ويتكوف إلى موسكو لبحث خطة ترمب... وروسيا تحذّر من مساعي تخريبها

الكرملين يُفضّل نقاشات مغلقة مع واشنطن ويرى أنه «من السابق لأوانه» الحديث عن السلام

المبعوثان الأميركي ستيف ويتكوف والروسي كيريل ديمترييف في اجتماع بسانت بطرسبيرغ 11 أبريل (رويترز)
المبعوثان الأميركي ستيف ويتكوف والروسي كيريل ديمترييف في اجتماع بسانت بطرسبيرغ 11 أبريل (رويترز)
TT

ويتكوف إلى موسكو لبحث خطة ترمب... وروسيا تحذّر من مساعي تخريبها

المبعوثان الأميركي ستيف ويتكوف والروسي كيريل ديمترييف في اجتماع بسانت بطرسبيرغ 11 أبريل (رويترز)
المبعوثان الأميركي ستيف ويتكوف والروسي كيريل ديمترييف في اجتماع بسانت بطرسبيرغ 11 أبريل (رويترز)

عكست المواقف الروسية وجود تحفظات واسعة لدى الكرملين، على سير النقاشات حول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في أوكرانيا.

وبعد مرور يوم واحد على عقد أول جولة محادثات مباشرة بين موسكو وواشنطن لبحث «نسخة مختصرة» عن الخطة المقترحة، قلّلت الرئاسة الروسية من سقف التوقعات. وتحدثت عن تضارب واسع بين «خطط كثيرة» يتردد الحديث بشأنها، واتّهمت أطرافاً عدة داخل الولايات المتحدة وخارجها بالسعي لتقويض جهود السلام.

وكان الطرفان الروسي والأميركي أعلنا عن جولة محادثات، أجراها يومي الاثنين والثلاثاء، وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول مع مسؤولين روس في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، وقالت وسائل إعلام أميركية إنه قدّم خلالها «خطة مختصرة» لتسوية الأزمة في أوكرانيا، تتألف من 19 بنداً بدلاً من 28 بنداً التي شملتها خطة ترمب المعلنة.

«هستيريا إعلامية»

لكن التعليقات الرسمية الروسية بعد هذه الجولة جاءت غامضة، وتحدّث مساعد الرئيس الروسي للشؤون السياسية يوري أوشاكوف عن «معطيات مُضلّلة» تُروّجها وسائل إعلام بشكل مُكثّف وواسع النطاق. وأضاف بأنه «لم يُجرَ حتى الآن نقاش جدي حول خطة سلام لأوكرانيا بين روسيا والولايات المتحدة».

روبيو وويتكوف شاركا في محادثات جنيف 23 نوفمبر (أ.ب)

وانتقد المسؤول «هيستيريا إعلامية» تُرافق النقاشات حول خطة السلام، مُؤكداً موقف موسكو بعدم طرح وجهات نظرها عبر المنصات الإعلامية والاعتماد على الاتصالات المباشرة مع الجانب الأميركي عبر القنوات الرسمية. وأضاف أوشاكوف أن «وسائل الإعلام تنشر معلومات كاذبة حول اتصالات محتملة بين ممثلين روس وأميركيين بهدف عرقلة تطور العلاقات بين البلدين». وحسب قوله، فإن «النقاشات تسير بسلاسة بطرق أخرى، بما في ذلك من خلال المحادثات الهاتفية». وأكد أن «مبادرة واشنطن للتسوية لم تُناقش في المحادثات الروسية - الأميركية - الأوكرانية في أبوظبي».

وفي إشارة إلى أن اللقاء تم بالفعل، لكنه تطرق فقط إلى جوانب أمنية، قال المسؤول عن الملف السياسي في الكرملين: «لم تُناقش خطة السلام في أبوظبي. لم تُناقش خطة السلام بالتفصيل مع أي جهة حتى الآن (...) وممثلي الأجهزة المعنية بالشأن الأوكراني شاركوا في هذا الاجتماع. وأيضاً المبعوث الأميركي الجديد إلى أوكرانيا، المعروف بـ(العازف الماهر)، حضر أيضاً المفاوضات».

وأوضح أوشاكوف: «من جانبنا، شارك ممثلو بعض الأجهزة المعنية الذين يتعاملون مع قضايا عملية؛ وهي، كما ذكرت، مُعقّدة وحساسة للغاية، وعموماً فإن ممثلي أجهزة الاستخبارات الروسية والأوكرانية يجتمعون دورياً لمناقشة تبادل الأسرى».

