بعد إقرار «إعلان نيويورك»... ماكرون: طريق لا رجعة فيه نحو السلام

شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة على القضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين (رويترز)
شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة على القضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين (رويترز)
TT

بعد إقرار «إعلان نيويورك»... ماكرون: طريق لا رجعة فيه نحو السلام

شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة على القضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين (رويترز)
شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة على القضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين (رويترز)

بعيد إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتماد «إعلان نيويورك» والذي يهدف إلى إعطاء دفع جديد لحل الدولتين في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة أن يكون مسارا لا رجعة فيه نحو السلام في الشرق الأوسط.

واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة النص قبل عشرة أيام من القمة التي سترأسها باريس والرياض يوم 22 سبتمبر (أيلول) في الأمم المتحدة حيث تعهد إيمانويل ماكرون بالاعتراف بدولة فلسطين.

ويدين النص الذي اعتمد بأغلبية 142 صوتا لصالح القرار و10 أصوات ضده، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة، وامتناع 12 دولة عن التصويت، حركة «حماس» بوضوح ويطالبها بإلقاء السلاح.

ماكرون: مستقبل مختلف أصبح ممكنا

ورحّب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم (الجمعة) باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة «إعلان نيويورك» الذي يهدف إلى إعطاء دفع جديد لحل الدولتين في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، واعتبره خطوة في «طريق لا رجعة فيه نحو السلام».

وقال ماكرون على منصة «إكس»: «بقيادة فرنسا والمملكة العربية السعودية، اعتمد 142 بلدا «إعلان نيويورك» بشأن حل الدولتين».

وأشار الى انه «من المقرر أن تشارك فرنسا والسعودية وكافة الشركاء في نيويورك، خلال مؤتمر خاص بحل الدولتين، بهدف تحويل خطة السلام هذه إلى واقع ملموس».

وقال: «المستقبل المختلف أصبح ممكنا، هذا ما تؤكده الوثيقة الجديدة، التي تدعو إلى حل دولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام وأمن».

وأضاف: «الرسالة واضحة: المسؤولية تقع علينا جميعًا لجعل هذا السلام واقعًا».

ترحيب فلسطيني

بدوره، قال نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ اليوم إن «إعلان نيويورك» الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة يعبر عن الإرادة الدولية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.

وأضاف الشيخ أن «القرار يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة».

وأشار إلى أن الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية «ترسخ حق الشعب في تقرير مصيره».

كذلك، رحبت وزارة الخارجية الفلسطينية بالإجماع الأممي في الجمعية العامة وإقرار «إعلان نيويورك» الخاص بحل الدولتين.


مقالات ذات صلة

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

شمال افريقيا ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

يشتكي الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا من «الإقصاء السياسي» منذ دخول البلاد مرحلة البحث عن صيغة جديدة للاستقرار في أعقاب سقوط نظام القذافي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

رفعت واشنطن إلى حين اسم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، من لوائح العقوبات الأميركية بقرار من محكمة فيدرالية.

علي بردى (واشنطن)
أفريقيا صورة تظهر جانباً من المساعدات المقدّمة من الأمم المتحدة نشرها منسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة توم فليتشر على صفحته على منصة «إكس»

الأمم المتحدة تخصص تمويلاً وموظفين لاحتواء فيروس «إيبولا» في الكونغو

أعلنت الأمم المتحدة أنها ستخصص نحو 60 مليون دولار لاحتواء تفشي فيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وستنشر المزيد من الموظفين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

واشنطن: رفع اسم ⁠الخبيرة ‌الأممية ‌المعنية ​بالأراضي ‌الفلسطينية من العقوبات ليس تغيراً في السياسة

قال متحدث باسم وزارة ‌الخارجية الأميركية، ​الخميس، ‌إن ⁠قرار إزالة اسم فرانشيسكا ألبانيزي، من ‌قائمة الأفراد ‌الخاضعين للعقوبات هو قرار ⁠مؤقت.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور خلال كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة (الأمم المتحدة)

رياض منصور يسحب ترشيحه لمنصب أممي بضغوط أميركية

سحب المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للمنظمة الدولية تحت وطأة تهديدات من إدارة الرئيس الأميركي ترمب.

