أزمة سياسية جديدة في فرنسا مع استقالة لوكورنو بُعيد تشكيل حكومته

ماكرون أمام خيارات صعبة... و3 سيناريوهات في الأفق

الرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة «العيد الوطني الفرنسي»... (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة «العيد الوطني الفرنسي»... (أ.ب)
TT

أزمة سياسية جديدة في فرنسا مع استقالة لوكورنو بُعيد تشكيل حكومته

الرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة «العيد الوطني الفرنسي»... (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة «العيد الوطني الفرنسي»... (أ.ب)

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، أن الرئيس طلب من رئيس الوزراء المستقيل سيباستيان لوكورنو إجراء محادثات نهائية بحلول مساء الأربعاء مع الأحزاب السياسية لتحقيق الاستقرار في البلاد.

وقالت الرئاسة إن ماكرون حدّد للوكورنو هدفاً يتمثل في «تحديد إطار للتحرك والاستقرار في البلاد». كان لوكورنو قد قدّم استقالته واستقالة حكومته الجديدة في وقت سابق اليوم، بعد أن هدد حلفاؤه وخصومه على حد سواء بإسقاط الحكومة.

مساء الأحد، قرأ إيمانويل مولين، الأمين العام للرئاسة الفرنسية، من على عتبة «الإليزيه»، أسماء الوزراء الـ18 الذين صدر مرسوم تعيينهم بحقائبهم الوزارية. وصباح الاثنين، وقبيل الساعة التاسعة، وزع «الإليزيه» بياناً مقتضباً للغاية جاء فيه أن رئيس الحكومة المعين، سيباستيان لوكورنو، قدّم استقالة حكومته إلى الرئيس إيمانويل ماكرون عقب اجتماع لأكثر من ساعة مع رئيس الجمهورية.

رئيس الحكومة الفرنسية المستقيل سيباستيان لوكورنو إلى جانب فرنسوا بايرو الذي استقال من رئاسة الحكومة الشهر الماضي خلال حفل استقبال في «الإليزيه» يوم 10 سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وبذلك، انقضت 840 دقيقة فقط بين التعيين والاستقالة، بحيث يضرب لوكورنو الرقم القياسي لجهة قصر المدة التي أمضاها رئيسُ حكومة. وتُبين السجلات الحكومية أنه يتعين الرجوع مائة عام إلى الوراء للعثور على شيء مشابه؛ مما يعكس عمق الأزمة السياسية التي تعانيها فرنسا والتي شهدت استقالة 3 رؤساء حكومات؛ اثنان سقطا بالضربة القاضية في «الجمعية الوطنية (البرلمان)»، والثالث استقال قبل أن يصل إليها. كذلك، فإن لوكورنو، وزير الدفاع السابق والشخصية السياسية الأقرب إلى رئيس الجمهورية، لم تُتح له فرصة جمع وزرائه الـ18 الذين أُعلنت أسماؤهم، ولو لمرة واحدة، ولا المثول أمام نواب الأمة، بعكس سابقيه ميشال بارنييه وفرنسوا بايرو، فحكومة الأول استمرت 3 أشهر، والثاني 8 أشهر.

والأحجية أن لوكورنو، الذي كلفه ماكرون تشكيل الحكومة يوم 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، توفر له الوقت الكافي لإجراء مشاورات موسعة مع الأحزاب والقوى السياسية الممثلة في البرلمان، ومع النقابات وأرباب العمل وهيئات من المجتمع المدني؛ للتعرف على مطالبهم وتوقعاتهم، خصوصاً للتوصل إلى قواسم مشتركة تمكنه من تشكيل حكومة قابلة للحياة من جهة؛ ومن جهة أخرى قادرة على صياغة ميزانية متوازنة يمكن أن تمر في البرلمان من غير أن تسقط حكومته في حال رفضها.

