كوبا… وقائع انهيار معلن

رغم ذلك ما زال النظام يمسك ببعض الأوراق في إدارته للأزمة بمساعدة غير مباشرة من المكسيك وروسيا

شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
TT

كوبا… وقائع انهيار معلن

شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)

تتعاقب الزيارات إلى «لؤلؤة الكاريبي» التي منذ أكثر من ستة عقود ترزح تحت عبء أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث كان أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1962 على الجزيرة الثائرة التي ينظر إليها العالم قبل أي شيء بصفتها رمزاً للمقاومة والصمود أمام هيمنة الولايات المتحدة.

لكن الزيارة هذه المرة لها نكهة انهيار معلن بعد جلجلة مديدة من التقشّف الذي بلغ مستويات أسطورية من الشحّ في المواد الغذائية الأساسية، والوقود، والأدوية، والمسكن... ومن الاحتجاجات الشعبية المتنامية، وما يقابلها من فصول القمع السياسي وخنق الحريات العامة.

دخان أسود يتصاعد من مصفاة نيكو لوبيز الواقعة في خليج العاصمة الكوبية هافانا جراء حريق (أ.ف.ب)

لست في حاجة إلى كثير من التجوال، أو السؤال، في العاصمة الكوبية التي تضجّ بالفراغ؛ كي تتبيّن آثار «حصار الوقود» الذي ضربته واشنطن على الجزيرة، وانضمت إليه مكرهة المكسيك وروسيا، بعد أن انقطعت الإمدادات الحيوية من فنزويلا، الشريان الأبهر للاقتصاد الكوبي منذ أيام هوغو تشافيز.

منذ سنوات، وقبل رحيل «الكوماندانتي» فيديل الذي كانت لحيته تتدلّى بتحدٍّ وإباء على مرمى حجر من سواحل فلوريدا، لم تعد كوبا المرأة الثانية في حياة اليساريين، خاصة في أميركا اللاتينية، حيث انتشرت بسرعة في خصوبة أنظمة الاستبداد والمجتمعات الفقيرة. الثورة الكوبية تنحلّ في ماء اعتماد الاقتصاد الاشتراكي المفرط على الخارج، وعقمه الإنتاجي، وأيضاً تحت مطرقة تجدد اهتمام الولايات المتحدة بالجزيرة التي كادت يوماً أن تشعل أول حرب نووية في التاريخ.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

غالباً ما ينسى أصدقاء كوبا الذين ينددون بالحصار الأميركي والطوق الذي تفرضه واشنطن على الجزيرة، أن أسطورة الثورة تدعمها سياسات خاطئة تفاقمت تداعياتها بفعل الحصار والشلل الذي أحدثه في مفاصل الاقتصاد الذي منذ سنوات لم يعد يطمح لأكثر من مجرد الكفاف.

الرهان على دعم المحروقات وجميع السلع الأساسية، وعجز الدولة المزمن عن سداد المستحقات الداخلية والخارجية، والتراجع المطرد في إجمالي الناتج المحلي، والتركيز على القطاع السياحي كعماد أوحد للموازنة العامة، والاعتماد على تحويلات الشتات الكوبي في الخارج... كل ذلك تحوّل عناصر بنيوية في الاقتصاد الكوبي الذي دخل منذ العام الماضي في مسار انهياري سبق أن حذّر منه كثير من الخبراء الاقتصاديين والاجتماعيين والديموغرافيين بعد تراجع الإمدادات الفنزويلية.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

التدابير التي اتخذتها الحكومة الكوبية في الأيام الأخيرة، والتي تضفي على الجزيرة مشهداً سوريالياً من الجمود والقلق، مثل خفض خدمات النقل العمومي إلى النصف، وإقفال الجامعات، وإلغاء الفعاليات الثقافية والرياضية، وإغلاق كثير من الطرق الجوية الداخلية، وتجميع السيّاح في الفنادق... تذكّر بالمرحلة القصوى من «الفترة الخاصة في زمن السلم» التي أعلنها النظام في تسعينات القرن الماضي، قبل عقود من هجمة إدارة ترمب على الجزيرة.

