كوبا… وقائع انهيار معلن

رغم ذلك ما زال النظام يمسك ببعض الأوراق في إدارته للأزمة بمساعدة غير مباشرة من المكسيك وروسيا

شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
TT

كوبا… وقائع انهيار معلن

شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)

تتعاقب الزيارات إلى «لؤلؤة الكاريبي» التي منذ أكثر من ستة عقود ترزح تحت عبء أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث كان أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1962 على الجزيرة الثائرة التي ينظر إليها العالم قبل أي شيء بصفتها رمزاً للمقاومة والصمود أمام هيمنة الولايات المتحدة.

لكن الزيارة هذه المرة لها نكهة انهيار معلن بعد جلجلة مديدة من التقشّف الذي بلغ مستويات أسطورية من الشحّ في المواد الغذائية الأساسية، والوقود، والأدوية، والمسكن... ومن الاحتجاجات الشعبية المتنامية، وما يقابلها من فصول القمع السياسي وخنق الحريات العامة.

دخان أسود يتصاعد من مصفاة نيكو لوبيز الواقعة في خليج العاصمة الكوبية هافانا جراء حريق (أ.ف.ب)

لست في حاجة إلى كثير من التجوال، أو السؤال، في العاصمة الكوبية التي تضجّ بالفراغ؛ كي تتبيّن آثار «حصار الوقود» الذي ضربته واشنطن على الجزيرة، وانضمت إليه مكرهة المكسيك وروسيا، بعد أن انقطعت الإمدادات الحيوية من فنزويلا، الشريان الأبهر للاقتصاد الكوبي منذ أيام هوغو تشافيز.

منذ سنوات، وقبل رحيل «الكوماندانتي» فيديل الذي كانت لحيته تتدلّى بتحدٍّ وإباء على مرمى حجر من سواحل فلوريدا، لم تعد كوبا المرأة الثانية في حياة اليساريين، خاصة في أميركا اللاتينية، حيث انتشرت بسرعة في خصوبة أنظمة الاستبداد والمجتمعات الفقيرة. الثورة الكوبية تنحلّ في ماء اعتماد الاقتصاد الاشتراكي المفرط على الخارج، وعقمه الإنتاجي، وأيضاً تحت مطرقة تجدد اهتمام الولايات المتحدة بالجزيرة التي كادت يوماً أن تشعل أول حرب نووية في التاريخ.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

غالباً ما ينسى أصدقاء كوبا الذين ينددون بالحصار الأميركي والطوق الذي تفرضه واشنطن على الجزيرة، أن أسطورة الثورة تدعمها سياسات خاطئة تفاقمت تداعياتها بفعل الحصار والشلل الذي أحدثه في مفاصل الاقتصاد الذي منذ سنوات لم يعد يطمح لأكثر من مجرد الكفاف.

الرهان على دعم المحروقات وجميع السلع الأساسية، وعجز الدولة المزمن عن سداد المستحقات الداخلية والخارجية، والتراجع المطرد في إجمالي الناتج المحلي، والتركيز على القطاع السياحي كعماد أوحد للموازنة العامة، والاعتماد على تحويلات الشتات الكوبي في الخارج... كل ذلك تحوّل عناصر بنيوية في الاقتصاد الكوبي الذي دخل منذ العام الماضي في مسار انهياري سبق أن حذّر منه كثير من الخبراء الاقتصاديين والاجتماعيين والديموغرافيين بعد تراجع الإمدادات الفنزويلية.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

التدابير التي اتخذتها الحكومة الكوبية في الأيام الأخيرة، والتي تضفي على الجزيرة مشهداً سوريالياً من الجمود والقلق، مثل خفض خدمات النقل العمومي إلى النصف، وإقفال الجامعات، وإلغاء الفعاليات الثقافية والرياضية، وإغلاق كثير من الطرق الجوية الداخلية، وتجميع السيّاح في الفنادق... تذكّر بالمرحلة القصوى من «الفترة الخاصة في زمن السلم» التي أعلنها النظام في تسعينات القرن الماضي، قبل عقود من هجمة إدارة ترمب على الجزيرة.

