«الخميس الأسود» في فرنسا ينذر بخريف حافل بالاحتجاجات

وزير الداخلية يحذر من التجاوزات... واندساس المتطرفين

الرئيس إيمانويل ماكرون في ساحة قصر الإليزيه مستقبلاً الثلاثاء نظيره البولندي كارول ناوروكي، يوم 16 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون في ساحة قصر الإليزيه مستقبلاً الثلاثاء نظيره البولندي كارول ناوروكي، يوم 16 سبتمبر (أ.ب)
TT

«الخميس الأسود» في فرنسا ينذر بخريف حافل بالاحتجاجات

الرئيس إيمانويل ماكرون في ساحة قصر الإليزيه مستقبلاً الثلاثاء نظيره البولندي كارول ناوروكي، يوم 16 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون في ساحة قصر الإليزيه مستقبلاً الثلاثاء نظيره البولندي كارول ناوروكي، يوم 16 سبتمبر (أ.ب)

تتأهب فرنسا لمواجهة «الخميس الأسود» الذي سيشهد أوسع تعبئة نقابية وشعبية منذ سنوات، فيما البلاد ما زالت مرتبكة بسبب أزماتها متعددة الأسماء: سياسية، اقتصادية، مالية، واجتماعية. فحتى اليوم، ما زالت البلاد تعيش في ظل حكومة مستقيلة بعد فشل رئيسها فرنسوا بايرو في الحصول على الثقة من البرلمان لطرح ميزانيته التقشفية لعام 2026. أما سيباستيان لوكورنو، وزير الدفاع السابق الذي كلفه الرئيس ماكرون بتشكيل حكومة جديدة، فما زال يراوح مكانه، مواظباً على التشاور مع الأحزاب السياسية والنقابات للتوفيق بين المطالب المتناقضة.

ويتمسك اليسار لقبول الامتناع عن التصويت ضد الحكومة في البرلمان، بمطالب مثل فرض ضريبة على كبريات الثروات التي تزيد قيمتها على 100 مليون يورو، أو التراجع عن قانون التقاعد الذي أقر قبل عامين، وهو ما يواجه رفضاً قطعياً من اليمين التقليدي.

أما طرفا الخريطة السياسية، فإن لهما مطالب جذرية: فاليمين المتطرف، ممثلاً بحزب «التجمع الوطني» وزعيمته مارين لوبن، فإنه يدعو ماكرون إلى حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة يعتقد أنها ستدفعه للهيمنة على المشهد السياسي. وعلى الطرف الآخر، فإن اليسار المتشدد ولواءه حزب «فرنسا الأبية»، بزعامة المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، يسعيان لرحيل ماكرون عن الرئاسة. ويتأهب الحزب لطرح اقتراح قرار في البرلمان، الأسبوع المقبل، بهذا المعنى، علماً بأن هناك صعوبات دستورية وقانونية تحول دون ذلك. وكان ماكرون قد أكد أكثر من مرة، أنه باقٍ في قصر الإليزيه حتى آخر دقيقة من ولايته التي تنتهي في عام 2027.

أزمات متشابكة

لا تكتمل صورة الوضع من دون «الإشارة إلى أن الديون الفرنسية العامة بلغت مستويات غير مسبوقة؛ إذ إنها تجاوزت الـ3400 مليار يورو، ما يمثل 114 في المائة من الدخل الوطني الخام، وهي نسبة مرتفعة للغاية لا تتخطاها إلا بقليل اليونان وإيطاليا. ولأن الوضع على هذه الحال، وبسبب انعدام الاستقرار السياسي وضعف نسبة النمو، فإن وكالة التصنيف الائتماني «فيتش رايتنغ» الأميركية خفضت مرتبة فرنسا للمرة الثانية، بحيث ألحقت سابع أكبر اقتصاد في العالم قياساً للإنتاج القومي الخام باقتصادات دول أقل أهمية.