لكن رغم أن تباشير هذا الانهيار كانت بدأت تظهر منذ سنوات، ما زال البعض يرون كوبا مجرد ضحية لغطرسة الولايات المتحدة، ويصرّون على رفض القرائن التاريخية والوقائع التي أوصلت الثورة إلى هذه الحال المتردية، وأنها ما زالت هي ذاتها اليوم كما كانت مطلع عام 1959.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

يرفع النظام الكوبي راية الضحية ويستنجد بالتضامن الدولي معها، لكنه يتغاضى عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في اتخاذ كثير من القرارات منذ أواخر الشهر الماضي، ويتنصّل من المسؤولية عنها. أبرز هذه الأخطاء هو رفض العفو عن المعتقلين السياسيين كما فعل النظام الفنزويلي مؤخراً، والمضي في إجراءات القمع والاعتقالات من غير محاكمة ضد الناشطين الذين ينددون بانعدام الحريات في الجزيرة.

كما ضاعفت الأجهزة الأمنية ملاحقتها المفكرين والأكاديميين الذين يطالبون الحكومة بتحمّل مسؤوليتها عن الانهيار، رغم أنهم يرفضون الضغوط الأميركية. وكما في كل مرة خلال السنوات الماضية، يسارع النظام إلى تخوين المطالبين بالإصلاحات ويتهمهم بالتواطؤ مع الخارج أو بالاستسلام أمام تهديداته، في حين تصرّ الحكومة على التنصّل من مسؤوليتها عن الأزمة، وتطلق حملة تضامن واسعة تسخّر فيها الظروف الإنسانية القاسية لمصلحة الثورة وتلميع صورتها.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز يدخلان قاعة خلال اجتماع في موسكو 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

لكن في أي حال، أصبحت العلاقة اليوم بين أسرة اليسار الدولي وكوبا تنطلق من الاعتراف بأن الجزيرة تواجه أزمة إنسانية حادة، وأن هذا بحد ذاته يشكّل تحولاً مهماً في روابط الثورة مع حلفائها الذين كانوا، طيلة عقود، يرونها نموذجاً بديلاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأميركا اللاتينية والكاريبي، في حين هي اليوم، حتى بنظر حكومتها، دولة متداعية في طور الانهيار.

كوبي يمرّ بجوار لافتة تحمل اسم كوبا وعَلم وطني منكس في هافانا (أ.ف.ب)

رغم ذلك، ما زال النظام يمسك ببعض الأوراق في إدارته لهذا الانهيار المحدق. فالحصار الذي ضربته واشنطن على إمدادات النفط، لا يؤثر على الإنتاج الداخلي للوقود الذي يغطّي 40 في المائة من احتياجات الجزيرة. والاستراتيجية التي وضعتها الحكومة قادرة، بمساعدة غير مباشرة من المكسيك وروسيا، على توفير نصف الخدمات الأساسية في الجزيرة لأشهر عدة. وبوسع الحكومة أن تلعب ورقة قدرة النظام «الأسطورية» على المقاومة والالتفاف الشعبي حوله، وترفع منسوب التضامن الدولي مع الجزيرة، لكن شريطة عدم وقوع انفجار اجتماعي يراه بعض المراقبين وشيكاً.

صورة جوية لمطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا (أ.ف.ب)

وليس مستبعداً أن النظام الكوبي، في إدارته هذه الأزمة، قد أدخل في حساباته المؤقتة احتمال هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الوسطية الخريف المقبل، وفتح ثغرة أمام تقارب أوثق مع الحزب الديمقراطي يؤدي إلى رفع بعض القيود القاسية في الحصار مقابل تجاوب مع بعض المطالب الإصلاحية.

