مصرية الأصل وأم لـ7 أطفال... ماذا نعرف عن ليلى كانينغهام المرشحة لمنصب عمدة لندن؟

ليلى كانينغهام مرشحة حزب «الإصلاح» البريطاني لمنصب عمدة لندن تتحدث خلال تجمع انتخابي للحزب في مركز «إكسل لندن» (رويترز)
ليلى كانينغهام مرشحة حزب «الإصلاح» البريطاني لمنصب عمدة لندن تتحدث خلال تجمع انتخابي للحزب في مركز «إكسل لندن» (رويترز)
TT

مصرية الأصل وأم لـ7 أطفال... ماذا نعرف عن ليلى كانينغهام المرشحة لمنصب عمدة لندن؟

ليلى كانينغهام مرشحة حزب «الإصلاح» البريطاني لمنصب عمدة لندن تتحدث خلال تجمع انتخابي للحزب في مركز «إكسل لندن» (رويترز)
ليلى كانينغهام مرشحة حزب «الإصلاح» البريطاني لمنصب عمدة لندن تتحدث خلال تجمع انتخابي للحزب في مركز «إكسل لندن» (رويترز)

​ برز اسم ليلى كانينغهام خلال الأشهر الماضية، بوصفها أحد الوجوه في سباق الترشح لمنصب عمدة لندن، في انتخابات تُعد من بين الأكثر تعقيداً وحساسية في المشهد السياسي البريطاني.

وأعلن زعيم حزب «الإصلاح» البريطاني نايجل فاراج، أن ليلى كانينغهام ستكون مرشحة الحزب لمنصب عمدة لندن في الانتخابات المقبلة للعاصمة عام 2028.

من أصول مصرية

وُلدت المدعية العامة السابقة في لندن لأبوين مصريين هاجرا إلى المملكة المتحدة في ستينات القرن الماضي، وظهرت كانينغهام وفاراج معاً في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء 7 يناير (كانون الثاني)، محاطين بلافتات كُتب عليها «لندن بحاجة إلى الإصلاح».

وفي المؤتمر الصحافي، قال فاراج إن كانينغهام ستكون الشخصية المحورية لحملة الحزب في لندن قبل انتخابات مايو (أيار)، التي وصفها بأنها «الاختبار الانتخابي الأهم» قبل الانتخابات العامة المقبلة.

ليلى كانينغهام مرشحة حزب «الإصلاح» البريطاني لمنصب عمدة لندن مع زعيم الحزب نايجل فاراج خلال مؤتمر صحافي في قاعة غلازييرز هول ساوثوارك (د.ب.أ)

وبعد أن أصبحت كانينغهام عضوة في مجلس مدينة وستمنستر عن حزب «المحافظين» عام 2022، انضمت الأم لـ7 أطفال إلى حزب «الإصلاح» في يونيو (حزيران) من العام الماضي، مُعلنةً رغبتها في النضال من أجل «تخفيض الضرائب، وضبط الحدود، ووضع مصلحة بريطانيا في المقام الأول».

وتنحدر ليلى كانينغهام من خلفية اجتماعية متوسطة، ونشأت في جنوب لندن، حيث تقول إن قضايا السكن وغلاء المعيشة والخدمات العامة شكلت وعيها السياسي المبكر.

ودرست كانينغهام العلوم الاجتماعية والسياسات الحضرية، وعملت لسنوات في منظمات مجتمع مدني تُعنى بالإسكان الاجتماعي ومكافحة الفقر الحضري، قبل دخولها المجال السياسي.

مدعية عامة سابقة... وتحب السلة

وفي حديثها عن حبها للعاصمة، قالت كانينغهام إنها تعلمت «أهمية روح الفريق» من خلال لعب كرة السلة في دورة ألعاب لندن للشباب، وقالت كانينغهام: «لقد أصبحت مدعية عامة كبيرة هنا، وأقوم بتربية أطفالي السبعة هنا، وهذه 7 أسباب تجعلني أرغب في القيام بهذا العمل»، حسبما أوردت صحيفة «إندبندنت» البريطانية.