وتتوقع السلطات الرسمية أن تقدم معاهد تصنيف أخرى، مثل «ستاندرد أند بورز» أو «موديز»، على خطوة مشابهة. وهذا التطور من شأنه مفاقمة كلفة المديونية التي تصل راهناً إلى 65 مليار يورو.

وسط هذا المشهد بالغ التعقيد، يحل اليوم الذي اختارته النقابات للنزول إلى الساحات والشوارع في باريس وغالبية المدن الكبرى والمتوسطة.

غضب واسع

وبحسب الأرقام المتداولة، فإن ما يراوح المليون شخص سيعبّرون، الخميس، عن غضبهم ونقمتهم إزاء الأوضاع المعيشية وإزاء الخطط الحكومية لمواجهة الأزمة المزدوجة «اقتصادياً واجتماعياً». وهذا الرقم يمثل خمس أضعاف ما عرفته فرنسا في العاشر من الشهر الحالي بمناسبة يوم «لنشل كل شيء» الذي انطلقت الدعوة إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يتبناها اليسار.

سيباستيان لوكورنو رئيس الحكومة المكلف يسعى للتوفيق بين الكتل السياسية متناقضة المطالب من أجل تشكيل حكومة جديدة (رويترز)

وأهمية «حراك الخميس» أنه جاء استجابة لدعوة من سبع نقابات مجتمعة، وهي الأكبر في فرنسا، وقد شكلت فيما بينها مكتباً تنسيقياً يحدد تحركاتها ويعرب عن مطالبها.

الإطار الجامع للحراك عنوانه رفض الميزانية التقشفية التي كان رئيس الحكومة المستقيل يحاول تمريرها والاحتجاج بشكل عام على سياسات الرئيس ماكرون الذي هبطت شعبيته بنسبة كبيرة. فقد بين استطلاع للرأي أجراه معهد «إيبسوس» قبل أربعة أيام، أن شعبية ماكرون في الحضيض؛ إذ إن 17 في المائة فقط من الفرنسيين يعربون عن رضاهم عن أدائه، وهي أضعف نسبة دعم له منذ وصوله إلى الرئاسة قبل ثمانية أعوام.

وبيّن الاستطلاع أيضاً أن 51 في المائة من الفرنسيين يشعرون بالقلق بالنسبة لمستوى حياتهم وقدراتهم الشرائية «بزيادة 9 نقاط عن الاستطلاع الأسبق»، وأن 41 في المائة منهم قلقون على مستقبل نظام الرعاية الاجتماعية. كذلك، فإن 33 في المائة يعبرون عن القلق بخصوص المديونية. أما بالنسبة لسيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة المعين والمقرب جداً من الرئيس ماكرون، فإن نسبة 20 في المائة فقط تعتقد أنه سينجح في التوصل إلى تفاهم مع المعارضة يمكّنه من تشكيل حكومة قادرة على الصمود في البرلمان، بعكس الحكومتين السابقتين، حيث إن حكومة ميشال بارنيه بقيت ثلاثة أشهر، وحكومة فرنسوا بايرو تسعة أشهر. وللتذكير، فإن ماكرون جرب، في ولايته الثانية التي بدأت ربيع عام 2022، وحتى اليوم، خمسة رؤساء حكومات.

يوم «تاريخي»

استبق فيليب تابارو، وزير النقل في الحكومة المستقيلة، انطلاق المسيرات والمظاهرات بالتحذير من أن يوم الخميس «سيكون حكماً يوماً أسود».

واعتبر جان كريستوف ديلبرا، المسؤول في نقابة «القوة العمالية»، في حديث لصحيفة «لو باريزيان»، الأربعاء، أن الخميس سيكون «يوماً تاريخياً وحراكاً تاريخياً»، مشيراً إلى أن التعبئة النقابية والشعبية ستتجاوز ما عرفته البلاد زمن الاحتجاجات على قانون التقاعد.

