مسؤولون غربيون: روسيا تحاول إغراق أوروبا بحملة تخريب واسعة

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (الثاني من اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)
رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (الثاني من اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)
TT

مسؤولون غربيون: روسيا تحاول إغراق أوروبا بحملة تخريب واسعة

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (الثاني من اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)
رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (الثاني من اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توقّف قطار كان يقل نحو 500 شخص بشكل مفاجئ في شرق بولندا بعد أن تسبّب خط كهربائي علوي مكسور بتحطّم عدد من النوافذ وإتلاف جزء من السكة أمامه. وفي موقع آخر على الخط نفسه، انفجرت عبوات ناسفة تحت قطار شحن كان يمر في المنطقة.

لم يُصب أحد بأذى في الحادثين، واقتصر الضرر على مستوى محدود، إلا أن بولندا - التي حمّلت أجهزة الاستخبارات الروسية المسؤولية - ردّت بقوة، حيث نشرت 10 آلاف جندي لحماية البنى التحتية الحيوية.

تُعدّ أحداث التخريب في بولندا واحدة من بين 145 حادثة سجّلها مشروع بيانات تابع لوكالة «أسوشييتد برس»، يقول مسؤولون غربيون إنها جزء من حملة تعطيل منسقة عبر أوروبا تقف خلفها روسيا. ويقول المسؤولون إن هذه الحملة، المستمرة منذ غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا عام 2022، تهدف إلى حرمان كييف من الدعم، وإثارة الانقسامات بين الأوروبيين، وكشف نقاط الضعف الأمنية في القارة.

استنزاف القدرات الأمنية

ورغم أن معظم أعمال التخريب المعروفة حتى الآن لم تُحدث سوى أضرار بسيطة، ولا تُقارن بحجم الدمار والضحايا في أوكرانيا، فإن المسؤولين يؤكدون أن كل فعل - من تخريب المعالم والنُصب إلى الهجمات الإلكترونية وحرائق المستودعات - يستنزف قدرات أمنية كبيرة. وقال رئيس أحد أجهزة الاستخبارات الأوروبية الكبرى إن التحقيقات في التدخلات الروسية باتت تستهلك من وقت الجهاز بقدر ما تستنزفه قضايا الإرهاب.

ويقول المسؤولون إن الحملة تُلقي عبئاً ثقيلاً على أجهزة الأمن الأوروبية، بينما لا تكلّف موسكو شيئاً تقريباً؛ إذ تعتمد على عمليات عابرة للحدود تجبر الدول الأوروبية على التعاون والتحقيق بشكل مشترك، كما تستخدم أجانب من أصحاب السوابق كمجرّد وكلاء رخيصين بدلاً من عناصر استخبارات محترفين. وبذلك، تحقق روسيا مكاسب حتى لو فشلت العمليات؛ لأنها تُرهق خصومها وتشتت مواردهم.

وقال مسؤول استخباراتي أوروبي رفيع إن «العمل لمواجهة هذه التهديدات مستمر 24 ساعة يومياً بين كل الأجهزة الأمنية».

وخلال العام الماضي، تحدّثت «أسوشييتد برس» مع أكثر من 40 مسؤولاً أوروبياً ومن «ناتو» في 13 دولة لرصد حجم هذه الحرب الهجينة، وأدرجت فقط الحوادث التي رُبطت رسمياً بروسيا أو وكلائها أو بيلاروسيا حليفتها.

ونفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أي علاقة لروسيا بهذه الحملة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس اجتماعاً مع كبار مسؤولي الأمن والدفاع الروس في مقر إقامة الدولة نوفو - أوغاريوفو خارج موسكو 12 أغسطس 2024 (أ.ب)

بيانات التخريب الروسية

تظهر قاعدة بيانات «أسوشييتد برس» ارتفاعاً في عدد مخططات الحرق والتفجير، من حادث واحد في عام 2023 إلى 26 حادثة عام 2024، إضافة إلى ست عمليات موثقة عام 2025 حتى الآن. كما سُجّلت ثلاثة حوادث تخريب العام الماضي، وحادث واحد هذا العام.