وكانت كانينغهام قد تركت وظيفتها بالنيابة العامة في يونيو (حزيران) من العام الماضي، بعد أن أدلت بسلسلة من التصريحات ذات الطابع السياسي أثناء إعلان انضمامها إلى حزب «الإصلاح». وكان منصبها بوصفها مدعية عامة يُلزمها بقواعد صارمة تحدّ من أي نشاط سياسي قد يُنظر إليه على أنه يُخلّ بالحياد، وذلك تماشياً مع القواعد التي يتبعها موظفو الخدمة المدنية.

وبعد نشر تصريحات كانينغهام لصحيفة «ذا ستاندرد»، أعلنت النيابة العامة أنها قدّمت استقالتها، وقد قُبلت. وصرحت لاحقاً بأنها استُدعيت لاجتماع وأُبلغت باحتمالية انتهاكها لقواعد السلوك في الخدمة المدنية.

خطتها للأمن في لندن

أشارت كانينغهام، مرشحة حزب «الإصلاح» لمنصب عمدة لندن، إلى أنها ستركز على مكافحة الجريمة، وانتقدت سجل عمدة لندن السابق، السير صادق خان، من حزب «العمال»، في هذا الشأن، وقالت إن لديها «رسالة مختلفة» لسكان لندن. وقالت كانينغهام: «سيكون هناك قائد جديد للمدينة، وسأشن حرباً شاملة على الجريمة».

ليلى كانينغهام مرشحة حزب «الإصلاح» البريطاني لمنصب عمدة لندن تلقي خطاباً في تجمع للحزب بلندن (إ.ب.أ)

وأضافت: «سأضع أولويات واضحة وعالية المستوى لشرطة العاصمة للتركيز على مكافحة جرائم الطعن بالسكاكين، والمخدرات، والسرقة، ونشل المتاجر، والاغتصاب». كما صرحت بأنها ستكلف الشرطة بـ«استهداف عصابات الاغتصاب في لندن وملاحقتها ومقاضاتها».

ورداً على سؤال حول كيفية خفض معدلات الجريمة، قالت عضوة مجلس وستمنستر إنها ستعيد صياغة خطة شرطة لندن ومكافحة الجريمة، وستصدر «توجيهات جديدة» لشرطة العاصمة «لمكافحة الجرائم الخطيرة».

- تصريحات مثيرة للجدل

وكانت المرشحة لمنصب عمدة لندن قد أثارت الجدل بعد تصريحات عُدّت مسيئة ومحرِّضة تخص النقاب، بعدما دعت إلى إخضاع النساء اللاتي يرتدين البرقع لإجراءات الإيقاف والتفتيش، وفتحت نقاشاً واسعاً حول حرية المعتقد وحدود الخطاب السياسي في مجتمع متعدّد الثقافات.

وفي حديثها إلى بودكاست صحيفة «ستاندرد» البريطانية، قالت كانينغهام: «إذا ذهبتَ إلى أجزاء من لندن، فقد تشعر فعلاً بأنها مدينة مسلمة. اللافتات مكتوبة بلغة مختلفة، ويُباع البرقع في الأسواق»، معتبرة أن المطلوب هو «ثقافة مدنية واحدة» وأن «تكون بريطانية».

ووصفت النائبة المستقلة شايستا جوهير، الرئيسة التنفيذية لشبكة النساء المسلمات في المملكة المتحدة، تصريحات كانينغهام بأنها «خطيرة» و«تحريضية» للعنصريين، وقالت إنها ستزيد من عزلة النساء المسلمات، بمن فيهن الأقلية التي ترتدي النقاب. وأضافت جوهير أنه على الرغم من خلفية كانينغهام، فإنها «توجه رسالة إلى المسلمين مفادها أنهم لا ينتمون إلى هذا المكان»، و«تشجع من يسيئون معاملة المسلمين بالفعل، وتؤثر على من يقرأون هذه المعلومات المضللة».

ويُعدّ موضوع النقاب مسألة حساسة داخل حزب «الإصلاح» البريطاني، وفق تقرير أوردته صحيفة «الغارديان»؛ ففي يوليو (تموز) الماضي، وصف الرئيس السابق للحزب ضياء يوسف، سؤالاً طرحته نائبة الحزب سارة بوتشين يدعو إلى حظر البرقع، بأنه «غبي»، مؤكداً أنه لا يعبّر عن سياسة الحزب، قبل أن يعيد، يوم الجمعة، نشر مقابلة كانينغهام على منصة «إكس»، في خطوة زادت من حدة الجدل حول مواقف الحزب.