تكهّنات مُبكّرة

فيما يتعلّق بخطة السلام، حذّر أوشاكوف من وجود «خطط مطروحة» تفتح على سيناريوهات مختلفة تماماً، وزاد أن «هناك خيارات عدة، وبعضها قد يكون مُربكاً. نرى أن عدداً كبيراً من الوثائق بات مطروحاً، ولن أناقشها الآن، بل هناك خيارات عدة في الوقت الحالي. من الممكن حتى الخلط فيما بينها».

وقال أوشاكوف إن «الوضع حول الخطة الأميركية لأوكرانيا يتطور بسرعة، والأوروبيون يتدخلون بلا داعٍ في الأمور المتعلقة بالخطة». وأوضح: «لسنا المشاركين الوحيدين في هذه العملية. ورغم وضوح سبب تدخلنا، فإن الأوكرانيين والأوروبيين يتدخلون أيضاً في كل هذه الأمور، بلا داعٍ على ما يبدو».

وكشف أوشاكوف عن ترتيبات جارية لزيارة المبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف إلى موسكو برفقة ممثلين عن الإدارة الأميركية، من دون أن يُوضّح موعد الزيارة. وقال مساعد الرئيس إنه يتحدث مع ويتكوف بشكل متكرر، لكنه لا يُعلق على محتوى هذه المحادثات التي تُعدّ «سرية».

في السياق، دعا الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إلى عدم التعجل في إطلاق استنتاجات حول مسار التسوية السياسية، وقال إن قطار السلام لم ينطلق بعد. ورفض بيسكوف «الادعاءات القائلة بأن الوضع في أوكرانيا يقترب من اتفاق سلام»، ووصفها بأنها «سابقة لأوانها».

وقال بيسكوف إن روسيا تُجري اتّصالات مع الولايات المتحدة، وهناك مناقشات جارية حالياً بشأن زيارة ويتكوف إلى موسكو، داعياً إلى عدم التعجل في إطلاق تكهنات.

استياء روسي

كرّر بيسكوف إشارات أوشاكوف إلى استياء موسكو من التدخل الأوروبي الواسع في مناقشات الخطة وتعديلاتها. وقال إن «هناك جهات في كثير من الدول تسعى لعرقلة تسوية النزاع في أوكرانيا». وزاد: «في الواقع، لا أبالغ في أهمية الأمر، لكن من المؤكد أن هناك عدداً كبيراً من الأشخاص في مختلف الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، يحاولون عرقلة أي توجه نحو التطورات السلمية».

جانب من استقبال بوتين لويتكوف في الكرملين 6 أغسطس (رويترز)

اللافت، أن الموقف الروسي الداعي إلى عدم التعجل واعتبار أن الحديث عن انطلاق قطار التسوية ما زال مبكراً، جاء مطابقاً لتصريحات الأمين العام لحلف «ناتو»، مارك روته، الذي قال إن خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي لحل النزاع في أوكرانيا تتطلب مزيداً من المفاوضات، وإن السلام لا يزال بعيد المنال. ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» الروسية الحكومية عن المسؤول الأطلسي أن «خطة السلام هي أساس المفاوضات بين أوكرانيا والولايات المتحدة. إنها تتضمن بعض العناصر القوية، ولكنها تتضمن أيضاً بعض العناصر المعقدة التي تتطلب مزيداً من العمل والمفاوضات. ويعمل الأوكرانيون والأميركيون حالياً على ذلك».

وحسب قوله، لا تزال المناقشات جارية على مستوى الاتحاد الأوروبي وحلف «ناتو»، ولكنها مستقلة عن المفاوضات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا. كما وصف روته المحادثات الأخيرة في جنيف بأنها «نجاح حقيقي»، وأنها شكلت أساساً لـ«الانخراط في حوار حقيقي» بين الولايات المتحدة وأوكرانيا.

لكنه رأى أنه «ينبغي أن يتبع ذلك اجتماعات أخرى، ثم محادثات منفصلة مع الاتحاد الأوروبي وحلف (ناتو) حول قضايا محددة. ما زلنا بعيدين عن هدفنا في طريق السلام».

