أوكرانيا تراهن على جيشها القوي لا الضمانات الأمنية الغربية المبهمة

«فلامنغو» صاروخ باليستي أوكراني قد يغير المعادلة في الميدان

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمر صحافي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمر صحافي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

أوكرانيا تراهن على جيشها القوي لا الضمانات الأمنية الغربية المبهمة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمر صحافي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمر صحافي في كييف الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

مع تعثر جهود «الوساطة» الأميركية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، واصل الجيش الروسي تقدّمه في أوكرانيا خلال شهر أغسطس (آب)، ولكن بشكل أبطأ من الشهر السابق، وفق تقرير لمعهد دراسات الحرب الأميركي، نشرت وسائل إعلام عدة مقتطفات منه.

وتتّهم أوكرانيا روسيا بمحاولة كسب الوقت والتظاهر بالتفاوض من أجل الاستعداد بشكل أفضل لشنّ هجمات جديدة، ما دفعها إلى التشكيك بالضمانات الأمنية الغربية والأميركية خصوصاً لمستقبل البلاد، حتى ولو تم التوصل إلى «حل سياسي»، والعمل بدلاً من ذلك على تقوية جيشها ليكون هو الضمانة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

وبحسب تقرير المعهد، فقد سيطرت القوات الروسية على 594 كيلومتراً مربّعاً من الأراضي الأوكرانية، مقابل 634 كيلومتراً في يوليو (تموز) في تقدّم لم يُسجل منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 (725 كيلومتراً)، باستثناء الأشهر الأولى من الحرب في ربيع 2022. وتشمل هذه المساحة مناطق تسيطر عليها روسيا بشكل كامل أو جزئي، بالإضافة إلى تلك التي أعلنت ضمّها. وحتى نهاية أغسطس، باتت روسيا تسيطر بشكل كامل أو جزئي على 19 في المائة من الأراضي الأوكرانية.

ومن سبتمبر (أيلول) 2024 إلى أغسطس 2025، استولى الروس على أكثر من 6 آلاف كيلومتر مربّع، أي ثلاثة أضعاف المساحة التي سيطرت عليها في الأشهر الاثني عشر السابقة، في أكبر تقدّم للجيش الروسي في أوكرانيا خلال عام واحد منذ السنة الأولى للحرب.

فولوديمير زيلينسكي ودونالد ترمب خلال اجتماع ثنائي في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تشكك بالضمانات

وأمام هذا التقدم، تصاعدت شكوك أوكرانيا في إمكانية الاعتماد على الوعود الأوروبية والأميركية المبهمة حتى الآن، في توفير الضمانات الأمنية التي وعدت بها، إذا ما تم التوصل إلى «حل سياسي»، بعدما بات يتقدم على المطالبة بوقف إطلاق نار فوري، نتيجة قمة ألاسكا بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

ويتخوف الأوكرانيون من أن تؤدي تلك الوعود غير الواضحة والمحددة، إلى تكرار تجربتهم مع «الضمانات» التي حصلوا عليها من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، عندما تخلوا عن الأسلحة النووية السوفياتية التي كانت في حوزتهم من تلك الحقبة، في تسعينات القرن الماضي. ويشير المسؤولون الأوكرانيون إلى مذكرة بودابست، وهي التعهد الذي تم توقيعه في عام 1994 والذي كان يهدف إلى حماية البلاد بعد حصولها على الاستقلال.

لكن الاتفاق لم يُفصّل تلك الضمانات ولم يُقدّم أي وعد بالدعم العسكري في حال الهجوم.