مقالات ذات صلة

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

شمال افريقيا رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو المقبل

أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مهرجان انتخابي في إشبيلية 15 مايو الحالي (رويترز)

سانشيز... تألق في الخارج وانتكاسات في إسبانيا

مني حزب رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي، بيدرو سانشيز، بهزيمة انتخابية قاسية الأحد في إقليم الأندلس.

شوقي الريّس (مدريد)
المشرق العربي المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري الدكتور نوار نجمة (سانا)

برَّاك ناقش في دمشق التحديات التي تواجه «الدمج» واستكمال الانتخابات

قالت مصادر مقربة من الحكومة السورية، إن زيارة توم برَّاك ولقاءه الرئيس أحمد الشرع، السبت، كانا ضروريين لمناقشة عملية الدمج وملف العلاقات السورية- اللبنانية.

سعاد جروس (دمشق)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي يستعرض صوراً لمشروع قاعة احتفالات البيت الأبيض على متن الطائرة الرئاسية في 29 مارس (رويترز)

ارتفاع الأسعار يختبر صبر الناخبين الأميركيين قبل أشهر من «التجديد النصفي»

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختباراً سياسياً واقتصادياً صعباً، مع عودة التضخم وارتفاع الأسعار، في وقت يقترب فيه موعد انتخابات التجديد النصفي.

توني روم (واشنطن) بن كاسلمان (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)

«خرائط الكونغرس» تتحول إلى سلاح انتخابي في أميركا

لم تعُد معركة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة خلافاً تقنياً حول حدود جغرافية، بل تحوّلت إلى واحدة من أشرس ساحات الصراع الحزبي.

إيلي يوسف (واشنطن)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

قال سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، الثلاثاء، إن موسكو لديها معلومات تفيد بأن أوكرانيا تخطط لإطلاق طائرات مسيّرة عسكرية من لاتفيا ودول البلطيق الأخرى، محذّراً من أنّ عضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو) لن تحمي تلك الدول من الرد الانتقامي.

وزعم نيبينزيا، في كلمة ألقاها خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي عن الأمن في أوكرانيا، أن كييف أرسلت بالفعل طائرات مسيّرة إلى لاتفيا.

وسارعت سفيرة لاتفيا لدى مجلس الأمن سانيتا بافلوتا - ديسلاندز إلى رفض هذه التصريحات ووصفتها بأنها «محض خيال».

وحذّرت تامي بروس، نائبة سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، من أن المنظمة الدولية «ليست مكاناً لإطلاق التهديدات ضد عضو في المجلس». وقالت إن الولايات المتحدة ستفي بجميع التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي.


«إغلاق هرمز» يدفع العالم إلى حافة أزمة غذاء

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
TT

«إغلاق هرمز» يدفع العالم إلى حافة أزمة غذاء

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

هيمنت تداعيات حرب إيران على أعمال اليوم الأول من مؤتمر «الشراكات العالمية» الذي تستضيفه لندن بمشاركة عشرات الدول والمنظمات الدولية والشركات والمؤسسات الخيرية من مختلف أنحاء العالم.

وفي وقت تسعى فيه بريطانيا إلى طرح مقاربة جديدة للتنمية الدولية تواكب تحديات المرحلة، وتقترح حلولاً لتراجع تمويل التنمية حول العالم، حذّرت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر من أن استمرار إغلاق إيران لمضيق هرمز يهدد سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة. ويُقدّر برنامج الأغذية العالمي أن نحو 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون تراجعاً حاداً في الأمن الغذائي إذا لم ينتهِ النزاع بحلول منتصف العام الجاري.