وفي وقت سابق، أشاد مسؤولون أميركيون بنتائج اجتماع جنيف بين ممثلي الولايات المتحدة وكييف بشأن خطة التسوية. وأعلن البيت الأبيض أنه تمّ الاتفاق على معظم النقاط. ومع ذلك، أشارت الإدارة الأميركية إلى أن واشنطن تُدرك أن نجاح الخطة يتطلب موافقة روسيا.


مقالات ذات صلة

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

أوروبا وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

قالت القوات المسلحة البريطانية، الخميس، إنَّ القوات العسكرية البريطانية قادت ونظيرتها النرويجية عمليةً استمرت أسابيع؛ لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بعد 16 عاماً في السلطة يواجه رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، تحدياً من بيتر ماجيار، الذي يتقدم حزبه في معظم استطلاعات الرأي المستقلة وإن لم يكن تقدماً حازماً

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز) p-circle

موسكو تنفي تقارير أوكرانية عن تحالف متسللين إلكترونيين إيرانيين وروس

ذكرت «الخارجية الروسية»، الأربعاء، أن التقييمات الأوكرانية التي تفيد بأن متسللين إلكترونيين من الروس والإيرانيين يتعاونون في مجال الأمن الإلكتروني غير صحيحة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد السفينة «غويل» غادرت ميناء أوست لوغا الثلاثاء محملة بـ700 ألف برميل من النفط (إكس)

ميناء أوست لوغا الروسي يستأنف تصدير النفط

استأنف ميناء أوست لوغا الروسي على بحر البلطيق تصدير النفط، رغم هجمات تنفَّذ بطائرات مُسيَّرة، وفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجال إنقاذ يحملون جثة من الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية بوسط ​مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (رويترز)

فانس يرى أن حرب أوكرانيا هي «الأصعب» ويتهم أوروبا بالتقصير تجاهها

اتهم نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، الأربعاء، القادة الأوروبيين بالتقصير وعدم بذل جهود كافية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت القوات المسلحة البريطانية، الخميس، إنَّ القوات العسكرية البريطانية قادت ونظيرتها النرويجية عمليةً استمرَّت أسابيع؛ لردع غواصات روسية يُشتبه في قيامها بـ«أنشطة خبيثة» في شمال المحيط الأطلسي، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وقال وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، إن فرقاطة وطائرات ومئات من الأفراد قاموا بمراقبة غواصة هجومية روسية وغواصتين تجسُّستَين بالقرب من البنية التحتية تحت سطح البحر شمال المملكة المتحدة. وأضاف أن السفن الروسية غادرت في نهاية المطاف بعد العملية التي استمرَّت أكثر من شهر.

وقال هيلي إنَّ رسالته إلى روسيا هي: «نحن نرى نشاطكم فوق كابلاتنا وخطوط أنابيبنا، ويجب أن تعلموا أنَّ أي محاولة للإضرار بها لن يتم التسامح معها، وستكون لها عواقب وخيمة».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث إلى مشاة البحرية الملكية على متن سفينة «إتش إم إس سانت ألبانز» في أوسلو، خلال زيارته للنرويج يوم 9 مايو 2025 (أ.ب)

وسعى مسؤولون بريطانيون إلى إبقاء روسيا في دائرة الضوء الدولية، حتى في وقت يتركز فيه اهتمام العالم على الصراع في الشرق الأوسط. كما شدَّدوا على الترابط بين النزاعات في الشرق الأوسط وفي أوكرانيا، قائلين إن روسيا زوَّدت إيران بأجزاء طائرات مسيّرة ودعم آخر.

وقال هيلي، في مؤتمر صحافي، إن «بوتين يرغب في أن ننشغل بالشرق الأوسط»، لكن روسيا هي التهديد الرئيسي للمملكة المتحدة وحلفائها.

وأضاف: «لن نرفع أعيننا عن بوتين».

وفي أواخر مارس (آذار)، قالت المملكة المتحدة إنَّ جيشها مستعدٌّ لاحتجاز سفن يُشتبه في أنها جزء من «الأسطول الظلّي» الروسي الذي ينقل النفط، في انتهاك للعقوبات الدولية المفروضة على موسكو بسبب حربها في أوكرانيا. وكانت بريطانيا في السابق تساعد فرنسا والولايات المتحدة فقط على مراقبة السفن قبل الصعود إليها.

وقال هيلي: «نحن مستعدون لاتخاذ إجراءات» ضد تلك السفن.


انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
TT

انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

تشهد المجر، الأحد المقبل، انتخابات برلمانية تنطوي على تداعيات واسعة تتجاوز حدود البلاد. وبعد 16 عاماً في السلطة، يواجه رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، تحدياً خطيرا ومتوصلاً من بيتر ماجيار، الذي يتقدم حزبه (تيلزا)، في معظم استطلاعات الرأي المستقلة، وإن لم يكن ذلك تقدماً حاسماً.

ويقول غريغوار روس، المحلل السياسي البارز مدير برامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في «تشاتام هاوس» (المعهد الملكي البريطاني) إن نتيجة السباق سوف تحدد المسار الداخلي في المجر، وقدرة الاتحاد الأوروبي على العمل بشكل متماسك، وأيضاً توازن النفوذ بين روسيا والغرب في وسط أوروبا. كما ستشكل اختباراً لشبكة الحلفاء السياسيين، أصحاب التوجهات المتشابهة التي يبنيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في أوروبا.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)

وأكد روس أن زيارة جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، للمجر، هذا الأسبوع، في دعم علني لأوربان، هي شكل غير معتاد من الانخراط السياسي الأميركي المباشر في انتخابات أوروبية، وتعكس عمق الانقسام بين واشنطن وحلفائها التقليديين عبر الأطلسي.

أكثر من مجرد حكومة: نظام كامل

ومن منظور داخلي بحت، لا تمثل هذه الانتخابات مجرد اختيار بسيط بين الاستمرارية والتغيير، بل هي اختبار لمدى ترسخ نظام سياسي بأكمله. فعلى مدار العقد الماضي، طورت المجر نموذجاً يتميز بمركزية قوية، ودور نشط للدولة في الاقتصاد، بحسب روس. وترجم ذلك إلى سياسات ملموسة: وضع سقف لأسعار الطاقة، وبرامج دعم مباشر للأسر، ونهج تقوده الدولة في القطاعات الاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الضغوط الاقتصادية أكثر وضوحاً؛ إذ أدى التضخم إلى تآكل القوة الشرائية، وأصبحت المالية العامة أكثر تقييداً مقارنةً بالدورات الانتخابية السابقة.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى وصوله لحضور اجتماع المجلس الأوروبي في بروكسل - 18 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وثمة جانب آخر أساسي في هذا النموذج، ألا وهو الخطاب السياسي القائم على السيادة ومقاومة الضغوط الخارجية. وقد اتسمت علاقة أوربان مع الاتحاد الأوروبي بنزاع متواصل ومتعمق حول قضايا متعددة، من سيادة القانون والهجرة إلى الحرب في أوكرانيا. ولا يزال هناك نحو 20 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي مجمَّدة نتيجة لذلك. وقد أدى ذلك إلى نتائج واضح، مثل تأجيل مشاريع البنية التحتية، وانخفاض المنح التنموية للشركات، وتقلص الإنفاق العام.

ويقول روس إنه بعدما جعل نظام أوربان المواجهة مع الاتحاد الأوروبي محوراً أساسياً لمشروعه، بدأ يدرك تداعيات هذه الاستراتيجية عليه، في صورة أموال مؤجلة، وميزانيات أكثر تشدداً، وخيارات سياسية أقل. وقد يكون الثمن السياسي لكل هذا باهظاً.

مزيد من الاحتكاك أم التقارب؟

وتحمل الانتخابات أهمية لديناميكيات الاتحاد الأوروبي الداخلية، فلطالما استخدمت المجر وضعها لتعطيل أو إعادة تشكيل قرارات جماعية للتكتل، خصوصاً فيما يتعلق بالدعم المالي لأوكرانيا، وهو ما خلق توتراً داخل التكتل، حيث لا يزال الإجماع مطلوباً في قضايا السياسة الخارجية الأساسية.

ومن المرجَّح أن يؤدي فوز أوربان إلى تصاعد الدعوات، لا سيما من ألمانيا ودول أخرى، إلى اعتماد التصويت بالأغلبية المؤهلة داخل الاتحاد، لتحجيم قدرة بودابست على تعطيل القرارات.

ويؤكد المحلل روس أن التغيير في القيادة قد يخفف ما تضعه المجر من عراقيل، لكنه لن يعني بالضرورة توافقاً تاماً مع مواقف الاتحاد الأوروبي الرئيسية. وعلى سبيل المثال، من المرجَّح أن يظل الرأي العام في المجر حذراً بشأن الهجرة.