لكن رغم أن تباشير هذا الانهيار كانت بدأت تظهر منذ سنوات، ما زال البعض يرون كوبا مجرد ضحية لغطرسة الولايات المتحدة، ويصرّون على رفض القرائن التاريخية والوقائع التي أوصلت الثورة إلى هذه الحال المتردية، وأنها ما زالت هي ذاتها اليوم كما كانت مطلع عام 1959.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

يرفع النظام الكوبي راية الضحية ويستنجد بالتضامن الدولي معها، لكنه يتغاضى عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في اتخاذ كثير من القرارات منذ أواخر الشهر الماضي، ويتنصّل من المسؤولية عنها. أبرز هذه الأخطاء هو رفض العفو عن المعتقلين السياسيين كما فعل النظام الفنزويلي مؤخراً، والمضي في إجراءات القمع والاعتقالات من غير محاكمة ضد الناشطين الذين ينددون بانعدام الحريات في الجزيرة.

كما ضاعفت الأجهزة الأمنية ملاحقتها المفكرين والأكاديميين الذين يطالبون الحكومة بتحمّل مسؤوليتها عن الانهيار، رغم أنهم يرفضون الضغوط الأميركية. وكما في كل مرة خلال السنوات الماضية، يسارع النظام إلى تخوين المطالبين بالإصلاحات ويتهمهم بالتواطؤ مع الخارج أو بالاستسلام أمام تهديداته، في حين تصرّ الحكومة على التنصّل من مسؤوليتها عن الأزمة، وتطلق حملة تضامن واسعة تسخّر فيها الظروف الإنسانية القاسية لمصلحة الثورة وتلميع صورتها.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز يدخلان قاعة خلال اجتماع في موسكو 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

لكن في أي حال، أصبحت العلاقة اليوم بين أسرة اليسار الدولي وكوبا تنطلق من الاعتراف بأن الجزيرة تواجه أزمة إنسانية حادة، وأن هذا بحد ذاته يشكّل تحولاً مهماً في روابط الثورة مع حلفائها الذين كانوا، طيلة عقود، يرونها نموذجاً بديلاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأميركا اللاتينية والكاريبي، في حين هي اليوم، حتى بنظر حكومتها، دولة متداعية في طور الانهيار.

كوبي يمرّ بجوار لافتة تحمل اسم كوبا وعَلم وطني منكس في هافانا (أ.ف.ب)

رغم ذلك، ما زال النظام يمسك ببعض الأوراق في إدارته لهذا الانهيار المحدق. فالحصار الذي ضربته واشنطن على إمدادات النفط، لا يؤثر على الإنتاج الداخلي للوقود الذي يغطّي 40 في المائة من احتياجات الجزيرة. والاستراتيجية التي وضعتها الحكومة قادرة، بمساعدة غير مباشرة من المكسيك وروسيا، على توفير نصف الخدمات الأساسية في الجزيرة لأشهر عدة. وبوسع الحكومة أن تلعب ورقة قدرة النظام «الأسطورية» على المقاومة والالتفاف الشعبي حوله، وترفع منسوب التضامن الدولي مع الجزيرة، لكن شريطة عدم وقوع انفجار اجتماعي يراه بعض المراقبين وشيكاً.

صورة جوية لمطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا (أ.ف.ب)

وليس مستبعداً أن النظام الكوبي، في إدارته هذه الأزمة، قد أدخل في حساباته المؤقتة احتمال هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الوسطية الخريف المقبل، وفتح ثغرة أمام تقارب أوثق مع الحزب الديمقراطي يؤدي إلى رفع بعض القيود القاسية في الحصار مقابل تجاوب مع بعض المطالب الإصلاحية.

لا يختلف اثنان هذه المرة في هافانا على أن الأسابيع الآتية ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل كوبا. لكن أيّاً كانت وجهة الرياح التي ستهبّ على الجزيرة، فإن المأزق الذي وصلت إليه اليوم يضرب جذور صيرورته العميقة في النموذج الإنمائي الذي قامت عليه الثورة عام 1959، وكان حذّر منه ذات يوم الراحل تشي غيفارا خلال عبوره السريع في إحدى الحكومات الأولى للثورة؛ ما أثار انزعاج فيديل كاسترو الذي طلب فوراً إسقاط التحذير من مضابط تلك الجلسة. ولا يجب أن ننسى أن النظام الكوبي التي تكرّست هشاشته مطلع هذا العام بسقوط مادورو في قبضة واشنطن، كان قد كتب وصيته يوم أقام ذلك التحالف مع فنزويلا من أجل «اشتراكية القرن الحادي والعشرين».