وقالت كوبر إن «العالم يتّجه نحو أزمة غذاء عالمية. لا يمكننا المخاطرة بأن يعاني عشرات الملايين من الجوع لأن دولة واحدة اختطفت ممراً ملاحياً دولياً». وأضافت أن «استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع حلول الموسم الزراعي يعكس الحاجة إلى ضغط دولي عاجل لإعادة فتح المضيق، وضمان تدفق الأسمدة والوقود، وتخفيف ضغوط تكاليف المعيشة». وأكّدت أن بريطانيا «ستواصل قيادة الدعوات لإعادة فتح المضيق فوراً ومن دون قيود»، إلى جانب الدفع بخطط «المهمة متعددة الجنسيات لمضيق هرمز» دعماً لأي اتفاق محتمل.

أزمة شاملة

تشير لندن إلى أن المؤتمر، الذي يستمر يومين، يأتي في توقيت حرج لا يقتصر على المسار الدبلوماسي، بل يتزامن أيضاً مع انطلاق الموسم الزراعي العالمي، إذ يحذر مسؤولون من أن تعطل تدفق الأسمدة والوقود قد يفرض الحاجة إلى شحنات طارئة من المساعدات الإنسانية، وليس فقط إلى استثمارات أو حلول تكنولوجية.

وزيرة التنمية البريطانية لدى إلقائها كلمة أمام المشاركين في مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن، يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قالت وزيرة التنمية البريطانية البارونة جيني تشابمان، إن الحرب وإغلاق مضيق هرمز تحوّلا إلى «أزمة على كل المستويات»، تمتد تداعياتها إلى الغذاء والأسمدة والوقود والتحويلات المالية وسلاسل الإمداد الدولية، محذّرة من أن استمرار الأزمة يفرض على المجتمع الدولي «تحديد الأولويات بصورة عاجلة» للتعامل مع التداعيات المتوقعة.

وأضافت أن العالم «بحاجة إلى فهم دقيق لطبيعة التأثيرات المتوقعة على كل دولة، وتوقيتها، وكيفية الاستجابة لها»، مشيرة إلى أن تداعيات الأزمة «لن تصيب جميع الدول في الوقت نفسه أو بالطريقة نفسها».

وقالت الوزيرة: «فيما يتعلق بالأمن الغذائي حالياً، نحن بحاجة إلى النظر في التموضع المسبق، وفي آليات التوزيع، ومن يمتلك مخزونات استراتيجية، ومواعيد مواسم الزراعة في الدول المختلفة، حتى نفهم متى ستبدأ آثار أزمة الأسمدة بالظهور فعلياً، لأن هذا لن يضرب الجميع في الوقت نفسه أو بالطريقة نفسها». وأضافت: «كما نحتاج إلى فهم القضايا المرتبطة بالتوزيع وكلفة الوقود، لأن كثيراً من الدول تعتمد على المنتجات المستوردة».

وأشارت تشابمان إلى أن البنك الدولي «لديه بالفعل أدوات يستخدمها لإيصال مزيد من أموال المساعدات»، موضحة أن عدداً من الدول بدأ بالفعل محادثات مع صندوق النقد الدولي، «لكن ذلك ليس كافياً».

وتابعت: «نحن بحاجة إلى تنسيق أفضل، ولهذا السبب لدينا هنا أيضاً برنامج الأغذية العالمي، ولجنة الإنقاذ الدولية، والوكالات الإنسانية التي سيتعين عليها العمل معاً بطريقة لم تفعلها من قبل، وعلى هذا النطاق الواسع، لضمان أننا نفعل كل ما يمكننا فعله لحماية الناس».

أزمة إيران تتجاوز الحدود

تقول الحكومة البريطانية إن التحديات العالمية، مثل الأزمة الإيرانية، «لا تتوقف عند الحدود»، معتبرة أن المؤتمر الذي يُعقد بالشراكة مع جنوب أفريقيا ومؤسسة الاستثمار الدولي البريطانية ومؤسسة صندوق استثمارات الأطفال، يسعى إلى إعادة التفكير في كيفية توحيد الجهود بين الحكومات، والمنظمات الدولية، والقطاع الخاص، والمؤسسات التكنولوجية والخيرية، ومنظمات المجتمع المدني، لمواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية والصحية.

ويستضيف المؤتمر جلسات مخصصة لبحث تداعيات حرب إيران الاقتصادية والإنسانية، وتأثير اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، بما في ذلك نقص الأسمدة ومخاطر الأمن الغذائي، إضافة إلى سبل تعزيز الاستجابة المبكرة في المناطق الأكثر هشاشة.

