عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
TT

عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)

قد تكون «مجموعة الراين» واحدة من أكثر المبادرات الأوروبية طموحاً هذا العام، وقد تتحول إلى منصة مؤثرة في دفع القارة نحو مزيد من النمو والابتكار والقدرة على المنافسة في الساحة العالمية. لكن نجاحها، مهما بلغ شأن الأسماء التي تقف وراءها، سيتوقف أولاً على مدى فهم طبيعة المشكلة التي تحاول معالجتها: أوروبا لا تعاني نقصاً في الأفكار أو الدراسات أو الخطط، بل تعاني أزمة في تحويل هذه الأفكار إلى قرارات سياسية قابلة للتنفيذ.

انطلقت «مجموعة الراين» في أغسطس (آب) 2026 كمبادرة خاصة تجمع نحو 55 شخصية بارزة من عالم الأعمال والمال والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام. ويقودها، كرئيسين مشاركين، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي ورائد الأعمال الآيرلندي باتريك كوليسون، فيما يتولى الأكاديمي الإسباني لويس غاريكانو منصب المدير التنفيذي. والفكرة الأساسية وراء المجموعة واضحة: إنشاء نادٍ رفيع المستوى يستطيع التحرك بسرعة أكبر من المؤسسات الأوروبية التقليدية، والضغط على صانعي القرار لتحويل تشخيص أزمة القدرة التنافسية الأوروبية إلى سياسات ملموسة.

ماريو دراغي (أرشيفية - رويترز)

لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع مبادرة خاصة أن تفعل ما عجزت عنه المؤسسات العامة؟

أزمات متداخلة

تواجه أوروبا اليوم مجموعة من الأزمات المتداخلة، غير أن اثنتين منها تبدوان أكثر إلحاحاً: أزمة النمو والإنتاجية، وأزمة الأمن والسيادة الاستراتيجية. وقد جاء تقرير دراغي لعام 2024 ليضع إصبعه على الجرح، محذراً من اتساع الفجوة بين الاقتصاد الأوروبي من جهة، واقتصاد كل من الولايات المتحدة والصين من جهة أخرى.

والواقع أن المشكلة الأوروبية لم تعد مجرد تباطؤ في النمو. فالقارة تواجه خطر فقدان قطاعات صناعية كاملة لمصلحة منافسين أكثر ديناميكية، فيما تتزايد الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. كما أن الصعود الاقتصادي للصين، وتوسع فائضها التجاري، يفرضان على أوروبا إعادة التفكير في موقعها ودورها داخل الاقتصاد العالمي.

والأخطر أن الثورة التكنولوجية نفسها أصبحت جزءاً من معادلة الأمن القومي. فالسباق الأميركي - الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بمن سيطور أفضل النماذج، بل بمن سيمتلك التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية القادرة على تحديد قواعد اللعبة العالمية. وإذا بقيت أوروبا مستهلكاً للتكنولوجيا التي تنتجها الولايات المتحدة والصين، فإن الحديث عن «السيادة الرقمية» سيظل شعاراً أكثر منه استراتيجية.

وتضاف إلى ذلك أزمة الطاقة والمناخ. فالحرب والتوترات الجيوسياسية المتلاحقة، إلى جانب موجات الحر والظواهر المناخية المتطرفة، جعلت التحول في مجال الطاقة قضية أمن اقتصادي واستراتيجي، لا مجرد سياسة بيئية. ولذلك بات على أوروبا أن تحقق معادلة شديدة الصعوبة: خفض الانبعاثات، وتأمين الطاقة، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة التنافسية لصناعاتها.

لكن هذه الملفات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية لا يمكن فصلها عن السياسة.

تحرُّك بطيء

فالاتحاد الأوروبي يمتلك سوقاً ضخمة، وثقلاً تجارياً هائلاً، وقاعدة صناعية وعلمية متقدمة، لكنه غالباً ما يتحرك ببطء عندما يتعلق الأمر بالأزمات الاستراتيجية. وبينما تتصرف القوى الكبرى الأخرى وفق حسابات جيوسياسية واضحة، تجد أوروبا نفسها عالقة في آليات اتخاذ قرار معقدة، ومصالح وطنية متباينة، وخلافات بين دولها الأعضاء.

