ترمب يستعد للاجتماع ببوتين لإنهاء «الفوضى الدموية»

موسكو ترحّب بالحوار دون شروط مسبقة لبدء الحراك بعد وصوله للبيت الأبيض

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء على هامش «قمة العشرين» باليابان في يناير 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء على هامش «قمة العشرين» باليابان في يناير 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

ترمب يستعد للاجتماع ببوتين لإنهاء «الفوضى الدموية»

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء على هامش «قمة العشرين» باليابان في يناير 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء على هامش «قمة العشرين» باليابان في يناير 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)

يشكل إعلان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب إجراء ترتيب للاجتماع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وترحيب الكرملين بهذا الاجتماع، أحدث إشارة إلى نية ترمب إحداث تغيير جوهري في مقاربة واشنطن للحرب الأوكرانية. ورغم عدم تحديده جدولاً زمنياً لهذا الاجتماع، لكن دعوته أحيت الأمل في التوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء غزو روسيا لأوكرانيا الذي بدأ في فبراير (شباط) 2022. غير أنها أثارت في الوقت نفسه مخاوف في كييف من أن التوصل إلى اتفاق سلام سريع قد يجعل أوكرانيا تدفع ثمناً باهظاً. وطرح مستشارو ترمب بالفعل، مقترحات لإنهاء الحرب تعني فعلياً التنازل عن أجزاء واسعة من أوكرانيا لصالح روسيا في المستقبل القريب.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

إنهاء الحرب الدموية

وقال ترمب، في تصريحات قبل اجتماع مع حكام الولايات الجمهوريين في مارالاغو ببالم بيتش في ولاية فلوريدا: «إنه (بوتين) يريد عقد اجتماع، ونحن نرتب لذلك». وعلّق على الحرب بين روسيا وأوكرانيا، قائلاً: «الرئيس بوتين يريد أن نلتقي. لقد قال ذلك علناً، ​​وعلينا أن نُنهي تلك الحرب. إنها فوضى دموية».

دونالد ترمب (رويترز)

ويوم الجمعة، أعلن الكرملين أن الرئيس بوتين جاهز للتحاور مع ترمب من دون شروط مسبقة. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين، إن «الرئيس أعرب مراراً عن انفتاحه على إجراء اتصالات مع قادة العالم، بمن فيهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، مثنياً على «استعداد (ترمب) لحل المشكلات من خلال الحوار».

وأضاف بيسكوف: «لا شروط مسبقة، المطلوب هو الرغبة المتبادلة والإرادة السياسية لإجراء حوار وحل المشكلات القائمة من خلال الحوار». وتابع قائلاً: «نرى السيد ترمب يعلن أيضاً استعداده لحل المشكلات عبر الحوار، ونرحب بذلك».

فولوديمير زيلينسكي يطالب بنشر قوات الدول الشريكة في أوكرانيا (أ.ب)

وأوضح بيسكوف أنه لا توجد في الوقت الحالي خطط محددة لعقد اجتماع، لكن روسيا تفترض أن الجانبين منفتحان على الأمر. وقال: «بعد وصول السيد ترمب إلى المكتب البيضاوي، فسيكون هناك بعض الحراك بطبيعة الحال».

وأوضح ترمب أن التفاصيل لا تزال «يجري تحديدها». وطرح مستشارو ترمب مقترحات لإنهاء الحرب، تعني فعلياً التنازل عن أجزاء واسعة من أوكرانيا لصالح روسيا في المستقبل القريب. وقال بيسكوف إن موقف روسيا هو ما حدّده بوتين في يونيو (حزيران) الماضي. وقال الرئيس الروسي، حينها، إن موسكو مستعدة لإنهاء الحرب إذا تخلّت أوكرانيا عن رغبتها في عضوية حلف شمال الأطلسي وانسحبت بالكامل من أربع مناطق تسيطر عليها روسيا جزئياً. ورفضت كييف ذلك وعدّته بمثابة استسلام.