مقالات ذات صلة

ترمب يعيد إشعال الحرب التجارية

الاقتصاد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال المؤتمر الوطني الليبرالي لعام 2026 في مونتريال (أرشيفية- أ.ف.ب)

ترمب يعيد إشعال الحرب التجارية

تدخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحلة جديدة من الحرب التجارية، بعد فرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المائة على واردات كندية بقيمة 20 مليار دولار، بالتزامن مع

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا صورة أرشيفية لكيم يو جونغ لدى وصولها إلى كوريا الجنوبية للمشاركة في الألعاب الأولمبية الشتوية في فبراير 2018 (أ.ب) p-circle

الزعيمان الصيني والكوري الشمالي اتفقا على «فصل جديد» في العلاقات بين الدولتين

اتفق الزعيمان الصيني والكوري الشمالي على «فصل جديد» في العلاقات بين الدولتين. كيم يدعم بشكل كامل «مبدأ الصين الواحدة»... وشي يتجنب الكلام عن البرنامج النووي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا طائرات مقاتلة من طراز رافال على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية في قاعدة تشانغي البحرية في سنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

فرنسا وألمانيا أخفقتا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس

نكسة أوروبية على طريق بناء صناعات دفاعية مشتركة بسبب إخفاق فرنسا وألمانيا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس.

ميشال أبونجم (باريس)
أفريقيا جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش» والتنظيم يهدد أكبر مشروع استثماري للغاز في أفريقيا بـ20 مليار دولار.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأمريكية احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أوكرانيا تهاجم البنية الصناعية في سامارا الروسية ومصادر محلية تؤكد

دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

أوكرانيا تهاجم البنية الصناعية في سامارا الروسية ومصادر محلية تؤكد

دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس 2026 (رويترز)

قالت أوكرانيا، السبت، إن ضرباتها بعيدة المدى أصابت قاعدة جوية عسكرية روسية ومركزاً للصواريخ يدعم شبكة إنترنت عبر الأقمار الاصطناعية روسية ناشئة على غرار ستارلينك.

وأكدت مصادر روسية أن هجوماً أوكرانياً واسع النطاق استهدف البنية التحتية الصناعية في منطقة سامارا جنوب غربي روسيا، السبت. وقال إيفان نوسكوف، رئيس عاصمة المنطقة، سامارا، إن قوات الدفاع الجوي صدت هجوماً صاروخياً «ضخماً»، مع وقوع «أضرار محدودة» في المواقع الصناعية بالمدينة، مضيفاً أنه تم تقديم المساعدات الطبية للمصابين في الهجوم، لكنه لم يفصح عن أي تفاصيل أخرى.

صورة ظِلّية لإيلون ماسك تظهر إلى جانب شعار «ستارلينك» (رويترز)

وبدورها، قالت وزارة الدفاع الروسية، السبت، إن طائراتها المسيرة وصواريخها ومدفعيتها قصفت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية مراكز لوجستية ومرافق بنية تحتية للوقود والطاقة والنقل يستخدمها الجيش الأوكراني، إلى جانب ورش لتجميع طائرات مسيرة بعيدة المدى وزوارق مسيرة. وأضافت الوزارة أن من بين الأهداف التي أصيبت منشأة لتخزين طائرات مسيرة بعيدة المدى في منطقة تشيرنيهيف الأوكرانية.

الرئيس بوتين لدى لقائه حاكم منطقة موسكو الأربعاء (رويترز)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن صواريخ كروز من طراز فلامنغو أصابت منشأة الصواريخ، التي تبعد بنحو 900 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية، في إطار حملة كييف استهداف مواقع في عمق روسيا. وأضاف في منشور على «إكس»: «من المهم تقليص قدرات روسيا الحربية. هناك حاجة إلى السلام، ويجب أن يكون ذلك واضحاً في روسيا من خلال إلحاق أضرار ملموسة بمنشآت محددة». وأشار إلى أن القاعدة الجوية تضم طائرات تستخدم لمهاجمة أوكرانيا.

الدخان يتصاعد من موقع تعرّض لقصف بمسيّرات أوكرانية قرب موسكو السبت (رويترز)

وأفادت هيئة الأركان العامة الأوكرانية بتسجيل إصابات مباشرة في القاعدة الجوية بمنطقة نيجني نوفغورود الروسية وفي مركز بروغريس للصواريخ والفضاء في منطقة سامارا. وأضافت أن الضربات تسببت في حرائق بالموقعين. وقالت إن مصنع سامارا ينتج صواريخ تستخدم لإطلاق أقمار اصطناعية لشبكة «راسفيت» للنطاق العريض، التي تطورها روسيا بديلاً لخدمة ستارلينك التابعة لـ«سبيس إكس».

