فوز اليمين الإيطالي بالانتخابات وتحدّيات المستقبل الأوروبي

جورجيا ميلوني تحمل لافتة كُتب عليها «شكراً إيطاليا» (أ.ف.ب)
جورجيا ميلوني تحمل لافتة كُتب عليها «شكراً إيطاليا» (أ.ف.ب)
TT

فوز اليمين الإيطالي بالانتخابات وتحدّيات المستقبل الأوروبي

جورجيا ميلوني تحمل لافتة كُتب عليها «شكراً إيطاليا» (أ.ف.ب)
جورجيا ميلوني تحمل لافتة كُتب عليها «شكراً إيطاليا» (أ.ف.ب)

أما وقد فاز اليمين الإيطالي بالانتخابات وسيطر على مجلسَي البرلمان، وصارت زعيمة «أخوة إيطاليا» جورجيا ميلوني (45 عاماً) المرشحة الطبيعية لرئاسة الوزراء بما أن حزبها هو طليعة التحالف اليميني، تكثر التساؤلات عن انعكاسات ذلك على أوروبا ومستقبل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن الاتجاه اليميني المتشدد يكبر في القارة في ظل الحرب الأوكرانية وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
ليست إيطاليا رقماً عادياً في المعادلة الأوروبية، فهي صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا وفرنسا، ويزيدها «أهمية» أن دينها العام هائل يساوي 150 في المائة من ناتجها الإجمالي البالغ 1.88 تريليون دولار. وهذه مشكلة لم تنجح الحكومات المتعاقبة في حلها، إذ ما انفكت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي تتصاعد من 100% عام 1990 إلى ما هي عليه حالياً.
ولعلّ ما يعكس عمق المأزق الإيطالي هو «هروب» ماريو دراغي منقذ منطقة اليورو من تداعيات أزمة 2008 – 2010 من المعمعة، بتخليه عن رئاسة الحكومة في بلاده، بعدما لمس أن الهدوء السياسي مستحيل في بلاد المشهد «المجزّأ»، وأن الضربات الأقوى لا تأتي من المعارضة، بل من القوى السياسية المشاركة في الحكومة.
يفترض المتشائمون والمتوجسّون من تعاظم التيارات اليمينية (بعد انتخابات السويد خصوصاً) أن إيطاليا ستعتمد سياسة عدائية تجاه الاتحاد الأوروبي، وستبتعد في موقفها من الحرب الأوكرانية عن الاصطفاف الغربي الواسع، وستتشدد في مسألة الهجرة خصوصاً أنها تشكل البوابة المتوسطية الرئيسية للهاربين من الجنوب...
في 13 أكتوبر (تشرين الأول) يلتئم مجلسا الشيوخ والنواب وينتخبان رئيسيهما، ليبدأ رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا المشاورات السياسية لتكليف من يؤلف حكومة جديدة ستكون الرقم 70 منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على أن تكون السيدة ميلوني كما هو متوقّع رئيس الوزراء الرقم 30 والمرأة الأولى التي تتولى هذا المنصب الشائك.
*وعود براغماتية... ولكن
ثمة من يقول إن جورجيا ميلوني هي أول زعيم من اليمين المتطرف سيحكم إيطاليا منذ بنيتو موسوليني الذي لا تخفي السيدة الشقراء إعجابها به. وفي المقابل ثمة من يؤكد أن واقع اليوم مختلف عما كان عليه الأمر قبل الحرب العالمية الثانية، وأن البراغماتية ستكون سيدة الموقف.
«أنا جورجيا. أنا امرأة، أنا أم (لإبنة وحيدة)، أنا إيطالية، أنا مسيحية». كلمات قالتها ميلوني خلال لقاء سياسي شعبي عام 2019 في روما، المدينة التي ولدت فيها.
بعد انتخابات 25 أيلول سبتمبر وعدت السيدة نفسها بأنها ستمارس الحكم «من أجل الجميع»، وقالت: «وجّه الإيطاليون رسالة واضحة لمصلحة حكومة يمينية بقيادة أخوة إيطاليا»، يدعمها بقوة حزبان يمينيان رئيسيان هما «الرابطة» بقيادة الوزير السابق ماتيو سالفيني، و«فورتسا إيطاليا» بقيادة سيلفيو برلوسكوني الغنيّ عن التعريف، علماً أن الحزبين لم يحققا نتائج جيدة في الانتخابات واتكلا على الرافعة السياسية التي شكلها حزب «أخوة إيطاليا» قافزاً من 4% من الأصوات قبل أربع سنوات إلى 26.2% حالياً، ومستفيداً بالتأكيد من بقائه خارج حكومة الوحدة الوطنية التي انهارت في يوليو (تموز) الماضي.
ماتيو سالفيني حليف رئيسي لجورجيا ميلوني (رويترز)
ببراغماتية متوقعة، خففت جورجيا ميلوني أخيراً لهجتها العدائية تجاه الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي الذي لطالما اعتبرت أنه يعمل لمصلحة ألمانيا أولاً، وأكدت دعمها موقف أوكرانيا في الحرب.
وكان في صلب البرنامج الانتخابي للتحالف اليميني تأكيد الانتماء الأوروبي والأطلسي لإيطاليا، بعيداً عن الإنعزالية التي يتهم اليساريون اليمين الإيطالي بانتهاجها.
لكن ميلوني نفسها قالت قبل أشهر في لقاء مع حزب «فوكس» اليميني الإسباني: «نعم لحدود آمنة، لا للهجرات الجماعية... لا للمؤسسات المالية الدولية الكبيرة... لا للبيروقراطيين في بروكسل». وهذا الكلام، معطوفاً على موقف ميلوني من شؤون اجتماعية عديدة، مناقض تماماً لسياسات الاتحاد الأوروبي، ومشابه لمواقف مؤيدي «بريكست» في بريطانيا، وعقائد أحزاب اليمين المتطرف في مختلف الدول الأوروبية، ومتناغم مع خطاب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي غالباً ما يغرّد خارج سرب الاتحاد الأوروبي.
*الصداع الداخلي
بالإضافة إلى السياسة الخارجية التي يجب الانتظار لتتبلور معالمها في العهد اليميني الآتي، يجدر التساؤل عن النهج الذي ستعتمده ميلوني في مواجهة المعضلة الاقتصادية. فكيف ستتصدى لمشكلة تعاظم الدين العام، هي التي وعدت بخفض الضرائب؟ ومن أين تموّل الحكومة العجز في الموازنة إذا خفضت الضريبة في وقت يتجه الاقتصاد نحو الركود بخطى «ثابتة».
المأزق الكبير الآخر هو الارتفاع الفلكي لأسعار الطاقة، والكل يعلم ما سيحمله الخريف والشتاء من صعاب على هذا الصعيد.

مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
كان ماريو دراغي قد خصص 66 مليار يورو هذا العام للإعفاءات الضريبية ودعم الشركات التي تستهلك الكثير من الطاقة والأسر الفقيرة. غير أن هذا الاحتياط ينتهي في نوفمبر (تشرين الثاني)، وتمديده شهراً لتبدأ ميلوني ولايتها بهدوء يتطلب أكثر من 4.5 مليار يورو. وإذا كان تأمين هذا المبلغ ممكناً، فإن على الحكومة الإيطالية أن تقر حزمة مماثلة – أو ربما أكبر – للعام 2023 بالنظر إلى الآفاق القاتمة للاقتصاد محلياً وقارّياً وعالمياً.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أحد الوعود الانتخابية لليمين كان إلغاء مفاعيل قانون صدر عام 2011 ورفع سن التقاعد إلى 67 عاماً، وبالتالي جعل هذه السن 64، وهو ما يرتّب أعباء إضافية على الخزينة العامة من حيث تأمين رواتب للمتقاعدين.
يكفي لإدراك ما تواجهه الحكومة المقبلة اقتصادياً الإشارة إلى استطلاع أجرته وكالة «بلومبرغ» وشمل 34 خبيراً اقتصادياً خلصوا إلى أن الاقتصاد الإيطالي سينمو بنسبة 0.4٪ فقط العام المقبل، انخفاضاً من 3.3٪ عام 2022. وهذا يعني فقداناً لوظائف (نسبة البطالة حالياً هي 8.1% من القوة العاملة) ومتاعب معيشية مختلفة.
واللافت، بل العجيب، أن العنصر الإيجابي الوحيد في ما يخص المالية العامة هو ارتفاع العائدات الضريبية (ضريبة القيمة المضافة خصوصاً) «بفضل» التضخم الذي تخطى 9%.
في النهاية، ينبغي النظر إلى المشهد الإيطالي كجزء واقعي من المشهد الأوروبي، فعلى أرض هذه القارة القديمة تدور حرب عالمية لا بد أن تكون لها تداعيات على جوارها وعلى العالم أجمع. وبالتالي يغدو لزاماً على قادة الاتحاد الأوروبي، لا سيما ألمانيا وفرنسا، التعقّل وأخذ هواجس اليمينيين والمحافظين في الاعتبار، بهدف صَون الحد الأدنى من تماسك الاتحاد، وإلا انفرط العقد لتصبح أوروبا مجدداً مسرحاً لصراع مرير مفتوح على كل الاتجاهات.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».