ومنذ بدء الغزو الروسي، تعهّدت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الديمقراطي جو بايدن بتقديم أكثر من 175 مليار دولار من المساعدات لأوكرانيا، أكثر من 60 ملياراً منها في صورة مساعدات أمنية. إلا أنه من غير المؤكد ما إذا كانت المساعدات ستستمر بالوتيرة نفسها في عهد ترمب الذي يقول إنه يريد إنهاء الحرب بسرعة، في وقت تخشى فيه كييف من أن تفقد الدعم الأميركي الأساسي، عند تولّيه السلطة.

ويوم الخميس، أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن حزمة مساعدات لكييف بقيمة 500 مليون دولار، خلال ترؤسه للمرة الأخيرة اجتماع «مجموعة الاتصال» لشركاء أوكرانيا في قاعدة رامشتاين الجوية الأميركية في ألمانيا. وطالب أوستن التحالف الدولي الذي يدعم أوكرانيا بـ«ألّا يضعف». وقال: «لا ينبغي للتحالف الذي يدعم أوكرانيا أن يتراجع. ولا ينبغي له أن يضعف. ولا ينبغي له أن يفشل».

جنديان أوكرانيان في إقليم دونيتسك يتحكمان بمسيّرة أُطلقت باتجاه المواقع الروسية (أ.ف.ب)

دفعة جديدة لأوكرانيا من أصول روسية مجمدة

وصرف الاتحاد الأوروبي دفعة أولى بقيمة 3 مليارات يورو إلى أوكرانيا، في إطار قرض مموّل من الأصول الروسية المجمدة في أوروبا، على ما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الجمعة. وكتبت فون دير لاين على حسابها في موقع «إكس»: «لقد صرفنا اليوم 3 مليارات يورو لأوكرانيا، وهي الدفعة الأولى من الاتحاد الأوروبي بموجب القرض الذي قررته مجموعة السبع». وأكدت فون دير لاين أن هذه الأموال «ستوفّر لأوكرانيا القدرة المالية لمواصلة النضال من أجل حريتها وتحقيق النصر».

جنديان أوكرانيان يشغّلان مسيّرة للتجسس قرب الحدود مع روسيا (أ.ف.ب)

وإثر الغزو الروسي لأوكرانيا، قرّر الاتحاد الأوروبي تجميد الأصول الروسية، الخاصة والمملوكة للبنك المركزي الروسي، في دول الاتحاد الأوروبي، التي يبلغ مجموعها نحو 235 مليار يورو. وهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها الاتحاد الأوروبي باستخدام الأصول الروسية المجمّدة لتمويل مساعداته لأوكرانيا.

وفي يوليو (تموز) الماضي، دفع لها 1.5 مليار يورو باستخدام الفوائد الناتجة عن هذه الأصول.

ماكرون وترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عند اجتماعهم في قصر الإليزيه خلال 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

رسائل مربكة

وعلى الرغم من أنه لم يتحدث كثيراً عن نهجه تجاه حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، بخلاف تعهده بفرض تعريفات جمركية على الصين، فإنه تساءل سابقاً ما إذا كان يجب على الولايات المتحدة أن تتدخل للدفاع عن تايوان إذا غزت بكين الجزيرة.

وقالت وكالة «رويترز»، في تقرير لها، إن الرئيس ترمب تعهّد بتعزيز «السلام من خلال القوة»، بما في ذلك تعزيز الجيش الأميركي، ولكنه لم يوضح ما يعنيه ذلك عملياً. لكن بعض العلامات تشير إلى أنه يأمل في إظهار قوة وقدرة دبلوماسية إدارته الجديدة من خلال إبرام «صفقات» لإنهاء أو إدارة الصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط، في حين يضغط على أعضاء حلف الناتو الأوروبيين لزيادة إنفاقهم العسكري بسرعة.

وفي هذا السياق، قد تختار روسيا والصين عدم المخاطرة بالحرب الشاملة من خلال مهاجمة تايوان أو إحدى الدول الشرقية في حلف الناتو. ولكن بدلاً من ذلك قد تشعران بالحافز لزيادة الضغط من خلال «الحرب الهجينة» أو «الحروب الرمادية»، بهدف تخويف شركاء أميركا، الذين يعدونهم أضعف أو أكثر عرضة للخطر، دون تجاوز حدود الصراع المفتوح.

