهاكاً لوقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أن وزارة الخارجية أصدرت بياناً بهذا الشأن، وأن «الحرس الثوري» أظهر «الرد المناسب».

وأضاف غريب آبادي، خلال مراسم تأبين قائد «الحرس الثوري»، أن «النقطة الأساسية» هي ممارسة الجمهورية الإسلامية سيادتها على مضيق هرمز، قائلاً إن هذه السيادة «تثبّتت الآن».

وتابع أن طهران «لن تسمح» بأن تؤدي التحركات العسكرية الأميركية إلى أي خطوة من شأنها إضعاف ما وصفه بـ«سيادة إيران على مضيق هرمز».

أما نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني، فقد قال إن نجاح المفاوضات مرهون بـ«إنهاء المطالب المفرطة» للولايات المتحدة، معتبراً أن المنطقة ستكون «أكثر نقاط العالم استقراراً» من دون الوجود الأميركي.

وفد إيراني برئاسة علي باقري كني (وسط) يشارك في المنتدى الدولي الأول للأمن في موسكو (إ.ب.أ)

وأضاف باقري أنه «لا توجد أي مشكلة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودول الجوار»، قائلاً إن «مشكلة المنطقة حالياً هي تدخل الولايات المتحدة وحضور ونفوذ الصهاينة».

وقال إن الحرب الأخيرة أظهرت أن مضيق هرمز وفر مساراً لتهديد الأمن القومي الإيراني، مضيفاً أنه في مثل هذه الظروف «يحق لإيران، بوصفها دولة ذات سيادة مستقلة، أن تصون أمنها وسيادتها الوطنية، وألا تسمح بانتهاكهما أو تهديدهما».

واعتبر باقري أن السلام، في التصور الأميركي، يرتبط بـ«تأمين مصالحهم غير المشروعة». وأضاف أن الهجوم الأميركي على مدرسة في ميناب أظهر أن ادعاءات واشنطن بشأن حقوق الإنسان «كاذبة تماماً»، وأنها «لا تقيم أي قيمة للإنسان وحقوقه».

وفي السياق نفسه، قال رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي إن إيران لن تتراجع أمام تصريحات ترمب عن «خطوطها الحمراء»، مشيراً إلى حق التخصيب، وحيازة اليورانيوم المخصب، والسيادة على مضيق هرمز، ورفع العقوبات.

وأضاف عزيزي، في منشور على منصة «إكس» المحظورة في إيران، أن ترمب، في سعيه إلى مخرج من «المأزق الاستراتيجي»، يتنقل بين التهديد والدعوة إلى التوصل لاتفاق.

وكتب المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي أن إصرار ترمب، بعد كل مواجهة وما وصفه بـ«الرد الحاسم لـ(الحرس الثوري)»، على أنه لم يدخل حرباً مع إيران، يعكس «ضعف العدو وخشيته من العودة إلى الحرب».

ودعا رضائي الدبلوماسيين الإيرانيين إلى عدم ترك ما وصفه بـ«نقطة ضعف العدو»، وإلى فرض «المطالب القصوى» عليه في مسار التفاوض.

ترمب ينفي الاتفاق

جاءت تطورات فجر الخميس، بعدما قال ترمب مراراً إن الحرب تقترب من نهايتها، لكنه أبلغ الصحافيين في اجتماع لحكومته، الأربعاء، أنه غير راض عن المحادثات مع إيران، مضيفاً أن الولايات المتحدة لا تناقش تخفيف العقوبات، وهو أحد مطالب طهران.

ونفى ترمب تقريراً بثه التلفزيون الإيراني عن مسودة غير رسمية لاتفاق يهدف إلى إعادة حركة الملاحة التجارية عبر المضيق إلى مستويات ما قبل الحرب خلال شهر، على أن تتولى إيران وسلطنة عمان إدارة حركة المرور بشكل مشترك.

وأكد ترمب أنه لن تسيطر دولة بمفردها على الممر المائي، وبدا أنه يوجه تهديداً إلى عُمان، التي تربطها بالولايات المتحدة علاقات عسكرية واقتصادية منذ عقود.

وقال: «لن يسيطر أحد على المضيق... هذه مياه دولية، وسوف تتصرف عُمان مثل أي دولة أخرى، وإلا فسنضطر إلى قصفها. هم يستوعبون ذلك وسيكونون على ما يرام».

ولم تصدر عُمان أي تصريح بشأن فكرة السيطرة المشتركة على المضيق مع إيران، التي تقول إنها ناقشت معها حرية الملاحة. وعبّر بقائي عن تضامن إيران مع عُمان بعد ما وصفه بـ«تهديدات مسؤولين أميركيين».

واشنطن تفرض عقوبات

يشكل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل الحرب، إلى جانب تفكيك القدرات النووية الإيرانية والعقوبات، أبرز نقاط الخلاف في المحادثات الرامية إلى إنهاء الصراع.

ويخضع الممر المائي للقانون الدولي الذي يضمن للسفن الأجنبية حق المرور عبره، لكن إيران سعت منذ اندلاع الحرب إلى فرض ترتيبات جديدة لعبور السفن، فيما ردت واشنطن بحصار على الموانئ الإيرانية.

وأضافت وزارة الخزانة الأميركية «هيئة مضيق الخليج»، وهي الهيئة الإيرانية التي تأسست لإدارة المرور عبر المضيق، إلى قائمة الأشخاص والكيانات الخاضعة للعقوبات والتي تشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي.

