الولايات المتحدة تواجه فراغاً تشريعياً غير مسبوق

رئيس مجلس النواب المعزول يغادر محذراً من «انهيار المؤسسة»

كيفين مكارثي لن يترشح مجدداً لرئاسة مجلس النواب (إ.ب.أ)
كيفين مكارثي لن يترشح مجدداً لرئاسة مجلس النواب (إ.ب.أ)
TT

الولايات المتحدة تواجه فراغاً تشريعياً غير مسبوق

كيفين مكارثي لن يترشح مجدداً لرئاسة مجلس النواب (إ.ب.أ)
كيفين مكارثي لن يترشح مجدداً لرئاسة مجلس النواب (إ.ب.أ)

استيقظت الولايات المتحدة على وقع صدمة تاريخية زعزعت أسس الحكم الأميركي، وجرّدت رئيس مجلس النواب من منصبه لأول مرة في التاريخ، مخلّفة فراغاً تشريعياً غير مسبوق وجروحاً حزبية من الصعب أن تندمل في أي وقت قريب.

فمن أوصل رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفين مكارثي إلى منصبه أخرجه منه بالطريقة نفسها، عبر إحراجه شخصياً وتعطيل المجلس تشريعياً.

وغادر مكارثي، الذي وصل إلى رئاسة المجلس بعد عملية شد حبال طويلة مع الوجوه نفسها التي دفعته لإخلاء منصبه، مقهوراً، مبنى الكونغرس ليل الثلاثاء - الأربعاء بعد هزيمة تاريخية حفرت اسمه في التاريخ الأميركي بوصفه أول رئيس مجلس نواب يعزله زملاؤه.

ومع خروجه، يترك المجلس في فراغ تشريعي بانتظار اختيار بديل يحظى بأغلبية الأصوات التي لم يتمكن من حصدها، وهذا البديل غير موجود حتى الساعة. لذلك رفع مجلس النواب جلساته حتى يوم الثلاثاء المقبل على أمل العثور على وجه توافقي.

ستيف سكاليز يصل إلى اجتماع لنواب الحزب الجمهوري في مبنى الكابيتول ليلة الثلاثاء - الأربعاء (رويترز)

وجوه بديلة

بمجرد أن امتص الجمهوريون الداعمون لمكارثي وقع صدمة عزله سارعوا إلى محاولة احتوائها عبر النظر في احتمالات بديلة قادرة على وقف النزيف الداخلي في الحزب ودمل جرح الانقسامات فيه، وبرز اسم ستيف سكاليز، أحد القيادات الجمهورية الحالية، الذي بدا فعلياً بجس نبض المشرعين للتحقق من مدى الدعم الموجود له. ولعلّ العائق الأبرز الذي يواجه النائب المحافظ عن ولاية لويزيانا هو وضعه الصحي، إذ تم تشخيصه مؤخراً بسرطان الدم وهو يخضع حالياً لعلاج بالأشعة. لكنه أكد لدى سؤاله هذا الأسبوع أن صحته جيدة.

وسكاليز ليس الاسم الوحيد المطروح، إذ تتردد أسماء أخرى كجيم جوردان، رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب، وأحد أشرس المدافعين عن الرئيس السابق دونالد ترمب، إضافة إلى توم إيمير وهو من القيادات الجمهورية، وكيفين هيرن النائب عن ولاية أوكلاهوما. ولم يتردد بعض النواب في طرح اسم ترمب بديلاً، خاصة أن قوانين المجلس لا تتطلب أن يكون رئيسه نائباً، فقال النائب عن ولاية تكساس تروي نيلز: «كيفين مكارثي لن يترشح مجدداً للرئاسة. أرشح دونالد ترمب لرئاسة مجلس النواب».

النائب مات غايتس نجح في الإطاحة بمكارثي (رويترز)

نفوذ مصطنع؟

خيار مستبعد لكنه يدل على عدم وجود مسار واضح أمام الجمهوريين لاحتواء الانقسامات التي تتعمق يوماً بعد يوم فيما بينهم. فالنفوذ الذي مكّن نائباً واحداً، مثل مات غايتس، من عزل مكارثي، خير دليل على تنامي تأثير الشق الجمهوري المتشدد في الحزب، وتعطيله مساراً تشريعياً أساسياً في نظام الحكم الأميركي.

إلا أن هذا النفوذ لم يكن ممكناً من دون مباركة مكارثي الذي سلّم غايتس والمجموعة الصغيرة التي عارضت وصوله إلى رئاسة المجلس في يناير (كانون الثاني) الماضي، مفتاح عزله من خلال التوصل إلى تسوية معهم تضمن فوزه، لكنها لا تضمن بقاءه.

ولهذا السبب كانت أول نصيحة تفوّه بها رئيس المجلس المعزول لخلفه المنتظر بعد خسارته: «يجب أن تغيّر القواعد»، وذلك في إشارة إلى قاعدة العزل التي أدت إلى مغادرته منصبه بعد أقل من 9 أشهر على تسلمه، بسبب معارضة 8 أعضاء فقط من حزبه له، من أصل 221 جمهورياً.

وتحدث النائب الجمهوري دون بيكون عن هذه المعادلة، محذراً: «كل ما يحتاجه الأمر هو 218 صوتاً، أي أن هؤلاء الـ8 الذين لا يمكن التحكم بهم سوف يستمرون بالتحكم برئيس المجلس ويقومون بالأمر نفسه الذي فعلوه مع كيفين...».