ونبه المسؤول النقابي إلى الشلل الذي سيعيشه قطاع المواصلات بشكل عام.

ورأى سليم كمال الله، المسؤول في نقابة الكونفدرالية العامة للشغل، أن يوم الخميس «سيتحول إلى نقطة تقاطع بين كافة أشكال النقمة والغضب».

وقال المفكر المعروف روجيه بول دروا، في حديث الأربعاء، إلى إذاعة «آر تي إل»، إن ما سيجري الخميس سيكون بمثابة «عودة القوى النقابية إلى الواجهة؛ أي عودة من يمكن تسميتهم بـ(الوسطاء) بين عالم العمل والسلطات الرسمية وأرباب العمل»، مضيفاً أن أمراً كهذا «لم نشهد مثيلاً له منذ فترة طويلة».

وفي السياق عينه، نقل عن أجهزة الأمن الداخلي أنها حذرت الحكومة مما تراه «غضباً شعبياً»، بينما ما تزال ماثلة في الأذهان المشاهد التي عرفتها فرنسا زمن «السترات الصفراء».

وبعد الخميس، ثمة استحقاقات مقبلة: فالمزارعون سيكونون على الطرقات بجراراتهم، وفي العشرية الألو من أكتوبر (تشرين الأول) سيأتي دور المراقبين الجويين في المطارات «أيام 7و8 و9 أكتوبر». أما يوم غد، فإن القطاعات المـتأثرة ستشمل: قطاعات النقل «المترو والقطارات المحلية والسريعة»، والتعليم «المدارس والجامعات»، والصحة «المستشفيات والمستوصفات الحكومية»، والطاقة والصيادلة ومطاري باريس «أورلي ورواسي شارل ديغول»، والعديد من الموظفين في القطاعين العام والخاص.

وحتى ظهر الأربعاء، كان معلوماً أن ما لا يقل عن 250 تجمعاً ومظاهرة ستحصل في باريس، وفي العديد من المدن الفرنسية التي ذكر منها ليون ومرسيليا وتولوز ونيس ورين ومونبوليه ونيم وبيربينيان... ومدن أخرى أقل أهمية. والمظاهرة الرئيسية ستكون بلا شك في باريس، حيث ستنطلق من ساحة «لا باستيل» في الثانية بعد الظهر، وسيشارك فيها كبار القادة النقابيين وعدد من السياسيين، خصوصاً من اليسار.

وزير الداخلية يحذر

إزاء هذه التعبئة الكثيفة التي غرضها الضغط على الحكومة ودفعها إلى التجاوب مع مطالب الحراك كرفض الإصلاحات الحكومية، وتحديداً قانوني التقاعد والبطالة وزيادة المرتبات وتحسين ظروف العمل، وسحب عدد من النصوص القانونية من التداول، فضلاً عن مطالب قطاعية خاصة بالمعلمين والصيادلة، «سارع برونو روتايو، وزير الداخلية المستقيل، إلى التحذير من التجاوزات والمخلين بالأمن ومثيري الشغب». وبداية أكد روتايو تعبئة 80 ألف رجل شرطي ودرك وأمن.

برونو روتايو وزير الداخلية المستقيل يدعو القوى الأمنية للحزم والتشدد في التعامل مع «المشاغبين» في مظاهرات الخميس (أ.ف.ب)

وطلب روتايو، في برقية وجهها إلى المحافظين، منع «أي محاولة لعرقلة عمل البنى التحتية الحيوية». وكتب قائلاً: «مخاطر الإخلال بالنظام العام كبيرة، بسبب وجود جماعات من اليسار المتطرف ستحاول التسلل إلى المسيرات الرسمية». وإضافةً إلى المظاهرات المقررة والمصرح بها لدى المحافظات، تتوقع السلطات حدوث تحركات مباغتة في أماكن متعددة منذ ساعات الصباح الباكر، وكذلك حضور عناصر متطرفة تحاول تشكيل كتل أمام المسيرات في المدن الكبرى والاشتباك مع القوى الأمنية.