وفيما يتعلق بأوكرانيا وروسيا، تبنت المجر موقفاً مميزاً داخل الاتحاد يجمع بين الموافقة الرسمية على العقوبات والتزامات «حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، مع نهج أكثر حذراً، أحياناً براغماتياً، تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد شمل ذلك استمرار التعاون في مجال الطاقة مع موسكو، وموقفاً أكثر تحفظاً بشأن الدعم العسكري لأوكرانيا.

وقد تعيد حكومة بقيادة بيتر ماجيار ضبط هذا التوازن، لكن القيود الأساسية (الجغرافية والاقتصادية والسياسية) التي تواجه أي حكومة مجرية لن تختفي بين ليلة وضحاها.

استمرارية حتمية

يتعين التعامل بحذر مع احتمالات التغيير؛ حيث إن بيتر ماجيار ليس شخصية خارج النظام تسعى لتفكيكه من جذوره، بل هو مِن داخله ويدرك كيف يعمل هذا النظام.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الكرملين - 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

وقد تحاشت حملته عمداً تصوير الانتخابات كصراع بين «مجر وأخرى» متناقضتين. وهذا مهم، لأنه يشير إلى سيناريو يكون فيه التغيير انتقائياً وتدريجياً، لا جذرياً شاملاً.

وربما تتغير بعض المجالات بسرعة نسبية؛ فقد تستقر العلاقات مع بروكسل، مما يفتح الباب أمام جزء من تمويل الاتحاد الأوروبي. كما قد تتعدل نبرة السياسة الخارجية، خصوصاً تجاه كييف وموسكو.

ولكن ثمة عناصر أخرى أكثر رسوخاً، مثل الدور المركزي للدولة في الاقتصاد، والأهمية الكبيرة لمشروعات الطاقة الضخمة.

تغيير على الهوامش

أعادت الحرب الأخيرة في منطقة الخليج أمن الطاقة إلى صدارة الحملة الانتخابية.

وتنتج محطة «باكس» النووية في المجر نحو نصف كهرباء البلاد. ويعتمد بناء مفاعلات جديدة على التكنولوجيا والتمويل من روسيا عبر «روساتوم» (المؤسسة الحكومة للطاقة النووية في روسيا). كما أن البنية التحتية للغاز في المجر كانت تاريخياً موجهة نحو الإمدادات الروسية.

وأبرزت أحداث حديثة هشاشة هذه البنية؛ إذ عثر على متفجرات في صربيا قرب خط أنابيب يزود المجر بالغاز الروسي. وتزعم أوكرانيا أن روسيا ربما دبرت الحادث، كعملية «راية زائفة»، وهو أمر غير مستبعَد، ولكن لم يتم إثباته.

ويظهر هذا أن الاعتماد على الطاقة ليس قضية اقتصادية فحسب، بل استراتيجية أيضاً.

ورغم أن تنويع مصادر الطاقة ممكن، فإنه يتطلب سنوات من الاستثمار في خطوط أنابيب بديلة، وتحديث الشبكات، والتنسيق الإقليمي، مما يحد من قدرة أي حكومة على المناورة على المدى القصير.

رئيس الوزراء، فيكتور أوربان خلال حملته الانتخابية في 27 مارس 2026 (رويترز)

وينبغي ضبط توقعات الاتحاد الأوروبي وفقاً لذلك. ففي ظل حكومة بقيادة بيتر ماجيار، من المرجح ألا يكون المسار انفصالاً كاملاً عن روسيا، بل إعادة توازن تدريجية تتشكل بقدر ما تمليه القيود العملية وبقدر ما تحدده النيات السياسية.

وجذب نهج إدارة الحملة الانتخابية الانتباه؛ حيث زعم صحافيون ومنظمات غير حكومية وجود ممارسات تطمس الحدود بين السياسات العامة والتعبئة السياسية، خصوصاً في المناطق الأكثر ضعفاً من الناحية الاقتصادية.

وتواجه الحكومة اتهامات بتقديم مزايا مادية وبرامج توظيف عامة لكسب أصوات فئات بعينها، وتنظيم نقل الناخبين إلى مراكز الاقتراع. ولكن الأدلة تشير بشكل أكبر إلى شبكات محلية من المحسوبية والاعتماد، بدلاً من شراء الأصوات. وقد لا يكون ذلك كافياً لإبطال نتائج الانتخابات، لكنه يعكس بيئة تنافس غير متكافئة بشكل متزايد.