وتقول أوكرانيا إن عدم التحديد منح روسيا حرية التصرف في الهجوم، كما فعلت منذ عام 2014. وبعد الغزو الروسي الشامل عام 2022، علّقت أوكرانيا آمالها في البداية على الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبرةً بند الدفاع المشترك في المادة الخامسة من ميثاق الحلف أقوى ضمانة أمنية يُمكنها أن تطمح إليها. وتبددت تلك الآمال عندما رفضت الولايات المتحدة والحلفاء هذا الانضمام. وطرح الأوروبيون مؤخراً إطاراً أمنياً من شأنه أن يُقدّم ضمانات «تُشبه المادة الخامسة» دون قبول كييف في الحلف. وهو ما استقبله الأوكرانيون بحذر من أن غموضها يُخاطر بتكرار غموض مذكرة بودابست. ومع ذلك، يُقر المسؤولون الأوكرانيون بأن بناء قوة ردع موثوقة يعتمد على التمويل الأجنبي لتزويدها بأسلحة قوية لم تعد تأتي مجاناً من الولايات المتحدة.

رجال إنقاذ يُجرون عملية بحث داخل وحول مبنى سكني تضرر بشدة خلال هجوم روسي واسع النطاق بطائرات مُسيّرة وصواريخ على كييف (أ.ف.ب)

جيش قوي هو الضمانة

فالتعهدات الغربية المبهمة بضمانات أمنية لما بعد الحرب لم تترجم بعد إلى التزامات ملموسة. ويعكس سعي أوكرانيا لبناء جيش أكثر قوة مخاوف من أن هذه الوعود قد لا تتحقق أبداً. وقال إيهور كليمنكو، وزير الداخلية الأوكراني، في مقابلة أجريت معه الأسبوع الماضي: «الضمانة الرئيسية لأمن أوكرانيا هي جيش كامل القدرات ومدرب تدريباً جيداً، في حالة تأهب قتالي دائم».

وفيما تسعى إدارة ترمب للتوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا، يناقش حلفاء كييف الغربيون ضمانات أمنية تضمن عدم غزو روسي جديد بعد انتهاء الحرب. وأبدت بعض الدول الأوروبية استعدادها لنشر قوات في أوكرانيا، بينما أعلنت الولايات المتحدة أنها قد ترسل دعماً جوياً.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال قمة ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

قلق من الإرادة الأوروبية

ويرى جون هاردي، كبير الباحثين في الشأن الروسي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن تعهدات الرئيس ترمب بدورٍ في الضمانات الأمنية التي تقودها أوروبا لأوكرانيا تعد أمراً إيجابياً.

ويقول في حديث مع «الشرق الأوسط» إن هذا الدعم الأميركي سيُعزز قوةَ الطمأنينة الأوروبية المحتملة قابليةَ بقاء أوكرانيا عسكرياً وسياسياً. غير أنه يقول إن هناك قلقاً من أن التخطيط العسكري الأوروبي منفصلٌ عن الأسئلة الجوهرية حول الإرادة السياسية الأوروبية لمحاربة روسيا من أجل أوكرانيا.

وهو ما سيناقشه الأوروبيون في فرنسا، الخميس، مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في باريس. لكن هذه المناقشات لم تُسفر عن نتائج تُذكر حتى الآن، حيث سعت موسكو إلى عرقلتها من خلال المطالبة بأن يكون لها رأي في شروطها ومعارضة أي اتفاق سلام يتضمن نشر قوات غربية على الأراضي الأوكرانية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

لذلك، تُركز أوكرانيا على تطوير ضماناتها الأمنية الخاصة التي لا يمكن لروسيا التدخل في شروطها، حيث إن توسيع قاعدتها الصناعية العسكرية وشراءها للأسلحة الغربية، لا تملك موسكو فيهما نفوذاً يُذكر.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن أليونا غيتمانشوك، سفيرة أوكرانيا الجديدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قولها، إن «هذا ليس أمراً يمكن للروس مناقشته حقاً. هذه هي مصلحتنا».

ويقول جون هاردي لـ«الشرق الأوسط»، إن كييف تُدرك وداعموها الغربيون أن الجيش الأوكراني سيظل الرادع الرئيسي لأوكرانيا ضد أي غزو روسي آخر. ولهذا السبب، يُركز جزءٌ من الضمانات الأمنية على دعم الصناعات العسكرية والدفاعية الأوكرانية.