باتريك كوليسون (أرشيفية - رويترز)

وهنا تكمن المفارقة التي تواجه «مجموعة الراين»: فهي تريد تجاوز بطء المؤسسات السياسية، لكنها تحاول في النهاية التأثير في مؤسسات سياسية. ويمكن لمجموعة من أفضل الاقتصاديين ورجال الأعمال والتكنولوجيين في أوروبا أن تحدد بدقة ما ينبغي فعله، لكن تنفيذ هذه الوصفات يحتاج إلى إرادة سياسية.

وهذه ليست مشكلة جديدة.

فعلى مدى سنوات، استخدمت أوروبا كلمة «الأزمة» لوصف وضعها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. أزمة الديون، أزمة الهجرة، أزمة الطاقة، أزمة الديمقراطية، أزمة النمو، ثم الأزمة الأمنية بعد الحرب في أوكرانيا. ومع كل أزمة جديدة، كانت تظهر خطط وتقارير ومبادرات جديدة، لكن الفجوة بين التشخيص والتنفيذ ظلت قائمة.

حتى أزمة الهجرة كشفت محدودية القدرة الأوروبية على التحرك الجماعي، في حين أظهرت التحولات الديموغرافية مشكلة أكثر عمقاً. فأوروبا تتقدم في السن، ومعدلات الخصوبة المنخفضة تهدد بتقليص حجم القوة العاملة ورفع العبء على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية. وهذا يعني أن النمو الاقتصادي في المستقبل لن يعتمد فقط على التكنولوجيا والاستثمار، بل أيضاً على قدرة أوروبا على إدارة الهجرة وجذب المواهب وتعويض النقص الديموغرافي.

حدود القوة

أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن الحرب في أوكرانيا كشفت حدود القوة الأوروبية بقدر ما كشفت أهمية الاتحاد الأوروبي. ولم يعد كافياً أن تكون أوروبا قوة اقتصادية وتنظيمية؛ المطلوب أن تتحول أيضاً إلى قوة قادرة على حماية مصالحها، وتأمين طاقتها، والدفاع عن حدودها، واستخدام وزنها التجاري والسياسي لتحقيق أهداف استراتيجية.

من هنا تأتي أهمية «مجموعة الراين». فالقيمة المحتملة للمبادرة لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيها، بل في قدرتها على كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها أوروبا منذ سنوات: تشخيص المشكلة، إصدار تقرير، تنظيم مؤتمر، ثم العودة إلى نقطة البداية الإشكالية.

فإذا امتلكت المجموعة وسائل الضغط اللازمة على أصحاب القرار ونجحت في تحويل خبرة النخبة الاقتصادية والتكنولوجية الأوروبية إلى ضغط سياسي منظم، قد تصبح قوة دفع حقيقية. أما إذا اكتفت بإنتاج تقرير آخر عن القدرة التنافسية الأوروبية، فستكون مجرد إضافة جديدة إلى مكتبة أوروبية مكتظة بالنظريات والتشخيصات.

مقر الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المجموعة ستعقد جلساتها الافتتاحية من 20 سبتمبر (أيلول) إلى 23 منه في جنيف. وبالتالي سينظر المراقبون باهتمام إلى المداولات وما سيخرج به المشاركون.

في النهاية، لا ينقص أوروبا الخبراء ولا المال ولا المؤسسات ولا الأفكار. ما ينقصها هو القدرة على اتخاذ القرار بسرعة، وتحمل كلفته، وتنفيذه على مستوى القارة كلها.

وهذه، في جوهرها، ليست مشكلة اقتصادية... إنها مشكلة سياسية.


مقالات ذات صلة

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

تحليل إخباري لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لا يعني إسقاط السلطة بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها.