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن، يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

وقالت كوبر في كلمتها أمام المؤتمر إن «هذه الأزمة تؤثر على الدول المتقدمة والنامية، وعلى القطاعين العام والخاص على حد سواء. وهي تظهر حاجتنا إلى نهج جديد للشراكات العالمية، يقود التنمية الدولية بطريقة تتجنب الأزمات قبل وقوعها». وأضافت: «لقد تغيّر العالم بوتيرة أسرع من قدرة النظام الدولي على دعمه. ويعكس هذا المؤتمر نهجنا الحديث للتنمية، القائم على روح جديدة من الشراكة وبناء تحالفات جديدة من أجل عالم خالٍ من الفقر وعلى كوكب قابل للحياة».

مقاربة تنموية جديدة

أطلقت المملكة المتحدة خلال المؤتمر مبادرة «الميثاق العالمي للشراكات»، بهدف بناء نموذج جديد للتعاون الدولي «يعمل بصورة أسرع وأكثر انفتاحاً وعلى أساس شراكات حقيقية»، بما يسمح ليس فقط بالاستجابة لأزمات مثل حرب إيران وتداعياتها على الطاقة والغذاء والأسمدة، بل أيضاً ببناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة أزمات المستقبل، مع تمكين الدول من قيادة مسارات نموها الاقتصادي.

وتلفت وزيرة التنمية البريطانية في هذا السياق إلى أن «التمويل التنموي التقليدي وحده لا يمكنه تلبية هذه المطالب، بل إنه لم يكن قادراً على ذلك يوماً. كما أنه لا يواكب حجم التحديات التي نواجهها اليوم. نحن بحاجة إلى طرح أفكار جديدة، وإشراك تحالف أوسع من الشركاء على الطاولة».

وتابعت: «لقد استمعنا إلى ما يطالب به شركاؤنا. فهم يريدون العمل في شراكة مع المملكة المتحدة. والدول تسعى إلى مزيد من السيطرة على قراراتها، والانتقال إلى ما بعد الاعتماد على المساعدات، وجذب الاستثمارات، وتعزيز أنظمتها الصحية والتعليمية، وتولي زمام مستقبلها بنفسها».

وعدّت أن «القرارات التي ستصدر عن هذا المؤتمر ستعود بالفائدة على الجميع: اقتصادات أقوى، وأزمات أقل، ومستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً يفتح المجال أمام الفرص».

ويهدف الميثاق التنموي الجديد إلى حشد مليارات الدولارات من أدوات التمويل المبتكرة، وتسخير التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وبناء شراكات جديدة تساعد الدول على تعزيز أنظمتها، وإدارة المخاطر في مراحل مبكرة، وزيادة قدرتها على الاعتماد على الذات في مواجهة الصدمات المستقبلية.

مبادرة دعم أطفال غزة

وفي إطار الدفع نحو إصلاح منظومة التنمية الدولية، أعلنت بريطانيا والدول والجهات الشريكة في استضافة المؤتمر حزمة مبادرات جديدة ترتكز على ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل: توفير تمويل أكثر استدامة وتنوعاً، وتسريع الوصول العادل إلى المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز الشراكات التي تضع الدول والمجتمعات المحلية في صدارة جهود التنمية.

ومن أبرز المبادرات التي أُعلنت خلال المؤتمر، إطلاق شراكة صحية جديدة لدعم الأطفال المصابين جراء الحرب في غزة، بمشاركة المملكة المتحدة ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ومؤسسة «مجتمع جميل» السعودية، ومؤسسة «ميريو» الفرنسية.

وتهدف المبادرة إلى توفير خدمات إعادة التأهيل والأطراف الصناعية للأطفال الذين تعرضوا لإصابات ناجمة عن الانفجارات خلال الحرب، على أن تتولى منظمة «يو كيه - ميد» البريطانية تنفيذ البرنامج ميدانياً، بالتعاون مع «إمبريال كوليدج لندن»، مع الاستفادة من الخبرات البريطانية في تكنولوجيا الرعاية الصحية.