برونو روتايو وزير الداخلية المستقيل رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي أطاح التشكيلة الحكومية بسبب اعتراضات على حصة حزبه وتعيين برونو لومير وزيراً للدفاع (أ.ف.ب)

حكومة جديدة بوجوهٍ قديمة

بيد أن جميع هذه الحسابات سقطت ومباشرة بعد إعلان أسماء الوزراء وحقائبهم. والخيبة الأولى أن لوكورنو، الذي وعد مباشرة بعد تكليفه بتغيير نهج الحكم في الشكل والمضمون، فاجأ الفرنسيين بأن حكومته بأسمائها أو بتوجهاتها، لا تختلف كثيراً عن حكومة سلفه. فالوزراء الأساسيون عادوا إلى حقائبهم، ومنهم وزراء: الخارجية (جان نويل بارو)، والعدل (جيرالد دارمانان)، والداخلية (برونو روتايو)، والثقافة (رشيدة داتي)، والتعليم (إليزابيث بورن)، وشؤون ما وراء البحار (مانويل فالس)، والزراعة (آني جينوفار)، والصحة والعمل (كاترين فوترين)، والنقلة البيئوية (أنياس بانيه روناشير)... وباختصار، فإن 12 وزيراً من أصل 18، أعلنت أسماؤهم، هم من الحكومة السابقة؛ مما يبين أن لا تغيير في النهج، ولا في الأسماء. وحدها تسمية برونو لومير، الذي أمسك حقيبة الاقتصاد طوال 7 سنوات من عهدي ماكرون، شكلت الجديد الذي لقي رفضاً جذرياً بوصفه المسؤول عن أزمة المديونية الحادة التي تعانيها فرنسا، حيث زادت تريليون يورو، لتقفز راهناً إلى 3.4 تريليون يورو، ولتجعل من فرنسا أحد أسوأ «تلامذة» الاتحاد الأوروبي في هذا الميدان.

ثمة إجماع فرنسي على أن استقالة لوكورنو تعمق الأزمة السياسية التي وصفتها وسائل إعلام بأنها «تسونامي سياسي»، وأنها بصدد التسبب بأزمة مؤسساتية يمكن أن تفضي إلى أزمة نظام. وهذه الأزمات المتناسلة تعود أصولها إلى نتائج الانتخابات التشريعية التي أُجريت ربيع العام الماضي؛ بسبب إقدام ماكرون على حل مجلس النواب، والتي لم تفرز أكثرية نيابية يمكن أن توفر الاستقرار السياسي.

وعمد ماكرون إلى الدفع باتجاه تشكيل ما سميت «كتلة مركزية» قوامها 3 أحزاب وسطية داعمة له، إضافة إلى حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي.

بيد أن هذه الكتلة جاءت قاصرة عن توفير الأكثرية المطلوبة؛ مما يعكس هشاشتها. وازدادت انقساماتها بسبب اقتراب الاستحقاق الرئاسي في ربيع 2027، حيث هناك من لا يقلون عن 5 مرشحين منها طامحين للتنافس على خلافة ماكرون. وفي كلمته الوداعية، أشار لوكورنو إلى «الطموحات الفردية»، داعياً السياسيين إلى «تفضيل العمل لمصلحة فرنسا، وليس لمصلحة أحزابهم».

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف تدعو إلى انتخابات تشريعية مبكرة (أ.ف.ب)

خيارات ماكرون... أحلاها مر

تعاني فرنسا من مشكلة «بنيوية» تتمثل في أن الكتل الثلاث الكبرى في البرلمان عاجزة عن العمل بعضها مع بعض. ثمة كتلتان إلى جانب «الكتلة المركزية»: الأولى تضم الأحزاب اليسارية، والأخرى خاصة باليمين المتطرف ممثلاً في «التجمع الوطني» الذي تتزعمه مارين لوبن. وعبر مارك فيسنو، رئيس مجموعة «الحركة الديمقراطية» في البرلمان عن إحباطه في تغريدة على منصة «إكس»، الاثنين، حيث كتب: «أشعر بالخجل من حياتنا السياسية. أريد أن أقول هنا الحقيقة كما هي. إن عدم المسؤولية الفردية، والطموحات الرئاسية، والحسابات الصغيرة التافهة، تغرق البلاد في الفوضى. وفي النهاية، سيكون الفرنسيون الضحايا الوحيدين. من حق مواطنينا أن يشعروا بالغضب. أشعر بالخجل من العواقب التي ستترتب على ذلك. وعلى الذين يحبون بلدنا فوق كل اعتبار آخر أن يتحاوروا، أخيراً، بعضهم مع بعض وبصدق».

