تبدو شخصية أندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني الجديد الذي أزاح سلفه كير ستارمر من منصبه، لغزاً للمسؤولين الأوروبيين الذين لم يكن يعرفه كثيرٌ منهم؛ ذلك أن بيرنهام أمضى السنوات الأخيرة في معقله رئيساً لبلدية مدينة مانشستر الكبرى. كما أن المنصبين الوزاريين اللذين سبق له أن تسنمهما يعودان إلى أكثر من 15 سنة، أي زمن توني بلير وغوردن براون، وبالتالي؛ فإن اهتماماته كانت محض داخلية، ولم يُطلّ مطلقاً على العالم الخارجي.
وكان لافتاً أن الكلمة الرسمية الأولى التي ألقاها بيرنهام، عقب تسميته رئيساً للحكومة، أمام مقره الرسمي الجديد في «10 داونينغ ستريت» بلندن، كرسها لشؤون البلاد الداخلية، ولِما يريد فعله لتغيير أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، مستلهماً ما فعله في مدينته المفضلة. من هنا، فإن ردود القادة الأوروبيين على تسنمه منصبه الجديد جاءت في حدودها الدنيا، في انتظار أن يكشف بشكل أوضح عن توجهاته في السياسة الخارجية.

حسرة أوروبية على ستارمر
إزاء الواقع الجديد، ليس من المستبعد أن «يتحسر» القادة الأوروبيون على رحيل كير ستارمر عن السلطة بعد سنتين من ممارسته إياها؛ ذلك أنه بنى علاقات مستقرة بنظرائه القادة الأوروبيين الرئيسيين، وبمسؤولي «الاتحاد الأوروبي». ومن قبيل الصدف أن قمة أوروبية - بريطانية كان مقرراً التئامها الأربعاء في بروكسل. لكن التطورات السياسية المتسارعة في لندن دفعت «بروكسل» إلى تأجيلها من غير تحديد موعد جديد لها.
وليس سراً أن ستارمر «العمالي» كان يأمل رسم علاقة جديدة بالتكتل الأوروبي بعد 10 سنوات من خروج بريطانيا في إطار ما سُمّي «بريكست». ويحسب لستارمر نجاحه في «تليين» العلاقة بين لندن و«بروكسل» وانفتاحه على التعاون في الخطط العسكرية والدفاعية، وانخراطه إلى جانب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ولاحقاً مع المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في إطلاق «تحالف الراغبين» أي الدول المستعدة لتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا لما بعد وقف إطلاق النار أو التوصل إلى اتفاق سلمي بين موسكو وكييف.
ولأن صورة ستارمر كانت إيجابية للغاية في العواصم الأوروبية، فقد انهالت له كلمات الإطراء والثناء. فالرئيس ماكرون منحه، على هامش «قمة الراغبين» الأخيرة التي عقدت في باريس يوم 13 يوليو (تموز) الحالي وسام «جوقة الشرف» من رتبة «ضابط أكبر». وتوجه له قائلاً: «نحن مدينون لكم بالكثير؛ سيادة رئيس الوزراء». وسبق لميرتس أن أشاد به في برلين، عادّاً أنه «أسهم كثيراً في بناء (حلف شمال أطلسي - ناتو) قويٍ، وفي قيام أوروبا موحدة»، مضيفاً أنه يشعر بـ«شيء من الأسف» لأنه مضطر لمغادرة منصبه.
وفي العامين الأخيرين، أي منذ وصول ستارمر الى «10داونينغ ستريت» وميرتس إلى مقر المستشارية، نجحت باريس ولندن وبرلين، رغم بعض التمايزات الطفيفة، في العمل معاً بشأن ملفات رئيسية: الحرب في أوكرانيا، والبرنامج النووي الإيراني، والحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