لا يختلف اثنان هذه المرة في هافانا على أن الأسابيع الآتية ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل كوبا. لكن أيّاً كانت وجهة الرياح التي ستهبّ على الجزيرة، فإن المأزق الذي وصلت إليه اليوم يضرب جذور صيرورته العميقة في النموذج الإنمائي الذي قامت عليه الثورة عام 1959، وكان حذّر منه ذات يوم الراحل تشي غيفارا خلال عبوره السريع في إحدى الحكومات الأولى للثورة؛ ما أثار انزعاج فيديل كاسترو الذي طلب فوراً إسقاط التحذير من مضابط تلك الجلسة. ولا يجب أن ننسى أن النظام الكوبي التي تكرّست هشاشته مطلع هذا العام بسقوط مادورو في قبضة واشنطن، كان قد كتب وصيته يوم أقام ذلك التحالف مع فنزويلا من أجل «اشتراكية القرن الحادي والعشرين».


مقالات ذات صلة

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

أوروبا رجل يملأ سيارته بالوقود داخل محطة بنزين في ميامي (أ.ف.ب) p-circle

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو... وسانشيز يؤكد من بكين على دورها «المهم» في حل الأزمة تزامناً مع زيارة لافروف لها.

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بركان ساكوراجيما في محافظة كاجوشيما جنوب غربي اليابان (أ.ف.ب)

نشاط المصانع اليابانية يعود للنمو بعد انكماش دام 11 شهراً

أظهر مسح للقطاع الخاص أن نشاط الصناعات التحويلية في اليابان عاد إلى النمو في يونيو (حزيران) الجاري بعد انكماش دام نحو عام.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شؤون إقليمية مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ) p-circle

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز» وقمة الجمعة برئاسة ماكرون وستارمر ومشاركة 35 مسؤولاً دولياً لإطلاق «المهمة» الجديدة.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا من لقاء سابق بين بوتين والرئيس الإيراني الراحل رئيسي في عشق آباد (تركمانستان) 29 يونيو 2022 (سبوتنيك-أ.ب)

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة وتحذر من زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتهديد التجارة وأمن الطاقة في العالم.

رائد جبر (موسكو )
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء سابق في كوريا الجنوبية (رويترز) p-circle

ترمب يطلب من الصين تأجيل زيارته «لنحو شهر» بسبب حرب إيران

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، أنه طلب من الصين تأجيل زيارته الرسمية «لنحو شهر»، بعدما كان من المقرر أن تمتد من 31 مارس (آذار) إلى 2 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مسلحون احتجزوا رهائن ساعتين داخل مصرف في نابولي قبل أن يلوذوا بالفرار

 شرطيان إيطاليان يقفان في إحدى النقاط بفلورنسا (أرشيفية - رويترز)
شرطيان إيطاليان يقفان في إحدى النقاط بفلورنسا (أرشيفية - رويترز)
TT

مسلحون احتجزوا رهائن ساعتين داخل مصرف في نابولي قبل أن يلوذوا بالفرار

 شرطيان إيطاليان يقفان في إحدى النقاط بفلورنسا (أرشيفية - رويترز)
شرطيان إيطاليان يقفان في إحدى النقاط بفلورنسا (أرشيفية - رويترز)

احتجز مسلحون، الخميس، 25 شخصاً رهائن لمدة ساعتين داخل أحد المصارف في وسط نابولي، جنوب إيطاليا، حسبما أفادت به قوات الدرك الوطني الإيطالية (كارابينييري) «وكالة الصحافة الفرنسية». وقد أُفرج عن الرهائن لاحقاً من دون تسجيل أي إصابات، فيما تمكّن المسلحون من الفرار.

وأوضحت قوات الدرك أن منفّذي السطو، وعددهم 3، أحدهم «كان مسلحاً بالتأكيد»، اقتحموا نحو الساعة 11:30 فرعاً لمصرف «كريدي أغريكول» في ساحة ميداليي دورو في نابولي.

علم إيطاليا (أ.ف.ب)

وأضافت أنهم احتجزوا الزبائن والموظفين الموجودين، وعددهم 25 شخصاً، قبل الإفراج عنهم نحو الساعة 13:30 من دون إصابة أي منهم، وفق المصدر نفسه.