استراتيجية ديمقراطية و«خيانة بيلوسي»

ولعلّ المفارقة الأهم في معادلة العزل هذه، هي أن الجمهوريين الـ8 المعارضين، استمدوا قوتهم من الحزب الديمقراطي الذي رفض إنقاذ مكارثي، وتوحد كل أعضائه للتصويت ضده.

وقال زعيمهم حكيم جيفريز: «إنها مسؤولية الجمهوريين لإنهاء الحرب الأهلية الجمهورية»، مشيراً إلى سلسلة من الاعتراضات على أداء مكارثي؛ أبرزها دعمه ادعاءات ترمب بوجود تزوير في الانتخابات، وتصرفاته بعد أحداث اقتحام الكابيتول في السادس من يناير 2021.

وجلس الديمقراطيون بصمت في قاعة المجلس وهم يراقبون هذا الاقتتال الجمهوري، معولين على أن تعطيهم هذه المشاهد دفعاً لدى الناخب الأميركي لانتزاع الأغلبية من الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة.

لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مخاطر، فهي تترك مجلس النواب معطلاً حتى انتخاب رئيس له، مع احتمال أن يكون الرئيس الجديد أكثر تشدداً من مكارثي، الأمر الذي سيعرقل بنوداً كثيرة على أجندة البيت الأبيض من تمويل المرافق الحكومية إلى إقرار مشاريع اقتصادية، وصولاً إلى تمويل الحرب في أوكرانيا.

فرغم تحفظات الديمقراطيين بشأن مكارثي فإنه تمكن خلال فترة رئاسته من تسليمهم معظم هذه البنود، آخرها إقرار تمويل المرافق الحكومية بشكل مؤقت رغم معارضة غايتس ومناصريه له، وهو فعلياً ما أدى إلى عزله.

ولم يتحفظ رئيس المجلس المعزول عن انتقاد خصومه السياسيين، فلمّح في مؤتمر صحافي عقده بعد التصويت على عزله، إلى أن رئيسة المجلس السابقة نانسي بيلوسي ضللته عندما وعدته بدعمه في حال سعى معارضوه إلى عزله. وقال مكارثي بلهجة ظهرت عليها الخيبة: «لقد كنت في هذه الغرفة عندما وعدتني... ما حصل هو قرار سياسي من قبل الديمقراطيين وأعتقد أن ما فعلوه في السابق آذى هذه المؤسسة، وتقييمي هو أن هذه المؤسسة انهارت اليوم لأنها لا تستطيع القيام بواجبها، إذا تمكن 8 أشخاص فقط من التحالف مع الحزب المعارض لفعل هذا... كيف يمكن للمؤسسة أن تحكم؟».

كيفين مكارثي يتحدث للصحافيين ليلة الثلاثاء - الأربعاء بعد التصويت على عزله رئيساً لمجلس النواب (إ.ب.أ)

فراغ تشريعي غير مسبوق

وبانتظار اختيار وجه جديد لرئاسة المجلس، يدخل مجلس النواب في فراغ تشريعي غير مسبوق، لن تتضح معالمه ولا تأثيره في أي وقت قريب.

فهذه المرحلة التي تعيشها الولايات المتحدة، تجريبية بامتياز، وتاريخيتها تعني أن الكونغرس بشكل خاص وأميركا بشكل عام لم يختبرا أمراً من هذا القبيل في السابق طوال فترة تأسيس المجلس التشريعي منذ 234 عاماً.

ما هو واضح حالياً هو أن مجلس النواب في حالة جمود تشريعي تام باستثناء عملية التصويت لانتخاب رئيس. فلا يمكنه عقد جلسات للتصويت على تمويل الحكومة، أو تمويل أوكرانيا أو حتى الاستمرار بجلسات استماع عزل الرئيس الحالي جو بايدن حتى تنصيب رئيس جديد له.

وتحدث النائب أندي بار عن هذا الفراغ فقال في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «إنه يوم حزين للحزب الجمهوري لأن كل يوم يمر من دون رئيس للمجلس هو يوم لا يمكننا أن نعقد فيه جلسات للعزل. وهو يوم لا نستطيع فيه أن نُقر تمويلاً محافظاً. وهو يوم لا نستطيع فيه السعي لتأمين حدودنا».

وفي خضم هذه المعمعة التشريعية، تواجه الولايات المتحدة سلسلة من التحديات المقبلة التي تحتاج إلى تكاتف الحزبين لتخطيها؛ أبرزها تمويل المرافق الحكومية الذي سينتهي في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بالإضافة إلى تمويل أوكرانيا الذي يدفع البيت الأبيض ومجلس الشيوخ لإقراره بأسرع وقت ممكن. وقد اختصر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في النواب الجمهوري مايكل مكول المشهد، فوصف عزل مكارثي بـ«الصادم»، مشيراً إلى أن مغادرته ستنعكس سلباً على أوكرانيا وعلى صورة أميركا في الخارج.

حقائق

تركيبة مجلس النواب اليوم

الجمهوريون: 221 مقعداً

الديمقراطيون: 212 مقعداً

مقعدان شاغران

«حرب أهلية» جمهورية و«فرصة» ديمقراطية

مجلس النواب خلال التصويت على عزل مكارثي (رويترز)

بهذه الكلمات، وصف زعيم الديمقراطيين حكيم جيفريز مشهد الاقتتال الجمهوري، مضيفاً أن «إنهاء الحرب مسؤوليتهم».

لكن هذه الحرب ليست وليدة اليوم، بل بدت معالمها واضحة في جلسات انتخاب رئيس مجلس النواب في يناير، التي تطلبت 15 جولة تصويت قبل إنهائها وتنصيب مكارثي رئيساً للمجلس.