ولتلافي أي مخاطر، عمد روتايو، في مقابلة صباح الأربعاء، مع قناة «بي إف إم تي في» الإخبارية، إلى حث هذه القوى على «انتهاج الحزم»، مشيراً إلى «تعبئة وسائل ضخمة» لقمع التجاوزات، منها استخدام الطائرات المسيرة، وتجميع أربع وعشرين مركبة مدرعة من نوع «سنتور»، وعشر آليات لرش المياه.

وأشار روتايو إلى «إجراءات وقائية بالتعاون مع السلطة القضائية»، مثل «عمليات التفتيش» على مخارج المحطات للتأكد مما إذا كانت حقائب حامليها تحتوي على «أشياء يمكن استخدامها كأسلحة».

وتتخوف السلطات تحديداً من أعمال شغب يمكن أن تقوم بها مجموعات تسمى «بلاك بلوك» اليسارية التي درجت على استغلال المظاهرات الشعبية للاندساس بين صفوفها والاشتباك مع رجال الشرطة. وبحسب وزير الداخلية، فإن «ما بين 5 إلى 10 آلاف فرد سيأتون من أجل الشجار والشغب»، و«تحركهم كراهية شديدة للشرطة، وهذا ما سيجعل التعامل معهم معقداً».


مقالات ذات صلة

موريتانيا: المعارضة تخرج للشارع ضد «الغلاء والتضييق»

شمال افريقيا 
جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع  المعارضة)

موريتانيا: المعارضة تخرج للشارع ضد «الغلاء والتضييق»

تجمهر أنصار المعارضة في ساحة عمومية، بقلب نواكشوط، وسط إجراءات أمنية مشددة، رغم أن السلطات رخصت للمظاهرة المعارضة التي جرا في سياق سياسي واقتصادي متوتر.

الشيخ محمد (نواكشوط:)
خاص والدة أحد ضحايا هجوم مدرسة كهرمان ماراش جنوب تركيا تبكي على نعشه في أثناء تشييع جنازات الضحايا (إعلام تركي)

خاص تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

عاش المجتمع التركي صدمة هائلة ربما فاق تأثيرها بعض الكوارث الطبيعية كالزلازل، عقب هجمات إطلاق نار عشوائي بمدرستين جنبوب البلاد في مشهد أشبه بأفلام هوليوود

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مصادمات بين الشرطة ومشاركين في مسيرة إلى ميدان «تقسيم» في إسطنبول للاحتفال باليوم العالمي للعمال (رويترز)

تركيا: مصادمات عنيفة واعتقال المئات في يوم العمال العالمي

شهدت مدينة إسطنبول مصادمات عنيفة بين قوات الأمن وآلاف المتظاهرين الذين حاولوا تنظيم مسيرة إلى ميدان «تقسيم» بإسطنبول بمناسبة اليوم العالمي للعمال واعتُقل المئات

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم مسيرتهم السنوية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
العالم أشخاص يتظاهرون أمام مقر التلفزيون الحكومي في بلغراد بصربيا في 28 أبريل 2026 احتجاجاً على مشاركة إسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (أ.ب)

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

تجمّع متظاهرون أمام هيئة الإذاعة والتلفزيون الصربية الحكومية، الثلاثاء، للمطالبة بانسحاب صربيا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)

مقتل ثلاثة وإصابة 12 آخرين بغارات أوكرانية على روسيا

راجمة صاروخية روسية تطلق ذخائرها نحو أهداف أوكرانية على الجبهة (أ.ب)
راجمة صاروخية روسية تطلق ذخائرها نحو أهداف أوكرانية على الجبهة (أ.ب)
TT

مقتل ثلاثة وإصابة 12 آخرين بغارات أوكرانية على روسيا

راجمة صاروخية روسية تطلق ذخائرها نحو أهداف أوكرانية على الجبهة (أ.ب)
راجمة صاروخية روسية تطلق ذخائرها نحو أهداف أوكرانية على الجبهة (أ.ب)

أسفر هجوم أوكراني عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 12 آخرين في مدينة ريازان الروسية في جنوب شرق موسكو وفق ما أعلن الحاكم المحلي بافيل مالكوف الجمعة.