وقال محافظ نابولي، ميكيلي دي باري، في بيان الخميس: «بفضل سرعة التدخل والتنسيق العملاني بين الوحدات المختلفة المنتشرة والإدارة النموذجية للوضع، أُفرج عن جميع الرهائن بعيد الساعة 13:30 من دون إصابات خطيرة».

وحسب قوات الدرك، يُرجّح أن الخاطفين تمكّنوا من الفرار عبر فتحة حفروها في الأرض.

من جهته، أكد مصرف «كريدي أغريكول» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» وقوع عملية السطو والإفراج عن جميع الرهائن من جانب قوات الأمن.


توقيف 3 أشخاص بعد محاولة إحراق مقر وسيلة إعلام إيرانية في لندن

ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
TT

توقيف 3 أشخاص بعد محاولة إحراق مقر وسيلة إعلام إيرانية في لندن

ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)

أعلنت الشرطة البريطانية، الخميس، توقيف ثلاثة أشخاص على خلفية محاولة إحراق مكاتب وسيلة إعلام ناطقة بالفارسية في شمال غربي لندن.

وقالت الشرطة، وفق وكالة «رويترز»، إن حاوية مشتعلة أُلقيت مساء الأربعاء باتجاه مقر الوسيلة الإعلامية، التي لم يُكشف عن اسمها، في منطقة ويمبلي، وسقطت في موقف سيارات حيث انطفأت النيران من تلقاء نفسها، من دون تسجيل أضرار أو إصابات. وأضافت أن عناصر الأمن طاردوا لاحقاً سيارة سوداء يُعتقد أن المشتبه بهم فرّوا على متنها من موقع الحادث، قبل أن تتعرض لحادث.

وأوقفت الشرطة شابين يبلغان 19 و21 عاماً، إلى جانب فتى يبلغ 16 عاماً، للاشتباه في ارتكاب جريمة حريق متعمّد مع تعريض حياة الآخرين للخطر، وتم احتجازهم قيد التحقيق. وأوضحت أن الحادث لا يُصنّف عملاً إرهابياً، لكن عناصر من مكافحة الإرهاب يشاركون في التحقيق.

وجاءت هذه الواقعة بعد يوم من توقيف مشتبه بهما على خلفية محاولة إحراق منفصلة استهدفت كنيساً في شمال لندن أيضاً، رغم تأكيد الشرطة أنه لا توجد صلة بين الحادثين حتى الآن.

وفي الشهر الماضي، أُضرمت النيران في عدد من سيارات الإسعاف التابعة لخدمة الطوارئ التطوعية اليهودية «هاتزولا»، أثناء توقفها قرب كنيس في منطقة غولدرز غرين شمال لندن.

وكانت السلطات البريطانية قد حذّرت سابقاً من تهديدات تستهدف صحافيين يعملون في وسائل إعلام ناطقة بالفارسية تنتقد الحكومة الإيرانية. ففي عام 2024، تعرّض صحافي يعمل في قناة «إيران إنترناشيونال» للطعن في ساقه قرب منزله في جنوب لندن.

كما كشف رئيس جهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5) في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن أن الجهاز والشرطة أحبطا أكثر من 20 مخططاً مدعوماً من إيران لخطف أو قتل مواطنين بريطانيين أو أفراد مقيمين في المملكة المتحدة تعتبرهم طهران تهديداً.


«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
TT

«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، نداءً جديداً إلى الشركاء لمواصلة الضغط على روسيا وتقديم المساعدة التي تعهدوا بها لبلاده على وجه السرعة، وذلك بعد أحدث الهجمات الروسية التي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات في مناطق مختلفة من أوكرانيا، في حين أعلن قائد سلاح الطائرات المسيّرة في أوكرانيا عبر تطبيق «تلغرام» أن الجيش استهدف مستودعي نفط في شبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى بنية تحتية في ميناء توابسي بجنوب روسيا.

الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل 26 مارس الماضي (أ.ف.ب)

وقال مسؤولون روس، الخميس، إن طائرات مسيّرة أوكرانية أصابت ناقلة ‌نفط ترفع ‌علم ​ليبيريا في ‌البحر ⁠الأسود ​وإن قبطانها، ⁠وهو تركي، نُقل إلى المستشفى مصاباً بجروح. وقالت تقارير ‌إعلامية ​إن ‌هجوماً أوكرانيا ‌كبيراً بطائرات مسيّرة خلال الليل على ميناء ‌توابسي على البحر الأسود أسفر عن ⁠مقتل ⁠شخصين، بينهما فتاة عمرها 14 عاماً، وإصابة سبعة آخرين واشتعال حريق كبير.

وقال الرئيس الأوكراني إنه تبيّن أن روسيا لا تستحق أي رفع للعقوبات مع إصابة 100 شخص إلى جانب القتلى. وأفادت وزارة الدفاع الروسية بأن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت 207 طائرات مسيّرة أوكرانية خلال الليل ودمرتها.

وكتب زيلينسكي في منشور على «إكس»: «أثبتت ليلة أخرى أن روسيا لا تستحق أي تخفيف في السياسة الدولية أو رفع العقوبات... يجب أن يكون الضغط على روسيا فعالاً. ومن المهم الوفاء بكل وعد بالمساعدة لأوكرانيا في الوقت المحدد».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«ناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» 21 يناير الماضي (أ.ف.ب)

ميدانياً، أفاد مسؤولون أوكرانيون بأن القوات الروسية شنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على العاصمة الأوكرانية كييف ومدن أخرى فجر الخميس؛ ما أسفر عن مقتل 17 شخصاً وإصابة العشرات، فضلاً عن إلحاق أضرار جسيمة بعدد من المباني.

وسمع صحافيو «وكالة الأنباء الفرنسية» دوي انفجارات قوية ليلاً في العاصمة، وشاهدوا أعمدة كثيفة من الدخان الأسود تتصاعد فوق وسط المدينة عند الفجر. وأعلن رئيس البلدية فيتالي كليتشكو مقتل أربعة أشخاص أحدهم طفل. وفي أوديسا بجنوب البلاد، ذكر مسؤولون أن ثمانية أشخاص قتلوا. وفي مدينة دنيبرو جنوب شرقي البلاد، حيث تسببت الهجمات الروسية في اشتعال النيران بمبانٍ سكنية، قال مسؤولون إن أربعة قتلوا، ولقي شخص آخر حتفه في منطقة مجاورة. وفي خاركيف، بشمال شرقي أوكرانيا، قال مسؤولون إن شخصين أصيبا في غارات جوية بطائرات مسيّرة.

خلال لقاء مع أعضاء مجلسَي الوزراء الألماني والأوكراني في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

سياسياً، أكدت الدول الداعمة لأوكرانيا من جديد التزامها بمواصلة المساعدات العسكرية في اجتماع لمجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا في برلين. وفي كلمة بعد اجتماع في برلين للمجموعة - وهو تحالف من 50 دولة ينسق الدعم العسكري لكييف - شدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس على استمرار الحاجة إلى المساعدة.

قال بيستوريوس إنه يجب ألا يتم تقليص الدعم لقتال أوكرانيا ضد القوات الروسية، على الرغم من الاهتمام العالمي بالشرق الأوسط. وقال مخاطباً جمهوراً ضم نظيره الأوكراني ميخايلو فيدوروف: «نحن نحافظ على دعمنا القوي. يمكن لأوكرانيا أن تستمر في الاعتماد علينا».

وقال بيستوريوس: «هناك شيء واحد مؤكد وواضح وهو أن روسيا تستفيد من التطورات الحالية في الشرق الأوسط؛ نظراً لأن ارتفاع أسعار النفط يصب الأموال في خزائن بوتين الحربية، على الأقل في الوقت الحالي».

