مسؤولون غربيون: روسيا تحاول إغراق أوروبا بحملة تخريب واسعة

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (الثاني من اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)
رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (الثاني من اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)
TT

مسؤولون غربيون: روسيا تحاول إغراق أوروبا بحملة تخريب واسعة

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (الثاني من اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)
رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (الثاني من اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توقّف قطار كان يقل نحو 500 شخص بشكل مفاجئ في شرق بولندا بعد أن تسبّب خط كهربائي علوي مكسور بتحطّم عدد من النوافذ وإتلاف جزء من السكة أمامه. وفي موقع آخر على الخط نفسه، انفجرت عبوات ناسفة تحت قطار شحن كان يمر في المنطقة.

لم يُصب أحد بأذى في الحادثين، واقتصر الضرر على مستوى محدود، إلا أن بولندا - التي حمّلت أجهزة الاستخبارات الروسية المسؤولية - ردّت بقوة، حيث نشرت 10 آلاف جندي لحماية البنى التحتية الحيوية.

تُعدّ أحداث التخريب في بولندا واحدة من بين 145 حادثة سجّلها مشروع بيانات تابع لوكالة «أسوشييتد برس»، يقول مسؤولون غربيون إنها جزء من حملة تعطيل منسقة عبر أوروبا تقف خلفها روسيا. ويقول المسؤولون إن هذه الحملة، المستمرة منذ غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا عام 2022، تهدف إلى حرمان كييف من الدعم، وإثارة الانقسامات بين الأوروبيين، وكشف نقاط الضعف الأمنية في القارة.

استنزاف القدرات الأمنية

ورغم أن معظم أعمال التخريب المعروفة حتى الآن لم تُحدث سوى أضرار بسيطة، ولا تُقارن بحجم الدمار والضحايا في أوكرانيا، فإن المسؤولين يؤكدون أن كل فعل - من تخريب المعالم والنُصب إلى الهجمات الإلكترونية وحرائق المستودعات - يستنزف قدرات أمنية كبيرة. وقال رئيس أحد أجهزة الاستخبارات الأوروبية الكبرى إن التحقيقات في التدخلات الروسية باتت تستهلك من وقت الجهاز بقدر ما تستنزفه قضايا الإرهاب.

ويقول المسؤولون إن الحملة تُلقي عبئاً ثقيلاً على أجهزة الأمن الأوروبية، بينما لا تكلّف موسكو شيئاً تقريباً؛ إذ تعتمد على عمليات عابرة للحدود تجبر الدول الأوروبية على التعاون والتحقيق بشكل مشترك، كما تستخدم أجانب من أصحاب السوابق كمجرّد وكلاء رخيصين بدلاً من عناصر استخبارات محترفين. وبذلك، تحقق روسيا مكاسب حتى لو فشلت العمليات؛ لأنها تُرهق خصومها وتشتت مواردهم.

وقال مسؤول استخباراتي أوروبي رفيع إن «العمل لمواجهة هذه التهديدات مستمر 24 ساعة يومياً بين كل الأجهزة الأمنية».

وخلال العام الماضي، تحدّثت «أسوشييتد برس» مع أكثر من 40 مسؤولاً أوروبياً ومن «ناتو» في 13 دولة لرصد حجم هذه الحرب الهجينة، وأدرجت فقط الحوادث التي رُبطت رسمياً بروسيا أو وكلائها أو بيلاروسيا حليفتها.

ونفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أي علاقة لروسيا بهذه الحملة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس اجتماعاً مع كبار مسؤولي الأمن والدفاع الروس في مقر إقامة الدولة نوفو - أوغاريوفو خارج موسكو 12 أغسطس 2024 (أ.ب)

بيانات التخريب الروسية

تظهر قاعدة بيانات «أسوشييتد برس» ارتفاعاً في عدد مخططات الحرق والتفجير، من حادث واحد في عام 2023 إلى 26 حادثة عام 2024، إضافة إلى ست عمليات موثقة عام 2025 حتى الآن. كما سُجّلت ثلاثة حوادث تخريب العام الماضي، وحادث واحد هذا العام.