وتعمل ستارلينك في أوكرانيا ولا تعمل في روسيا، ومنحت الخدمة كييف ميزة كبيرة في عمليات الطائرات المسيرة والاتصالات في ساحة المعركة. ولعب مركز بروغريس دوراً رئيسياً في برامج الفضاء السوفياتية والروسية، وهو ما شمل إنتاج عائلة صواريخ سويوز.

وأقرت السلطات الروسية، الجمعة، كما نقلت عنها «رويترز»، بأن بعض مناطق البلاد تواجه نقصاً جديداً في إمدادات الوقود، مع تكثيف أوكرانيا هجماتها على مصافي النفط في روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور منشأة لمحركات الطائرات برفقة مسؤولين في سامارا بروسيا (أ.ب)

وأوقفت روسيا تشغيل مصفاة نفط رئيسية في مدينة أورسك، على بُعد نحو 1300 كيلومتر من خط الجبهة، لمدة ستة أشهر بعد أن تعرضت لهجوم هذا الأسبوع.

وقالت الحكومة الروسية في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «لا تزال الأوضاع مُقلقة في عدة مناطق من البلاد فيما يتعلق بإمدادات الوقود لمحطات تقديم الخدمة». وأضاف البيان أن شركات النفط «تتخذ الإجراءات اللازمة لزيادة الإمدادات إلى المناطق الأكثر تأثراً».

وأوضح البيان أن الحكومة عقدت اجتماعاً لمناقشة نقص الإمدادات، لافتاً إلى أن نائب رئيس الوزراء المسؤول عن قطاع الطاقة ألكسندر نوفاك، أصدر أوامر بمراقبة أسعار الوقود. وعانت الشركات والسائقون نقصاً متكرراً في إمدادات الوقود خلال الأشهر الأخيرة بسبب النزاع.

انفجار بمصفاة نفط في موسكو ضمن هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية على أطراف العاصمة يوم 18 يونيو 2026 (رويترز)

واضطرت غالبية المناطق في روسيا، في مرحلة ما، إلى تقييد مبيعات الوقود أو فرض أشكال أخرى من ترشيد الإمدادات، مثل حظر تعبئة العبوات الاحتياطية.

وتُعد منطقة كراسنودار على البحر الأسود، المعروفة بشواطئها السياحية، من بين المناطق الأكثر تضرراً. وقال حاكم المنطقة فينيامين كوندراتيف: «الوضع المتعلق بإمدادات البنزين في محطات الخدمة بات معقداً». وأضاف أن شركات النفط «عاودت فرض قيود على كميات الوقود المُوردة، وتقليص ساعات عمل محطات الخدمة». وتابع الحاكم: «هذا يثير القلق بين سكان المنطقة وزوارها»، موضحاً أنه طلب من السلطات إرسال كميات إضافية.

وتستهدف أوكرانيا منشآت الطاقة الروسية بطائرات مسيرة وصواريخ منذ عدة أشهر، سعياً لضرب مصدر حيوي للإيرادات بالنسبة للجيش الروسي.

وقال حاكم منطقة أورينبورغ إن المصفاة الرئيسية بمدينة أورسك أُغلقت، وإن أعمال الإصلاح ستستغرق عدة أشهر.


تسارع إعادة التسلح الألماني يُثير مخاوف أوروبية

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
TT

تسارع إعادة التسلح الألماني يُثير مخاوف أوروبية

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)

أنْ تخصص مجلة «ماريان» الفرنسية غلاف عددها الأخير، الصادر يوم الخميس الماضي، للحديث عن تسلح ألمانيا، وأن تضمنه ملفاً خاصاً عنوانه «حذار... ألمانيا تُعيد التسلح»، وأن تتساءل عن تبعاته على أمن فرنسا؛ فذلك يعني صراحة أن باريس تنظر بعين الشك إلى ما يجري على الجانب الآخر من نهر الراين، وأن هناك مشكلة حقيقية بين دولتين تشكلان محرك الاتحاد الأوروبي؛ حيث كانت باريس تُمثل القوة العسكرية، بينما تمثل ألمانيا قوته الاقتصادية.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً في مؤتمر صحافي في برلين يوم 29 يوليو (د.ب.أ)