حينها لعب الرئيس السابق دونالد ترمب دوراً أساسياً في رأب الصدع وحشد الصف الجمهوري وراء مكارثي، داعياً حليفه المقرب مات غايتس حينها للتصويت لصالح «صديقه» مكارثي رغم العلاقة المضطربة بين الرجلين التي وصلت إلى ذروة اضطرابها بعد اقتحام الكابيتول، ليعود مكارثي ويتودد إلى الرئيس السابق خلال زيارة له في مقر إقامته في مارالاغو بفلوريدا.

ورغم هذا الدور الإيجابي لترمب حينها، فإن الرئيس السابق معروف بتحديه المتزايد للتقاليد الجمهورية، وخير دليل على ذلك رفضه المشاركة في المناظرات الرئاسية الجمهورية، وإصراره على عدم التوقيع على تعهد بدعم مرشح الحزب. تصرفات يقول البعض إنها تحفّز داعميه في الحزب، كغايتس، على تحدي المنظومة التقليدية التي وضعها الحزب الجمهوري منذ تأسيسه.

ولعلّ ما يشجع «متحدي المنظومة» هو استطلاعات الرأي التي تظهر ترمب في المقدمة رغم كل التحديات التي اختلقها من جهة وواجهها من جهة أخرى، بالإضافة إلى كمية التبرعات الهائلة التي يحصلون عليها مع كل تحدٍّ. وقد عوّل غايتس على هذه التبرعات في سلسلة من الرسائل الإلكترونية التي وجهها لمناصريه، مسلطاً الضوء على دوره في عزل مكارثي، وطالباً منهم تمويل حملته الانتخابية. وهو أمر أثار حفيظة الجمهوريين كحاكم الولاية التي يمثلها رون ديسانتس، الذي قال: «عندما تتخذ قراراً بالتصرف، يجب أن يكون هذا مرتكزاً على أن القرار صائب. ولا يجب التصرف بهدف الحصول على تبرعات...».

وفي ظل هذه التجاذبات والانشقاقات الجمهورية، يتململ الجمهوريون قلقين من أن يؤدي الاقتتال إلى تنصيب زعيم الديمقراطيين حكيم جيفريز رئيساً للمجلس.

احتمال بسيط لكنه وارد، فرئيس المجلس يحتاج للأغلبية لوصوله إلى سدة الرئاسة، هذا يعني أن غياب توافق جمهوري، وانقسام الأصوات لصالح عدد من المرشحين قد يؤدي في نهاية المطاف إلى فوز جيفريز بالأغلبية في ظل وحدة الصف الديمقراطي، ليشكل الأمر في حال حصوله سابقة تاريخية، في عهد محكوم بالسوابق.

مكارثي: الرئيس المعزول

كيفين مكارثي

يبلغ من العمر 58 عاماً

في 7 يناير 2023 انتُخب رئيساً لمجلس النواب بعد 15 جولة من التصويت

نائب عن ولاية كاليفورنيا منذ عام 2007

2019-2023 زعيم الأقلية الجمهورية

2014-2019 زعيم الأغلبية الجمهورية

انتخاب رئيس مجلس النواب

يتم في اليوم الأول من انعقاد المجلس الجديد في بداية يناير

يتم كذلك في حالة وفاة أو استقالة أو إقالة رئيس المجلس

ليس بالضرورة أن يكون نائباً

يقرر كل حزب مرشحه في اجتماع مسبق

على المرشح أن يحصل على أغلبية بسيطة

في حال لم يفز المرشح بالأغلبية، تُعقد جلسات تصويت متتالية حتى يتم اختيار رئيس للمجلس

حقائق

آلية عزل رئيس المجلس

بناء على اتفاق بين مكارثي ومعارضيه، يمكن لأي نائب طرح مشروع لعزل رئيس المجلس

يتطلب العزل الأغلبية البسيطة الحاضرة

صلاحيات رئيس مجلس النواب

الكونغرس الأميركي يواجه فراغاً تشريعياً (أ.ب)

*هو الثاني لاستلام الرئاسة بالتراتبية

*الزعيم الفعلي لحزب الأغلبية بالمجلس

*لا يشارك في عضوية أي من اللجان الدائمة

*يحق له التصويت على مشاريع القوانين والمشاركة في المناقشات

*راتبه السنوي: 223,500$

مات غايتس «الثائر»

*يبلغ من العمر 41 عاماً

*يمثل ولاية فلوريدا في مجلس النواب منذ عام 2017

*درس المحاماة

*في عام 2020 تم اتهامه بتجاوزات أخلاقية مع قاصرات

*وزارة العدل قررت عدم توجيه التهم بحقه، لكن لجنة النزاهة في النواب مستمرة بالتحقيق في ممارساته

*صوّت لدعم ترشيح ترمب للفوز بجائزة نوبل للسلام بسبب دوره في المحادثات مع كوريا الشمالية

النائب باتريك مكهنري... حليف مقرّب من مكارثي الذي اختاره لتسيير جلسات انتخاب رئيس للمجلس (غيتي - أ.ف.ب)

باتريك مكهنري: الرئيس المؤقت الذي «انتقم» من بيلوسي

*نائب عن ولاية كارولاينا الشمالية

*مقرّب من مكارثي الذي اختاره لتسيير جلسات انتخاب رئيس للمجلس

*بعد رفع جلسات المجلس، أمر مكهنري بيلوسي وزعيم الديمقراطيين السابق في النواب ستيني هوير بإخلاء مكتبيهما في مبنى الكابيتول الأساسي

*صلاحياته تقتضي الإشراف على جلسات التصويت لانتخاب رئيس للمجلس، بالإضافة إلى رفع جلسات التصويت أو تأجيلها.