وقال التلفزيون الإيراني الرسمي إن مسودة الاتفاق تنص أيضاً على انسحاب القوات الأميركية من المنطقة المحيطة بإيران، لكنه أشار إلى أن مسألة وجود القوات الأميركية في المنطقة تحتاج إلى مزيد من المناقشات. ونفى البيت الأبيض التقرير ووصفه بأنه «مختلق بالكامل».

ولم يتطرق تقرير التلفزيون الإيراني إلى برنامج طهران النووي، الذي تريد الولايات المتحدة تفكيكه. وقالت مصادر إيرانية إن المحادثات حول القضية النووية ستأتي في جولة ثانية من المفاوضات، وهو أمر قد لا يكون مقبولاً لدى بعض أقرب مؤيدي ترمب.

دبلوماسية تحت النار

لا تزال المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، تجري وسط تضارب بين التعثر المعلن وحديث عن اختراق ينتظر موافقة ترمب.

وهدد ترمب، مرة جديدة، الأربعاء، بمعاودة الحرب، قائلاً إن الإيرانيين «يريدون بشدة إبرام اتفاق. حتى الآن لم يتوصلوا إلى ذلك. نحن غير راضين» عن المقترحات المقدمة. وأضاف: «إما أن يحصل ذلك، وإما سيتعين علينا أن نحسم الأمر».

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن وزير الخارجية إسحق دار سيزور واشنطن، الجمعة، حيث سيلتقي نظيره الأميركي ماركو روبيو، في وقت تحاول فيه إسلام آباد التفاوض على اتفاق ينهي حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران بشكل دائم.

وقالت الوزارة إن دار وروبيو سيستعرضان العلاقات الثنائية، ويتبادلان الآراء حول التطورات الإقليمية والعالمية ذات الاهتمام المشترك.

من جهتها، حثت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الولايات المتحدة وإيران على عدم الانزلاق مجدداً نحو الصراع المسلح، ومواصلة الحوار.

وأضافت أن روسيا مستعدة للمساعدة في نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، لكنها شددت على أن موسكو «لا تفرض مبادرتها». ولم تقبل واشنطن عرض روسيا بشأن اليورانيوم المخصب، رغم أنه مطروح منذ شهور.

وفي مسار ضغط آخر، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات بحق شركتي طيران إيرانيتين، تشمل منع وصولهما إلى مهابط الطائرات والتزود بالوقود وبيع التذاكر.

اختراق ينتظر ترمب

في موازاة التصعيد قرب هرمز، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين ومصدر إقليمي مشارك في الوساطة أن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين توصلوا إلى اتفاق بشأن مذكرة تفاهم مدتها 60 يوماً، لتمديد وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، لكن الاتفاق لا يزال ينتظر موافقة الرئيس دونالد ترمب النهائية.

وإذا وقع ترمب مذكرة التفاهم فإنه سيكون أهم اختراق دبلوماسي منذ بدء الحرب، لكنه لن ينهي الملفات الأشد تعقيداً؛ إذ ستحتاج مطالب ترمب النووية إلى جولة مفاوضات مكثفة لاحقة. وقال مسؤولون أميركيون إن شروط الاتفاق أُنجزت في معظمها بحلول الثلاثاء، لكن الجانبين كانا لا يزالان بحاجة إلى موافقة القيادة العليا.

وذكر المسؤولون أن الإيرانيين عادوا لاحقاً وأبلغوا الوسطاء بأنهم حصلوا على الموافقات اللازمة ومستعدون للتوقيع، لكن طهران لم تؤكد ذلك.

وفي المقابل، أطلع المفاوضون الأميركيون ترمب على تفاصيل الاتفاق النهائي، غير أنه لم يمنح موافقته فوراً، وقال مسؤول أميركي إن الرئيس أبلغ الوسطاء بأنه يريد «بضعة أيام للتفكير في الأمر».

ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في غرفة الاجتماعات بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)

وتنص مذكرة التفاهم، وفق «أكسيوس»، على أن تكون الملاحة عبر مضيق هرمز «غير مقيدة»، بما يعني، حسب مسؤول أميركي، عدم فرض رسوم أو مضايقات على السفن، وإزالة إيران جميع الألغام من المضيق خلال 30 يوماً. كما يُرفع الحصار البحري الأميركي بالتناسب مع استئناف حركة الملاحة التجارية.

وقال التلفزيون الرسمي الإيراني إن مسودة الاتفاق تنص أيضاً على انسحاب القوات الأميركية من المنطقة المحيطة بإيران، لكنه أشار إلى أن مسألة وجود القوات الأميركية في المنطقة تحتاج إلى مزيد من المناقشات. ونفى البيت الأبيض التقرير ووصفه بأنه «مختلق بالكامل»، ولم تعلق طهران على الأمر.

وتتضمن المذكرة، وفق «أكسيوس»، التزاماً إيرانياً بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، على أن تكون أولى القضايا المطروحة خلال مهلة الستين يوماً كيفية التخلص من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وكيفية التعامل مع مسألة التخصيب.

وقالت مصادر إيرانية إن القضية النووية ستناقش في محادثات لاحقة على مدى 60 يوماً، وهو أمر قد لا يلقى قبولاً لدى بعض أقرب مؤيدي ترمب، الذين يطالبون بتفكيك البرنامج النووي الإيراني. وتؤكد إيران أن البرنامج مخصص للأغراض السلمية فقط.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في اجتماع الحكومة: «خلاصة القول هي أن إيران لن تمتلك أبداً سلاحاً نووياً».

كما تلتزم واشنطن، وفق التقرير، بمناقشة تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إلى جانب بحث آلية تساعد إيران على بدء تلقي السلع والمساعدات الإنسانية.