ترمب ما زال متردداً

وفيما تسعى أوكرانيا إلى تعزيز ترسانتها العسكرية بمليارات الدولارات، بتمويل أوروبي، تعدّ ذلك أفضل فرصة لضمان بقاء البلاد على المدى الطويل في ظل تناقص المساعدات الأميركية، وبقاء الضمانات الأمنية الغربية غير مؤكدة.

ويقول هاردي، بالطبع، تُصبح هذه الضمانات الأمنية غير ذات جدوى إذا لم توافق روسيا أبداً على وقف إطلاق النار، وللأسف، لا يزال الرئيس ترمب يرفض فرض ضغوط اقتصادية وعسكرية أشدّ من شأنها أن تُساعد في إقناع بوتين بإنهاء الحرب بشروطٍ يُمكن للأوكرانيين قبولها.

لذلك تريد أوكرانيا ليس فقط الحفاظ على جيشها خلال الحرب الحالية، بل تريد أيضاً جعله العمود الفقري لأي تسوية لما بعد الحرب، بهدف ردع روسيا عن غزوها مجدداً. وهو ما أوضحته أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، مؤخراً حين قالت: «يجب أن تصبح أوكرانيا شوكة حديدية، لا يهضمها الغزاة المحتملون».

صاروخ «فلامنغو»

وتراهن أوكرانيا على ازدهار صناعة الدفاع المحلية، التي سلّمت بالفعل طائرات دون طيار، وتعمل الآن على إنتاج أسلحة أكثر قوة.

وأعلنت أوكرانيا أنها أكملت تطوير وبدء إنتاج أول صاروخ كروز بعيد المدى محلي الصنع، حيث تأمل أن يمكن صاروخها الجديد، المسمى «فلامنغو»، الذي يبلغ مداه نظرياً نحو 3 آلاف كيلومتر، بحمولة تزيد على ألف كيلوغرام، من ضرب موسكو والعمق الروسي.

ويقول الخبراء إن مثل هذا السلاح يُمكن أن يكون بمثابة رادع أقوى لروسيا من أي تعهد غربي بالحماية، في الوقت الذي يتردد فيه الشركاء الغربيون في توريد صواريخهم، أو سلموها بموجب قيود استخدام صارمة، خوفاً من التصعيد، فقد قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا دفعات صغيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، لكن استخدامها مقيد بحيث لا يمكن استخدامها لضرب العمق الروسي. ورفضت ألمانيا أيضاً تسليمها صواريخ «توروس» بعيدة المدى.

وتطمح أوكرانيا إلى زيادة إنتاج صواريخها الخاصة، مرحبة بالتمويل الغربي لتسريع الإنتاج، حيث تخطط لزيادة الإنتاج سبعة أضعاف بحلول خريف هذا العام، الأمر الذي تعتقد أنه قد يغير المعادلة في الميدان.


مقالات ذات صلة

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

العالم الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

«الشرق الأوسط»
أوروبا بعض من السفراء الأجانب الجدد (أ.ف.ب)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي؛ خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب) play-circle

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا سيارات تسير في ساحة الاستقلال خلال انقطاع التيار الكهربائي في كييف في 14 يناير 2026 وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

زيلينسكي لإعلان حالة الطوارئ بقطاع الطاقة جراء الضربات الروسية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إنه سيتم إعلان «حالة الطوارئ» في قطاع الطاقة، بعد الهجمات الروسية المتواصلة على إمدادات التدفئة والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا تُحذِّر من عواقب على التجارة إذا غزت أميركا غرينلاند

صورة ملتقطة في 15 يناير الحالي في مدينة نوك بجزيرة غرينلاند تظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير الحالي في مدينة نوك بجزيرة غرينلاند تظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)
TT

فرنسا تُحذِّر من عواقب على التجارة إذا غزت أميركا غرينلاند

صورة ملتقطة في 15 يناير الحالي في مدينة نوك بجزيرة غرينلاند تظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير الحالي في مدينة نوك بجزيرة غرينلاند تظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)

حذَّر وزير المالية الفرنسي ​رولان ليسكور وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، من أن أي تحرك للاستيلاء على جزيرة غرينلاند سيُعَد «‌تجاوزاً للخطوط» يهدد ‌علاقة ‌أوروبا ⁠الاقتصادية بواشنطن، حسبما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» اليوم الجمعة.