أنطوان الحاج
تحليل إخباري رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي كـ«عضو منتسب»؟

تحالف كندي أوروبي وثيق لمواجهة رسوم ترمب، عبر صيغة «عضو منتسب» تضمن اندماجاً رقمياً واستراتيجياً في الطاقة والمعادن دون المساس بالسيادة السياسية.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا قوات عسكرية موريتانية في مهمة لحماية الحدود (الجيش الموريتاني)

«الاتحاد الأوروبي» يقدم دعماً عسكرياً لموريتانيا بقيمة 20 مليون يورو

كشف مجلس الاتحاد الأوروبي عن اعتماد إجراء مساعدات عسكرية جديد لموريتانيا بقيمة 20 مليون يورو، مخصص لتوفير معدات للقوات المسلحة الموريتانية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي يدرس منح كندا صفة «عضو منتسب» رغم الاعتراضات

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اليوم (الخميس) إن الاتحاد الأوروبي وكندا يواصلان بحث إمكانية أن تصبح ​أوتاوا أول «عضو منتسب» في التكتل.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)

لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

في خطوة تعيد رسم المشهد القيادي للمؤسسة النقدية الأهم في أوروبا، أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، مغادرتها منصبها في 7 فبراير (شباط) 2027.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )

بريطانيا «منفتحة» على الاعتذار عن تجارة الرقيق لكن من دون تعويضات

رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (رويترز)
TT

بريطانيا «منفتحة» على الاعتذار عن تجارة الرقيق لكن من دون تعويضات

رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (رويترز)

أبدى رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام، السبت، «انفتاحاً» على فكرة تقديم المملكة اعتذاراً رسمياً عن دورها في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، لكنه استبعد دفع تعويضات مالية.

في مقال له بصحيفة «ذي غارديان» قبل أيام من مشاركته في قمة قادة دول الكومنولث في منطقة الكاريبي، وبينما يجري الملك تشارلز الثالث جولة في المنطقة، أكد بيرنهام أنه «ينبغي لنا مواجهة الماضي».

وفي ظل الضغوط على لندن لتقديم اعتذار رسمي عن دورها المحوري في تجارة الرقيق وتعويض دول منطقة الكاريبي، تعهد بإجراء «حوارات صعبة من أجل الحفاظ على رابطة الكومنولث وضمان مستقبلها».

وقال بيرنهام إنه يرغب في «التعبير عن الأسف والندم إزاء الألم والمعاناة التي لحقت بملايين البشر، والاعتراف بالطريقة التي لا تزال تشكّل بها تلك الأحداث عالمنا اليوم»، لكنه شدد على أن التعويضات ليست «الحل الأمثل».

أضاف في مقاله: «لا أعتقد أنه يمكن تحميل الشعب البريطاني اليوم المسؤولية عن أخطاء تاريخية، مهما بلغت فداحتها، وقعت في حقبة زمنية مختلفة وفي ظل قوانين مغايرة، ولم يكن لهم فيها أي دور شخصي».

وتابع رئيس الوزراء البريطاني أن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي كانت «انتهاكاً وحشياً وهمجياً» لحقوق الأشخاص المستعبدين، مقترحاً إجراء «حوار منظم مع المتضررين».

ورأى أن «الاستماع إلى المطالبات بتقديم اعتذار رسمي باسم الدولة البريطانية سيكون جزءاً مهماً من هذه العملية، وأنا منفتح على الأمر».

كما كشف بيرنهام اعتزامه إطلاق خطة جديدة لإعادة هيكلة ديون أفقر دول الكومنولث، يقودها رئيس الوزراء العمالي الأسبق غوردن براون.

وتعهّد بالعمل مع «شركاء عالميين» لمساعدة تلك الدول على سداد ديونها «على مدى مدة زمنية أطول وبأسعار فائدة أفضل».

يخيّم ملف تجارة الرقيق بظلاله الثقيلة على الزيارة التي يقوم بها الملك تشارلز، وتستغرق 9 أيام لثلاث دول في منطقة الكاريبي، وتتضمن إلقاء كلمة أمام قمة رؤساء حكومات دول الكومنولث التي تنعقد من الأحد إلى الأربعاء.

ومن المقرر أن يحضر أندي بيرنهام القمة في سانت جونز، عاصمة أنتيغوا وبربودا.