وكتب مالكوف على تلغرام «قُتل ثلاثة أشخاص وأصيب 12 آخرون، بينهم أطفال» مضيفا أن مبنيين سكنيين تضررا نتيجة الهجوم. ويأتي هذا الهجوم بعد شنّ روسيا غارات واسعة النطاق على كييف ومنطقتها في اليوم السابق أسفرت عن مقتل 21 شخصا على الأقل وفق حصيلة أولية من جهاز الإسعاف الأوكراني.

واستؤنفت الهجمات الروسية اليومية على المدن الأوكرانية فور انتهاء هدنة أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل ساعات من إحياء روسيا ذكرى الانتصار السوفيتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.


ملك بلا اعتراف وعرش من سجلات عقارية... مغربي ينصّب نفسه إمبراطوراً في سويسرا

صورة يونس (جوناس) لاوِينر من موقعه الإلكتروني
صورة يونس (جوناس) لاوِينر من موقعه الإلكتروني
TT

ملك بلا اعتراف وعرش من سجلات عقارية... مغربي ينصّب نفسه إمبراطوراً في سويسرا

صورة يونس (جوناس) لاوِينر من موقعه الإلكتروني
صورة يونس (جوناس) لاوِينر من موقعه الإلكتروني

في قلب العاصمة السويسرية بيرن، حيث تلتقي الحداثة الأوروبية بصرامة القوانين الفيدرالية، ينسج شاب ثلاثيني من أصول مغربية خيوط حكاية تبدو أقرب إلى الفانتازيا السياسية منها إلى الواقع المعيش. بين جدران مكتبه، يبدأ يونس لاوِينر يومه كمتخصص عادي في تكنولوجيا المعلومات، لكنه بمجرد أن يغلق شاشة حاسوبه، ينفض عنه غبار الوظيفة التقليدية ليرتدي عباءة «الملك جوناس الأول»، الإمبراطور المحاط بالحراس، والمسلّح بمدفع عتيق ودبابة ألمانية، والمهيمن على «دولة» تتمدد بصمت عبر ثغرات السجلات العقارية السويسرية. هذه المفارقة الصادمة بين حياة الموظف وهيبة العرش المزعوم، لم تعد مجرد هواية عابرة أو صرعة من صرعات العالم الافتراضي، بل تحولت إلى مشروع سياسي يطرق اليوم أبواب مؤسسات الحكم الحقيقية في كانتون بيرن، ليعيد تعريف الحدود الفاصلة بين الطموح الجامح، والهوس الفردي، والسيادة القانونية.

صورة يونس (جوناس) لاوِينر من موقعه الإلكتروني

ثغرة عقارية لبناء العرش

بدأت ملامح هذا المشروع الشخصي الغريب، الذي يطلق عليه اسم «مملكته»، تتشكل يوم ميلاده العشرين. يونس، المولود لأب سويسري وأم مغربية، تلقى حينها قطعة أرض كهدية من والده. من تلك النقطة، لمعت في ذهنه فكرة تأسيس «إمبراطورية لاوِينر»، ونصب نفسه ملكاً وإمبراطوراً عليها تحت اسم «جوناس الأول»، ليبدأ بعدها رحلة التوسع العقاري.