زيلينسكي مع وزير الدفاع الألماني (أ.ب)

حروب هجينة

لكن ترمب يبحث عن أمثلة لإثبات قوته وهيمنة الولايات المتحدة، عبر طرحه فكرة استعادة قناة بنما والسيطرة على غرينلاند، وضم كندا. تثير مخاوف من أن مثل هذه الخطوات قد تشجع روسيا والصين على التوسع. وعلى الأقل، سيؤدي ذلك إلى تمزيق القواعد التي شجعت الدول الغربية على اتباعها منذ عام 1945، مما قد يفتح الباب أمام مزيد من الأعمال «الهجينة» أو «في المناطق الرمادية».

وفي العام الأخير من ولاية الرئيس بايدن، كانت هناك زيادة ملحوظة في أعمال التخريب المرتبطة بروسيا وأعمال أخرى قابلة للإنكار، ولكنها عدوانية بلا شك في أوروبا، بالإضافة إلى الاستعراضات العسكرية الصينية تجاه تايوان وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين مثل اليابان والفلبين. واستمرت تلك الأنشطة حتى في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بل ربما ازدادت حدتها.

فولوديمير زيلينسكي مع لويد أوستن (أ.ب)

وفي آخر عامين من ولايته، أشارت إدارة بايدن بشكل متكرر إلى «ردع غزو» صيني لتايوان بوصفه «أولوية استراتيجية» أولى. وفي الأسابيع الأخيرة من ولايته، سرّعت إدارته أيضاً من صفقات الأسلحة لأوكرانيا لمساعدتها على الاستمرار في القتال ضد روسيا، قبل بدء أي مفاوضات بعد تسلّم ترمب السلطة.

وستتجه الأنظار إلى واشنطن لمراقبة الأسابيع والأشهر الأولى من إدارته القادمة، بحثاً عن مؤشرات على أي تغييرات في تلك الديناميكيات. ووضع البنتاغون بالفعل جدولاً لتدريبات كبيرة في كل من أوروبا ومنطقة المحيط الهادئ للنصف الأول من هذا العام، ومن غير المرجح أن يتمّ تعديلها.

لكن يتوقع الكثير من شركاء الولايات المتحدة مزيداً من التصعيد والمواجهة، وهو أحد الأسباب التي جعلت على سبيل المثال فنلندا تتحرّك بسرعة، عندما توقف الكابل البحري الكهربائي الذي يربطها بإستونيا بشكل مفاجئ، اتهمت السفينة الروسية «إيغل إس» بقطعه. وقالت السلطات الفنلندية، آنذاك، إنها تعتقد أن السفينة كانت جزءاً من «أسطول الظل» الروسي، الذي يضم عادة سفناً رديئة الصيانة تُستخدم للتهرب من العقوبات، وأحياناً لتنفيذ عمليات خفية بالنيابة عن الكرملين.

أعلنت وزيرة الخارجية الفنلندية، الجمعة، أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) سيرسل سفينتَيْن لمراقبة البنية التحتية تحت الماء و«أسطول الظل» الروسي في بحر البلطيق.

وأكدت الوزيرة الفنلندية إيلينا فالتونين، الجمعة، خلال مؤتمر صحافي في هلسنكي، أن «الناتو سيرسل سفينتَيْن، ونعمل أيضاً على زيادة أنشطتنا الأخرى ووجودنا في المنطقة». وقالت قوة الاستطلاع المشتركة التي تقودها بريطانيا وتضم وحدات من دول الشمال ودول البلطيق بالإضافة إلى هولندا، الاثنين، إنها ستعزّز أيضاً مراقبتها للبنية التحتية تحت الماء في بحر البلطيق، رداً على الحوادث الأخيرة.