علي بردى (واشنطن)

البابا يعتذر عن الدور التاريخي للكنيسة في الرق

البابا ليو الرابع عشر خلال تقديم رسالة بابوية في مدينة الفاتيكان - 25 مايو 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال تقديم رسالة بابوية في مدينة الفاتيكان - 25 مايو 2026 (إ.ب.أ)
TT

البابا يعتذر عن الدور التاريخي للكنيسة في الرق

البابا ليو الرابع عشر خلال تقديم رسالة بابوية في مدينة الفاتيكان - 25 مايو 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال تقديم رسالة بابوية في مدينة الفاتيكان - 25 مايو 2026 (إ.ب.أ)

أصدر البابا ليو، الاثنين، اعتذاراً يُعد الأكثر وضوحاً حتى الآن الذي يصدر من رئيس الكنيسة الكاثوليكية بشأن دورها في العبودية، معترفاً بتأخرها في التنديد بهذه الممارسة وبإسهامها التاريخي في إضفاء الشرعية عليها، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي مقطع مهم من الرسالة العامة الأولى للبابا، أقرّ ليو بأن الأمر استغرق من الكنيسة قروناً للاعتراف الكامل بأن «آفة العبودية» تتعارض مع كرامة الإنسان، واصفاً هذا الإرث بأنه «جرح في ذاكرة المسيحية».

وكتب في الرسالة الشاملة «لهذا، وباسم الكنيسة، أطلب العفو بصدق»، معبّراً عن «حزن عميق» إزاء معاناة أولئك الذين عاشوا تحت نير الرق والعبودية. وأقر ليو بأن سلطات الكنيسة استجابت في بعض الأحيان لضغوط الحكام عبر تنظيم ممارسات قمعية وإضفاء الشرعية عليها، بما في ذلك استعباد غير المسيحيين.

كما أقر بأن مؤسسات كنسية امتلكت عبيداً خلال العصور الوسطى. وتُعد هذه التصريحات الاعتراف الأكثر صراحة من البابا حتى الآن بالمسؤولية المؤسسية، إذ تتجاوز مواقف سابقة لباباوات ركزت على أفعال مسيحيين أفراد وليس الفاتيكان نفسه.

وجاء موقف ليو في سياق أول رسالة باباوية عامة في ولايته بعنوان «الإنسانية الرائعة»، والتي تتناول التحديات الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتحذر من أشكال جديدة من الاستغلال ترتبط بالاقتصاد العالمي.

وكشفت أبحاث في علم الأنساب نُشرت عقب انتخاب ليو العام الماضي أن أول بابا مولود في الولايات المتحدة ينحدر من أصول متنوعة، بما في ذلك عبيد وملاك عبيد.


وفاة جندي ألماني متأثراً بإصابته أثناء تدريب لإزالة الألغام

طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

وفاة جندي ألماني متأثراً بإصابته أثناء تدريب لإزالة الألغام

طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت البحرية الألمانية وفاة جنديها الذي أصيب بانهيار خلال تدريب على الغوص الخاص بإزالة الألغام البحرية.

وقال سلاح البحرية إن الجندي، الذي تعرّض للحادث يوم الأربعاء الماضي، توفي اليوم الاثنين رغم تلقيه رعاية طبية مكثفة للغاية، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال مفتش (رئيس أركان) البحرية الألمانية، نائب الأدميرال يان كريستيان كاك، إن التدريب على الغوص الخاص بالألغام يعد من أكثر التدريبات صعوبة في البحرية الألمانية. وأضاف أن هذا التدريب يهدف إلى حماية الأرواح، وضمان أمن ألمانيا في البحار، مؤكداً أن «هذا الحادث المأساوي يلزمنا أكثر من أي وقت مضى بكشف ملابساته بشكل كامل».

وكان الجندي يتلقى العلاج منذ يوم الأربعاء، بعدما نُقل في حالة طبية طارئة من قاعة السباحة التابعة للبحرية في مدينة إكرنفورده إلى وحدة العناية المركزة. وبحسب البحرية، فقد تعرّض الجندي، المنتمي إلى الكتيبة البحرية، لإصابات خطيرة أثناء التدريب.