مقالات ذات صلة

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)

انقسام حزبي حول «آيس» يُعمّق أزمة المطارات الأميركية ويُعرقل التسوية

يعوّل الديمقراطيون على استمرار وحدة صفهم في مواجهة تصاعد الضغوط لإنهاء الإغلاق الجزئي، الذي بدأ منتصف الشهر الماضي بسبب اعتراضهم على ممارسات «آيس».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفراجة في تمويل وزارة الأمن القومي الأميركية

بدأت بوادر الحلحلة تظهر في أزمة تمويل وزارة الأمن القومي، فبعد أن انعكست آثارها على المطارات الأميركية يبدو أن ترمب غيّر من موقفه الرافض للتسوية مع الديمقراطيين

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مسافرون ينتظرون في مطار أتلانتا في 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أزمة في المطارات الأميركية مع غياب التمويل

أدى الإغلاق الجزئي إلى طوابير طويلة في مطارات أميركا، بسبب غياب عدد من موظفي الأمن هناك، إثر تخلف الحكومة عن تسديد رواتبهم، بينما أعلن ترمب عن نشر عناصر «آيس».

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب لدى استقبال رفات عناصر القوات الأميركية الذين قضوا في حرب إيران يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

تحليل إخباري استقالة جدلية وتباين استخباراتي يشعلان الجدل حول حرب إيران في واشنطن

تتفاقم حدّة الضغوط الداخلية التي تواجهها إدارة الرئيس دونالد ترمب، وسط تزايد احتمالات التصعيد الميداني مع إيران، ونشر قوات إضافية إلى المنطقة.

رنا أبتر (واشنطن)

من إسقاط النظام إلى النفط واليورانيوم… كيف تغيّرت أهداف ترمب في الحرب؟

ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء 26 مارس الحالي (إ.ب.أ)
ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء 26 مارس الحالي (إ.ب.أ)
TT

من إسقاط النظام إلى النفط واليورانيوم… كيف تغيّرت أهداف ترمب في الحرب؟

ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء 26 مارس الحالي (إ.ب.أ)
ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء 26 مارس الحالي (إ.ب.أ)

بعد أكثر من شهر على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت ملامح تحول واضح في أهداف الحرب التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

فبينما ركزت الخطابات الأولى للإدارة الأميركية على دعم المتظاهرين الإيرانيين وإسقاط النظام في طهران، تشير التصريحات والتطورات الميدانية الأخيرة إلى أن أولويات واشنطن أصبحت أكثر براغماتية، وتتمحور حول ثلاثة ملفات رئيسية: ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، تحييد البرنامج النووي الإيراني، واستخدام النفط الإيراني ورقةَ ضغطٍ استراتيجية في أي تسوية محتملة، إلى جانب السعي لإبرام اتفاق مع طهران يمنح الإدارة الأميركية ما تصفه بـ«انتصار استراتيجي».

وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بلهجة حادة عبر منصة «تروث سوشيال»، صباح الاثنين، بأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريب، وإذا لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة، فإن الولايات المتحدة قد تستهدف البنية التحتية الحيوية في إيران، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج، وربما محطات تحلية المياه.

وأوضح أن العمليات العسكرية الحالية تعمدت تجنب استهداف هذه المنشآت، لكنه أشار إلى أن ضربها قد يصبح خياراً مطروحاً إذا استمرت طهران في تحدي المطالب الأميركية.

ويرى محللون أن هذا التحوّل يعكس انتقال الإدارة الأميركية من خطاب سياسي واسع إلى أهداف استراتيجية أكثر تحديداً، مرتبطة بأمن الطاقة ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، إضافة إلى ممارسة ضغوط عسكرية واقتصادية تدفع طهران إلى التفاوض.

تراجع فكرة إسقاط النظام

أحد أفراد قوات الأمن الإيرانية يقف حارساً بجوار لافتة للزعيم الإيراني السابق علي خامنئي في طهران 30 مارس الحالي (إ.ب.أ)

عندما أعلن ترمب في 28 فبراير (شباط) بدء الضربات الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، قدَّم مبررات متعددة للحرب، كان أبرزها دعم الشعب الإيراني في مواجهة النظام الحاكم. وقال آنذاك إن الضربات تمثل «أعظم فرصة للشعب الإيراني لاستعادة بلاده»، داعياً الجنود الإيرانيين إلى إلقاء السلاح والانضمام إلى المحتجين.

كما أكد في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست» أن هدفه الأساسي هو «الحرية للشعب الإيراني»، في إشارة إلى الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية. لكن مع استمرار العمليات العسكرية، بدأ الحديث عن الاحتجاجات يتراجع تدريجياً في تصريحات ترمب ومسؤولي إدارته.

وقال كريم سجادبور، الباحث في مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي لشبكة «سي إن إن»، إن الخطاب الأميركي في الأيام الأولى للحرب كان يحمل طابعاً ثورياً، لكنه سرعان ما اصطدم بالواقع السياسي داخل إيران. وأضاف أن «الرهان على انتفاضة داخلية سريعة لإسقاط النظام لم يتحقق؛ ما دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها».