وإزاء هذه التطورات، تكاثرت التصريحات ورمي الاتهامات. فرئيس حزب «الجمهوريون» وزير الداخلية، برونو روتايو، رفض تحمل مسؤولية الأزمة التي اندلعت بسبب تحفظاته عن تركيبة الحكومة، حيث لم يحظ بثلث وزرائها، ولرفضه تعيين لومير في وزارة الدفاع وتأكيده أن حزبه لا يستطيع البقاء في الحكومة.

والحال أن الحكومات الثلاث التي تشكلت منذ عام ونصف قامت على تحالف بين الأحزاب الثلاثة الداعمة لماكرون و«الجمهوريون»... ولذا؛ فإن انسحاب هؤلاء جعل حكومة لوكورنو مكشوفة تماماً. وسعى لوكورنو إلى «تحييد» الحزب الاشتراكي بعدد من التدابير التي لم تحظ برضاه؛ لأن الأول رفض التجاوب مع مطلبين أساسين: الأول التراجع عن قانون التقاعد الذي أُقر في عام 2023، والثاني فرض ضريبة مرتفعة على أصحاب الثروات الكبرى التي تزيد على مائة مليون يورو.

من جهته، سارع اليمين المتطرف، بصوت رئيسه جوردان بارديلا، إلى المطالبة بانتخابات نيابية مبكرة، وكذلك فعلت مارين لوبن. وغرد الأول قائلاً: «سيكون من الصعب توفر الاستقرار من غير العودة إلى صناديق الاقتراع ومن غير حل البرلمان».

المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون دعا مجدداً إلى استقالة الرئيس ماكرون أو إقالته (أ.ف.ب)

أما جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري، فقد جدد مطالبته بإقالة ماكرون أو استقالته والذهاب مباشرة إلى انتخابات رئاسية. ودعا ميلونشون النواب إلى مباشرة النظر في اقتراح قانون قُدم إلى رئاسة البرلمان الشهر الماضي ووقعه 104 من نواب اليسار والبيئويين، يدعو إلى إقالة ماكرون بموجب النصوص الدستورية بالغة التعقيد.

3 سيناريوهات

اليوم، كل الأنظار تتجه إلى «قصر الإليزيه» وماكرون، فبالصلاحيات الدستورية الممنوحة له، ترسو عليه مسؤولية إيجاد مخرج من الأزمة السياسية التي لها تشعبات اجتماعية واقتصادية ومالية وأخرى أوروبية ودولية. بيد أن مشكلته الرئيسية أن الخيارات المتاحة أمامه بالغة الصعوبة.

ويرى الخبراء أن أمامه 3 سيناريوهات؛ الأول: السعي إلى كسب الوقت من خلال تكليف شخصية «محايدة» من المجتمع المدني تشكيل حكومة من التكنوقراط (الخبراء) مع مهمة رئيسية عنوانها تمرير مشروع الموازنة لعام 2026. والثاني: تكليف شخصية تميل يساراً (ربما من «الحزب الاشتراكي»)، وهو ما رفضه ماكرون منذ العام الماضي، وحجته أنها ستسقط منذ أول اختبار بسبب الرفض المبدئي للكتلة الوسطية واليمين التقليدي فضلاً عن اليمين المتطرف. والسيناريو الثالث يتألف من شقين: الدعوة إلى انتخابات مبكرة، أو الاستقالة.

والحال، أن ماكرون أكد أكثر من مرة أنه باقٍ حتى آخر لحظة من ولايته؛ ولذا فالاستقالة مستبعدة. أما الانتخابات المبكرة، فإن لها عيبين؛ الأول: أن من المرجح لها أن تأتي بمجلس نيابي شبيه بالمجلس الحالي، وبالتالي، فإن الأزمة ستتعمق بمختلف مكوناتها. والثاني أنها قد تفتح الباب أمام اليمين المتطرف للوصول إلى الحكومة في حال حصوله على الأكثرية أو الاقتراب منها. وفي هذه الحالة، فلن يستطيع تجنب «المساكنة» معها؛ أي أن تكون الرئاسة في اتجاه والحكومة في اتجاه آخر؛ مما سيفتح الباب أمام تجاذبات خطيرة بالنظر إلى الهوة التي تفصل بين الطرفين.