تتألف رابطة الكومنولث من 56 عضواً، ويترأسها تشارلز البالغ 77 عاماً، وغالبية أعضائها مستعمرات بريطانية سابقة، وكثيراً ما كان دور بريطانيا المحوري في العبودية ومعاملة رعاياها السابقين قضية مثيرة للجدل داخل هذه المنظمة.

وأقرّ العاهل البريطاني في جزر البهاماس، الثلاثاء، بـ«معاناة الماضي الكبيرة».

ولم تعتذر بريطانيا رسمياً حتى الآن عن دورها في تجارة الرقيق التي استفادت منها لقرون، لكنها كثيراً ما نوهت بدورها في إنهاء العبودية عندما سنّ برلمانها قانوناً يحظرها في عام 1833.

من جهته، قال دينيس أوبراين مؤسس «حملة التعويضات» التي تدعو إلى تقديم تعويضات لدول منطقة الكاريبي عن حقبة العبودية، إن على الحكومة البريطانية «الكف عن المراوغة، وتقديم اعتذار كامل ورسمي على الفور».

وأضاف: «ستكون هذه خطوة أولى مهمة ورمزية نحو العدالة التعويضية».

لكن زعيمة حزب المحافظين البريطاني كيمي بادينوش قالت، السبت، إنه «ليست هناك حاجة» لإعادة طرح مسألة الاعتذار الرسمي، مؤكدة معارضتها الصارمة للتعويضات.

وحثت الكومنولث على «التطلع إلى الأمام».

أضافت عبر منصة «إكس»: «كانت العبودية شراً شارك فيه أشخاص من كل قارة ومنطقة».

وتابعت بادينوش: «يجب أن نكون صادقين بشأن التاريخ بأكمله، وليس اختيار الأجزاء الملائمة سياسياً اليوم».


توقيف عشرات المشاركين في تجمع داعم لحركة «فلسطين أكشن» في لندن

أعضاء من الحركة (موقع فلسطين أكشن)
أعضاء من الحركة (موقع فلسطين أكشن)
TT

توقيف عشرات المشاركين في تجمع داعم لحركة «فلسطين أكشن» في لندن

أعضاء من الحركة (موقع فلسطين أكشن)
أعضاء من الحركة (موقع فلسطين أكشن)

أوقفت الشرطة البريطانية عشرات المتظاهرين، السبت، في لندن، لمشاركتهم في تجمع لدعم حركة «فلسطين أكشن»، المصنفة «إرهابية»، قبل أيام من جلسة أمام المحكمة العليا للنظر في قرار الحظر.

وصنّفت الحكومة الحركة المؤيدة للفلسطينيين بـ«الإرهابية» في يوليو (تموز) 2025 بعد احتجاجات نظمها نشطاؤها، لا سيما في قاعدة للقوات الجوية الملكية وفي موقع لشركة الأسلحة الإسرائيلية «إلبيت سيستمز».

وأيد القضاء في الاستئناف قرار الحظر في يونيو (حزيران). غير أن هدى عموري، إحدى المؤسِسات المشاركات للحركة، طعنت في القرار أمام المحكمة العليا. ومن المقرر أن تُعقد جلسة النظر في القضية يومي الأربعاء والخميس.

في الأثناء، يعرّض أي تعبير عن دعم الحركة المحظورة صاحبه للملاحقة القضائية.

غير أن مئات الأشخاص شاركوا في تجمع جديد في لندن السبت أمام سفارة الولايات المتحدة التي صنّفت بدورها الحركة في أغسطس (آب) «منظمة إرهابية أجنبية».

ورفع معظم المتظاهرين لافتات كتب عليها «أنا أعارض الإبادة الجماعية، وأدعم (فلسطين أكشن)».

وأفادت شرطة لندن عبر منصة «إكس» بأنها أوقفت 48 شخصاً، مضيفة أن عناصرها «في الموقع ويواصلون عمليات التوقيف».

كذلك، نُظمت مظاهرة أخرى في إدنبرة في اسكوتلندا.

وأحصت منظمة «دافعوا عن هيئات المحلفين» التي تنظم المظاهرات الداعمة، أكثر من 3900 عملية توقيف منذ حظر المجموعة، من دون احتساب تلك التي جرت السبت.