ماذا في جعبة بيرنهام الدبلوماسية؟
سرت شائعة في بريطانيا، تقول إن أندي بيرنهام قد يعين ستارمر وزيراً للخارجية في حكومته الجديدة حتى يواصل عمله الدبلوماسي الناجح. إلا إن الزعيمَ العمالي الجديد رئيسَ سابع حكومة في السنوات الـ10 الأخيرة كذّب الشائعة وأسند حقيبة «الخارجية» إلى إد ميليباند، وزير الطاقة في حكومة سلفه. والرأي السائد في بريطانيا أن بيرنهام سيحافظ على سياسة سلفه مع بعض التنويعات.
تشكل العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة، تقليدياً، حجر الزاوية للدبلوماسية البريطانية. ورغم التدهور الذي أصابها منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض؛ بسبب الرسومِ الأميركية، وأطماعِه في السيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وانتقاداتِه تقاعس لندن، وحلفائه «الأطلسيين»، عن الوقوف إلى جانبه في حربه ضد إيران، وتدخلِّه في السياسة البريطانية الداخلية، فإن هذه القاعدة لن تتغير. ولذا؛ فسيتعين على بيرنهام أن يعثر على طريقة مختلفة عن طريقة سلفه في التعامل مع سيد البيت الأبيض الراغب في أن يتيح رئيسُ الحكومة الجديد إمكانيةَ التنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال، والمحافظة على القاعدة العسكرية المشتركة في أرخبيل تشاغوس (المحيط الهندي). وأول اتصال خارجي أجراه بيرنهام كان مع الرئيس الأميركي، وقد سبق له أن انتقد بشدة الوضع الأميركي الداخلي الذي وصفه بـ«القاتم» و«المتشظي». ووفق تصريحات سابقة، فقد عدّ العلاقات بواشنطن «أساسية» لا سيما في مجالَي الدفاع والأمن.

علاقات قوية بأوروبا
إذا كان مستقبل العلاقة بين لندن وواشنطن غير واضح، فإن مسارها مع «بروكسل» مرسوم سلفاً، إذا أخذنا في الحسبان أن بيرنهام صوت ضد خروج بلاده من التكتل الأوروبي، وأنه ساعٍ، وفق مقال نشره يوم 9 يونيو (حزيران) الماضي، في صحيفة «التايمز» إلى تقارب أكبر معه في مجالَي الدفاع والدبلوماسية. وقال ما حرفيته: «أريد تعزيز التقدم الذي تحقق في المفاوضات بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ومواصلة هذا التقدم بسرعة». ورغم احترامه إرادة الناخبين البريطانيين بالخروج من «الاتحاد الأوروبي»، فإنه كان أعرب عن أمله في أن تعود بلاده إليه مجدداً «خلال حياته»، مستبعداً، في أي حال، أن تنظر بريطانيا مجدداً في إمكانية الانضمام مجدداً إلى «الاتحاد» المذكور.
وفي المقال نفسه، تعهّد بيرنهام بتوثيق التعاون مع الدول الأوروبية في مجالَي الدفاع والأمن، لا سيما فرنسا وألمانيا، كما التزم تسريع المفاوضات مع «الاتحاد الأوروبي» بشأن عدد من القضايا، من بينها مكافحة الهجرة غير النظامية. كذلك، فإن بيرنهام عازم على مواصلة دعم كييف، وهو ما قاله للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في اتصال هاتفي. وكتب في المقال المذكور؛ المخصص للسياستين الخارجية والدفاعية، أن «دعم المملكة المتحدة أوكرانيا لن يتراجع». كذلك أكد، في المناسبة نفسها، أن «التزام لندن تجاه حلف (الناتو) والردع النووي البريطاني سيظل كاملاً وغير مشروط».
رغم انتماء ستارمر وبيرنهام إلى حزب «العمال»، فإن نظرتيهما إلى الملف الفلسطيني والأوضاع في غزة ليستا واحدة. ذلك أن رئيس الوزراء الجديد يرى أن على لندن «فعل المزيد لممارسة الضغط على الحكومة الإسرائيلية»؛ بسبب الوضع في غزة والضفة الغربية المحتلة.

وضمن مقابلة مع صحيفة «الغارديان» في 9 يوليو (تموز) الحالي، عدّ أن حزب «العمال» في عهد ستارمر «لم يكن على مستوى المسؤولية» عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة، خصوصاً بسبب عدم رغبته في المطالبة فوراً بوقف لإطلاق النار.
وقد شكّل موقف حزب «العمال» من هذا النزاع مصدر خلافات وتوترات داخلية، ودفع ببعض ناخبيه إلى التوجه نحو حزب «الخضر»، الذي يتبنى موقفاً أشد صراحة في دعمه القضية الفلسطينية.
ويرى بيرنهام أنه ينبغي الآن «النظر في فرض عقوبات جديدة» و«اتخاذ إجراءات تهدف إلى حظر التجارة» مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