تعاون مع السعودية

قالت البارونة جيني تشابمان لـ«الشرق الأوسط» إن «النهج التنموي الجديد يتمثل في تقديم الدعم للأطفال في غزة الذين فقدوا أطرافهم، وذلك من خلال المساعدة في الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل»، مضيفة أنه «من المأساوي رؤية ما حدث، وأن عدداً كبيراً جداً من الأطفال الصغار باتوا يواجهون احتمال أن يعيشوا حياتهم بطريقة لم يتخيلوها أبداً».

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تخاطب المشاركين في مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (أ.ف.ب)

وأضافت الوزيرة البريطانية أن «التكنولوجيا الطبية موجودة لدعمهم، لكن التحدي يتمثل في إيصال هذا الدعم إلى الناس في المكان والوقت المناسبين، وتوفير إعادة التأهيل المستمرة أيضاً».

وعدّت تشابمان المبادرة «تجسيداً لفكرة المؤتمر»، مضيفة: «نعمل مع المملكة العربية السعودية وبعض المنظمات الخيرية لتوحيد الموارد والخبرات والتمويل، بما يتيح لنا تنفيذ هذا المشروع في إطار شراكة حقيقية».


«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
TT

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)

هل كان سقوط فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية سراباً بالنسبة إلى الذين يبشّرون بانحسار الموجة اليمينية المتطرفة في أوروبا؟ وهل كانت هزيمة رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، مؤخراً في الاستفتاء على تعديل بعض مواد الدستور مجرد حادث عابر وضريبة كان لا بد منها بعد سلسلة الفضائح التي عصفت بالائتلاف الحاكم؟

رئيس الوزراء المجري الجديد، بيتر ماجار، جاء من صفوف الحزب الذي أسسه أوربان، وتدرّج فيه إلى أن قرر الانشقاق عنه عندما شعر أن الظرف بات مواتياً لتحقيق طموحه بالوصول إلى السلطة.

ترحيب أوروبي بخسارة أوربان انتخابات المجر (أ.ف.ب)

الاستطلاعات الأخيرة في إيطاليا تدلّ بوضوح على أن حزب «إخوان إيطاليا» الذي تقوده ميلوني هو الأوسع شعبية، وأن فوز القوى اليسارية في انتخابات مقبلة دونه عقبات كثيرة، هذا إذا تمكنت تلك القوى من خوضها متحالفة. يضاف إلى ذلك أن الهزيمة المدوّية التي مني بها حزب «العمّال» البريطاني في الانتخابات البلدية والإقليمية و«تفرّقت فصائله أيدي سبأ»، هي نذير شؤم بالنسبة إلى من يتوقعون نهوض المعسكر التقدمي الأوروبي من كبوته المديدة التي عمقتها أيضاً هزيمة «الاشتراكيين الديمقراطيين» في الدنمارك بمنتصف مارس (آذار) الماضي، وتراجع شعبية نظرائهم في ألمانيا إلى 14 في المائة من الدعم الشعبي استناداً إلى استطلاعات الرأي الأخيرة.

بيتر ماجار زعيم حزب «تيسّا» يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست يوم 13 أبريل 2026 (رويترز)

في فرنسا، ورغم صمود «الاشتراكيين» النسبي في الانتخابات البلدية الأخيرة، ما زال الحزب «الاشتراكي» أثراً بعد عين مقارنة بالماضي غير البعيد، وفي أوروبا الشرقية أصبحت الأحزاب اليسارية في غياب شبه تام عن المشهد السياسي.

هذا المشهد التقدمي القاتم في أوروبا تعرّض لانتكاسة أخرى قاسية نهاية الأسبوع الماضي عندما مُني الحزب «الاشتراكي العمالي» الحاكم في إسبانيا بأسوأ نتيجة منذ تأسيسه في الانتخابات الإقليمية الأندلسية، وهي الرابعة في انتخابات إقليمية خلال السنوات الثلاث الماضية.