وقال المتظاهر ستيف ماسترز، وهو عسكري سابق في سلاح الجو الملكي، لوكالة الصحافة الفرنسية: «لا يوجد أي أساس قانوني لهذا الحظر. فوصْفُهم بالإرهابيين ليس سوى إجراء سياسي بحت، وهو ما يفرغ مفهوم الإرهاب ذاته من قيمته».

بالنسبة لهذا الرجل البالغ 56 عاماً، الذي سبق أن أُوقف أربع مرات، فإنه «من المهم مواصلة الضغط على الحكومة والقضاء» من خلال التظاهر.

أما مارجي مانسفيلد، وهي مستشارة مالية سابقة تبلغ 70 عاماً، فقد أوقفت نحو عشر مرات. ومع ذلك، فهي لم «تشارك في أي مظاهرة» قط قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والحرب الإسرائيلية في غزة.

وتقول المرأة إن لديها أملاً ضئيلاً في ما يتعلق بجلسة الاستماع أمام المحكمة العليا، وأضافت: «بدأت ثقتي في النظام القضائي تنحسر»، مشددة على أنه «لا يوجد ما يشير إلى أن الحكومة على وشك التراجع عن موقفها».


فرنسا: التعبئة الطلابية متواصلة ودعوات لإقفال الثانويات والكليات يومي 3 و5 نوفمبر

للسبت الثالث على التوالي امتلات شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين(ا.ف.ب)
للسبت الثالث على التوالي امتلات شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين(ا.ف.ب)
TT

فرنسا: التعبئة الطلابية متواصلة ودعوات لإقفال الثانويات والكليات يومي 3 و5 نوفمبر

للسبت الثالث على التوالي امتلات شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين(ا.ف.ب)
للسبت الثالث على التوالي امتلات شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين(ا.ف.ب)

للسبت الثالث على التوالي، امتلأت شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين، وسط مخاوف رسمية من «المخاطر» المحدقة بها، وفق تعبير لوران نونيز، وزير الداخلية، الذي عبأ مجدداً ما لا يقل عن سبعين رجل أمن «من الشرطة والدرك والفرق المتخصصة» المزودة بآليات مصفحة، إضافة إلى قوة من الجيش العاملة في إطار العملية المسماة «سانتينيل» «بالعربية: قوة الحراسة».

ومع نهاية كل أسبوع يعود التساؤل إلى نقطة البداية: متى تنتهي هذه التعبئة؟ ولماذا لا تنجح السلطات في وضع حد لها خصوصاً أن موعد التعبئة اللاحق سيحل يوم الخميس المقبل عندما ستضاف إلى المظاهرات دعوات من النقابات في القطاعين العام والخاص إلى الإضراب الشامل الذي من شأنه أن يشل العجلة الاقتصادية في بلد يعاني من فقدان النمو ويرزح تحت عبء كم هائل من الديون «3600 مليار يورو»، فيما المطالب الاجتماعية تنصب عليه من كل حدب وصوب؟

لوران نونيز، وزير الداخلية نبه من "المخاطر" المترتبة على المظاهرة في باريس التي امرت مديرية الشرطة بأن تتم بعيدا عن وسط المدينة (أ.ف.ب)

3 عناصر تفتقدها السلطات

في افتتاحية لصحيفة «لو موند» المستقلة، جاء أن الدولة الفرنسية تفتقر لثلاثة عوامل يصعب من دونها الخروج من أزمة اجتماعية - اقتصادية كالتي تعاني منها فرنسا: الزمن والموارد والثقة. فالعامل الزمني مفقود؛ لأن ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون الثانية شارفت على الانتهاء وسيخرج من قصر الإليزيه بعد أقل من ستة أشهر، وبالتالي فإن كل الأنظار تتجه نحو الاستحقاق الانتخابي، ما يعني أن قوته السياسية تتراجع، و«المفاتيح» التي كان باستطاعته تشغيلها تفلت من بين يديه.