البيانات غير مكتملة لأن بعض الحوادث لا يُعلن عنها، وقد يستغرق ربطها بروسيا أشهراً. لكن الزيادة في هذه الحوادث تعكس ما حذّر منه المسؤولون: الحملة أصبحت أكثر خطورة.

وتُظهر الخرائط أن الدول الأكثر استهدافاً هي تلك المجاورة لروسيا، مثل بولندا وإستونيا، بالإضافة إلى حوادث في لاتفيا والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، وكلها من أبرز داعمي أوكرانيا.

ويقول مسؤولون إن وتيرة الهجمات هدأت أواخر عام 2024 وبداية 2025، ورجّحوا أن موسكو جمّدت نشاطها سعياً لكسب ودّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجديدة، لكنها عادت الآن إلى كامل نشاطها.

صورة وزعتها شرطة لندن عام 2024 تظهِر شخصين قبل وقت قصير من قيامهما بإشعال النار بمستودع في شرق لندن (أ.ب)

هجمات معقدة عبر دول متعددة

الشخص الذي يقف خلف الهجوم على السكة البولندية - وفق المسؤولين - هو الأوكراني يفغيني إيفانوف، المدان بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية الروسية لتنفيذ هجمات حرق في متاجر ومقهى ومصنع مسيّرات داخل أوكرانيا.

وتقول الأجهزة الأمنية إن التخطيط للأعمال التخريبية عبر أكثر من دولة يستهلك موارد تحقيق من أجهزة أوروبية عدة، وهو هدف روسي واضح.

وفي إستونيا، تغيّر نمط المنفذين خلال العام الماضي من محليين معروفين للأمن، إلى أجانب مجهولين؛ ما فرض تعاوناً أكبر بين الدول لتعقبهم. ففي هجمتين بإستونيا في يناير (كانون الثاني) الماضي، كان منفذو الهجمتين غرباء لم يزوروا البلاد من قبل، حيث نفّذ رجل مولدوفي هجوماً على مطعم أوكراني عبر تكسير نافذة ورمي البنزين وإشعال النار.

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (على اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرّض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)

الاعتماد على مجرمين

يقول مسؤولون إن الاستخبارات الروسية تعتمد على مجرمين ووكلاء ذوي سوابق لتنفيذ العمليات؛ ما يقلل من مخاطر تعرض عناصر استخبارات محترفة للخطر، خصوصاً بعد طرد دول أوروبية لعشرات الجواسيس الروس في السنوات الأخيرة.

وفي إحدى الحالات، أُحرق «متحف الاحتلال» في لاتفيا - المخصص لتوثيق الاحتلال (الحكم) السوفياتي - على يد شخص خرج من السجن حديثاً.

عبء أمني هائل وتعاون أعمق

حتى العمليات الفاشلة تُعدّ مكاسب لروسيا لأنها تختبر الدفاعات وتستنزف الموارد. ففي ليتوانيا، استخرج عميل أوكراني يعمل لصالح روسيا مواد متفجرة وأجزاء طائرات مسيّرة من مخبأ داخل مقبرة، قبل إحباط المخطط بعد تحقيقات واسعة.

ويقول المسؤولون الغربيون إن الحملة أجبرت دول أوروبا على تعزيز التعاون الأمني؛ إذ شكّلت دول البلطيق فرق تحقيق مشتركة، كما بدأت الشرطة البريطانية تدريب عناصرها على رصد الهجمات ذات البعد الاستخباراتي.

وفي لندن، اكتشف محققون أن هجوماً على مستودع أوكراني مرتبط بروسيا.

صورة وزعتها شرطة لندن عام 2024 تظهر أضراراً لحقت بمستودع في شرق لندن كان يخزن بضائع لأوكرانيا وذلك بعد حريق قال المدعون إنه تم تدبيره نيابة عن أجهزة المخابرات الروسية (أ.ب)

ويحذّر المسؤولون من أن روسيا تطوّر أساليب جديدة باستمرار. ففي بيلاروسيا، أُطلقت مئات بالونات الطقس المحمّلة بالسجائر نحو ليتوانيا وبولندا، متسببة بإغلاق مطار العاصمة الليتوانية مرات عدة فيما عدّته السلطات هجوماً هجيناً.