البيانات غير مكتملة لأن بعض الحوادث لا يُعلن عنها، وقد يستغرق ربطها بروسيا أشهراً. لكن الزيادة في هذه الحوادث تعكس ما حذّر منه المسؤولون: الحملة أصبحت أكثر خطورة.

وتُظهر الخرائط أن الدول الأكثر استهدافاً هي تلك المجاورة لروسيا، مثل بولندا وإستونيا، بالإضافة إلى حوادث في لاتفيا والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، وكلها من أبرز داعمي أوكرانيا.

ويقول مسؤولون إن وتيرة الهجمات هدأت أواخر عام 2024 وبداية 2025، ورجّحوا أن موسكو جمّدت نشاطها سعياً لكسب ودّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجديدة، لكنها عادت الآن إلى كامل نشاطها.

صورة وزعتها شرطة لندن عام 2024 تظهِر شخصين قبل وقت قصير من قيامهما بإشعال النار بمستودع في شرق لندن (أ.ب)

هجمات معقدة عبر دول متعددة

الشخص الذي يقف خلف الهجوم على السكة البولندية - وفق المسؤولين - هو الأوكراني يفغيني إيفانوف، المدان بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية الروسية لتنفيذ هجمات حرق في متاجر ومقهى ومصنع مسيّرات داخل أوكرانيا.

وتقول الأجهزة الأمنية إن التخطيط للأعمال التخريبية عبر أكثر من دولة يستهلك موارد تحقيق من أجهزة أوروبية عدة، وهو هدف روسي واضح.

وفي إستونيا، تغيّر نمط المنفذين خلال العام الماضي من محليين معروفين للأمن، إلى أجانب مجهولين؛ ما فرض تعاوناً أكبر بين الدول لتعقبهم. ففي هجمتين بإستونيا في يناير (كانون الثاني) الماضي، كان منفذو الهجمتين غرباء لم يزوروا البلاد من قبل، حيث نفّذ رجل مولدوفي هجوماً على مطعم أوكراني عبر تكسير نافذة ورمي البنزين وإشعال النار.

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (على اليمين) يزور خط السكة الحديد الذي تعرّض للتخريب بالقرب من ميكا - بولندا 17 نوفمبر 2025 (أ.ب)

الاعتماد على مجرمين

يقول مسؤولون إن الاستخبارات الروسية تعتمد على مجرمين ووكلاء ذوي سوابق لتنفيذ العمليات؛ ما يقلل من مخاطر تعرض عناصر استخبارات محترفة للخطر، خصوصاً بعد طرد دول أوروبية لعشرات الجواسيس الروس في السنوات الأخيرة.

وفي إحدى الحالات، أُحرق «متحف الاحتلال» في لاتفيا - المخصص لتوثيق الاحتلال (الحكم) السوفياتي - على يد شخص خرج من السجن حديثاً.

عبء أمني هائل وتعاون أعمق

حتى العمليات الفاشلة تُعدّ مكاسب لروسيا لأنها تختبر الدفاعات وتستنزف الموارد. ففي ليتوانيا، استخرج عميل أوكراني يعمل لصالح روسيا مواد متفجرة وأجزاء طائرات مسيّرة من مخبأ داخل مقبرة، قبل إحباط المخطط بعد تحقيقات واسعة.

ويقول المسؤولون الغربيون إن الحملة أجبرت دول أوروبا على تعزيز التعاون الأمني؛ إذ شكّلت دول البلطيق فرق تحقيق مشتركة، كما بدأت الشرطة البريطانية تدريب عناصرها على رصد الهجمات ذات البعد الاستخباراتي.

وفي لندن، اكتشف محققون أن هجوماً على مستودع أوكراني مرتبط بروسيا.

صورة وزعتها شرطة لندن عام 2024 تظهر أضراراً لحقت بمستودع في شرق لندن كان يخزن بضائع لأوكرانيا وذلك بعد حريق قال المدعون إنه تم تدبيره نيابة عن أجهزة المخابرات الروسية (أ.ب)

ويحذّر المسؤولون من أن روسيا تطوّر أساليب جديدة باستمرار. ففي بيلاروسيا، أُطلقت مئات بالونات الطقس المحمّلة بالسجائر نحو ليتوانيا وبولندا، متسببة بإغلاق مطار العاصمة الليتوانية مرات عدة فيما عدّته السلطات هجوماً هجيناً.