ولأول مرة منذ وصوله إلى الرئاسة، يجد ماكرون نفسه أمام وضع يصعب التعامل معه. فهل سيستنبط حلاً سحرياً لم يخطر في بال أحد؟ السؤال مطروح، وجوابه سيظهر في مقبل الأيام.


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون: ندعم إقرار عقوبات جديدة على روسيا بعد المسيّرة على مطار لايبزيغ

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم الثلاثاء إن فرنسا «تؤيد فرض عقوبات أوروبية جديدة على روسيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب) p-circle

ماكرون يزور لندن لافتتاح معرض مخصص لمنسوجة بايو ولقاء بيرنهام

يزور الرئيس الفرنسي لندن، الأربعاء والخميس؛ حيث سيفتتح معرضا يحتفي بمنسوجة بايو التي قرر إعارتها لمتحف بريطاني كما يلتقي للمرة الأولى رئيس وزراء بريطانيا الجديد

«الشرق الأوسط» (باريس)
الخليج لقاءات ومناسبات متعددة جمعت محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأول إلى فرنسا الأحد والاثنين (أ.ف.ب) p-circle

القمة السعودية - الفرنسية... تعزيز التعاون الدفاعي وترسيخ التنسيق السياسي

عزّز البيان المشترك الصادر في ختام زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، من مستوى «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين.

غازي الحارثي (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال جولة مع الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في باريس (واس)

تفاهم سعودي - فرنسي على الملفات الإقليمية وقرارات بتفعيل استراتيجية الشراكة

الاستقبال الحار الذي هيأه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لضيفه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يعكس بقوة العلاقة الخاصة التي تربطهما منذ عام 2017.

ميشال أبونجم (باريس)

موسكو وكييف تسابقان ميدانياً جهود إطلاق المسار التفاوضي

الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مشترك مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاتهم في كييف الأحد (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مشترك مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاتهم في كييف الأحد (إ.ب.أ)
TT

موسكو وكييف تسابقان ميدانياً جهود إطلاق المسار التفاوضي

الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مشترك مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاتهم في كييف الأحد (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مشترك مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاتهم في كييف الأحد (إ.ب.أ)

على الرغم من التفاؤل الذي رافق جولة مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى موسكو وكييف نهاية الأسبوع الماضي، والحديث المتكرر في العاصمتين عن «أفكار جوهرية وجديدة» حملها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى طرفي الصراع، فإن الأجواء التي أعقبت جولات الحوار المطولة لم تعكس تحقيق اختراقات ملموسة على الأرض، أو استعداداً لتأكيد أن محاولة كسر الجمود التي قام بها المفاوضان الأميركيان أثمرت عن إطلاق مرحلة جديدة لدفع تسوية سياسية مقبولة من الجانبين.

وفي مقابل حديث الرئاسة الأوكرانية، الاثنين، عن تلقيها أفكاراً «أكثر جدوى» لتحقيق السلام، جاء تأكيد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على موقفه الرافض فكرة التنازل عن دونباس، وتجديد موسكو شروطها المعلنة مسبقاً، بما في ذلك ضرورة معالجة جميع الأسباب الجذرية للصراع الأوكراني، والتعامل مع «الوقائع على الأرض» ليوضح جانباً مهماً من الصعوبات التي يواجهها الوسيط الأميركي في محاولة التوصل إلى حل وسط.

المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي عقب محادثاتهم في كييف الأحد (أ.ف.ب)

ونجحت الزيارة على الأقل في كسر الجمود وإعادة محاولات استئناف العملية التفاوضية إلى الواجهة. وهو أمر تحدث عنه ويتكوف بعد توجهه من كييف إلى بولندا عندما أشار إلى استمرار جهود عقد مفاوضات ثلاثية. بدوره لم يستبعد الكرملين، الاثنين، أن يعقد الرئيسان فلاديمير بوتين ودونالد ترمب جولة محادثات هاتفية جديدة لتقييم الزيارة والجهد الأميركي المبذول حالياً.