وقال مسؤول بولندي: «اليوم تحمل البالونات سجائر فقط، لكن قد تحمل أشياء أخرى في المستقبل».


مقالات ذات صلة

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا خصوصاً في ملف التهديدات المحيطة بأمن الطاقة.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

قالت زعيمة المعارضة البيلاروسية في المنفى سفيتلانا تسيخانوسكايا، إن تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد بلادها يمثّل نهجاً خاطئاً.

«الشرق الأوسط» (ريغا)
أوروبا العلم البريطاني يرفرف فوق سفارتها في موسكو بروسيا 13 سبتمبر 2024 (رويترز)

روسيا تطرد دبلوماسياً بريطانياً لـ«محاولته الحصول على معلومات حساسة»

أعلنت روسيا أنه جرى سحب اعتماد أحد الدبلوماسيين البريطانيين؛ وذلك لمحاولته الحصول على معلومات حساسة.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

فرنسا تحقق باحتمال ضلوع إيران بهجوم قنبلة أُحبط خارج مصرف أميركي

عناصر شرطة خارج مبنى مصرف «بنك أوف أميركا» في الدائرة الثامنة بباريس في 28 مارس 2026 في أعقاب محاولة هجوم بقنبلة على المبنى (أ.ف.ب)
عناصر شرطة خارج مبنى مصرف «بنك أوف أميركا» في الدائرة الثامنة بباريس في 28 مارس 2026 في أعقاب محاولة هجوم بقنبلة على المبنى (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحقق باحتمال ضلوع إيران بهجوم قنبلة أُحبط خارج مصرف أميركي

عناصر شرطة خارج مبنى مصرف «بنك أوف أميركا» في الدائرة الثامنة بباريس في 28 مارس 2026 في أعقاب محاولة هجوم بقنبلة على المبنى (أ.ف.ب)
عناصر شرطة خارج مبنى مصرف «بنك أوف أميركا» في الدائرة الثامنة بباريس في 28 مارس 2026 في أعقاب محاولة هجوم بقنبلة على المبنى (أ.ف.ب)

أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الاثنين، أن السلطات الفرنسية تحقق في صلة مشتبه بها لإيران بعد إحباط هجوم بقنبلة خارج مبنى مصرف «بنك أوف أميركا» في باريس في مطلع الأسبوع الحالي، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال نونيز إن السلطات تشتبه في وجود صلة بإيران نظراً للتشابه مع محاولات هجوم أخرى وقعت مؤخراً في أوروبا وتبنتها جماعة موالية لإيران.

وصباح السبت الماضي، رصد رجال شرطة باريس مشتبهاً بهما يحملان حقيبة تسوّق بالقرب من مقر «بنك أوف أميركا» في الدائرة الثامنة بالعاصمة الفرنسية. وقد تم اعتقال 5 مشتبه بهم، من بينهم اثنان، الاثنين، وفتح مكتب مدعي عام مكافحة الإرهاب الوطني تحقيقاً في جرائم مزعومة ذات صلة بالإرهاب.

وذكر نونيز لإذاعة «أر تي إل» الفرنسية، الاثنين، أن السلطات تحقق في «صلة مباشرة» لإيران لأن النهج مشابه من جميع النواحي للأعمال التي تم تنفيذها في هولندا وبلجيكا.


مسؤولون محليون في فرنسا يزيلون عَلم الاتحاد الأوروبي عن واجهات بلدياتهم

عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
TT

مسؤولون محليون في فرنسا يزيلون عَلم الاتحاد الأوروبي عن واجهات بلدياتهم

عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

أزال عدد من رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف علم الاتحاد الأوروبي عن واجهات بلدياتهم، في خطوة حظيت بدعم قياديين في الحزب، في حين وصفتها الحكومة بأنها «شعبوية».