ففي الأيام الأولى للحرب، صعّد ترمب خطابه إلى مستوى غير مسبوق، مطالباً إيران بما وصفه بـ«الاستسلام غير المشروط»، وكتب على منصاته الاجتماعية، إن الولايات المتحدة ستعمل لاحقاً على اختيار قيادة جديدة لإيران، في إشارة واضحة إلى تغيير النظام. لكن هذا الطرح بدأ يتراجع تدريجياً مع تركيز المسؤولين الأميركيين على أهداف عسكرية أكثر تحديداً.

وقال دينيس روس، الدبلوماسي الأميركي السابق، إن إدارة ترمب أدركت سريعاً أن تغيير النظام في إيران ليس هدفاً يمكن تحقيقه بسهولة عبر القوة العسكرية. وأضاف في تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن واشنطن انتقلت من خطاب إسقاط النظام إلى استراتيجية الضغط لإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية.

ورغم ذلك، حاول ترمب في تصريحاته الأخيرة تصوير الحرب على أنها حققت بالفعل تحولاً سياسياً داخل إيران؛ إذ قال للصحافيين مساء الأحد، إن العمليات العسكرية أدت بالفعل إلى تغيير في النظام الإيراني، واصفاً القادة الحاليين بأنهم «أكثر عقلانية»، ومؤكداً في الوقت نفسه أنه يسعى إلى إبرام اتفاق معهم.

مضيق هرمز أولوية اقتصادية

خريطة لمضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران (رويترز)

مع تصاعد التوتر في الخليج وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، برز هذا الممر البحري الحيوي كأولوية قصوى لدى الإدارة الأميركية. ويعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ إذ يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.

وهدَّد ترمب مراراً بتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران إذا لم يتم فتح المضيق بالكامل أمام الملاحة مرة أخرى، مؤكداً أن الولايات المتحدة «ستضمن التدفق الحر للطاقة إلى العالم مهما كان الثمن».

ويرى ريتشارد فونتين، رئيس مركز الأمن الأميركي الجديد، في تحليل نشره المركز، أن أمن الطاقة أصبح في صدارة حسابات الإدارة الأميركية، مشيراً إلى أن إغلاق المضيق يشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد الأميركي والعالمي.

لكن واشنطن لم تتمكن حتى الآن من تشكيل تحالف دولي واسع لحماية الملاحة في المضيق. كما أخفق ترمب في حشد دول حلف «ناتو» للمشاركة في التحالف البحري الذي اقترحه، ووجّه انتقادات حادة لبعض الحلفاء الأوروبيين الذين وصفهم بأنهم «مترددون وجبناء».

وفي الوقت نفسه، أظهر ترمب قدراً من المرونة في تصريحاته الأخيرة، مشيداً بما وصفه «بادرة إيجابية» من إيران بعد السماح بمرور عدد من ناقلات النفط عبر المضيق، وقال إن عددها ارتفع الآن إلى عشرين ناقلة، عادَّاً ذلك إشارة إلى إمكانية التهدئة.

اليورانيوم المخصب هدف استراتيجي

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

إلى جانب قضية الملاحة في الخليج، تركز واشنطن بشكل متزايد على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي يمثل العنصر الأكثر حساسية في برنامجها النووي.

وتشير تقديرات أميركية إلى أن إيران تمتلك نحو 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، وهو مستوى يقترب من العتبة اللازمة لإنتاج سلاح نووي. وقال مارك دوبويتز، مدير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، لـ«الشرق الأوسط» إن القضاء على مخزون اليورانيوم المخصب هو الهدف الاستراتيجي الأكثر وضوحاً للحرب - بجانب فتح مضيق هرمز - لأن إزالة هذه المواد قد تؤخر البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

لكن خبراء عسكريين يحذّرون من أن أي محاولة للسيطرة على هذه المواد داخل الأراضي الإيرانية قد تتطلب نشر قوات برية كبيرة؛ وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد خطير وقد تضطر القوات الأميركية إلى البقاء داخل الأراضي الإيرانية لفترة من الزمن لتأمين المواقع ونقل المواد النووية.

الصواريخ الباليستية ووكلاء إيران

صواريخ إيرانية معروضة في أحد المتنزهات بالعاصمة طهران 26 مارس الحالي (رويترز)

إلى جانب البرنامج النووي، تسعى الإدارة الأميركية أيضاً إلى تقليص قدرات إيران في مجال الصواريخ الباليستية والحد من دعمها لوكلائها في المنطقة.

ففي أول تعليق له بعد بدء الضربات العسكرية، قال ترمب إن إيران كانت تعمل على تطوير صواريخ قد تصل إلى الأراضي الأميركية، وهو ادعاء لم تؤكده تقارير استخباراتية علنية. لكن وزير الخارجية ماركو روبيو قال إن إيران تنتج نحو 100 صاروخ باليستي شهرياً، عادَّاً أن هذه الترسانة تمثل تهديداً متزايداً.

وأُدرجت هذه القضايا ضمن قائمة المطالب الأميركية التي قدمتها واشنطن إلى طهران عبر وسطاء إقليميين، وتشمل قيوداً على البرنامج الصاروخي وتقليص تمويل الحلفاء الإقليميين.

النفط الإيراني ورقة ضغط

شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)

في الأسابيع الأخيرة، برز عنصر جديد في خطاب الإدارة الأميركية، يتمثل في استخدام النفط الإيراني ورقةَ ضغطٍ رئيسية في الصراع.

وأشار ترمب تحديداً إلى جزيرة خرج، التي تُعدّ مركز تصدير النفط الرئيسي في إيران، بصفتها هدفاً محتملاً للسيطرة أو الحصار. وقال الرئيس الأميركي في مقابلة مع صحيفة «الفاينانشال تايمز» البريطانية، إن الولايات المتحدة قد «تأخذ النفط الإيراني»، مضيفاً أن «الشيء المفضل لدي بصراحة هو أن نأخذ النفط في إيران».