ومع تسارع وتيرة الحراك على خطوط الأزمة الأوكرانية حيث تبرز مقاربات جديدة تحاول إيجاد أرضية مشتركة لإنهاء النزاع المستمر وصياغة تفاهمات استراتيجية تضمن استقرار القارة الأوروبية. وكشفت كواليس المحادثات أن الحسابات الراهنة لم تعد تقتصر على فرض وقف مؤقت لإطلاق النار، بل تتركز حول وضع أسس صلبة ومستدامة لمنع تجدد التوترات المستقبلية. وفي هذا الصدد، أعلن جاريد كوشنر، أن الجهود الحالية تركز على مناقشة ضمانات أمنية قوية وواضحة لصالح أوكرانيا، بالتوازي مع وضع خطة اقتصادية شاملة للازدهار وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع.

وقد وصف ويتكوف المباحثات بأنها كانت موضوعية وجوهرية للغاية، معرباً عن تفاؤل بإمكانية فتح مسارات جديدة تضمن تحقيق تقدم حقيقي في الملفات المعقدة، لا سيما أن جولات النقاش لم تقتصر على الوضع العسكري والسياسي بل شملت تأمين خطوط الطاقة وتوفير حزم الدعم الشتوي وأنظمة الدفاع الجوي لأوكرانيا. كذلك، وفر وجود مستشاري الأمن القومي لكل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا في كييف خلال المحادثات إطارا أوسع لمحاولات صياغة مقترح تسوية محدث ومقبول من جميع الأطراف المعنية.

المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لدى وصولهما إلى كييف لإجراء محادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأحد (أ.ف.ب)

لكن هذه الأجواء الإيجابية تقابلها كما قال خبراء صعوبات جدية، تنطلق من الخطوط الحمراء التي وضعها الطرفان لتحقيق السلام، فضلاً عن انعكاسات الوضع الميداني على الجهود المبذولة لإحلال السلام، وعلى موازين القوى على أي طاولة مفاوضات مستقبلية.

وجاء حديث زيلينسكي عن الخط الأحمر الأساسي المرتبط بعدم القبول بتنازلات ميدانية، انطلاقاً من مبدأ «عدم منح بوتين سياسياً ما عجز عن انتزاعه عسكرياً على مدى أربع سنوات». وقال زيلينسكي إن المؤشرات الميدانية والسياسية تؤكد استمرار الحرب خلال فصل الشتاء المقبل، مشدداً على أن موقف أوكرانيا حيال إقليم دونباس ثابت لا يتغير. وأوضح أن «قضية دونباس تختزل جوهر الحرب بأكملها» مؤكداً أنه دون بناء مواقف قوية وصمود صلب للقوات المسلحة الأوكرانية على خطوط المواجهة، فإن روسيا ستستمر في لغة «الإملاءات والإنذارات الأخيرة».

ويضاف إلى الشرط الأوكراني ملف الضمانات الأمنية وضرورة إشراك أوروبا في رسم ملامح التسوية المقبلة، والملف المتعلق بتسليح أوكرانيا وضمانات خياراتها السياسية المستقبلية، بما في ذلك الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو حلف الأطلسي. ولا يغيب هنا المسعى الأوروبي لنشر قوات فصل في وقت لاحق في أوكرانيا. وهذه عقبة رئيسية أمام جهود الوسيط الأميركي لأنها تقابل برفض حازم من جانب موسكو.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى حضوره اجتماعاً مع القائم بأعمال رئيس جمهورية داغستان فيودور شتشوكين (غير باد في الصورة) في موسكو الاثنين (رويترز)