أما ما خص الموارد فإنها الغائب الأكبر، حيث إن حكومة سيباستيان لوكورنو تجد صعوبة بالغة في تمرير ميزانية التقشف لعام 2027، ولذا فإنها عاجزة عن شراء «السلم الاجتماعي». وثالث العناصر «الثقة» فإنها مفقودة، والدليل على ذلك أن الاستجابة الحكومية «الجزئية» لمطالب طلاب التعليمين الثانوي والجامعي لم تلق الترحيب، وحجة الرافضين مزدوجة؛ إذ إنها، من جهة، مجتزأة وغير واضحة ولا كافية. ومن جهة ثانية، فإن الحكومة التي تقدم الوعود لن تكون في السلطة بعد أقل من 200 يوم.

محتج في باريس يحمل يافطة تدين الشرطة(ا.ف.ب)

ولأن صوت السلطات لم يعد مسموعاً، فإن تركيزها يقوم على منع تكرار ما حصل في «السبت الأسود» «17 أكتوبر (تشرين الأول)» عندما فقدت القوى الأمنية السيطرة على الوضع، وتركت أحياء وشوارع كاملة لسيطرة الغوغائيين والمشاغبين والسارقين، فيما تكاثرت الاشتباكات وعمليات الكر والفر بين مجموعات من اليسار المتطرف المسماة «بلاك بلوك» ورجال الأمن الذين ألقوا القبض على الآلاف من الأشخاص بحيث غصت بهم قاعات المحاكم... وما زاد الطين بلة وفاقم المخاوف، السبت الماضي، نزول مجموعات من اليمين الراديكالي بالغ التطرف إلى الشوارع، وبحجة «حماية» المحال التجارية، فإنهم انقضوا على المتظاهرين فيما لا يقل عن عشر مدن. وزادت المخاوف من أن تذهب الأمور إلى حد حصول «حرب شوارع» بين هؤلاء وبين مجموعات يسارية.

اشتباك بين محتج واحد رجال الشرطة في باريس(ا.ب)

الاحتفال بـ«هالوين» يضاعف المخاطر

هكذا، بدت الصورة قبيل انطلاق مظاهرات هذا السبت بدعوة من «السترات الصفراء» التي انضمت إليها العديد من نقابات التلامذة والطلاب القطاعات الاقتصادية، وكلها تحظى بدعم الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون.

وجاءت الجريمة الإرهابية العنصرية التي ارتكبها، صبيحة 23 من الشهر المنتهي، كيفين تيسيه، والتي قُتل فيها شاب أسود اللون عمره 26 عاماً، وجرح سبعة أشخاص، بينهم صبية في الثانية عشرة من عمرها لتزيد الأجواء العامة اكفهراراً. واعترف الجاني بأنه «قصد» استهداف أشخاص من السود والمغاربيين في مدينتي «تراب» و«فيريير» الواقعتين على مدخل باريس الغربي.

تزامن حراك السبت الأخير مع الإحتفال ب"عيد "الهالوين" الرائج في الغرب والذي يحفل بارتداء الأقنعة الغريبة(رويترز)

في هذه الأجواء، انطلقت مظاهرات السبت، وقد أحصت الأجهزة الأمنية ما لا يقل عن 150 منها عبر البلاد. والثابت اليوم أن مطالب المتظاهرين، طلاباً ونقابات عمالية وسترات صفراء، تداخلت ببعضها، وهو الأمر الذي كانت الحكومة تسعى لتجنبه. وكانت أولى خطواتها سعيها إلى استمالة طلاب التعليمين الثانوي والجامعي. بيد أن محاولتها فشلت، وسار الطلاب في مقدمة المظاهرات. فاللجوء إلى القوى الأمنية لإخافة التلامذة والطلاب بعد انطلاق حراكهم لم تنفع.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلال الفترة الممتدة ما بين 28 سبتمبر (أيلول) و5 أكتوبر، أُلقي القبض على أكثر من ستة آلاف شخص، احتُجز خمسة آلاف منهم، وكان القُصّر يمثلون نحو 85 في المائة من المحتجزين، وهي أرقام غير مسبوقة.