وكتب رئيس بلدية كاركاسون في جنوب غرب فرنسا كريستوف بارتيس، الأحد، عبر منصة «إكس»، بعد وقت قصير من توليه منصبه: «فليسقط عَلم الاتحاد الأوروبي عن البلدية وليحل محلّه عَلم فرنسا»، مرفقاً رسالته بمقطع فيديو يظهر فيه وهو يزيل بنفسه عَلم الاتحاد الأوروبي، تاركاً العَلم الفرنسي وعَلم منطقة أوكسيتانيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

أما الرئيس الجديد لبلدية كاني-سور-مير (جنوب البلاد)، فنشر بدوره، الاثنين، صورة لواجهة مبنى البلدية من دون عَلم الاتحاد الأوروبي.

وفي بلدية أرن في إقليم بادكالِيه في الشمال الفرنسي، كان أنتوني غارينو-غلينكوفسكي قد استبق الأمور منذ تسلمه مهامه في 24 مارس (آذار) بإزالة العَلمين الأوروبي والأوكراني.

وتساءل الوزير المكلّف الشؤون الأوروبية بنجامان حداد في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هل سيرفضون أيضاً الأموال الأوروبية التي يتلقاها مزارعونا، وشركاتنا من أجل إعادة التصنيع، ومناطقنا؟ هل سيعيدون التعويضات التي تلقّوها من البرلمان الأوروبي؟». وقال: «هذه شعبوية تُظهر أن التجمع الوطني لم يتغيّر».

لا يوجد أي نص قانوني يلزم بوجود العَلم الأوروبي على واجهات البلديات في فرنسا. ولا يعترف الدستور الفرنسي إلا بعَلم البلاد ذي الألوان الثلاثة: الأزرق والأبيض والأحمر.

وكانت الجمعية الوطنية اعتمدت سنة 2023 مقترح قانون يرمي إلى جعل رفع العَلمين الفرنسي والأوروبي إلزامياً على واجهات بلديات المدن التي يزيد عدد سكانها على 1500 نسمة. غير أن هذا النص لم يخضع بعد للمناقشة في مجلس الشيوخ تمهيداً لجعله نافذاً.


كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)
الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)
TT

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)
الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا، خصوصاً في ملفي التهديدات المحيطة بأمن الطاقة، والتجاذبات الجديدة للأطراف المنخرطة في الأزمتين، فيما دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا إلى وقف استهداف البنى التحتية للطاقة.

وعكس الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الاثنين، مع نظيره الصربي ألكسندر فوتشيتش تفاقم المخاوف من تداعيات الصراع في إيران على ملف أمن الطاقة، واستقرار الإمدادات الروسية إلى بعض البلدان التي حافظت على علاقات شراكة تقليدية مع موسكو رغم اتساع تأثير العقوبات الغربية مثل صربيا والمجر وبلدان أخرى في القارة الأوروبية. وفي مؤشر إلى مستوى التأثير الكبير لحرب إيران، أكد الكرملين أن الرئيسين بحثا إلى جانب العلاقات الثنائية ملفي أمن الطاقة والوضع حول إيران وأوكرانيا.

وأشاد الرئيس الصربي باستمرار تدفق الغاز الروسي بشكل مستقر، عاداً أن هذا الاستقرار يعد «حيوياً للحفاظ على أمن الطاقة في صربيا» رغم التوترات الكبيرة في هذا الملف.

وتصدر روسيا الغاز إلى صربيا بشكل أساسي عبر خط الأنابيب «السيل التركي»، الذي يبدأ من روسيا عبر البحر الأسود إلى تركيا، ثم يتفرع إلى خطين: الأول يغذي السوق التركية، والثاني يتجه نحو دول جنوب ووسط أوروبا، مروراً ببلغاريا، ثم صربيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصربي ألكسندر فوتشيتش خلال لقاء بينهما في بكين 2 سبتمبر 2025 (رويترز)

وفي ظل استمرار التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في أعقاب العمليات العسكرية التي تستهدف إيران وإغلاق مضيق هرمز أمام جزء كبير من ناقلات النفط والغاز، عادت أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي لتسجل قفزات جديدة.

وعلى الرغم من أن أوروبا كانت قد عملت على تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، وتنويع مصادرها عبر استيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر، فإن تصاعد الأحداث في الخليج هدّد سلاسل الإمداد العالمية ما دفع الأسعار الأوروبية إلى الارتفاع مرة أخرى.