شروط بوتين

في المقابل، لا تبدو موسكو أكثر استعداداً لتقديم تنازلات عن شروطها المعلنة لتحقيق السلام. وفي هذا الإطار جاء حديث الوزير سيرغي لافروف، الاثنين، عن أن روسيا لن تُبرم أي اتفاقيات دون تحقيق توازن كامل في المصالح. ويعيد حديث لافروف إلى الواجهة المدخل الروسي القائم على ضرورة بلورة ما يعرف بـ«الصفقة الشاملة» التي تعيد هندسة الأمن الأوروبي كله بتوافق مع موسكو وتضمن مصالح كل الأطراف. وهنا يقول خبراء روس إن مطلب «الضمانات الأمنية» الذي تطرحه أوكرانيا على طاولة أي محادثات بدعم أوروبي واسع، لا ينبغي أن ينفصل عن الضمانات التي تطالب بها روسيا بدورها بما في ذلك نشر الأسلحة الغربية في محيطها ومحاولة تطويقها عسكرياً وأمنياً واقتصادياً.

عموماً، لا تبدو موسكو مستعدة للتراجع عن شروطها الأساسية المعلنة لوقف الحرب. وعلى رأسها المطالب الإقليمية المتعلقة بانسحاب أوكرانيا بالكامل من منطقة دونباس (دونيتسك ولوغانسك) ومقاطعتي زابوريجيا وخيرسون، وهي المناطق التي ضمتها في بداية الحرب بشكل أحادي. المطلب الروسي لا يقتصر على الأراضي التي تسيطر عليها موسكو بالفعل حالياً بل في انسحاب أوكرانيا من المناطق التي ما زالت خاضعة لسيطرتها، وفي الإقرار الأوكراني والدولي بشكل مكتوب وموثق بالسيادة الروسية عليها إلى جانب الإقرار بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم.

وتبدو هذه واحدة من أعقد المحطات التفاوضية المحتملة، خصوصاً مع عدم بلورة آلية يمكن أن تشكل حلاً وسطاً بين موسكو وكييف في هذا الشأن. علماً بأن موسكو كانت قد رفضت سابقاً المدخل الذي طرحته الإدارة الأميركية القائم على إقرار بـ«أمر واقع» أي إقرار بالسيطرة الروسية على المناطق مع عدم القبول بـ«شرعية الوجود الروسي» ونقل المحادثات بشأنها إلى مرحلة لاحقة.

أما الملف الثاني الذي يشكل شرطاً صعباً فيتعلق بحياد أوكرانيا ونزع سلاحها. وعلى الرغم من أن غالبية الآراء داخل حلف الأطلسي تتفق على استحالة ضم أوكرانيا إلى الحلف، لكن فكرة الحياد الكامل ونزع السلاح تبدو بعيدة المنال حالياً في ظل إجماع أوروبي تقريباً على ضرورة أن تبقى أوكرانيا رأس حربة في مواجهة أي أطماع روسية مستقبلية، وأيضاً بسبب الطفرة الكبيرة التي حققتها الصناعات الدفاعية والعسكرية الأوكرانية في زمن الحرب، وخصوصاً في مجال المسيّرات بكل طرازاتها وأنظمة الرادار وتقنيات عديدة أخرى حولت أوكرانيا إلى شريك أساسي له اعتبار في حسابات الردع والدفاع المستقبلية للقارة الأوروبية.

ويبرز الشرط الثالث المتعلق بوقف نشر الأسلحة والمعدات حول روسيا وترتيب ضمانات شاملة ومتوازنة لكل الأطراف في القارة الأوروبية. وكان لافتاً أنه بعد جولة ويتكوف وكوشنر مباشرة، قالت الخارجية الروسية: «لم يتم بعد تهيئة الظروف المواتية لحوار جوهري ومثمر مع الولايات المتحدة بشأن الاستقرار الاستراتيجي». أوضحت، الناطقة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا، الاثنين: «من جانبنا، أوضحنا مراراً وتكراراً وبشكل مفصل أنه لم يتم بعد تهيئة الظروف المواتية لحوار استراتيجي جوهري ومثمر مع الولايات المتحدة». وأضافت: «ستكون مواقع نشر منظومات الصواريخ الأميركية القصيرة والمتوسطة في النرويج موضع اهتمام خاص من قبل قوات الردع الاستراتيجي الروسية».