وأوضحت البحرية أنه تم فتح تحقيقات لكشف الملابسات الدقيقة للحادث.

وقال الأدميرال كاك: «وفاة هذا الجندي الشاب تملأ البحرية كلها بحزن عميق». وأضاف أن الجندي اختار بإرادته خدمة شديدة الصعوبة، والمسؤولية، وتتطلب الشجاعة، والتفاني، وأعلى درجات الاحترافية، مؤكداً أنه يستحق أكبر قدر من الاحترام.

وأضاف: «في هذه الساعات الصعبة، تتجه أفكارنا إلى عائلته وأصدقائه وزملائه وزميلاته». وتابع: «نحن في البحرية نقف متكاتفين، ونشاطرهم آلامهم».

ويتطلب التدريب على إزالة الألغام البحرية -شأنه شأن المهمة العسكرية نفسها- قدرات عالية من الناحيتين البدنية، والتقنية. فهو يستلزم توافر لياقة بدنية تفوق المعدل الطبيعي، إضافة إلى القدرة على التعامل الآمن مع الطائرات المسيّرة تحت الماء، والمواد المتفجرة. وتشمل مهام الغواصين أيضاً التخلص من الذخائر، والمتفجرات، وعمليات الإنقاذ، وحماية السفن، ومرافق الموانئ من التخريب، والهجمات.


أرمينيا أمام اختيار صعب: «الشقيقة الكبرى» أو «الإغراء الأوروبي»

رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطاباً في يريفان يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطاباً في يريفان يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

أرمينيا أمام اختيار صعب: «الشقيقة الكبرى» أو «الإغراء الأوروبي»

رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطاباً في يريفان يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطاباً في يريفان يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

تتكرر في موسكو؛ كثيراً هذه الأيام، عبارة مفادها بأن «أرمينيا تقترب من لحظة الحقيقة».

تقف الجمهورية السوفياتية السابقة الصغيرة أمام اختيار صعب، وهي تحاول أن تحدد مساراتها المستقبلية، بعد هزات كبرى تعرضت لها، وهزائم عسكرية وسياسية متلاحقة، منذ «حرب كاراباخ الثالثة» في 2023. ويبدو أن الكرملين؛ الذي صعّد لهجته في تحذير يريفان من تبني «خيارات خاطئة» عبر الاقتراب أكثر من أوروبا والانخراط في مسارات تضع البلد القوقازي الأشد فقراً ضمن لائحة «الأعداء»، يُعِدّ خياراته هو الآخر، ويستعد للتعامل مع أسوأ السيناريوهات.

قطيعة

وكانت العلاقات الروسية - الأرمينية، التي وُصفت دائماً في السنوات التي أعقبت تفكك الدولة السوفياتية بأنها وثيقة للغاية وتقترب من أن تكون تحالفاً متيناً على الصعد العسكرية والأمنية والاقتصادية، قد شهدت تراجعاً متواصلاً منذ وصول رئيس الوزراء، نيكول باشينيان، إلى السلطة في عام 2018. ولا يقتصر الأمر على أنه جاء خلفاً للحكم الموالي لموسكو عقب ثورة شعبية ضد الفساد، بل إنه رفع منذ البداية شعارات التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» و«تنويع الخيارات». وقد قادت سياسته البلاد إلى دفع ثمن باهظ عندما ماطلت موسكو في التدخل لوقف «حرب كاراباخ الثانية 2020» وتخفيف الضغط عن يريفان... ثم رعت وقفاً هشاً للنار لم يلبث أن انهار بعد 3 سنوات، عندما تجرعت أرمينيا هزيمة مريرة إثر عملية عسكرية أذرية خاطفة مكنت باكو بمساعدة تركية من استعادة السيطرة على كاراباخ وفرض تسوية مهينة ليريفان.