وقال مسؤول بولندي: «اليوم تحمل البالونات سجائر فقط، لكن قد تحمل أشياء أخرى في المستقبل».


مقالات ذات صلة

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

أوروبا صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
مصر تعتمد على القمح الروسي والأوكراني لسد الفجوة الغذائية (رويترز)

ما حقيقة حصول مصر على قمح أوكراني «مسروق»؟

أثارت تصريحات لوزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها بشأن استقبال الموانئ المصرية شحنات قمح روسي، قال إنها «مسروقة»، تساؤلات حول إمكانية حصول القاهرة عليها.

أحمد جمال (القاهرة)
أوروبا حريق في مركبات مدمَّرة بموقع غارة جوية روسية على مدينة كراماتورسك الواقعة على خط المواجهة بمنطقة دونيتسك بأوكرانيا 5 مايو 2026 (رويترز)

زيلينسكي: روسيا اختارت مواصلة الحرب

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إن روسيا قرّرت رفض الجهود الرامية لوضع حد للقتال وإنقاذ الأرواح عبر شنّ هجمات جديدة على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانيون يتحلقون حول جثة مواطن قتل بفعل ضربة روسية في دونيتسك (أ.ف.ب)

أوكرانيا تقول إن روسيا شنّت هجوما خلال وقف إطلاق النار

أعلن القائد العسكري لمنطقة زابوريجيا إيفان فيدوروف صباح الأربعاء أن روسيا نفّذت هجوما على مرافق بنى تحتية صناعية في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أضرار جراء قصف روسي على منطقة دونيتسك الأوكرانية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في هجوم بمسيّرات أوكرانية في شبه جزيرة القرم

قُتل خمسة أشخاص في هجوم بطائرات مسيرة أوكرانية في شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا، وفق ما أعلن رئيس السلطة المحلية سيرغي أكسيونوف الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
TT

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

أعلن خفر السواحل السويدي أنه صعد على متن ناقلة النفط «جين هوي» واحتجزها يوم الأحد للاشتباه في رفعها علماً مزيفاً أثناء عبورها المياه السويدية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأوضح خفر السواحل في بيان له، أن السفينة كانت تبحر في بحر البلطيق رافعة العلم السوري. كما تُثار مخاوف بشأن صلاحية السفينة للإبحار.

وكتب وزير الدفاع المدني السويدي، كارل أوسكار بولين، على منصة «إكس» أن «جين هوي» مدرجة حالياً على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأوكرانيا.

وأفاد المدعون العامون السويديون يوم الاثنين أنه تم القبض على قبطان السفينة، وهو مواطن صيني، للاشتباه في استخدامه وثيقة مزورة وارتكابه جرائم أخرى.

وهذه هي خامس عملية احتجاز سفينة يقوم بها خفر السواحل السويدي في الأسابيع الأخيرة.

قال دانيال ستينلينغ، نائب رئيس العمليات في خفر السواحل: «لا تزال السفن التي يُشتبه في وجود خلل في صلاحيتها للإبحار تبحر في المياه السويدية. هذا أمر غير مقبول. لقد تدخلنا سابقاً، وها نحن نتدخل مجدداً».

ولم ترد السفارة الروسية في السويد على طلب للتعليق يوم الأربعاء.

وكانت السويد قد أعلنت العام الماضي أنها ستكثف عمليات فحص التأمين على السفن الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تشديد الرقابة على السفن الروسية المشتبه في نقلها النفط والغاز أو الحبوب الأوكرانية المسروقة.


«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
TT

«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر الكثير من وصول المستشار الألماني فريدريتش ميرتس إلى منصب المستشارية في برلين يوم 6 مايو (أيار) من العام الماضي لإعادة إطلاق العربة الفرنسية - الألمانية التي تُعدّ، منذ عقود عدة، بمثابة القاطرة الأوروبية التي من دونها سيراوح الاتحاد الأوروبي مكانه. وجاء حجم الآمال المعلقة على ميرتس مساوياً لحجم الخيبة الفرنسية من سلفه المستشار الاشتراكي أولاف شولتس الذي كان يشبه بـ«مكعب الجليد».

ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)

وطيلة ثلاث سنوات من حكمه، لم ينجح ماكرون في نسج علاقة خاصة مع شخصية منطوية وكتومة. وأمل الرئيس الفرنسي أن يكون ميرتس، القادم من الحزب الديموقراطي المسيحي، أكثر تجاوباً من سلفه لجهة التجاوب مع رغبة باريس في تعزيز العلاقات الفرنسية - الألمانية من أجل حراك دبلوماسي متسق والسير بالمشاريع الصناعية والدفاعية المشتركة، ومنها تصنيع الطائرة القتالية المشتركة من الجيل السادس ودبابة المستقبل.

كذلك، كان ماكرون يمنّي النفس بالعثور على شريك ألماني يرافقه باتجاه «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا التي يدعو إليها منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017 بما تعنيه من تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي. وأخيراً، كان ماكرون يراهن على خبرته في مجال السياسة الدولية بعد السنوات الثماني التي أمضاها في القصر الرئاسي لإقناع المستشار الجديد بخططه حيث إن الأخير لم يسبق له مطلقاً أن شغل منصباً وزارياً أو حكومياً آخر.

خيبة فرنسية من أداء ميرتس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال الاستقبال الرسمي 5 مايو بمناسبة زيارة ماكرون لأرمينيا (رويترز)

بعد مرور عام كامل، لا تبدو محصلة التعاون بين المسؤولين بمستوى الآمال التي كانت معقودة عليه رغم وعود البداية. فالمستشار ميرتس قال، بمناسبة زيارته الأولى لفرنسا، في اليوم التالي لتسلمه السلطة ما حرفيته: «لن نستطيع مواجهة التحديات (المفروضة علينا) إلا إذا وقفت فرنسا وألمانيا معاً بشكل أوثق وأكثر تماسكاً».

ويفهم مما سبق أن الطرفين يعيان أهمية قيام علاقات ثقة وتعاون بينهما لمصلحتهما ومصلحة أوروبا. ومن جانبه، استغل ماكرون كل مناسبة للتأكيد على أهمية العلاقة بين باريس وبرلين. ففي زيارة له لبرلين، قال في مؤتمر صحافي مشترك مع ميرتس، يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «واجبنا أن ننجح معاً» في مهمتنا وأن «مصلحتنا المشتركة تكمن في تحقيق ما نصبو إليه من مشاريع؛ لأن ذلك يعد معيار مصداقيتنا».

قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا عقب اختتام قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (إ.ب.أ)

وسبق له أن أكد، بمناسبة الاجتماع الوزاري المشترك الفرنسي - الألماني في قصر الإليزيه، أن العلاقة الثنائية «تطلق دينامية جديدة» على الصعيد الأوروبي. وفي أوقات سابقة، نجحت قيادة الثنائي الفرنسي - الألماني في إقامة علاقات شخصية وسياسة استثنائية كالتي قامت بين الجنرال شارل ديغول والمستشار كونراد أديناور، وبين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، وأيضاً بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول.

جانب من جلسات قمة «المجموعة الأوروبية السياسية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ)

لم يبق لماكرون سوى عام واحد يمضيه في قصر الإليزيه. وبالمقابل، فإن ميرتس أمضى عامه الأول في قصر المستشارية. وما يجمع بين المغادر والوافد أن كليهما يعاني تراجع شعبيته، كل في بلده. ففي فرنسا، اظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أودوكسا» لشهر أبريل (نيسان) أن 25 في المائة من العينة المستطلعة أجابوا بـ«نعم» على السؤال التالي: «هل ترى أن إيمانويل ماكرون رئيس جيد؟». أما بالنسبة لميرتس، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» أن 10 في المائة فقط من العيّنة المستطلعة ترى أن حكومته «تؤدي عملها بشكل جيد» في حين 69 في المائة ترى أن أداءها «سيئ أو سيئ جداً».