ولا يتوقف القلق عند فرنسا؛ إذ إن دولتين إضافيتين تستشعران الخطر، وهما بولندا من جهة، وإيطاليا من جهة أخرى. ورغم مرور ما يزيد على 80 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية التي شهدت احتلالاً ألمانياً للدول الثلاث؛ فمن الواضح اليوم أن نزوع برلين إلى تسريع إعادة تسلحها يُثير مخاوف أوروبية، أقله في الدول الثلاث، كما أنه ينشر ظلالاً من الشك حول الخطط الأوروبية للتسلُّح الجماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه لوران نونيز وزير الداخلية خلال مؤتمر صحافي في مدينة بوردو في 27 يوليو متحدثاً عن الحرائق في جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

نقطة البداية كانت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022؛ إذ قررت حكومة المستشار السابق، أولاف شولتز، إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لإعادة تسليح الجيش الألماني وتحديثه، بهدف جعله «أول قوة مسلحة تقليدية في أوروبا».

قادة الدول الأوروبية المشاركون في «قمة الراغبين» التي عُقدت الاثنين في قصر الأنفاليد بباريس في صورة جماعية يظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وسطها (إ.ب.أ)

وقبيل بدء ولاية فريدريش ميرتس، المستشار الألماني الجديد، أقرّ البرلمان، في 18 مارس (آذار) من العام الماضي، تعديلاً دستورياً يتيح رفع سقف العجز في الميزانية، بهدف توفير التمويل اللازم للنفقات الدفاعية، وتسريع إعادة التسلح، وتحديث الجيش الألماني.

وبفضل القانون الجديد، فإن برلين تُخطط لرفع إنفاقها الدفاعي ليصل إلى 3.5 في المائة من ناتجها الداخلي الخام (مقابل 2.3 في المائة في 2025) مع حلول عام 2029. وبذلك، ستكرس ألمانيا 152 مليار يورو للدفاع، ما يُشكل أعلى ميزانية عسكرية في أوروبا.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

اختلال الميزانيات

وتُبيّن المقارنة مع ميزانية الدفاع الفرنسية فروقاً شاسعة؛ فللعام الحالي تبلغ الميزانية الدفاعية الفرنسية 57.1 مليار يورو، مقابل 108.2 مليار لألمانيا. وتظهر الأرقام تفاقم الفروق بين الدولتين الجارتين مع مرور السنوات. وفيما يخص عام 2029. ستصل الميزانية الألمانية إلى 176 مليار يورو، مقابل 72.8 مليار لفرنسا، ما يعني أن الفارق سيزيد على 100 مليار يورو.

ويمكن عزو الفروق إلى المسافة الشاسعة التي تفصل حجم الاقتصاد الألماني عن نظيره الفرنسي. وتبيّن المقارنة مع الميزانيتين الإيطالية والبولندية أن الميزانية الألمانية تتخطى الأخيرتين بنحو 20 مليار يورو، وأن الفارق بين الدول الثلاث سيصل إلى 100 مليار يورو في عام 2029.

دونالد ترمب برفقة كير ستارمر وإيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

ولخّص ميرتس هدف بلاده بالقول، بمناسبة زيارة قام بها إلى فيلنيوس في 22 مايو (أيار) الماضي، إن الغرض هو «تزويد الجيش الألماني بكل الموارد المالية التي يحتاج إليها لكي يصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا».

حتى اليوم، يحاذر المسؤولون الأوروبيون المعنيون الخوض مباشرة في هذه المسألة الحساسة، لكن ثمة استثناءات. فرئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، لم يتردد، بمناسبة جلسة استماع في مجلس الشيوخ يوم 13 مايو الماضي، في إطلاق ناقوس الخطر؛ فقد قال ما حرفيته: «إن خطر التخلُّف عن الركب قائم؛ فإذا واصلت ألمانيا هذا الإيقاع، فبعد 5 سنوات لن تعود الحجة القائلة إننا نتمتع بخبرة عملياتية وبثقافة عسكرية معينة ذات قيمة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في أثناء مراسم توقيع اتفاقية خلال قمة فرنسية - إيطالية في أنتيب جنوب فرنسا يوم 25 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وبالنسبة إلى الأميركيين، أصبحت ألمانيا تدريجياً المرجعية الأوروبية، فالألمان يعتزمون إنفاق 3 أضعاف ما تنفقه فرنسا كل عام. وبعد 5 سنوات، سيكون الفارق لافتاً للغاية.