وتدرك موسكو قدرة هذه المنظومات على تغطية قطاع كبير من روسيا الأوروبية، بما في ذلك العاصمة الروسية. وأشارت وزارة الخارجية الروسية إلى أن تنفيذ خطط وإجراءات عملية محددة لنشر صواريخ مختلفة الطرازات في المناطق المحيطة بروسيا «تظهر أن الحلف لا يخفي نية حلف شمال الأطلسي في امتلاك قدرات هجومية صاروخية واسعة النطاق في عمق أراضي روسيا، بل يتباهى بها بشكلٍ واضح».

وأكدت الوزارة الروسية: «في الوقت نفسه، تُبذل محاولة لاستهداف المياه الشاسعة في المنطقة، لضمان سيطرة مهيمنة على الطرق البحرية الحيوية من الناحية العسكرية والتجارية والنقلية». أما الشروط الأخرى المتعلقة برفع العقوبات الغربية، وضمان الحريات داخل أوكرانيا خصوصاً للمكون الناطق بالروسية، فهي شروط قابلة للتفاوض وفقاً للخبراء ويمكن إحراز نتائج سريعة بشأنها.

رجال الإنقاذ يعملون على إخماد نيران في موقع غارة جوية روسية استهدفت موقف شاحنات في زابوريجيا الاثنين (إ.ب.أ)

الوضع الميداني

ويسابق الوضع الميداني المحاولات السياسية لمحاصرة الصراع والوصول إلى تسوية مقبولة. وفي مقابل توسيع حجم عمليات الطرفين في الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ، فإن رواية كل طرف للواقع الميداني العملياتي تعكس محاولات لتحسين الأوراق التفاوضية على الأرض. ومن وجهة نظر موسكو فإن التقدم البطيء لكن المتواصل الذي تحقق خلال العام الأخير ونجحت موسكو بفضله في توسيع رقعة سيطرتها في منطقتي دونيتسك وزابوريجيا يقلل فرص كييف للمطالبة بانسحابات من هذه المنطقة، ويعزز النظرية الروسية القائمة على حتمية إحكام سيطرة مطلقة في المنطقة إذا تواصلت العمليات القتالية. لكن من وجهة نظر أوكرانيا فإن توسيع استهداف العمق الروسي والنجاح خلال العام الأخير في إيصال الحرب إلى كل مدينة وقرية روسية حقق نوعاً من التوازن العسكري برغم فارق القوة الروسي الواضح.

طائرة مسيّرة لدى اصطدامها بمبنى سكني في مدينة بيرم الروسية الاثنين وسط تواصل الصراع الروسي الأوكراني (رويترز)

ويقول خبراء في كييف إن «الخريطة على الأرض تبدو أقل انتصاراً بكثير لرواية الكرملين». ووفقاً لمعهد دراسة الحرب، فقد حققت القوات الأوكرانية مكاسب في مناطق خاركيف ودونيتسك ودنيبروبتروفسك قبل وقت قصير من وصول المبعوثين الأميركيين، فيما لم تُسجَّل أي مكاسب مؤكدة في عدة عمليات هجومية روسية حول كوبيانسك وبوروفا وكونستانتينيفكا وبوكروفسك، وكذلك في زابوريجيا. لكن تضارب الروايتين لا يمنع أن ثمة جهداً عسكرياً واسعاً لإحداث اختراقات ميدانية بارزة تسابق محاولات إطلاق قطار السلام.


انهيار جليدي يودي بحياة 11 متسلقاً في شمال القوقاز الروسي

انهيار جليدي سابق في منطقة قبردينو-بلقاريا الروسية (وسائل إعلام محلية)
انهيار جليدي سابق في منطقة قبردينو-بلقاريا الروسية (وسائل إعلام محلية)
TT

انهيار جليدي يودي بحياة 11 متسلقاً في شمال القوقاز الروسي

انهيار جليدي سابق في منطقة قبردينو-بلقاريا الروسية (وسائل إعلام محلية)
انهيار جليدي سابق في منطقة قبردينو-بلقاريا الروسية (وسائل إعلام محلية)

قالت أجهزة الطوارئ في منطقة قبردينو-بلقاريا الروسية إن 11 شخصاً، على الأقل، لقوا حتفهم، وأصيب ستة آخرون، بعد تعرض مجموعة من المتسلقين في المنطقة الكائنة بشمال القوقاز لانهيار جليدي.