تايوان أكبر نقطة اشتعال

وبينما تستعد بكين بالفعل لتهديدات ترمب المتعلقة بزيادة الرسوم الجمركية، فضلاً عن احتمال وقوع مواجهة أوسع، ستواصل زيادة الضغط، بما في ذلك حوادث الكابلات البحرية، والانتهاكات العسكرية، والهجمات الإلكترونية، فضلاً عن زعزعة الاستقرار السياسي عندما تستطيع. وسجل العام الماضي زيادة كبيرة في الاستعراضات والانتهاكات العسكرية الصينية تجاه اليابان والفلبين وتايوان. ولكن على الرغم من أن أياً من هذه المواجهات قد يؤدي إلى حرب من الناحية النظرية، فإن تايوان تبقى أكبر نقطة اشتعال محتملة.

الرئيس الأوكراني زيلينسكي خلال لقائه ترمب في نيويورك (أ.ب)

وتشير التقارير إلى أن بكين قد منحت الجنسية الصينية لمئات أو ربما لآلاف أو أكثر من المواطنين التايوانيين الذين «طلبوا ذلك». وتخشى حكومة تايبيه أن تستخدم بكين هذه الخطوة في النهاية لتبرير عملية عسكرية ضد الجزيرة. كما استخدمت روسيا السكان الناطقين بالروسية لتبرير مهاجمة أوكرانيا. ترمب لم يدخل البيت الأبيض بعد، وعندما يصل إلى هناك، قد تتصاعد هذه الاختبارات للقوة بشكل أكبر، أو قد تتلاشى تماماً إذا اعتقد أعداء الولايات المتحدة المحتملون أنها لا تستحق المخاطرة.


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

الاقتصاد صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تخفيف العقوبات على النفط الروسي بعدما مدَّدت الولايات المتحدة إعفاء يهدف لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار جرَّاء حرب الشرق الأو

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء (أ.ب)

لوكاشينكو: مستعد للقاء ترمب فور إعداد «اتفاق كبير» بين أميركا وبيلاروسيا

قال ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا، إنه سيكون مستعداً للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترمب، فور إعداد «اتفاق كبير» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.


حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

أثار تحذير وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مما وصفه بـ«آثار مدمّرة» قد تترتب على انسحاب محتمل للولايات المتحدة من البنية الأمنية الأوروبية تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك خطط موضوعة للتعامل مع هذا الاحتمال.

وقال فيدان إن مناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار الانسحاب الأميركي المحتمل، أو التخفيف منها، مضيفاً أنه قد يكون «مدمراً» لأوروبا إذا جرى تنفيذه بطريقة غير منسقة.

واستند حديث فيدان، الذي أتى خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم أعماله في جنوب تركيا، الأحد، إلى تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في وقت سابق، بسحب بلاده من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد أن رفض الأعضاء الأوروبيون في الحلف إرسال سفن لفتح مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأدّى القرار الأوروبي إلى تفاقم الخلافات التي كانت قد تصاعدت منذ إعلان ترمب رغبته في الاستحواذ على غرينلاند.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وتركيا هي ثاني أكبر قوة في «الناتو»، لكنها تواجه عقبات في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال فيدان إنه كان يُعبّر منذ فترة طويلة عن شكواه من أن دول الاتحاد الأعضاء في الحلف تتصرف كأنها «نادٍ منفصل»، وتتخذ قراراتها بمفردها، حتى لو كان ذلك يتعارض مع موقف الحلف، وأرجع الموقف الأميركي إلى هذا السبب.

خطة أوروبية

وجاءت تصريحات فيدان، بالتزامن مع تقارير في صحف تركية قريبة من الحكومة، تحدثت فيها عن تحركات أوروبية لوضع خطة بديلة تحسباً لأي تراجع محتمل في الدور الأميركي داخل «الناتو» وخيارات تركيا الاستراتيجية تجاه ذلك، بما فيها إمكانية تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، الذي تحدّث عنه علناً رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، محبذاً فكرة أن تُشكل تركيا تحالفاً مع روسيا والصين.

وقال دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، في كلمة أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء الماضي: «إن موقع تركيا الجيوسياسي والجيوستراتيجي يستلزم سياسة خارجية حذرة ومتأنية ومتعددة الأبعاد»، معيداً بذلك التذكير بتصريحات أدلى بها العام الماضي حول الموضوع ذاته.