ولأجل السيطرة على مساحات جديدة، ابتكر يونس أسلوباً قانونياً مثيراً للجدل، إذ يبحث عن الأراضي المهملة التي لا يملكها أحد في السجل العقاري الرسمي، ثم يقوم بتسجيلها باسمه في مصلحة الشهر العقاري بشكل قانوني تماماً. ويشرح في حديث لوسائل الإعلام السويسرية طريقته، قائلاً: «أنا لا أشتري الأراضي ولا أنتزعها من أحد، بل ما أفعله هو تقييد مطالبتي بها في السجل العقاري».

صورة يونس (جوناس) لاوِينر من حسابه على «يوتيوب»

يونس، الذي يشتغل في الحياة اليومية متخصصاً في تكنولوجيا المعلومات، يدير اليوم بمساعدة فريق من 10 أشخاص نحو 145 قطعة أرض موزعة على 9 كانتونات سويسرية (Canton)، بمساحة إجمالية تقارب 65 ألف متر مربع. وكانت آخر «فتوحاته العقارية» موقعاً صناعياً بمساحة 5800 متر مربع في منطقة بيرثود بكانتون بيرن.

بين الخيال والواقع... تاج ودبابة وعملة

يمتلك «جوناس الأول» ترسانة من المظاهر الملكية تشمل تاجاً فخماً، وسيفاً لامعاً، ومدفعاً قديماً، وزياً مستوحى من قادة أميركا الجنوبية. وفي عام 2019، أقام حفل تتويج لنفسه في كنيسة «نيديج» التاريخية في بيرن بعد استئجارها، وسط حضور من أصدقائه وممثلين محترفين جرى استئجارهم لأداء أدوار الحاشية. وعن ذلك يقول: «لا أريد أن يتذكرني الناس كرجل أعمال، أريد أن يخلد اسمي كملك».

ورغم الطابع الاستعراضي للحفل، يصرّ يونس على توازنه بين الخيال والواقع: «أنا ملك على أراضٍ، لكني أيضاً مواطن سويسري فخور، أحترم القوانين كافة وأدفع ضرائبي بانتظام».

ولا تقتصر الإمبراطورية على الأراضي، بل تمتد إلى «جيش» مصغر من الحراس والمقربين يجري تدريبات أمنية، مستعيناً أحياناً بعربة مدرعة (دبابة ألمانية قديمة). وفي أبريل (نيسان) 2024، حاول قيادة هذه المدرعة إلى الساحة الفيدرالية في بيرن، إلا أن سلطات النقل رفضت منحه التصريح اللازم، ما أجبره على إبقائها في المرآب.

وعبر موقع إلكتروني مخصص لـ«المملكة»، يعرض يونس حدود «دولته»، وعلم الإمبراطورية، ونشيدها الوطني، وصكوك عملة خاصة بها تحمل وجهه تسمى «الفيلار الإمبراطوري» وتساوي نحو 23 فرنكاً سويسرياً، بالإضافة إلى شجرة عائلة يزعم أنها تعود للقرن السابع عشر. ويفتح الموقع الباب لأي شخص للتقدم بطلب للحصول على «الجنسية الإمبراطورية».

ظاهرة «الدول المجهرية» والسياسة المحلية

تندرج خطوة لاوِينر ضمن ظاهرة عالمية تُعرف بـ«الدول المجهرية» (Micronations)

، حيث يقوم أفراد بإعلان دولهم المستقلة من طرف واحد على أراضٍ واقعية أو افتراضية دون اعتراف دولي. لكن ما يميز حالة يونس هو محاولته دمج هذا الخيال الجامح بالعمل السياسي الحقيقي

داخل النظام الفيدرالي السويسري عبر الترشح للحكومة المحلية.

ويعترف يونس بأنه لا يحظى بأي اعتراف رسمي ولا يمارس أي سلطة سياسية فعلية في سويسرا مرتبطة بلقبه، لكنه يصرّ بذكاء: «لا يمكنكم نفي أنني ملك سويسرا، فمن غيري طالب بهذا اللقب؟ لا أحد». ورداً على الانتقادات واتهامه باليمين المتطرف بسبب المدفع الرابض أمام بيته، يجيب بحسم: «المدفع غير صالح للاستخدام. أنا سويسري أحب النظام والانضباط العسكري، لكني لا أريد إيذاء أحد».