في هذا الإطار، أكد الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف مجدداً استعداد روسيا لتوريد حوامل الطاقة إلى أي سوق في العالم، بما فيها الأوروبية.

وجاء تصريح بيسكوف أثناء رده على سؤال حول ناقلة النفط الروسية التي وصلت قبل أيام، إلى كوبا، وقال: «كانت روسيا ولا تزال مستعدة للبقاء مورداً موثوقاً للطاقة إلى أي أسواق عالمية، بما فيها الأوروبية».

في السياق ذاته، حذر كيريل ديميترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي والممثل الرئاسي الخاص للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، من تداعيات «الصدمة الطاقية الوشيكة» في أوروبا، بسبب استمرار حرب إيران.

وكتب ديميترييف على منصة «إكس» أنه «ليس من المستغرب أن بيروقراطيي الاتحاد الأوروبي غير الأكفاء، الذين يدمرون الحضارة الغربية بالهجرة الجماعية، وإثارة الحروب، لا يدركون خطورة الصدمة الطاقية الوشيكة».

وجاء تعليق كبير المفاوضين الروس مع الجانب الأميركي تعقيباً على تقرير لوكالة «بلومبرغ» أكد أن أزمة الطاقة «في بدايتها»، وأن العالم «لم يستوعب بعدُ خطورة الوضع بالكامل».

تحييد الطاقة

وأعلن زيلينسكي، الاثنين، أن بعض حلفاء بلاده أرسلوا «إشارات» بشأن إمكانية تقليص ضربات بعيدة المدى على قطاع النفط الروسي في ظل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

مقر السفارة البريطانية في موسكو (إ.ب.أ)

وقال زيلينسكي إن أوكرانيا مستعدة للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة الأوكراني، مؤكداً انفتاح كييف على وقف إطلاق النار في عيد الفصح. وأضاف: «في الآونة ‌الأخيرة، في ‌أعقاب أزمة الطاقة العالمية الحادة هذه، ‌تلقينا ⁠بالفعل إشارات من ⁠بعض شركائنا حول كيفية تقليص ردودنا على قطاع النفط وقطاع الطاقة في روسيا الاتحادية».

وتسببت الضربات الروسية على البنية التحتية للطاقة ⁠في أوكرانيا بالفعل في صعوبة الحصول على ‌الإمدادات.

طرد دبلوماسي

على صعيد آخر، أعلنت موسكو أنها قررت طرد السكرتير الثاني في السفارة البريطانية في موسكو، يانس فان رينسبورغ، بعد إثبات تورطه في أنشطة استخباراتية ومحاولات منهجية لجمع معلومات اقتصادية حساسة.

وأوضحت هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي بروسيا في بيان أن الدبلوماسي البريطاني، قدّم بيانات كاذبة عند طلبه الحصول على تأشيرة دخول إلى الأراضي الروسية، مما يُشّكل انتهاكاً صريحاً للقوانين المحلية. كما رصد الجهاز مؤشرات على قيامه بأنشطة «تخريبية» تهدد الأمن القومي الروسي، موثقاً محاولاته المتكررة للحصول على معلومات سرية عبر لقاءات غير رسمية مع خبراء اقتصاديين روس.

وجاء في بيان للخارجية الروسية عقب استدعاء القائمة بأعمال السفير البريطاني في موسكو ديني دولاكيا أن موسكو «لن تُساوم على أمنها، ولن تتسامح مطلقاً مع وجود عملاء استخباراتيين بريطانيين غير مُصرَّح لهم، يعملون في الخفاء على أراضيها، مُحتفظةً بحقها في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لصون مصالحها الحيوية».

وجاءت هذه الخطوة، بعد مرور أيام على إعلان لندن نيتها احتجاز سفن روسية في إطار مكافحة ما وصف بأنه «أسطول الظل» الروسي الذي ينقل مواد محظورة بموجب العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.

وأكدت سفارة روسيا في بريطانيا أن قرار لندن يشكل «خطوة عدائية»، وأن روسيا ستستخدم جميع الأدوات لحماية مصالحها.

وكان مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أعلن قبل أيام، عن السماح للقوات البحرية البريطانية باعتراض السفن الخاضعة للعقوبات في مياه المملكة المتحدة.