وما يجمع الاثنين فشلهما في وقف تقدم اليمين المتطرف: «التجمع الوطني» في فرنسا وحزب «البديل» في ألمانيا. ومرة أخرى تبين استطلاعات الرأي أن مرشح أو مرشحة «التجمع الوطني» (جوردان بارديلا ومارين لوبن) يتمتعان بحظوظ جدية بالفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل. أما في ألمانيا، فإن حزب «البديل» في طريقه لأن يتحول للحزب الأكثر شعبية في البلاد، متقدماً على حزب المحافظين أي الديموقراطي المسيحي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء أرمينيا عقب محادثاتهما في يريفان 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الملفات الخلافية بين باريس وبرلين

خلال العام الماضي، تواجه ميرتس وماكرون في ملفين رئيسيين: الأول، قرض الـ90 مليار يورو لدعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً. الأول مارس ضغوطاً قوية على بلجيكا لاستخدام الأموال الروسية المودعة لدى مؤسسة «يوروكلير» في بروكسل والبالغة 125 مليار دولار. والآخر لم يبدِ حماسة للسير في خطة كان من شأنها أن تنسف الثقة بالسوق المالية الأوروبية أو أن تهدد الأموال الروسية المودعة في البنوك الفرنسية. وكانت النتيجة أن جهود ميرتس فشلت واضطر الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على استدانة الـ90 مليار يورو من الأسواق المالية بكفالة المفوضية الأوروبية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وتواجه الاثنان لاحقاً بشأن التصديق على معاهدة التجارة الحرة مع دول «الميركوسور» (البرازيل، بوليفيا، الأرجنتين، باراغواي وأورغواي) التي وُقّعت في الأول من العام الحالي ودخلت حيز التنفيذ في بداية مايو. وسبب الخلاف بين المسؤولين أن كلاً منهما تمسك بالدفاع عن مصالح بلاده: ماكرون عارضه سعياً منه لحماية المزارعين الفرنسيين من منافسة «غير متكافئة» بينما ميرتس دفع باتجاه إبرامه سعياً منه لتغليب مصالح صناعة السيارات الألمانية. أما المفوضية الأوروبية، فقد عدَّته، بلسان رئيستها الألمانية أورسولا فون دير لاين «رافعة اقتصادية وجيوسياسية» في حين العلاقات الأوروبية - الأميركية تجتاز مرحلة من المطبات الهوائية الخطيرة.

دول قمة قبرص (أ.ف.ب)

لا يتوقف افتراق الآراء عند هذين الملفين. ذلك أن برلين تأخذ على فرنسا سياستها الاقتصادية المتساهلة في مسألة مديونية الدولة التي تتخطى بأشواط المسموح به على المستوى الأوروبي. وتبين الأرقام الرسمية أن ديون فرنسا بلغت نهاية العام الماضي 3500 مليار يورو؛ ما يشكل 116 في المائة من الناتج المحلي العام. وهذه النسبة من بين الأسوأ في أوروبا بينما نسبة المديونية الألمانية تتراوح ما بين 60 و65 في المائة من الناتج المحلي الألماني. وترى برلين أن ضعف الاقتصاد الفرنسي يؤثر سلباً على الاقتصاد الأوروبي وموقعه على الصعيد العالمي، فضلاً عن انعكاسه على قيمة العملة الأوروبية.

طائرة القتال المستقبلية

طائرة «رافال» الفرنسية المقاتلة مطلية بألوان العَلم الفرنسي بمناسبة معرض الطيران في قاعدة نانسي - أوشي 4 مايو (أ.ف.ب)

بيد أن الخلاف الجدي والملموس بين البلدين يدور حول مشروع تصنيع طائرة القتال المستقبلية من الجيل السادس الذي أطلق في عام 2017، وحتى اليوم ما زال يراوح مكانه. وباختصار شديد، ثمة خلافات تتناول تحديد الحاجات العسكرية (المهمات المطلوبة من الطائرة) والصناعية (توزيع العمل بين شركة «داسو للطيران» التي تصنع طائرة «رافال» والتي تريد أن تكون رائدة المشروع وشركة «إيرباص للصناعات الفضائية العسكرية» التي تتمسك بها ألمانيا والتي تتشارك فيها مع فرنسا وإسبانيا).