من وهم العرش إلى بيزنس الواقع

يتكشف وراء بريق التاج المستأجر وهيبة الجيش الافتراضي مشروع استثماري ذكي؛ فالملك «جوناس الأول» لم يعد يكتفي بالوجاهة السياسية التي منحه إياها مقعده في المجلس التشريعي بمدينة بيرثود، بل نجح في تحويل «إمبراطوريته العقارية» المترامية عبر الكانتونات إلى دجاجة تبيض ذهباً من خلال فرض رسوم صيانة على الطرق الواقعة ضمن أراضيه المبتكرة. هذا المشروع غير التقليدي بات يدر عليه أرباحاً طائلة قد تدفعه قريباً لمغادرة وظيفته في قطاع تكنولوجيا المعلومات، ليثبت الشاب الثلاثيني أنه رغم تمسكه الحرفي بالدستور الفيدرالي السويسري، استطاع بذكاء شديد أن يمزج بين الخيال والواقع، محولاً ثغرات قانون السجلات العقارية إلى عرش سياسي، واستثمار مالي حقيقي عابر للحدود.


فرنسا وهولندا تعلنان أن فحوص المخالطين للمصابين بفيروس «هانتا» سلبية

إنزال ركاب من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» في ميناء غراناديلا بجزيرة تينيريفي الأحد (أ.ب)
إنزال ركاب من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» في ميناء غراناديلا بجزيرة تينيريفي الأحد (أ.ب)
TT

فرنسا وهولندا تعلنان أن فحوص المخالطين للمصابين بفيروس «هانتا» سلبية

إنزال ركاب من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» في ميناء غراناديلا بجزيرة تينيريفي الأحد (أ.ب)
إنزال ركاب من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» في ميناء غراناديلا بجزيرة تينيريفي الأحد (أ.ب)

أعلنت فرنسا الخميس أن 26 شخصاً خالطوا مصابين بفيروس «هانتا» على صلة بسفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» جاءت نتائج اختباراتهم سلبية للمرض.

بدورها؛ قالت السلطات الهولندية إن جميع الأشخاص الذين وصلوا إلى هولندا على متن رحلات الإجلاء من السفينة هذا الأسبوع جاءت نتائج فحوصهم سلبية.

ويخضع ستة وعشرون شخصاً للعزل في المستشفيات في فرنسا، منهم 22 تم تحديدهم على أنهم خالطوا عن قرب امرأة هولندية كانت على متن السفينة السياحية التي شكلت محور إنذار دولي بشأن المرض النادر الذي ينتقل عادة عن طريق القوارض.

ويتابع أطباء فرنسيون أربعة آخرين كانوا على متن السفينة، بينما ثبتت إصابة راكب فرنسي خامس بفيروس «هانتا» وهو في حالة خطيرة في مستشفى فرنسي.

وكان 22 شخصاً من المعزولين حالياً في فرنسا، على متن رحلة جوية من جزيرة سانت هيلينا في المحيط الأطلسي إلى جوهانسبرغ، أو على متن رحلة جوية من جوهانسبرغ إلى أمستردام كان من المقرر أن تستقلها راكبة هولندية تم إنزالها من الطائرة وتوفيت في مستشفى بجنوب أفريقيا.

عالمياً، توفي ثلاثة أشخاص أصيبوا بفيروس «هانتا»، وتأكدت إصابة ستة آخرين، وهناك إصابة محتملة واحدة. كما ظهرت أعراض على راكب أميركي، لكن نتيجة اختباره كانت سلبية، وذلك وفقاً للإحصاءات الرسمية.

وأكدت السلطات الصحية أن الخطر على عامة الناس منخفض.