السلطات تفرض مسارات بعيدة عن وسط المدن

الحقيقة أن العنف غير المبرر في التعامل مع التلامذة والطلاب جاءت نتائجه معكوسة، بحيث دفع الأهل للنزول إلى الشوارع مع أبنائهم وبناتهم لـ«حمايتهم» من عنف الشرطة. وكان حراكهم نقطة الانطلاق لمطالب أوسع تتناول غلاء المعيشة المصحوب بالتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، والمطالبة بزيادة الرواتب، خصوصاً رواتب الحد الأدنى وتعزيز الخدمات الحكومية والاجتماعية من مستشفيات ووسائل نقل ومدارس، والدفاع عن الحريات العامة، ومنها حرية التظاهر، فيما تطالب «السترات الصفراء» بخفض أسعار المشتقات النفطية والغاز والكهرباء. والاستجابة لهذه المطالب لا يمكن أن تتم من غير موارد إضافية تجهد الحكومة في توفيرها. ورغم عدالة المطالب، فإن ما يحصل يبرز أن التيارات السياسية المتطرفة في البلاد عازمة على استغلال موجة الاستياء هذه حتى تصل إلى قصر الإليزيه، مقر الرئاسة الفرنسية.

متظاهر يرتدي زيًّا يشارك في مظاهرة باريس السبت التي دعت إليها حركة «السترات الصفراء» وانضم إليها طلاب المدارس الثانوية والجامعات ونقابات عمالية (رويترز)

وتبين الدراسات أن طرفي الخريطة السياسية في فرنسا هما المستفيدان الأولان من الاضطرابات الاجتماعية، وهما اليمين المتطرف بقيادة المرشحة الرئاسية مارين لوبان، واليسار المتشدد بقيادة جان لوك ميلونشون. أما الأحزاب القائمة ما بينهما، فهي حائرة في كيفية التعاطي مع الأزمات المتداخلة. وفي أي حال، فإن أصواتها غير مسموعة.

وتزامن حراك السبت الأخير مع الاحتفال بـ«عيد «الهالوين» الرائج في الغرب، والذي يحفل بارتداء الأقنعة الغريبة. وسارع وزير الداخلية إلى التحذير من النزول إلى المظاهرات بهذه الأقنعة التي ترتب على مرتديها عقوبات وغرامات. كذلك سعت مديريات الشرطة والمحافظين إلى منع المظاهرات في وسط المدن الرئيسية.

ففي باريس، حصلت معركة قانونية بين نقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» وتنسيقية «السترات الصفراء» من جهة، ومديرية الشرطة من ناحية أخرى، حول تحديد مسار المظاهرة الباريسية، وانتهت بأن المديرية المذكورة نجحت في فرض المسار الذي اختطته والواقع في شرق العاصمة، بين بوابة بانويليه وبوابة شارونتون بعيداً عن وسطها التجاري والمقرات الحكومية وأحيائها الراقية.

والأمر نفسه، تكرر في مدن كبرى مثل ليون ومرسيليا... وفيما دعا طلاب التعليم الثانوي والجامعي إلى إغلاق المدارس والكليات يومي 3و5 نوفمبر (تشرين الثاني)، أعربت السلطات عن خشيتها من نشوء «حالة تمردية» في باريس بسبب وجود ما بين 300 و600 ناشط من اليسار المتطرف، وفق تقرير اطلعت عليه إذاعة «فرانس إنفو» العامة. والتخوف أن ينضم إلى هؤلاء مئات آخرون قادمون من ضواحي باريس، ما يذكّر بما حصل ليل 17 أكتوبر.

وبحسب التقرير المشار إليه، فإن «مديرية النظام العام وحركة المرور»، التابعة لمديرية شرطة باريس، تتوجس أيضاً من وجود «مخربين ملثمين ومجهزين بالمعدات اللازمة»، كما تخشى أن يتدهور الوضع بحيث تنظم تحركات عشوائية ومتعددة خارج المسيرة الرسمية. وحتى نهاية عصر السبت، كانت الأمور تسير بسلاسة باستثناء مدنية ليون، حيث حصلت مناوشات بين أعداد من المشاغبين والقوى الأمنية.