ويرى محللون أن الهدف من هذا الطرح هو حرمان طهران من أهم مصادر دخلها الاقتصادي؛ كون أن النفط يمثل نقطة الضعف الأساسية في الاقتصاد الإيراني، وأن السيطرة على صادراته قد تمنح واشنطن نفوذاً كبيراً في أي مفاوضات مستقبلية.

وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن الحرب الأميركية ضد إيران دخلت مرحلة جديدة تختلف كثيراً عن الخطاب الأول الذي رافق اندلاعها.

فبدلاً من التركيز على إسقاط النظام عبر دعم الاحتجاجات الداخلية، أصبحت أهداف واشنطن أكثر ارتباطاً بالمصالح الاستراتيجية المباشرة، وعلى رأسها أمن الطاقة والبرنامج النووي الإيراني.

ويرى مراقبون أن هذه المقاربة قد تعكس محاولة من إدارة ترمب لتحقيق «انتصار استراتيجي محدود» يسمح لها بإنهاء الحرب عبر اتفاق سياسي، من دون الانجرار إلى صراع طويل في الشرق الأوسط.


ترمب يسمح لناقلة نفط روسية بالرسو في كوبا «المنتهية»

ناقلة النفط «سي هورس» التي ترفع علم هونغ كونغ راسية قبالة سواحل بويرتو كابيلو بفنزويلا في انتظار السماح لها بالدخول إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة النفط «سي هورس» التي ترفع علم هونغ كونغ راسية قبالة سواحل بويرتو كابيلو بفنزويلا في انتظار السماح لها بالدخول إلى كوبا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يسمح لناقلة نفط روسية بالرسو في كوبا «المنتهية»

ناقلة النفط «سي هورس» التي ترفع علم هونغ كونغ راسية قبالة سواحل بويرتو كابيلو بفنزويلا في انتظار السماح لها بالدخول إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة النفط «سي هورس» التي ترفع علم هونغ كونغ راسية قبالة سواحل بويرتو كابيلو بفنزويلا في انتظار السماح لها بالدخول إلى كوبا (أ.ف.ب)

في خطوة رحبت بها موسكو، رست ناقلة نفط روسية في كوبا بعدما أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أنه «لا يمانع» في دخولها إلى الجزيرة المتعطشة لمصادر الطاقة، بعد أشهر من الحصار النفطي الخانق الذي تفرضه الولايات المتحدة.

وقطعت الولايات المتحدة صادرات النفط من فنزويلا إلى كوبا، بعد إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي. وعلى الأثر، هدد ترمب بفرض رسوم جمركية عقابية على أي دولة أخرى ‌ترسل النفط ‌الخام إلى كوبا.

وقال الرئيس ترمب في طريق عودته إلى واشنطن: «لدينا ناقلة هناك. لا مانع لدينا من وصول شحنة نفطية إلى أي جهة لأنهم بحاجة إليها... عليهم أن يبقوا على قيد الحياة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وعندما سُئل عن التقارير بشأن السماح للناقلة الروسية «أناتولي كولودكين»، بالوصول إلى كوبا، أجاب: «أخبرتهم، إذا أرادت أي دولة إرسال بعض النفط إلى كوبا الآن، فلا مانع لدي سواء كانت روسيا أو غيرها». وقلّل من شأن الفائدة التي ستعود على كوبا، وقال: «لن يكون لذلك أي تأثير، فكوبا انتهت. لديهم نظام سيئ، وقيادة فاسدة للغاية. وسواء وصلت إليهم شحنة نفط أم لا، فلن يُغير ذلك شيئاً».

غاية ترمب

وكانت الناقلة، التي تحمل ما يقدر بنحو 730 ألف برميل من النفط وتملكها الحكومة الروسية، لا تزال على مسافة أميال من المياه الإقليمية الكوبية مساء الأحد، بحسب شركة «مارين ترافيك» المتخصصة في بيانات السفن. وبسرعتها البالغة 12 عقدة، كان متوقعاً أن تصل إلى وجهتها المتوقعة في ماتانزاس، كوبا، بحلول مساء الاثنين.

أرشيفية للرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يرفع علم بلاده بجوار سلفه راؤول كاسترو وحفيده غييرمو رودريغيز كاسترو في ساحة الثورة بهافانا (أ.ب)

ويخنق الحصار النفطي كوبا، مسبباً انقطاعات يومية للتيار الكهربائي، ونقصاً حاداً في الغاز، وارتفاعاً كبيراً في الأسعار، وتدهوراً في الرعاية الصحية. ولاقت هذه السياسة انتقادات دولية، بما في ذلك من الأمم المتحدة، التي ترى أن الولايات المتحدة تُسبّب أزمة إنسانية. في الوقت نفسه، هدد مسؤولون في البيت الأبيض الحكومة الكوبية علناً، بينما ضغطوا عليها سراً لإزاحة رئيسها ميغيل دياز كانيل.

وكان ترمب عبر هذا الشهر عن اعتقاده بأنه «سيحظى بشرف الاستيلاء على كوبا»، ملمحاً إلى إمكانية استهداف الجزيرة بالقوة العسكرية بعد الحرب الإيرانية. وقال الجمعة: «بنيت هذا الجيش العظيم، وقلتُ: لن تضطروا لاستخدامه أبداً. ولكن في بعض الأحيان، لا بد من استخدامه. وكوبا هي الهدف التالي، بالمناسبة».