ولاحقاً، ذكرت صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية أن خطة بديلة لإعادة تشكيل هيكل الدفاع في أوروبا بدأت تتبلور، وذلك رداً على احتمال انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» وتفاقم أزمة الثقة في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي تحدث عن أهمية تحالف تركيا مع روسيا والصين (حساب الحزب في «إكس»)

وقالت الصحيفة، فيما يعد تأكيداً لحديث فيدان عن المناقشات حول تأثير الانسحاب الأميركي المحتمل على البنية الأمنية الأوروبية، إن الخطة البديلة، التي وصفتها بـ«الخطة ب»، جرى بحثها في اجتماعات رسمية واتصالات دبلوماسية، وكذلك عبر قنوات غير رسمية مثل مآدب العشاء، ما يعكس أنها لم تعتمد بوصفها سياسة رسمية بعد، لكنها في مرحلة تحضيرية متقدمة.

وحسب مسؤولين أوروبيين، فإن هذه الخطة لا تستهدف إنشاء بديل لـ«الناتو»، بل الحفاظ على قدرات الردع، خصوصاً في مواجهة روسيا؛ حيث تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور أكبر في هياكل القيادة داخل الحلف، وسد الفراغ الناتج عن تراجع القدرات الأميركية عبر إمكاناتها الخاصة.

وتطرقت صحيفة «ميلليت» إلى الشراكات الجديدة التي سيُسفر عنها هذا الانسحاب، بما في ذلك إمكانية التعاون العسكري بين تركيا وروسيا والصين.

ونقلت عن الأدميرال التركي المتقاعد، جيم غوردينيز، أن وجود نظام تعاون ثلاثي يجمع تركيا وروسيا والصين، مع إمكانية ضم إيران ودول أخرى مستقبلاً، سيكون كفيلاً بتغيير الجغرافيا السياسية العالمية.

روته يستبعد انسحاب أميركا

لكن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، نفى التكهنات حول إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، قائلاً إنه «يتفهم إحباط ترمب من الحلف، كما دعا أوروبا إلى تعزيز صناعتها الدفاعية». وقال روته، في مقابلة مع صحيفة «دي فيلت» الألمانية، الأحد: «لا أرى الولايات المتحدة تنسحب من (الناتو)، ولا أشك في استمرارها في حماية أوروبا بالأسلحة النووية». وأضاف الأمين العام لـ«الناتو»: «المظلة النووية الأميركية هي الضامن الأخير للأمن هنا في أوروبا، وأنا على يقين بأنها ستبقى كذلك».

جانب من لقاء ترمب وروته في واشنطن (أ.ب)

ويحتاج ترمب إلى موافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي على قرار الانسحاب من «الناتو»، وهو سيناريو يعد مستبعداً للغاية.

وكرر روته ما قاله بعد اجتماعه مع ترمب في البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، عقب إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً: «من الواضح أنه يشعر بخيبة أمل تجاه عدد من حلفاء (الناتو)، وأتفهم وجهة نظره».

وزير خارجية ليتوانيا كيستوتيس بودريس متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (إعلام تركي)

في السياق ذاته، رفض وزير خارجية ليتوانيا، كيستوتيس بودريس، الدعوات إلى إنشاء هيكل دفاعي أو «جيش أوروبي» مستقل، مؤكداً ضرورة تركيز الجهود، بدلاً من ذلك، على تعزيز إطار حلف «الناتو» القائم.

ووجّه بودريس، في تصريحات على هامش مشاركته في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت، اللوم إلى الدول الأوروبية، قائلاً إنها لا تبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف «الناتو» المتفق عليها، مشككاً في جدوى العمل بشكل مستقل.

وقال: «إذا كنا لا نبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف حلف (الناتو)، بما في ذلك الولايات المتحدة، فكيف لنا أن نفعل ذلك بمفردنا؟». ورأى أن قمة «الناتو» المقبلة التي ستعقد في أنقرة، يوليو (تموز) المقبل، ستكون اختباراً حاسماً لوحدة الحلفاء ومصداقيتهم، مشدداً على ضرورة أن يعيد الأعضاء تأكيد التزاماتهم تجاه الحلف.