وبحسب الصحيفة، قال ليسكور: «غرينلاند جزء من ⁠دولة ذات سيادة، ‌وهي جزء من الاتحاد الأوروبي. ولا ينبغي العبث بذلك».

ورداً على سؤال حول ما إذا كان ينبغي ​على الاتحاد الأوروبي الرد بعقوبات اقتصادية إذا ⁠قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بغزو غرينلاند، قال ليسكور لـ«فاينانشيال تايمز»: «لا أعرف، إذا حدث ذلك، سنكون في عالم جديد تماماً بالتأكيد، وسيتعين علينا ‌التصرف وفقاً لذلك».


بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
TT

بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)

وصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة الخميس إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتزامه السيطرة عليها.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أنّها تعزز وجودها العسكري في غرينلاند، ردا على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية. والأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنودا في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وبريطانيا، إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك. وقالت مصادر دفاعية من دول عدة، أنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جنديا ألمانيا على سبيل المثال وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ «على فرنسا والأوروبيين أن يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، لكن من دون أي مساومة على صعيد احترام سلامة الأراضي». وشدد خلال كلمة إلى العسكريين في قاعدة جوية قرب مرسيليا في جنوب فرنسا، على أن «دور» باريس يقتضي بأن «تكون الى جانب دولة ذات سيادة لحماية أراضيها».

وأوضح أنّ «مجموعة أولى من العسكريين الفرنسيين موجودة في الموقع وسيتم تعزيزها في الأيام المقبلة بوسائل برية وجوية وبحرية». غير أن البيت الأبيض اعتبر الخميس أن هذه الخطوة لن تغيّر شيئا في خطط ترمب.

وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي «لا أعتقد أن نشر قوات في أوروبا يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبدا على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».

وغداة الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت مع مسؤولين أميركيين في البيت الأبيض، أقرّت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتي فريدريكسن بوجود «خلاف جوهري» مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل الجزيرة القطبية، مؤكّدة أن واشنطن لا تزال عازمة على السيطرة على غرينلاند.

وقالت «من الواضح أنّ الوضع خطير، ولذلك نواصل جهودنا لمنع حدوث هذا السيناريو». ورحّبت بإرسال قوات أوروبية للمشاركة في «تدريبات مشتركة في غرينلاند ومحيطها». وأشارت إلى أنّ «هناك إجماعا داخل حلف شمال الأطلسي على أنّ تعزيز الوجود في القطب الشمالي أمر ضروري لأمن أوروبا وأميركا الشمالية».

وجاء ذلك فيما أعلن وزير دفاعها ترولز لوند بولسن وضع خطة لإنشاء وجود دائم أكبر في العام 2026. وتلتقي رئيسة الوزراء الدنماركية وفدا من الكونغرس الأميركي يزور كوبنهاغن يومي الجمعة والسبت، وفق ما أكد مكتبها لوكالة الصحافة الفرنسية الخميس.

لكنّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قال مساء الخميس عبر محطة ARD التلفزيونية عندما سُئل عن طموحات ترمب في ما يتعلق بغرينلاند إنه ليس قلقا، مؤكدا أن «الولايات المتحدة ليست منحصرة بإدارة دونالد ترمب». وأضاف أن مشاركة أوروبا في «ضمان أمن» غرينلاند «تنتزع الحجة الرئيسية» الذي قدمها الرئيس الأميركي.

في المقابل، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن «قلق بالغ» بعد نشر قوات من دول حلف شمال الأطلسي في غرينلاند. ورفضت روسيا فكرة أنّها تشكل خطرا على غرينلاند، واصفة إياها بـ«الخرافة». وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، إنّ جزءا من الأراضي الدنماركية «أُدرج ضمن مجال مصالح واشنطن بشكل تعسّفي».

وأكدت أن «خرافة وجود نوع من التهديد الروسي، التي روجت لها الدنمارك وغيرها من أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو لسنوات، هي نفاق محض».

في غرينلاند، أعرب رئيس الحكومة ينس فريدريك نيلسن عن الرغبة في التعاون مع الولايات المتحدة «ولكن على أساس القيم الأساسية مثل الديموقراطية والاحترام»، مشيرا إلى أنّ «الحوار والدبلوماسية هما الطريق الصحيح للمضي قدما».

والأربعاء، أكّد وزير الخارجية الدنماركي أنّ كوبنهاغن تودّ «العمل بتعاون وثيق مع الولايات المتّحدة، لكن ينبغي بالطبع أن يكون هذا التعاون قائما على الاحترام».

وبعد المحادثات، قال ترمب لصحافيّين في البيت الأبيض «لديّ علاقات جيّدة جدّا مع الدنمارك وسنرى كيف يتطوّر كلّ ذلك. أعتقد أننا سنتوصّل إلى حلّ». قبل ذلك ببضع ساعات، أكّد مرّة جديدة على منصّته تروث سوشال أنّ الولايات المتّحدة «بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلّق بالأمن القوميّ»، وأنها «ضرورية للقبّة الذهبيّة التي نبنيها»، في إشارة إلى نظام أميركيّ للدفاع الصاروخي والجوّي.

وكانت هذه أوّل مرّة يربط فيها ترمب السيطرة على غرينلاند بمشروع الدرع الصاروخيّة الأميركيّ الضخم. لكن راسموسن قال إن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند «غير وارد». وأضاف «لا نريد ذلك في الدنمارك، ولا في غرينلاند، وهو أمر يتعارض مع كل القواعد الدولية. إنه ينتهك سيادتنا».

ويردّد ترمب أنّ بلاده تحتاج إلى غرينلاند لمواجهة تقدم روسيا والصين في الدائرة القطبيّة الشماليّة، من غير أن يستبعد استخدام القوّة للسيطرة على الجزيرة. وفيما كانت المحادثات جارية الأربعاء، نشر البيت الأبيض على «إكس» رسما تظهر فيه زلّاجتان تجرّهما كلاب، واحدة متّجهة إلى البيت الأبيض تحت سماء صافية، والثانية متّجهة إلى سور الصين العظيم والساحة الحمراء وتحيط بهما الظلمة. وأعلن راسموسن للصحافة الدنماركية أنّه ليس هناك سفن ولا استثمارات صينيّة «كبيرة« في غرينلاند.

وقبل الاجتماع في واشنطن، انتشرت أعلام غرينلاند الحمراء والبيضاء على واجهات محلّات العاصمة نوك ونوافذ المنازل وسطوح السيارات والحافلات، وحتى على أسلاك رافعة.


انتشار عسكري أوروبي في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

انتشار عسكري أوروبي في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

اتّجهت بعثة عسكرية أوروبية أمس (الخميس) إلى غرينلاند، غداة لقاء عقد في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين وغرينلانديين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على السيطرة عليها.

وأعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج، الأربعاء، أنها ستنشر قوّة عسكريّة على الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج، بحسب مصدر في وزارة الجيوش الفرنسية، في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك.

وأوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منصة «إكس» أن «أول العناصر العسكريين في طريقهم، وسيتبعهم آخرون».

كما أعلنت وزارة الدفاع الألمانية أن المهمة تقررت بسبب «التهديدات الروسيّة والصينيّة»، من غير أن تأتي على ذكر تهديدات ترمب بالسيطرة على الجزيرة. وتابعت الوزارة أن «ألمانيا سترسل بالتعاون مع شركاء آخرين في الحلف الأطلسي، فريق استطلاع إلى غرينلاند».

وسارعت روسيا للإعراب عن قلقها البالغ حيال الإعلان عن البعثة. وقالت السفارة الروسية في بروكسل: «عوضاً عن القيام بعمل بنّاء في إطار المؤسسات القائمة، وخصوصاً مجلس القطب الشمالي، اختار حلف شمال الأطلسي مسار عسكرة متسارعاً في الشمال».