وصرح وزير الخارجية ماركو روبيو، بأن البيت الأبيض يريد قادة جدداً في كوبا. وقال: «يحتاج اقتصاد كوبا إلى التغيير، ولن يتغير اقتصادها ما لم يتغير نظام حكمها».

أميركيون يلوحون بأعلام أميركية وكوبية خلال مرور موكب الرئيس دونالد ترمب المتوجه إلى مطار «بالم بيتش الدولي» بفلوريدا - 29 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وأفاد محللون بأن وصول السفينة الروسية سيغير مسار الأزمة المتفاقمة في كوبا، وسيخفف الضغط على حكومة الرئيس ميغيل دياز كانيل، التي تواجه انهياراً اقتصادياً وشيكاً وتهديدات متصاعدة من واشنطن.

وأفاد مسؤول أميركي طلب عدم نشر اسمه، بأن خفر السواحل الأميركي لديه سفينتان في المنطقة كان يمكنهما اعتراض الناقلة الروسية. غير أن الإدارة لم تُصدر أوامر بالتحرك ضد الناقلة.

تجاذبات مع روسيا

لم يتضح سبب عدم إصدار البيت الأبيض أوامر بمنع الناقلة، أو ما إذا كان سيسمح بوصول شحنات النفط الروسية المستقبلية إلى الجزيرة. ويُجنب هذا القرار مواجهة شائكة مُحتملة مع روسيا قبالة سواحل فلوريدا.

ولطالما كانت كوبا محور صراع جيوسياسي بين الولايات المتحدة وروسيا، يمتد لعقود.

كوبيون يتجمعون للحصول على الماء من صهريج وسط انقطاع إمدادات الماء جراء أزمة الطاقة بهافانا - 19 مارس 2026 (رويترز)

وكشف الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الاثنين، أن روسيا ناقشت سابقاً شحنة النفط إلى كوبا مع الولايات المتحدة. وقال: «ترى روسيا أنه من واجبها ألا تقف مكتوفة؛ بل أن تقدم المساعدة اللازمة لأصدقائنا الكوبيين».

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت شحنات روسية أخرى، أجاب: «في الوضع اليائس الذي يجد الكوبيون أنفسهم فيه الآن، لا يمكننا بالطبع أن نبقى غير مبالين، لذا سنواصل العمل على هذا الأمر».

وأصدرت السفارة الروسية في المكسيك بياناً قالت فيه: «تُعبر روسيا عن تضامنها الكامل مع كوبا، وتعتبر كل القيود المفروضة عليها غير شرعية، بما في ذلك تلك المتعلقة بإمدادات الطاقة، وهي على استعداد لتقديم كل المساعدة اللازمة، بما في ذلك الدعم المادي».

وكانت ناقلة النفط غادرت ميناء بريمورسك الروسي ببحر البلطيق في 9 مارس (آذار) الماضي، علماً بأن الحكومة الأميركية فرضت عقوبات على الناقلة ومالكها، شركة الشحن الروسية الحكومية «سوفكومفلوت»، في عام 2024.

وتخضع السفينة أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بسبب الحرب في أوكرانيا.


ترمب يستحضر حكماً عمره 150 عاماً لإنهاء «حق المواطنة بالولادة»

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يستحضر حكماً عمره 150 عاماً لإنهاء «حق المواطنة بالولادة»

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)

​تستعد المحكمة العليا الأميركية للنظر، في 1 أبريل (نيسان)، في واحدة من أكثر القضايا الدستورية إثارة للجدل بالولايات المتحدة، تتعلق بمستقبل مبدأ منح الجنسية الأميركية تلقائياً لكل من يولد على الأراضي الأميركية.

وتدافع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن خطتها لإنهاء هذا النظام بالاستناد إلى تفسير دستوري قديم، وإلى حكم قضائي يعود إلى أكثر من 150 عاماً، كان قد استُخدم في الأصل لمنع السكان الأصليين في أميركا، المعروفين تاريخياً باسم «الهنود الحمر»، من الحصول على الجنسية الأميركية.

ومن المقرر أن تستمع المحكمة العليا، الأربعاء، إلى المرافعات الشفهية في القضية، التي تركز على تفسير «بند المواطنة» في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، وهو أحد أهم النصوص الدستورية التي أُقرت بعد الحرب الأهلية عام 1868 عقب إلغاء العبودية. وينص هذا البند على أن «جميع الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة، أو الذين اكتسبوا جنسيتها بالتجنس، والخاضعين لولايتها القضائية، يعدّون مواطنين في الولايات المتحدة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعى منذ الأيام الأولى من ولايته إلى تشديد القيود على الهجرة (أ.ف.ب)

ومنذ أكثر من قرن ونصف قرن، كان التفسير السائد لهذا النص أنه يمنح الجنسية الأميركية لأي شخص يولد داخل الولايات المتحدة تقريباً، بغض النظر عن الوضع القانوني لوالديه. ويستثنى من ذلك فقط عدد محدود من الحالات؛ مثل الأطفال المولودين لدبلوماسيين أجانب، أو لأفراد قوات عسكرية معادية تحتل الأراضي الأميركية. لكن إدارة ترمب تسعى إلى إعادة تفسير هذا النص الدستوري، مركزة على عبارة «الخاضعين لولايتها القضائية» الواردة في التعديل الرابع عشر.

ويقول مسؤولو الإدارة إن هذه العبارة لا تنطبق على أطفال المهاجرين الذين دخلوا الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، ولا على أطفال المقيمين مؤقتاً مثل حاملي تأشيرات العمل أو الدراسة.