ومنذ ذلك الوقت، ومع تصاعد «خيبة الأمل» في أرمينيا حيال العلاقات بموسكو، اتخذ مسار تعزيز الاتصالات مع «الاتحاد الأوروبي» منحى متسارعاً، بالتزامن مع توسيع العلاقات بالولايات المتحدة التي رعت في وقت لاحق اتفاق سلام بين أرمينيا أذربيجان سمح لأول مرة في التاريخ بوجود عسكري مباشر للولايات المتحدة في منطقة جنوب القوقاز. لكن التدهور الأكبر في العلاقات تصاعد خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً أن مسار التقارب مع أوروبا كان قد شهد تطورات داخلية في أرمينيا، تُوجت في فبراير (شباط) الماضي بإقرار البرلمان المحلي مشروع قانون لبدء إجراءات الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي».

قادة ومسؤولون بينهم الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الأرميني خلال مشاركتهم في «حوار يريفان» يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وجاء عقد أول قمة أوروبية - أرمينية بداية الشهر في يريفان ليفاقم الوضع. وبالنسبة إلى موسكو، كان الأسوأ من حضور 27 زعيماً أوروبياً وعقد لقاءات وفعاليات متعددة، أن يُدعى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، للمشاركة في مستويين مهمين من اللقاءات؛ الأول اجتماع «المجموعة السياسية الأوروبية»، والثاني «القمة الأرمينية - الأوروبية»، وحضر زيلينسكي الفعاليتين وأدلى بتصريحات عنيفة ضد موسكو من قلب العاصمة الأرمينية أثارت بشدة غضب الكرملين. وانتقدت الرئاسة الروسية عدم مسارعة باشينيان إلى «موازنة» حديث زيلينسكي ضد روسيا. ووصف محللون الحدث في يريفان بأنه إعلان رسمي عن الطلاق النهائي بين موسكو ويريفان وتدشين مسار انضمام أرمينيا إلى «الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع له مع فيتالي خوتسينكو حاكم منطقة أومسك... في الكرملين الاثنين (رويترز)

الكرملين يحذر

ولم يتأخر الكرملين في إصدار تحذير قوي ليريفان من خطورة هذا المسار وتداعياته على العلاقة مع روسيا. وأطلق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أول إشارة قوية في هذا الشأن عندما أبلغ رئيس الوزراء الأرميني، الذي كان قد زار موسكو في أبريل (نيسان) الماضي، بأن على أرمينيا أن تختار إما الاندماج مع أوروبا وإما مواصلة التقارب مع روسيا. ورأى أنه لا يمكن استمرار عضوية أرمينيا في «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» إذا أبرمت أي اتفاقات شراكة مع أوروبا.

كان التهديد واضحاً ومباشراً للغاية. ورغم أن أرمينيا تجنبت إعلان موقف تجاهه واكتفى باشينيان بتأكيد أنه سوف يلجأ إلى استفتاء شعبي لتحديد المسار المقبل لبلاده، فإن تعمده عدم المشاركة في احتفالات «عيد النصر» على النازية إلى جانب بعض قادة الجمهوريات السوفياتية السابقة شكّل، وفق محللين، رسالة غير مباشرة بطبيعة الاختيار الأرميني، فضلاً عن أنه استقبل قادة أوروبا تحديداً في وقت كانت فيه موسكو تستكمل تحضيراتها للاحتفالات.

خسائر لأرمينيا

وجدد الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف، الاثنين، التحذير بأن انضمام يريفان إلى «الاتحاد الأوروبي» سيؤدي إلى فقدان «شروط التعاون المواتية مع موسكو». ولمح الناطق إلى الفوائد التي تجنيها أرمينيا من علاقاتها بموسكو؛ بما في ذلك على صعيد منحها أسعاراً تفضيلية للغاز والنفط. والجديد في اللهجة الروسية هو التلويح بأن لدى موسكو أنصاراً داخل أرمينيا. وتحدث بيسكوف عن وجود «قوى سياسية في أرمينيا تدعم التوجه التنموي الروسي وعمليات التكامل التي تشمل روسيا». واللافت أن حديث بيسكوف جاء قبل يوم واحد من وصول وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى أرمينيا في زيارة يلتقي خلالها نظيره الأرميني أرارات ميرزويان. وتوقعت أوساط روسية أن تتخلل الزيارة «تصريحات معادية لروسيا».

وقبل أيام، نبّه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأن «هناك محاولات لجر أرمينيا إلى المعسكر المعادي لروسيا بهدف إلحاق الضرر بها قدر الإمكان». كما صرح نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديميتري ميدفيديف، بأن صبر روسيا بدأ ينفد.

ورصد خبراء الخسائر المحتملة لأرمينيا جراء هذه الخطوة إذا اكتملت، لا سيما في مجالات الزراعة والصناعات التحويلية والهجرة والرسوم الجمركية. وبين ذلك أن موسكو تبيع الغاز لأرمينيا بسعر 177.50 دولار لكل ألف متر مكعب. بينما يشتري الأوروبيون الغاز الروسي بسعر 600 دولار لكل ألف متر مكعب. وبين النجاحات الاقتصادية التي ترى موسكو أنها ساعدت يريفان في تحقيقها أنه منذ انضمام أرمينيا إلى «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» عام 2015، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أرمينيا من 3850 دولاراً إلى 8500 دولار عام 2024. وبلغ حجم التبادل التجاري مع روسيا ذروته عام 2024، مسجلاً 11.7 مليار دولار. وبحلول عام 2025، انخفض إلى 6.4 مليار دولار. بينما بلغ حجم التبادل التجاري لأرمينيا مع «الاتحاد الأوروبي» خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، 2.23 مليار دولار.

سيناريو أوكرانيا

وإلى جانب حسابات الربح والخسارة الاقتصادية، حملت التحذيرات الروسية لأرمينيا أبعاداً أعلى حساسية وتلميحات أشد خطورة. وترى أوساط روسية أن تسارع تقارب أرمينيا مع «الاتحاد الأوروبي» يضعها في خانة «الأعداء»؛ إذ «يُعلن (الاتحاد الأوروبي) صراحةً استعداده للحرب مع روسيا، لذا؛ فإن التودد للعدو يُنظر إليه بوضوح تام هنا»؛ كما كتب محلل سياسي مقرب من الكرملين أخيراً. كذلك في ظل التعقيدات المستجدة بالعالم، يكتسب جنوب القوقاز دوراً متفرداً، خصوصاً عند ملتقى طرق الشمال والجنوب والشرق والغرب. وهذا ما يفسر رغبة يريفان في تنويع الخيارات ومحاولة اكتساب فوائد، لكنه في الوقت ذاته، يشكل سلاحاً يهدد موسكو بقوة التي تخشى أكثر من أي وقت مضى انحسار نفوذها في منطقة جنوب القوقاز بشكل متسارع. ودفع ذلك خبراء وسياسيين في روسيا إلى التنويه بأن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي، وأن «أرمينيا تنتهج الأخطاء نفسها التي ارتكبتها أوكرانيا، والعواقب قد تكون قاسية». وقال عالم السياسة عضو «المجلس الرئاسي الروسي للعلاقات بين الأعراق»، بوغدان بيزبالكو، لوكالة «نوفوستي»، إن «رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، وحلفاءه يُخاطرون بفقدان استقلال بلادهم عبر محاولتهم إعادة توجيه أنفسهم نحو الغرب». ورأى أنه «من الصعب التنبؤ بالعواقب المستقبلية على أرمينيا، ولكن إذا انسحبت من منظمة (معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي)، أو حاولت الانضمام إلى أي اتحادات أو منظمات أو مشروعات أوروبية، فستخسر دون شك جزءاً من ناتجها المحلي الإجمالي وسيادتها». ويعدّ هذا إشارةٌ واضحة ومباشرة. في مقابلها، يقول بعض المحللين إن أرمينيا قد تكون مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان التي قد تجاوزت فكرة الخضوع لـ«الشقيق الأكبر»، وإن مفعول «الحنين إلى الاتحاد السوفياتي» قد استُنفد، وإن «أجيالاً نشأت في الدول المجاورة لروسيا لم تعرف الاتحاد السوفياتي قط، وبالنسبة إليهم، فقد أصبح هذا المفهوم غريباً».