ونقلت صحيفة «لو موند» عن صامويل فور، الباحث في معهد البحوث الاستراتيجية التابع للكلية العسكرية الفرنسية قوله إن «هناك نزعة ألمانية نحو العمل بشكل منفرد، لكن هذا يُعيد إلى الأذهان ما كانت فرنسا تفعله قبل وقت ليس ببعيد». وكان الباحث يشير إلى إخفاق البرنامج الفرنسي - الألماني لتصنيع مشترك لطائرة المستقبل القتالية التي أطلق مشروعها قبل 10 سنوات.

وأبلغ ميرتس، رسمياً، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يونيو (حزيران) الماضي، بأن برلين تخلّت عن المشروع. كذلك يبدو أن مشروع تصنيع الدبابة القتالية المشتركة يعاني صعوبات. وفي الحالتين لم يتوصل الصناعيون من الجانبين من الاتفاق على توزيع المهام والمسؤوليات.

ميرتس وزيلينسكي وماكرون وستارمر (أ.ب)

قلق فرنسي

ما يقلق فرنسا هو شعورها المتزايد بأن ألمانيا تريد السير وحدها في مشروعاتها الدفاعية. فإضافة إلى طائرة المستقبل ودبابة الجيل الجديد، تخلّت برلين عن مشروع تطوير المروحية «تايغر» وعن سفينة الرقابة البحرية، كما تخلّت عن مشروع تصنيع فرقاطة مشتركة مع هولندا، فيما يبدو أنها تسعى لنشر مجموعة من الأقمار الاصطناعية المخصصة للاتصالات، ما من شأنه أن ينسف المشروع الأوروبي «إيريس».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على مدخل قصر الإليزيه في 22 يوليو (أ.ف.ب)

وما سبق دفع بول موريس، الباحث في المعهد الفرنسي للدراسات الدولية والمتخصص في العلاقات الفرنسية - الألمانية، إلى القول إنه منذ اندلاع الحرب الأوكرانية سقطت نظرية «فرنسا القوة العسكرية والاستراتيجية وألمانيا القوة الاقتصادية»، وأن ألمانيا «تنفق دوماً المزيد وهي بصدد تخطي فرنسا».

هناك واقع لا ينفيه الاختصاصيون الفرنسيون المتابعون للشأن الألماني، الذين يفسرون عجلة برلين في التسلح بأمرين رئيسيين: الأول، استشعار الخطر الروسي واعتقادهم أن الرئيس بوتين قد لا يتردد في مهاجمة الجناح الشرقي للحلف الأطلسي بحلول عام 2029.

وقال لارس كلينكبيل، نائب المستشار ميرتس، بمناسبة مناقشة ميزانية عام 2026، ما حرفيته: «تعتقد الأوساط الأمنية الألمانية أن بوتين سيكون قادراً في عام 2029، على أبعد تقدير، على مهاجمة أراضي الحلف الأطلسي. وهذا لا يعني أنه سيقوم بذلك، بل يعني أنه سيكون قادراً على ذلك». وتذهب التوقعات الفرنسية في الاتجاه نفسه.

المستشار الألماني ميرتس مع زيلينسكي (إ.ب.أ)

والأمر الثاني، تخوّف ألمانيا من خسارة المظلة الأميركية - الأطلسية بسبب المواقف المتأرجحة للرئيس ترمب، واستشعارها الحاجة إلى تكوين قوى ذاتية قادرة على الدفاع عن مصالح البلاد. من هنا، تحوَّلت ألمانيا إلى أول داعم لأوكرانيا مالياً وعسكرياً، إذ تعدّ أن أوكرانيا هي خط الدفاع الأول عن أوروبا في مواجهة أي مطامع أو نيات عدوانية روسية.

ميرتس مع ترمب في البيت الأبيض في مارس الماضي (أ.ب)

حزب «البديل»

يراقب الأوروبيون ما يجري داخل اللعبة السياسية الألمانية وتبعاتها الخارجية، واهتمامهم مُنصبّ على صعود حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، والنجاحات التي يحققها، والدور المتصاعد الذي يعتزم لعبه في المستقبل، وهم يتساءلون عما قد يقوم به في حال وصوله إلى السلطة، وبتصرفه آلة عسكرية استثنائية.