كذلك، ثمة خلافات على كيفية إدارة المشروع. كذلك، تختلف مقاربة البلدين حول بناء دبابة المستقبل، والخلاف قائم حول دور الذي تريده شركة «رينميتال» الألمانية التي تصنع دبابة «ليوبارد» المعروفة وشركة «نيكستر» الفرنسية التي تنتج دبابة «لوكلير». وكانت المقاربة الفرنسية تقوم على إبراز دور «داسو» في القطاع الجوي مقابل تفضيل «رينميتال» أرضياً. وما زالت المساومات قائمة؛ ما سيعني تأخر الإنتاج العسكري الموعود والمشترك.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه الرئاسي في باريس 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كثيرة الملفات الخلافية بين الطرفين، ومنها ما يرتبط بالعلاقة مع الحلف الأطلسي. فألمانيا تُعدّ، بسبب الإرث التاريخي، أكثر التصاقاً به بينما باريس تسعى للحفاظ على نوع من الاستقلالية داخله وهي تدفع الأوروبيين باتجاه تعزيز دفاعهم المشترك. إلا أن التباعد المستجد بين ميرتس والرئيس ترمب يدفع باتجاه التقارب بين باريس وبرلين بشأن «الأطلسي». وتجدر الإشارة إلى انطلاق حوار بينهما، بعيداً عن الأضواء، بشأن إفادة ألمانيا من المظلة النووية الفرنسية في إطار «البعد الأوروبي للمصالح القومية الفرنسية». لكن باريس لم تستسغ سابقاً قرار برلين إطلاق «مبادرة الدرع الأوروبي»، الذي انضمت إليه ما بين 2022 و2024 ما لا يقل عن 20 دولة أوروبية في حين فرنسا وإيطاليا وبولندا بقيت خارجه.

زعيم اليسار الراديكالي في فرنسا جان - لوك ميلانشون (أ.ب)

وما أغاظ باريس أن برلين قررت التوجه إلى الصناعات الجوية الأميركية والإسرائيلية بدل اللجوء إلى الصناعات الأوروبية والفرنسية بوجه خاص. وفي مجال التباعد، تمكن الإشارة إلى تضارب الرؤى بين العاصمتين بالنسبة لمستقبل الطاقة، حيث تركز باريس على الطاقة النووية في حين تريد برلين تعظيم الاعتماد على الطاقة المتجددة. كذلك، تنظر باريس بنوع من الشك إلى نزوع ميرتس نحو تعزيز التعاون مع روما على حساب باريس؛ ما من شأنه إضعاف القاطرة الثنائية. إلا أن ما سبق، لا يعني الطلاق بين البلدين المتفقين بشأن الحرب في أوكرانيا والتمسك بدعم كييف والعلاقة مع روسيا وتعزيز البناء الأوروبي وتعظيم حضوره في العالم.


فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دعت فرنسا الولايات المتحدة وإيران إلى «معالجة مسألة هرمز بشكل منفصل» عن باقي ملفات النزاع، مشددةً على أنها ذات «اهتمام مشترك»، وعرضت «مطالبها» من أجل تنفيذ مهمة متعددة الجنسيات لضمان أمن الملاحة في الممر المائي الحيوي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الرئاسة الفرنسية للصحافيين: «يمكننا أن نعرض على إيران العبور مجدداً من مضيق هرمز، يمكننا السماح بمرور ناقلاتها من مضيق هرمز بشرط، وهو أن تقبل إيران بالانخراط في المفاوضات التي يدعوها الأميركيون إليها حول المسائل الجوهرية».

وأضافت: «ما نقوله للأميركيين هو أن عليهم فك الحصار عن (هرمز) واغتنام استعداد إيران للتفاوض حول القضايا الجوهرية».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قد تنتهي ويعاد فتح مضيق ‌هرمز ‌إذا ​التزمت ‌طهران ⁠بما ​تم الاتفاق ⁠عليه، مهدداً: «إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون للأسف على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من ​قبل».

وأكدت باكستان، الأربعاء، وجود «زخم» قد يُفضي إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، في وقت نقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مسؤولين أميركيين تفاؤلهم بقرب التوصل إلى اتفاق مع طهران، غداة إعلان الرئيس دونالد ترمب تعليق عملية عسكرية لمرافقة السفن في مضيق هرمز، وحديثه عن «إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي» مع طهران.

وأفاد موقع «أكسيوس» ومصدر باكستاني بأن الولايات المتحدة وإيران «تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب». ويشمل الاتفاق التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم وموافقة أميركا على رفع عقوباتها والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع كلا الجانبين القيود المفروضة على العبور عبر مضيق هرمز.