وانحدر الانهيار الجليدي من جبل ميجيرجي، وهو من أعلى القمم في شمال القوقاز الروسي، في نحو الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي (14:00 بتوقيت غرينتش)، أمس الأحد، ليصطدم بمجموعة من 33 متسلقاً، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأفادت أجهزة الطوارئ بأن 10 متسلقين تمكنوا من النزول من الجبل بمفردهم حتى الساعة التاسعة من صباح اليوم الاثنين بالتوقيت المحلي، بينما لا يزال مصير ستة آخرين مجهولاً.

وأضافت أن أكثر من 50 من رجال الطوارئ شاركوا في عملية البحث والإنقاذ، لكن الجهود واجهت عقباتٍ مثل وُعورة التضاريس وارتفاع مخاطر حدوث انهيارات جليدية أخرى.


الكرملين: لا نستبعد استئناف المفاوضات مع أوكرانيا برعاية أميركية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو (الكرملين)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو (الكرملين)
TT

الكرملين: لا نستبعد استئناف المفاوضات مع أوكرانيا برعاية أميركية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو (الكرملين)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو (الكرملين)

أشار الكرملين إلى أنه لا يستبعد استئناف المحادثات مع كييف برعاية واشنطن؛ لإيجاد مخرج للحرب في أوكرانيا، وذلك إثر زيارة أجراها المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، للصحافيين: «لا نستبعد أيضاً استئناف الصيغة الثلاثية، لكن لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن مكان ومواعيد محددة».

ولفت النظر إلى أن «أي محاولة» لحل النزاع تشكل «خطوة نحو السلام»، معرباً عن شكره المفاوضين الأميركيين، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قد زارا موسكو، السبت، حيث التقيا الرئيس فلاديمير بوتين، ثم توجها لأول مرة إلى كييف، الأحد، لإجراء محادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

«استمرار الدبلوماسية أمر ضروري»

من جانبه، ​حث الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، يوم الاثنين، جميع ‌الأطراف ‌على «مواصلة ​مسار الدبلوماسية» ‌بعد أن ​زار المبعوثان الأميركيان كييف وموسكو لإجراء محادثات.

وذكر زيلينسكي، عبر منصة «إكس»: «شركاؤنا ‌يعرفون ‌ما ​الذي ‌يمكن ‌أن يؤتي ثماره... وما الذي يجب ‌أن يؤتي ثماره قبل حلول فصل الشتاء. ونحن ننسق خطواتنا التالية. ونستعد للاجتماعات والمحادثات ​المقبلة».

ووفق مسؤول كبير في الرئاسة الأوكرانية، تحدث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد قدم مبعوثا الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مقترحات جديدة «أكبر فاعلية» لإنهاء الحرب. ولم يحدد المصدر مضمون هذه المقترحات.

وكانت جهود الوساطة التي قادتها الولايات المتحدة منذ عودة دونالد ترمب إلى السلطة قد أدت إلى جولات عدة من المحادثات بين موسكو وكييف في عام 2025، غير أن هذه الجهود لم تكلل بالنجاح، وتوقفت العملية بعد اندلاع الحرب بالشرق الأوسط في فبراير (شباط) الماضي.

وخلال المفاوضات السابقة، تمسكت كل من موسكو وكييف بمواقفهما إلى حد كبير، وقد تعثرت المناقشات بشكل خاص بسبب قضية الأراضي الأوكرانية التي تطالب روسيا أوكرانيا بالتخلي عن السيادة عليها.

وكان الرئيس الأوكراني قد أعرب، الأحد، عن قلقه من استمرار الحرب خلال فصل الشتاء، وهي فترة حرجة تواجه فيها البلاد خطر التعرض مجدداً لضربات روسية مدمرة تستهدف قطاع الطاقة.