وسلَّط وزير الدفاع البريطاني جون هيلي الضوء على الدور المتزايد للطائرات المسيّرة في ساحة المعركة، قائلاً إن الطائرات المسيّرة مثلت 96 في المائة من الخسائر الروسية في مارس (آذار). وأعلن أن حكومته ستعمل على تزويد أوكرانيا بـ120 ألف طائرة مسيّرة من مختلف الأنواع قبل نهاية العام الحالي. كما أشاد صراحة بعرض كييف دعم دول الخليج في الدفاع ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

حثّ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته الدول الأعضاء، الأربعاء، على «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف. وقال روته: «علينا ضمان قدرتنا على تقديم دعم متواصل لأوكرانيا». ودعا الدول الـ32 الأعضاء في الحلف إلى «الاستثمار بشكل أكبر للوصول إلى هدف 60 مليار دولار في دعم الأمن والدفاع في أوكرانيا هذا العام».

ورداً على سؤال بهذا الشأن، قال روته: «علينا ضمان حصول أوكرانيا على ما تحتاج إليه للدفاع». وأضاف: «هناك إجماع واسع النطاق على هذه النقطة، على ضفتي المحيط الأطلسي».

وقال وزير الدفاع الأوكراني ميخاييلو فيدوروف في برلين، «هذا الشتاء كان من الأصعب في تاريخنا». وأضاف: «بين نوفمبر (تشرين الثاني) ومارس (آذار)، أطلق الكرملين 462 صاروخاً بالستياً ونحو 600 صاروخ كروز و27 ألف مسيّرة على أوكرانيا؛ بهدف تدمير البنية التحتية للطاقة لدينا وإغراق سكاننا في الظلام».

وتدارك: «لكن أوكرانيا صمدت»، مشيراً إلى أنّها عزّزت دفاعاتها الجوية بفضل الدعم المقدّم من الحلفاء الأوروبيين لشراء المعدات الأميركية، «بحيث وصل معدّل اعتراض صواريخ كروز إلى نحو 80 في المائة وارتفع معدّل اعتراض الطائرات من دون طيار إلى 90 في المائة».

وجاء اجتماع مجموعة الاتصال في وقت يبدو أنّ عملية التفاوض التي أُطلقت برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوضع حد للحرب في أوكرانيا، وصلت إلى طريق مسدود بسبب الخلافات العميقة بشأن الأراضي الأوكرانية التي أعلنت روسيا ضمّها وترفض كييف التخلّي عنها.

وفي ظل عدم الإعلان عن أي خطط لمزيد من المحادثات بوساطة أميركية مع روسيا، زار زيلينسكي ثلاث عواصم أوروبية؛ سعياً للحصول على وعود بمزيد من الدعم العسكري والمالي من ألمانيا والنرويج. وزار زيلينسكي برلين قبل روما، واتفق مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس على شراكة استراتيجية تتركز على المجال الدفاعي والطائرات المسيّرة. كذلك زار زيلينسكي النرويج، الثلاثاء، حيث اتفق مجدداً مع رئيس الوزراء يوناس غار ستوره على تعزيز التعاون في مجالي الدفاع والأمن. وكتب في منشور على منصة «إكس»: «نحن في حاجة إلى صواريخ دفاع جوي كل يوم (...) يواصل فيه الروس ضرباتهم على مدننا».

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران مؤتمراً صحافياً في المستشارية ببرلين (إ.ب.أ)

في غضون ذلك، أعلن مسؤولون أوكرانيون أن ألمانيا وأوكرانيا اتفقتا على حزمة مساعدات دفاعية بقيمة 4 مليارات يورو (4.7 مليار دولار)، في حين تعهدت النرويج بتقديم مساعدات بقيمة 9 مليارات يورو. وقال زيلينسكي إنه بصدد الطلب من الدول الأوروبية مواصلة زيادة مساهماتها المالية في صندوق يتيح شراء أسلحة أميركية الصنع من الولايات المتحدة لصالح أوكرانيا، ولا سيما منظومة الدفاع الجوي «باتريوت» القادرة على اعتراض صواريخ كروز والصواريخ الباليستية الروسية التي تستهدف المناطق المدنية.