وثمة مَن يستحضر ما حصل في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، ووصول أدولف هتلر وحزبه النازي إلى السلطة عبر الانتخابات.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في قاعة المرايا بقصر فرساي (رويترز)

ولذا، فإن إعادة التسلح الألماني تذكّر بما حصل في الفترة السابقة المشار إليها. ومن الواضح أن الدول الثلاث المتخوفة غير قادرة على منع ألمانيا من التسلح، لكن ما تريده هو أن يندرج ذلك في إطار أوروبي جماعي، علماً بأن الأوروبيين أخذوا يعون حاجتهم إلى دفاع أوروبي قوي داخل الحلف الأطلسي، وهو ما تدعو إليه واشنطن.

وإزاء المتخوفين، أخذت تُسمع أصوات فرنسية تدعو إلى عدم القلق، باعتبار أن فرنسا تمتلك أوراقاً مهمة تجعل منها القوة الرئيسية داخل الاتحاد الأوروبي، وأولاها امتلاكها القوة النووية التي توفر لها قدرة ردع مستقلة موضوعة بين يدي رئيس الجمهورية، وهو ما لا تمتلكه ألمانيا.

طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «ناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة «لييلفارد» الجوية في لاتفيا 14 أبريل الماضي (إ.ب.أ)

وثانية الأوراق أنها تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، ما يسمح لها بالدفاع عن مصالحها بفضل حق النقض (الفيتو). وثالثها إمكانية قواتها على الانتشار في أي مسرح قتالي بفضل حاملة الطائرات «شارل ديغول» العاملة بالدفع النووي وغواصاتها النووية.

ومن أوراق القوة أن فرنسا تمتلك خبرات قتالية متراكمة منذ عشرات السنين، وهو ليس حال ألمانيا. وباختصار، فلا سبب يدعو باريس للقلق، لكن ما يقلقها هو أن تصاعد قوة ألمانيا سيترك أثره في اتخاذ القرارات داخل الاتحاد الأوروبي لجهة تحديد الخيارات والمسارات الاستراتيجية، ما يعني أن «وزن» فرنسا سيتضاءل، فيما سيزداد موقع ألمانيا قوة. لكن ما يمكن أن يثلج صدور الفرنسيين هو أن برلين استدارت باتجاه باريس للنظر في إمكانية استفادتها من المظلة النووية الفرنسية في حال خسرت المظلة النووية الأميركية، وأن محادثات تُجرى بين الطرفين بهذا الخصوص.


تدشين أطول تمثال لمريم العذراء في أوروبا في قرية بولندية صغيرة

تدشين أطول تمثال لمريم العذراء في أوروبا  (د.ب.أ)
تدشين أطول تمثال لمريم العذراء في أوروبا (د.ب.أ)
TT

تدشين أطول تمثال لمريم العذراء في أوروبا في قرية بولندية صغيرة

تدشين أطول تمثال لمريم العذراء في أوروبا  (د.ب.أ)
تدشين أطول تمثال لمريم العذراء في أوروبا (د.ب.أ)

دشّنت قرية بولندية صغيرة، اليوم (السبت)، تمثالاً ضخماً لمريم العذراء يُعتقد أنه الأطول في أوروبا. وقام أحد أغنى رجال الأعمال في بولندا بتمويله.

وجرى تدشين التمثال الذي يبلغ ارتفاعه 6.‏55 متر في مدينة كونوتوفي بوسط بولندا التي يقطنها أقل من 150 شخصاً. ويشمل ارتفاع التمثال قاعدة على شكل تاج ارتفاعها 15 متراً.

ويعد التمثال –ولو أن موقعه أقل إثارة - أطول من تمثال المسيح الفادي في ريو دي جانيرو في البرازيل الذي يبلغ ارتفاعه بالقاعدة 38 متراً.

كما أن ارتفاعه يتجاوز تمثالاً دينياً آخر في بولندا، تمثال المسيح الملك، في بلدة شفيبودجين في غرب البلاد، والذي أزيح الستار عنه في 2010 ويبلغ ارتفاعه بالتلة التي يقف عليها، نحو 52 متراً فوق الأرض.

وهناك تمثال أطول لمريم العذراء في الفلبين ويبلغ ارتفاعه نحو 98 متراً. ولكن التمثال الجديد يقال إنه الأكبر من نوعه في أوروبا.

وجرى إنشاء التمثال بتكليف من الثنائي الثري رومان وجرازينا كاركوسيك. ويعيشان في قصر صغير على بُعد كيلومترات قليلة من كونوتوبي.