وبناء على هذا التفسير، ترى الإدارة أن هؤلاء الأطفال لا ينبغي أن يحصلوا تلقائياً على الجنسية الأميركية، بمجرد ولادتهم داخل البلاد.

ويرى مؤيدو هذا التوجه أن نظام «حق المواطنة بالولادة» يشجع الهجرة غير الشرعية؛ إذ يعتقد بعض المهاجرين أن إنجاب طفل في الولايات المتحدة يمنح العائلة لاحقاً فرصة للبقاء في البلاد بصورة قانونية.

العودة إلى حكم تاريخي

وفي دفاعها عن هذا التفسير، استشهدت إدارة ترمب بحكم قضائي يعود إلى عام 1873 في قضية عُرفت باسم «قضايا المسالخ» (Slaughter-House Cases). وفي ذلك الحكم، فسرت المحكمة العليا عبارة «الخاضعين لولايتها القضائية» بشكل ضيق، معتبرة أن هناك فئات لا تنطبق عليها هذه العبارة، ومن بينها - في ذلك الوقت - السكان الأصليون في أميركا الذين كانوا يعيشون ضمن قبائل تتمتع بدرجة من الاستقلال عن الحكومة الفيدرالية.

متظاهرون يواجهون عناصر وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وبناء على هذا التفسير، لم يُعدّ الأميركيون الأصليون مواطنين تلقائياً رغم ولادتهم داخل الأراضي الأميركية، ولم يحصلوا على الجنسية الكاملة إلا لاحقاً عبر قانون أصدره الكونغرس عام 1924. وتقول إدارة ترمب إن هذا الحكم يثبت أن التعديل الرابع عشر لم يكن يهدف إلى منح الجنسية لكل شخص يولد في الولايات المتحدة من دون استثناء.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أبيجيل جاكسون، في بيان لها: «تحظى المحكمة العليا بفرصة مراجعة (بند المواطنة) الوارد في التعديل الرابع عشر للدستور، وإعادة المعنى الأصلي للمواطنة في الولايات المتحدة إلى سياقه العام الأولي». وأضافت: «ستكون لهذه القضية تداعيات هائلة على أمن جميع الأميركيين».

جدل دستوري

غير أن عدداً من الخبراء القانونيين يعارضون هذا التفسير بشدة، ويقولون إن المحكمة العليا حسمت المسألة بالفعل في حكم شهير صدر عام 1898 في قضية «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم آرك»، حيث أقرت المحكمة أن أي شخص يولد على الأراضي الأميركية يعد مواطناً، حتى لو كان والداه من المهاجرين غير المواطنين.

تستمع المحكمة العليا الأربعاء إلى المرافعات الشفهية في القضية التي تركز على تفسير «بند المواطنة» في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي (أ.ب)

ومنذ أول يوم له بعد عودته إلى منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025، أصدر ترمب توجيهات للوكالات الفيدرالية بعدم الاعتراف بجنسية الأطفال المولودين في الولايات المتحدة، الذين ليس لديهم على الأقل أحد الوالدين مواطناً أميركياً أو مقيماً دائماً قانونياً، يُعرف أيضاً بحامل «البطاقة الخضراء». وأصدر أمراً تنفيذياً حينها بعنوان «حماية معنى وقيمة المواطنة الأميركية»، الذي يعد واحداً من أكثر من 500 تغيير في السياسات التي أقرّتها الإدارة، ووصفت بأنها من بين أوسع القيود المفروضة على الهجرة في التاريخ الأميركي الحديث.

ويرى منتقدو خطة ترمب أن إعادة فتح هذا الملف قد تقود إلى تغيير جذري في أحد أهم المبادئ القانونية بالولايات المتحدة. وقال عدد من أساتذة القانون الدستوري إن حق المواطنة بالولادة أصبح جزءاً أساسياً من النظام الدستوري الأميركي منذ أكثر من قرن، وإن تغييره قد يتطلب تعديلاً دستورياً وليس مجرد تفسير جديد للنص.

أميركي بلا جنسية

يأتي هذا الجدل في سياق أوسع من السياسات التي تبنتها إدارة ترمب لتشديد القيود على الهجرة، وهي قضية تعدّ من أبرز الملفات السياسية في الولايات المتحدة؛ فقد جعل ترمب من مكافحة الهجرة غير الشرعية محوراً رئيسياً في برنامجه السياسي، مؤكداً أن نظام المواطنة بالولادة «يشجع الهجرة غير النظامية ويستغل ثغرات القانون». في المقابل، تقول منظمات حقوقية ومدافعون عن حقوق المهاجرين، إن إلغاء هذا النظام قد يؤدي إلى ظهور فئة كبيرة من الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة، لكنهم بلا جنسية واضحة.

وينتظر أن يكون قرار المحكمة العليا في هذه القضية مفصلياً، إذ قد يحدد مستقبل أحد أقدم المبادئ الدستورية في الولايات المتحدة؛ فإذا تبنت المحكمة تفسير إدارة ترمب، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في نظام الجنسية الأميركي. أما إذا رفضت هذا التفسير، فسيظل مبدأ المواطنة بالولادة قائماً كما هو منذ أكثر من قرن. وفي كلتا الحالتين، يرى مراقبون أن القضية تعكس عمق الانقسام السياسي في الولايات المتحدة حول ملف الهجرة، وهو انقسام يتوقع أن يبقى في صلب النقاش السياسي الأميركي لسنوات مقبلة.