خيارات مقيدة

ويتحدث روس عن لوحة خيارات مقيدة أكثر من كونها بدائل واضحة، فسياسات الاقتصاد في المجر تتأثر بضيق الحيز المالي والتمويل الخارجي المشروط، واستراتيجية الطاقة تحددها البنية التحتية طويلة الأمد والتبعية القائمة. أما السياسة الخارجية، فتقع عند تقاطع عضوية الاتحاد الأوروبي والتزامات «الناتو» والاعتبارات البراغماتية.

ويؤكد روس في ختام تحليله أن تغيير القيادة لن يؤدي تلقائياً إلى تحول في النظام، فقد تطور النظام السياسي في المجر خلال العقد الماضي بطريقة تعكس أوجه تفضيل هيكلية ومجتمعية عميقة تتعلق بالسيادة، ودور الدولة، وحدود التأثير الخارجي. وهذه ليست أموراً يسهل تغييرها بمجرد تداول السلطة.


«مدمرة للغاية»... بريطانيا وفرنسا تدينان الهجمات الإسرائيلية على لبنان

ينظر أحد رجال الإنقاذ بالقرب من مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية نُفذت يوم الأربعاء في تلة الخياط ببيروت (رويترز)
ينظر أحد رجال الإنقاذ بالقرب من مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية نُفذت يوم الأربعاء في تلة الخياط ببيروت (رويترز)
TT

«مدمرة للغاية»... بريطانيا وفرنسا تدينان الهجمات الإسرائيلية على لبنان

ينظر أحد رجال الإنقاذ بالقرب من مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية نُفذت يوم الأربعاء في تلة الخياط ببيروت (رويترز)
ينظر أحد رجال الإنقاذ بالقرب من مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية نُفذت يوم الأربعاء في تلة الخياط ببيروت (رويترز)

أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الخميس، أن بريطانيا ترغب بشدّة في أن يُشمل لبنان بوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط.

وقالت كوبر، في تصريحات لـ«قناة سكاي نيوز»: «نرغب في وقف لإطلاق النار يمدّد إلى لبنان. وأنا أشعر بقلق بالغ إزاء الهجمات المتصاعدة لإسرائيل التي شهدناها بالأمس في لبنان».

وأضافت: «رأينا التداعيات الإنسانية والنزوح الواسع النطاق في لبنان. لذا، نحن نرغب بشدّة في أن يمدّد وقف إطلاق النار إلى لبنان».

ووصفت وزيرة الخارجية البريطانية قصف إسرائيل للبنان بأنه «مدمر للغاية»، مضيفة أن الحرب يجب أن تتوقف لمنع تداعي وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

يتصاعد الدخان والحطام بعد استهداف مبنى بغارة جوية إسرائيلية في منطقة العباسية على مشارف مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتابعت قائلة: «هذا التصعيد الذي رأيناه من إسرائيل أمس مدمر للغاية ونريد أن نرى وقفاً للأعمال القتالية»، وفقاً لما

ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

من جانبه، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، اليوم، عبر أثير إذاعة «فرانس إنتر»، أن الضربات الإسرائيلية على لبنان «غير مقبولة»، مشيراً إلى تضامن فرنسا مع يوم الحداد الوطني الذي أقرّته السلطات اللبنانية.

وصرّح: «ندين بشدّة هذه الضربات الكثيفة... التي أودت خلال 10 دقائق بحياة أكثر من 250 شخصاً أضيفوا إلى 1500 ضحية قضوا في النزاع الذي أشعل (حزب الله) فتيله ضدّ إسرائيل في الثاني من مارس (آذار) الماضي»، مشدّداً على أن «هذه الهجمات غير مقبولة خصوصاً أنها تضعف وقف إطلاق النار المؤقّت الذي تمّ التوصّل إليه أمس بين

الولايات المتحدة وإيران».

وأكّد بارو: «نعم، ينبغي لإيران أن تتوقّف عن ترهيب إسرائيل بواسطة (حزب الله) الذي ينبغي له بصورة ملحّة أن يلقي السلاح ويسلّمه إلى الدولة اللبنانية. ولكن، لا! ينبغي ألا يكون لبنان بمثابة كبش فداء لحكومة مربكة لأنه تمّ التوصّل

إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران».

وأعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الخميس، يوم حداد وطني على ضحايا الغارات الإسرائيلية غير المسبوقة على لبنان منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، التي أوقعت أكثر من 100 قتيل ومئات الجرحى.