الرئيس الفرنسي «الاشتراكي» السابق فرنسوا هولاند الراغب في الترشح للانتخابات الرئاسية بعد 10 أعوام على مغادرته «قصر الإليزيه» (رويترز)

أهمية الدلالة التي تحملها هذه الهزيمة أن إقليم الأندلس، فضلاً عن أنه الخزّان التاريخي لليسار الإسباني، خصوصاً الحزب «الاشتراكي»، يعادل البرتغال المجاورة مساحة وسكاناً، وكان دائماً حصناً امتنع على اليمين الذي دكّ أسواره لثاني مرة على التوالي.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

هزيمة «الاشتراكيين» الإسبان في الأندلس تساعد على تشخيص أسباب الداء الذي يعاني منه المعسكر التقدمي الأوروبي الذي يدفع منذ سنوات ثمن عدم تموضعه في الموقع المناسب بمواجهة النظام الرأسمالي الجامح والجوانب المظلمة للعولمة؛ مما دفع بقواعده الشعبية إلى البحث عن الحلول والمخارج، أحياناً على يساره، وفي الغالب عند اليمين المتطرف.

مرشح حزب «فوكس» اليميني يتحدث عن نتائج انتخابات الأندلس في إشبيلية الأحد الماضي (إ.ب.أ)

لكن الأفدح من ذلك أن التقدميين الأوروبيين، الذي تصدروا المشهد السياسي وتناوبوا على السلطة مع أحزاب يمين الوسط المحافظة وحكموا مراراً منفردين في دولهم المختلفة، يبدون عاجزين عن استثمار الركائز المؤسسة لمعتقدهم السياسي والاجتماعي، مثل الدفاع عن نظام الخدمات العامة في الصحة والتعليم، خصوصاً في هذا العصر تحديداً حيث تزداد الحاجة إليها أمام الأزمات الصحية والثورة التكنولوجية التي تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، نظاماً تعليمياً يصون القدرة الذاتية على التفكير بعيداً عن الآلة.

رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر ورئيس الوزراء الأسبق غوردون براون (يسار) بعد أن تلقى حزب «العمال» هزيمة تاريخية في الانتخابات المحلية والإقليمية (أ.ف.ب)

تتنوع المشكلات التي يعاني منها التقدميون في أوروبا بتنوع ظروف المجتمعات التي ينشطون فيها، لكنهم يتشاركون مشكلة أساسية؛ هي العجز عن إيجاد الخطاب المناسب، خارج السرد الشعبوي، القادر على بث الحماس والأمل مجدداً بين صفوف القواعد الشعبية التي أضاعت البوصلة وأحبطتها الخيبات المتتالية. هذا العجز، الذي يكاد يكون مأساوياً في عالم بات فريسة القوى الإمبريالية الكبرى والحركات القومية المتطرفة، هو اليوم في أمسّ الحاجة إلى تيار أممي تقدمي معتدل، يمنع تعميق الشرخ الاجتماعي والعرقي والديني الذي تُمعن القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة في تثبيته وتوسيع دائرته.

المرشح «الاشتراكي» الفرنسي إيمانويل غريغور (وسط) محتفلاً بالنصر مع جمهوره ليل الأحد بعد الإعلان عن النتائج (أ.ف.ب)

وما يزيد في الحاجة إلى نهضة تقدمية حقيقية في أوروبا، أن التوافق لم يعد هو الهدف السياسي الأسمى الذي ميّز الأنظمة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي يقوم على التفاهمات والاتفاقات الكبرى بين القوى السياسية التقليدية لمواجهة الأزمات الكبرى والحالات المستعصية. ولعلّ الائتلاف الحاكم اليوم في ألمانيا هو المثال الأخير الذي ستشهده أوروبا على هذا التوافق الذي لطالما حال دون الانزلاق إلى متاهات تقف المجتمعات الأوروبية اليوم على مشارفها وتتهيّب هاوياتها.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بمهرجان انتخابي في إشبيلية يوم 15 مايو الحالي (رويترز)

واذا أضفنا نيران الحروب المشتعلة على حدود أوروبا وفي جوارها، والأزمة الاقتصادية السائرة بخطى ثابتة نحو مزيد من التفاقم، إلى انتشار الشعور بفقدان الهوية، والتحول السريع في المشهد الاجتماعي بسبب ارتفاع عدد المهاجرين الذي ناهز 65 مليوناً نهاية العام الماضي، تصبح القوى التقدمية، المتنورة والمعتدلة، صمّام الأمان الوحيد الذي يمكن أن يحول دون كارثة أوروبية جديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended