ألمانيا تُسرّع «ثورتها العسكرية» لمواكبة تحديات حروب المستقبل

تحوّلت من «دولة توسّعية» إلى «قزم عسكري» في أوروبا

جندي ألماني يستعدّ للمشاركة في تدريبات عسكرية للناتو في مارينبيرغ الألمانية يناير 2023 (رويترز)
جندي ألماني يستعدّ للمشاركة في تدريبات عسكرية للناتو في مارينبيرغ الألمانية يناير 2023 (رويترز)
TT

ألمانيا تُسرّع «ثورتها العسكرية» لمواكبة تحديات حروب المستقبل

جندي ألماني يستعدّ للمشاركة في تدريبات عسكرية للناتو في مارينبيرغ الألمانية يناير 2023 (رويترز)
جندي ألماني يستعدّ للمشاركة في تدريبات عسكرية للناتو في مارينبيرغ الألمانية يناير 2023 (رويترز)

أطلق اللورد الإنجليزي هايستينغ اسماي، وهو أوّل أمين عام لحلف «الناتو» عام 1952، شعاراً جيوسياسيّاً يُعبرّ فعلاً عن تلك المرحلة؛ إذ قال إن «هدف حلف شمال الأطلسي (الناتو) هو إبقاء الاتحاد السوفياتي خارجاً، والأميركيين في الداخل، والألمان تحت السيطرة».

عبّر هذا القول فعلاً عن الهاجس الأوروبي، كما الخوف المزدوج، من كلّ من روسيا وألمانيا. لكن لماذا؟

أطماع توسّعية

تتميّز كل من روسيا وألمانيا بأنهما سعيا دائماً للتوسّع الجغرافي على حساب الدول المجاورة. فألمانيا مرّت بثلاث إمبراطوريات (الرايخ). كان الرايخ الأول مع الإمبراطورية الجرمانيّة، والثاني مع بسمارك بعد توحيده لألمانيا، أما الرايخ الثالث، وهو الأقصر عمراً (1939-45) كان مع مغامرة هتلر.

دبابة «ليبارد 2» التابعة للجيش الألماني تشارك في تدريب عسكري بليتوانيا مايو 2024 (رويترز)

أما روسيا، فحدّث ولا حرج؛ فهي توسّعت شرقاً مع القيصر إيفان الرهيب، وتوسّعت غرباً مع بطرس الأكبر. أما التوسّع نحو الجنوب، فكان مع كاترين الكبرى.

وفي هذا الإطار، قال المفكّر السياسي الأميركي، ديفيد كاليو، إن ألمانيا ولدت مُطوّقة، «فعلى عكس بريطانيا وروسيا وفرنسا وغيرها من الدول الكبرى في العصر الحديث، افتقر الألمان إلى المساحة الكافية لاستغلال حيويتهم الوفيرة». وعليه، كان الهاجس الألماني العسكري - الاستراتيجي، في الاضطرار إلى القتال على جبهتين؛ شرقيّة (روسيا) وغربيّة (فرنسا) في الوقت نفسه.

تحوّلات جيوسياسيّة

لم تعد تنطبق مقولة اللورد اسماي على أوروبا، فأميركا تريد الخروج من القارة العجوز، بل إنها اليوم ربّما أقرب إلى روسيا منها إلى أوروبا. وتعود روسيا لتهديد الأمن القومي الأوروبي مُجدّداً.

لم تعد ألمانيا مُضطرّة للقتال على جبهتين، شرقية وغربيّة، أو بالأحرى، لم تعد قادرة على ذلك، خاصة أن تلك الجبهتين، الروسيّة والفرنسيّة، قد أصبحتا نوويّتين. فبين فرنسا وروسيا، يبلغ مجموع الرؤوس النوويّة نحو 6179 رأساً نوويّاً.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي بفنلندا يوم 27 مايو (أ.ف.ب)

يحصل كلّ هذا، وألمانيا ليست قادرة حالياً حتى على الدفاع عن نفسها وبالأسلحة التقليديّة، وهي التي اعتُبرت تاريخيّاً أهم من ابتكر المفاهيم الاستراتيجيّة - العملانيّة - التكتيكيّة، وعلى رأسها «الحرب الخاطفة» (Blitzkrieg).

لم تعد فرنسا العدّو اللدود لألمانيا، خاصة وهما ضمن حلف «الناتو». حتى إن المستشار الألمانيّ الجديد فريدريتش ميرتس، وبعيد انتخابه، شدّد على أهمية فتح حوار ثلاثي، يشمل كلاً من برلين وباريس ولندن، حول إمكانيات بناء ردع نووي مشترك (3+3)، يُكمّل حتى الآن المظلّة النوويّة الأميركيّة.

قرّرت ألمانيا زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 5 في المائة من الدخل القومي بسبب الضغوطات الأميركيّة. وعد المستشار الجديد ببناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا، وهذا أمر يستبعد البُعد النووي، مع أن الخبراء يعتبرون ألمانيا أنها دولة على عتبة القدرة على صنع السلاح النوويّ.

«ثورة عسكرية»

أظهرت الحرب الأوكرانيّة الكثير من خصائص حروب المستقبل، خاصة في مجالات المسيّرات، وفي كل الأبعاد كمدفعيّة الميدان والذخيرة اللازمة، والصواريخ الباليستيّة، والدفاعات الجويّة، والمدرّعات، وأجهزة الاستشعار، والأقمار الاصطناعيّة، والحرب السيبرانيّة، وبالطبع استعمال الذكاء الاصطناعيّ.

فماذا تملك ألمانيا من كلّ هذا؟ الجواب بالطبع ليس بالكثير، خاصة أن الأمل والنوايا لا تعتبر على أنها استراتيجيّة فاعلة، حتى ولو خُصّصت لها أموال طائلة، لكن الأكيد أن ألمانيا هي على مسار تنفيذ ما يُسمّى بـ«الثورة في الشؤون العسكريّة». لكن بالطبع مع الكثير من المعضلات، فماذا عن بعضها؟

زيلينسكي وميرتس خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 28 مايو (أ.ف.ب)

في ظلّ التحوّلات الجيوسياسيّة الكبرى، والخطر المُحدق على الأمن القومي الألماني، لا يمكن لألمانيا الاعتماد على الغير كـ«الناتو» للدفاع عن نفسها.

تتطلب الثورة في الشؤون العسكريّة العمل على رسم الاستراتيجيّة الكبرى لألمانيا، التي تُحدّد العدو، ومصدر المخاطر. كما تتطلّب تنظيم القوات العسكريّة، وتدريبها، وتسليحها بشكل يمكنها من التعامل مع العدو والمخاطر، إن كان عبر الردع، أو الهزيمة عسكريّاً.

وتعاني ألمانيا حالياً من صعوبات في عدد جيشها. فعلى سبيل المثال، زادت ألمانيا التجنيد الطوعي بنسبة 8 في المائة، إلى نحو 20 ألف جندي، اختار ربعهم ترك الخدمة خلال المرحلة التجريبيّة بعد 6 أشهر.

كما أنشأ الجيش الألماني سلاحاً جديداً، إلى جانب سلاح البرّ والبحر والجو، ألا وهو السلاح السيبرانيّ. لكن الحرب السيبرانيّة تتطلّب البنى التحتيّة بمختلف أبعادها، خاصة البشرية.

وتتطلّب الثورة في الشؤون العسكريّة قاعدة صناعيّة عسكريّة متقدّمة. تُصنّف الصناعات العسكريّة الألمانيّة على المستوى الأوروبيّ في المركز الثالث (بقرابة 41.1 مليار دولار)، وذلك بعد بريطانيا وفرنسا.

ويُصنّف الجيش الألماني على أنه الأقلّ خبرة وتجهيزاً بين الدول الأوروبيّة الكبرى، كفرنسا وبريطانيا وإسبانيا (المركز الرابع)، وهو في المركز الـ14 عالميّاً.

عامل الردع

ما يؤكّد التحول العسكري الألماني الجذريّ مؤخراً، هو موافقة الحكومة على نشر لواء بشكل مستدام في ليتوانيا وعلى تماس مباشر مع بيلاروسيا، البلد - القاعدة المتقدّمة لروسيا. هذا مع التذكير أن كلفة إنشاء لواء مؤلّل (Mechanized) تُعادل ما يُقارب 2.4 مليار دولار، عدا تكلفة التعهد من تدريب وغيره من الأمور.

جندي ألماني يجهّز دبابة ألمانية قبل الافتتاح الرسمي للجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي في وسط فيلنيوس بليتوانيا يوم 22 مايو (أ.ب)

ويقول الفيلد مارشال برنارد مونتغومري: «لن تعرف معنى اختبار الحرب إذا كنت لم تقاتل الألمان». كذلك الأمر؛ إذ يُحدد المستشار الجديد البوصلة الجيوسياسيّة - العسكريّة لألمانيا على أنه يريد جيشاً تقليديّاً رادعاً؛ لأن القوّة تردع المعتدي، بينما يستجلب الضعف العدوان. وإذا كانت كلّ الديناميكيات الجيوسياسيّة قد تبدّلت جذرياً في أوروبا، وإذا كانت ألمانيا قوة اقتصاديّة عملاقة، فهي حالياً قزم عسكريّ.

وإذا كان توحيد ألمانيا بواسطة الحرب على يد فون بسمارك قد جلب لأوروبا حربين عالميّتين، فهل توحيد ألمانيا عام 1990 وعبر الدبلوماسيّة السلمية، وبالرغم من ممانعة مارغريت تاتشر والرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران، كونهما اعتبرا أن توحيد ألمانيا سيكون بمثابة زلزال جيوسياسي أوروبي، سيؤدّي إلى مزيد من الحروب في أوروبا؟ لا يبدو أن مخاوف تاتشر وميتران قد تجسّدت على أرض الواقع؛ لأن رياح الحرب أتت من الدب الروسيّ.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا قنبلة من الحرب العالمية الثانية (أ.ف.ب)

إزالة قنبلة من الحرب العالمية الثانية زنتها نصف طن من ورشة في بلغراد

أعلنت الشرطة الصربية عن إزالة قنبلة جوية تبلغ زنتها 470 كيلوغراماً تعود إلى الحرب العالمية الثانية من ورشة بناء في وسط العاصمة بلغراد.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
أوروبا المكان المخصص في مقبرة كتابوي لعائلة فرنكو بمدينة فيرول مسقط رأس الديكتاتور (رويترز)

خمسون عاماً على رحيل فرنكو

منذ خمسين عاماً، طوت إسبانيا صفحة الجنرال فرنسيسكو فرنكو الذي قاد أطول نظام ديكتاتوري في تاريخ أوروبا الغربية الحديث

شوقي الريّس (مدريد)
أوروبا الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف (أرشيفية - أ.ب)

ميدفيديف يتهم فنلندا بالاستعداد للحرب

اتهم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف فنلندا بالمضي في مسار الحرب ضد روسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
آسيا الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون على متن القطار متجهاً إلى الصين (رويترز)

زعيم كوريا الشمالية يدخل إلى الأراضي الصينية على قطاره الخاص

قالت وسائل إعلام كورية شمالية، الثلاثاء، إن الزعيم كيم جونغ أون عبر الحدود إلى الصين على متن قطاره الخاص، لحضور احتفال الصين بذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية

«الشرق الأوسط» (سيول)

انتفاضة نسائية متوقعة بفرنسا للمساواة في الأجور

مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة نسائية متوقعة بفرنسا للمساواة في الأجور

مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)

بداية من حزيران (يونيو) المقبل، سيكون على المؤسسات الفرنسية الالتزام بتعليمات الإدارة الأوروبية للشفافية. وبناءً عليه، يمكن للعاملات والموظفات في فرنسا مقارنة المرتبات والأجور التي يحصلن عليها بتلك التي ينالها زملاؤهن الرجال أصحاب المؤهلات المشابهة، وعن نوع العمل نفسه.

ومن المنتظر أن تشهد فرنسا ما يصفه المراقبون بانتفاضة اقتصادية وثقافية حين تكشف الشفافية للنساء الفارق بين أجورهنّ وأجور زملائهن، دون مبرر سوى التمييز الجنسي.

ومن المعروف أن الموظفات والعاملات يتلقين أجراً أقل من الرجل بما معدله 30 في المائة، وهو إجحاف قديم واجه احتجاجات كثيرة خلال العقود الماضية دون أن تسفر، أحياناً، إلا عن تحسُّن طفيف.

وصدرت مبادئ الإدارة الأوروبية حول الشفافية في الأجور قبل 3 سنوات. وسيكون على الجهات القانونية الفرنسية الالتزام بها في موعد أقصاه منتصف العام الحالي.

وتبدأ مراعاة تلك المبادئ منذ لحظة طلب موظفين وعمال؛ حيث يتوجب على رب العمل تحديد المرتب بشكل واضح دون الرجوع إلى الأجر السابق لطالب للمتقدم للعمل، كما تنطبق المبادئ على الموجودين في الخدمة فعلياً.

ويمكن لكل موظف التقدم بطلب للحصول على معلومات حول متوسط الأجر الذي يحصل عليه زملاء يشغلون المنصب نفسه.

وفي حال كانت هناك فروق غير مبررة يمكن للمتضررين طلب مساواة مرتباتهم مع نظرائهم الذين يؤدون العمل نفسه.

ونظراً للفروق التاريخية في الأجور بين الرجال والنساء في فرنسا، وبحجج عديدة مضى زمنها، فإن القانون الأوروبي سيكون فرصة لرفع ظلم عانت منه المرأة في بلد رائد في الدعوة للمساواة وحقوق الإنسان.


تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)

كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية أن الصين تعتزم بناء غرفة سرّية بمحاذاة أكثر كابلات الاتصالات حساسية في بريطانيا، ضمن شبكة تضم 208 غرف سرّية تحت «السفارة العملاقة» الجديدة التي تبنيها في لندن.

وقد توصلت الصحيفة إلى مخططات تفصيلية لمجمّع تحت الأرض يقع أسفل الموقع الدبلوماسي الضخم في وسط لندن، وهو مشروع سعت بكين إلى إبقائه بعيداً عن أنظار الرأي العام.

ورغم المخاطر الأمنية الواضحة، يُتوقع أن يوافق رئيس الحكومة كير ستارمر، على مشروع السفارة قبل زيارة مقررة إلى الصين في وقت لاحق من هذا الشهر، حيث من المنتظر أن يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ.

مخاوف من التجسس

وتشير الصحيفة إلى أن هذه المخططات، التي حُجبت أجزاؤها في جميع النسخ المتاحة للعامة، لم يُكشف عنها إلا بعدما عثرت «تلغراف» على النسخ غير المنقّحة منها.

وتُظهر الرسومات أن غرفة مخفية واحدة ستقع مباشرة إلى جانب كابلات الألياف الضوئية التي تنقل بيانات مالية إلى مدينة لندن، إضافة إلى رسائل البريد الإلكتروني وحركة المراسلة لملايين مستخدمي الإنترنت.

كما أن الغرفة السرّية نفسها مجهّزة بأنظمة لاستخراج الهواء الساخن، ما قد يشير إلى احتمال تركيب معدات تولّد حرارة، مثل حواسيب متقدمة تُستخدم لأغراض التجسس. وتُظهر المخططات أيضاً أن الصين تعتزم هدم وإعادة بناء الجدار الخارجي السفلي للغرفة، مباشرة بمحاذاة كابلات الألياف الضوئية.

وستعيد هذه الكشوفات إشعال المخاوف من أن بكين قد تكون تسعى للتجسس على المعلومات التي تمر عبر هذه الشبكة، بما قد يتيح لها الوصول إلى أسرار الدولة والبيانات المالية الحساسة.

«منصة لإطلاق حرب اقتصادية»

وقالت أليشيا كيرنز، وزيرة الأمن القومي في حكومة الظل، إن منح الموافقة على المشروع سيعني تسليم الصين «منصة لإطلاق حرب اقتصادية في قلب الجهاز العصبي للبنية التحتية الوطنية الحيوية لدينا».

وأضافت: «المخططات غير المنقّحة تكشف عن غرفة مخفية تمتد مباشرة بمحاذاة كابلات الألياف الضوئية الحيوية لحي المال (السيتي) وكناري وارف. الجميع يعلم التهديدات الواضحة التي يطرحها ذلك، وأساليب الصين في التمويه والخداع - فلماذا تحتاجها حكومة (العمال)؟».

وتشمل مناطق أخرى حُجبت تفاصيلها بسبب التنقيح، مولدات احتياطية للطوارئ، ومحطة رشّاشات مياه، ومصاعد جديدة، وكابلات اتصالات. كما تُخفي المخططات أيضاً حمّامات ومرافق استحمام، ما قد يسمح للمسؤولين بالبقاء تحت الأرض لفترات طويلة.

ويمتد مشروع السفارة على مساحة 22 ألف متر مربع في موقع دار سكّ العملة الملكية السابقة، ومن شأنه أن يكون أكبر بعثة دبلوماسية صينية في أوروبا.

وقد غرق المشروع في الجدل منذ أن سعت بكين لأول مرة للحصول على إذن التخطيط في عهد الحكومة المحافظة السابقة، لا سيما بسبب قربه من بنى تحتية اتصالية حساسة. وكان دومينيك كامينغز، المستشار السابق لبوريس جونسون، قد قال إن جهازي الاستخبارات البريطانيين «MI5» و«MI6» حذّراه من أن الصين «تحاول بناء مركز تجسس تحت السفارة».

وكانت معظم وثائق التخطيط المقدَّمة إلى مجلس بلدية منطقة «تاور هامليتس» خاضعة لتنقيحات واسعة، بدعوى ما وصفته الصين بـ«أسباب أمنية»، وهي خطوة دفعت أنجيلا راينر، التي كانت تشغل حينها منصب وزيرة الإسكان، إلى تأجيل الموافقة والمطالبة بتوضيحات إضافية.

الغرفة السرّية

من بين الغرف الـ208 التي كشفت عنها «تلغراف»، تبرز بشكل لافت غرفة تقع أسفل مبنى سجلّ البحّارة في الزاوية الشمالية الغربية من موقع دار سكّ العملة الملكية السابقة. ويحاذي الجدار الخارجي لهذه الغرفة شارع مانسيل، وهو شريان مروري مزدحم عند تقاطع منطقة تاور هيل.

وتُظهر المخططات وجود غرفة تحت الأرض ذات شكل مثلث، يصل عرضها إلى نحو 40 متراً وعمقها بين مترين و3 أمتار. والأهم من ذلك، أنها تشير إلى أن الجدار الخارجي للقبو المواجه لشارع مانسيل سيجري هدمه وإعادة بنائه.

ولا يُعرف بعد أي شركة ستعيّنها الصين مقاولاً لتنفيذ مشروع سفارتها الجديدة، ولا الجهة التي ستتولى هدم وإعادة بناء جدار القبو.

لكن أعمال البناء هذه ستضع المسؤولين الصينيين على بُعد يزيد قليلاً على متر واحد من كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت الرصيف، ما يثير احتمال إمكانية التنصّت عليها.

وتُظهر مخططات كابلات الاتصالات التي اطّلعت عليها صحيفة «تلغراف»، أن هذه الألياف الضوئية تعود لشركات من بينها «BT Openreach» و«Colt Technologies» وعملاق الاتصالات الأميركي «Verizon Business».

وتنقل هذه الكابلات إشارات تحمل أدق أسرار الاقتصاد المالي البريطاني؛ إذ تمتد بين مجموعة مراكز البيانات التابعة لشركة «Telehouse» في منطقة دوكلاندز ومراكز أخرى في أنحاء العاصمة. وترتبط هذه الشبكات معاً لتشكّل العمود الفقري لبورصة الإنترنت في لندن (Linx). وخارج لندن، تتصل هذه الكابلات بكابلات عابرة للمحيط الأطلسي تربط بريطانيا بالولايات المتحدة.

وتُعد «Linx» واحدة من كبرى نقاط تبادل الإنترنت في العالم؛ إذ تتعامل مع كميات هائلة من البيانات، تشمل كل شيء من المعاملات المالية إلى الرسائل الفورية والبريد الإلكتروني.

وتحمل كابلاتها بيانات المعاملات المالية التي تعتمد عليها المصارف لتحديث عمليات السحب والإيداع؛ مثل رواتب الناس العاديين ومدفوعات السلع المشتراة عبر الإنترنت.

وتشير رسومات إضافية ضمن مخططات الغرفة السرّية، إلى أنه سيتم تركيب ما لا يقل عن نظامين لاستخراج الهواء، مع تصريف الهواء عبر فتحة إضاءة قائمة وشبكة تهوية جديدة، ما يوحي بالحاجة إلى إخراج كميات كبيرة من الهواء الساخن من القبو.

وأحد التفسيرات لذلك أن الصين تخطط لتركيب بنية تحتية حاسوبية واسعة النطاق ضمن عملية تجسّس مرتبطة بكابلات شارع مانسيل.

إشارة تحذير

وقال البروفسور آلان وودوارد، الخبير الأمني في جامعة «سري» البريطانية: «الصين لن تقول ما الغرض من هذا القبو. قد يكون معدات اتصالات سرّية مشروعة - لكن هذا الوصف يمكن أن يخفي وراءه كثيراً من الأمور المشبوهة».

وأضاف: «لو أرادوا التنصّت على الكابلات، فلن يحتاجوا إلى الذهاب بعيداً، ولن يعرف أحد ما الذي يجري هناك في الأسفل».

وقد تشمل خيارات التجسس على البيانات تحويل مسار الكابلات، أو إدخال وصلة تنصّت، أو حتى وضع جهاز مباشرة فوق الكابلات؛ بل يمكن ثني الألياف الضوئية بحيث يتسرّب الضوء من غلافها، ما يسمح بقراءته باستخدام معدات متخصصة.

ووصف البروفسور وودوارد هدم جدار القبو بأنه «إشارة تحذير».

وقال: «هناك تاريخ طويل من التنصّت على الكابلات من قبل الشرق والغرب على حد سواء. وكل من يستطيع فعل ذلك، فعله بالفعل. التجسّس لا يقتصر على أسرار الدول؛ فالاستخبارات الاقتصادية عنصر أساسي في عمل أجهزة الاستخبارات الأجنبية». وأضاف: «لو كنت مكانهم، فإن وجود هذه الكابلات على عتبة بابي سيكون إغراءً هائلاً».

وبالطبع، قد تكون لدى الصين أسباب بريئة لتركيب أنظمة التبريد؛ فقد يُستخدم المكان مركزَ بيانات لخدمة موظفي السفارة، أو حتى صالة رياضية أو كافتيريا.

ومع ذلك، فإن القرب الشديد من أكثر بنى الاتصالات البريطانية حساسية سيزيد من القلق.


المستشار الألماني: السلطة في إيران تعيش «أيامها وأسابيعها الأخيرة»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
TT

المستشار الألماني: السلطة في إيران تعيش «أيامها وأسابيعها الأخيرة»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

توقع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم (الثلاثاء)، قرب نهاية النظام الحاكم في إيران. وقال: «إذا كان النظام لا يستطيع البقاء في السلطة إلا من خلال العنف، فإنه يكون –عملياً- في نهايته. وأعتقد أننا نشهد الآن بالفعل الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام».

وقال ميرتس إن القيادة الإيرانية «ليست لديها أي شرعية بين الشعب عبر الانتخابات»، مضيفاً أن «الشعب ينتفض الآن ضد هذا النظام»، معرباً عن أمله في «إيجاد فرصة لإنهاء هذا الصراع سلمياً»، وقال: «يجب أن يدرك نظام الملالي ذلك الآن».

وأشار ميرتس إلى أن هناك مشاورات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشأن هذه القضية، وقال: «وزراء الخارجية على اتصال وثيق لضمان حدوث انتقال سلمي في إيران إلى حكومة ديمقراطية شرعية».

وكان ميرتس قد أدان أمس عنف قوات الأمن الإيرانية ضد المتظاهرين السلميين، واصفاً إياه بأنه «غير متناسب» و«وحشي».

وأضاف: «أدعو القيادة الإيرانية إلى حماية شعبها بدلاً من تهديده»، مشيداً بشجاعة المحتجين، قائلاً إنهم يتظاهرون سلمياً من أجل الحرية في بلادهم، وهذا حقهم المشروع.

واستدعت إسبانيا وفنلندا، اليوم، السفيرين الإيرانيين لديهما، لإبداء «الاستنكار والإدانة الشديدين» لحملة القمع التي تقوم بها سلطات طهران للاحتجاجات.

وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس لإذاعة كاتالونيا: «يجب احترام حق الإيرانيين، رجالاً ونساء، في الاحتجاج السلمي وحرية التعبير، ويجب الكف عن الاعتقالات التعسفية».

وكتبت وزيرة الخارجية الفنلندية إلينا فالتونن على منصة «إكس»: «نظام إيران قطع الإنترنت ليتمكن من القتل والقمع في صمت».

وأضافت: «هذا لن يُقبَل. نحن نقف إلى جانب الشعب الإيراني، نساءً ورجالاً على حد سواء»، مشيرة إلى أنها «ستستدعي السفير الإيراني هذا الصباح».

كما قالت فالتونن إن الدولة الاسكندنافية «تبحث أيضاً -بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي- في إجراءات للمساعدة على إعادة الحرية إلى الشعب الإيراني».

ويتظاهر إيرانيون منذ أكثر من أسبوعين ضد النظام الحاكم. واتسع مدى الاحتجاجات التي اندلعت بسبب أزمة اقتصادية، لتشمل أنحاء متفرقة من البلاد. ووقعت اشتباكات عنيفة واضطرابات خطيرة في المدن، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى قمعها بقوة مفرطة. وتعد هذه أشد احتجاجات تشهدها إيران منذ سنوات.