الرئيس الفرنسي يبدأ زيارة رسمية لصربيا تاركاً الأزمة السياسية في باريس وراءه

الأزمة متواصلة وماكرون لم يعثر بعد على الحل السحري لتشكيل حكومة جديدة

ماكرون يترك باريس غارقة بأزمتها ويبحث عن عقود تجارية مع صربيا (رويترز)
ماكرون يترك باريس غارقة بأزمتها ويبحث عن عقود تجارية مع صربيا (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي يبدأ زيارة رسمية لصربيا تاركاً الأزمة السياسية في باريس وراءه

ماكرون يترك باريس غارقة بأزمتها ويبحث عن عقود تجارية مع صربيا (رويترز)
ماكرون يترك باريس غارقة بأزمتها ويبحث عن عقود تجارية مع صربيا (رويترز)

لم يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حرجاً في مغادرة باريس للقيام بزيارة رسمية من يومين «الخميس والجمعة» إلى صربيا فيما البلاد تغرق في أزمة سياسية عنوانها صعوبة الإتيان بحكومة جديدة تحل محل الحكومة المستقيلة المكلفة تصريف الأعمال منذ أكثر من شهر.

ورغم المشاورات المستفيضة التي قام بها ماكرون فما زالت الصورة ضبابية والأزمة تتفاقم.

بلغراد تستقبل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون قرر منفرداً، في يونيو (حزيران) الماضي حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة خسرها معسكره وحلت «الجبهة الشعبية الجديدة» التي تضم أحزاب اليسار والوسط في المرتبة الأولى. لكن رئيس الجمهورية رفض تسمية لوسي كاستيه، مرشحة الجبهة المذكورة، لتشكيل الحكومة العتيدة بحجة افتقارها للأكثرية في الندوة البرلمانية الجديدة والحاجة لـ«الاستقرار المؤسساتي».

وأثار قرار ماكرون حفيظة تشكيلات «الجبهة» التي اتهمته بـ«التنكر» لمبادئ الديمقراطية لا بل «الانقلاب عليها والدوس على نتائج الانتخابات». وقرر حزب «فرنسا الأبية» أحد مكونات «الجبهة» الأكثر تشدداً والذي يقوده المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون السير بمقترح لتنحية ماكرون بسبب «إخلاله بوظيفته» فيما اليسار وعدد من الاتحادات الطلابية دعوا إلى التعبئة الشعبية ونقل المعركة إلى الشارع وحددوا السابع من سبتمبر (أيلول) موعداً لمظاهرات احتجاجية كبرى.

طائرة رافال متعددة المهام تشكل العمود الفقري لسلاح الجو الفرنسي (أ.ف.ب)

فشل ماكرون

لا يبدو حتى اليوم ورغم مرور ثمانية أسابيع على الإعلان عن نتائج الانتخابات أن رئيس الجمهورية قد عثر على الحل الذي يمكنه إغلاق ملف الفراغ الحكومي. والثابت أنه لا يريد تسليم مفاتيح السلطة التنفيذية لليسار إن مع وزراء من «فرنسا الأبية» أو من دونهم. وأمله الأكبر كان أن ينجح في إحداث انقسام داخل جبهة اليسار بحيث ينفصل عنها الاشتراكيون ويقبلون الانضمام إلى حكومة مختلطة من المعسكر الرئاسي المسمى «الكتلة الوسطية» ومن اليمين التقليدي ممثلاً بحزب «الجمهوريون» الذي يتمتع بـ47 مقعداً في البرلمان.

بيد أن جبهة اليسار ما زالت، حتى اليوم، صامدة رغم بروز تيار داخل الحزب الاشتراكي يميل إلى الاستجابة لدعوة ماكرون والابتعاد عن «فرنسا الأبية». كذلك، فإن لوران فوكيز، رئيس حزب «الجمهوريون»، رفض انضمام حزبه إلى الكتلة الوسطية «معسكر ماكرون» وربط دعمه لحكومة يشكلها بتبينها لمجموعة من النصوص التشريعية التي يريد أن يقرها البرلمان الجديد.

الرئيس الصربي ألكسندر فوتيتش يأمل توقيع عقد شراء 12 طائرة رافال فرنسية الصنع خلال زيارة الرئيس ماكرون لبلغراد (أ.ف.ب)

ومن غير الاشتراكيين من جهة، واليمين التقليدي من جهة أخرى، لن ترى حكومة النور إلا إذا أراد ماكرون الابتعاد عن الأحزاب السياسية والذهاب باتجاه حكومة من المسؤولين على المستويات المحلية بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.

ولذا، بادر الأربعاء إلى الاجتماع، فرادى، مع عدة شخصيات محلية، من اليمين واليسار لاستكشاف مخرج ما يمكنه من التغلب على أزمة كان هو شخصياً في أساس اندلاعها. كذلك لم يطو بعد صفحة الإتيان برئيس حكومة من «التقنيين» أي من غير لون سياسي لفترة محددة بانتظار أن يتمكن الربيع القادم من حل البرلمان مجدداً.

هذه الهموم حملها ماكرون معه إلى بلغراد بعد أن أعلن مساء الأربعاء انطلاق الألعاب البارا-أولمبية «رياضات المعاقين» بحضور مجموعة من القادة، وذلك في احتفال أريد له أن يضاهي الألعاب الأولمبية الأم. لكن ماكرون لم يلجأ هذه المرة إلى إعلان «هدنة أولمبية» جديدة رغم الرهان على أن الألعاب ستجتذب أنظار المواطنين بحيث تتراجع السياسة إلى المقام الثاني كما حصل في الأسابيع الأخيرة. من هنا، جهدت مصادر الإليزيه في تبرير الزيارة إلى صربيا من خلال إبراز أهميتها من عدة جوانب أولها التأكيد على أن باريس تسعى لإلحاق بلغراد بالركب الأوروبي علماً بأن صربيا عازمة على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على غرار دول وسط وشرق أوروبا. ومن المفترض أن تكون أوكرانيا ومولدوفا الأقرب للالتحاق ببروكسل.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الخميس على مدخل الإليزيه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

تأتي زيارة ماكرون إلى بلغراد تلبية لدعوة من الرئيس الصربي ألكسندر فوتيتش الذي زار باريس في أبريل (نيسان) الماضي. وبهذه المناسبة أعلن ماكرون أن «مستقبل صربيا داخل الاتحاد الأوروبي وليس في مكان آخر». وصربيا قدمت ترشيحها رسمياً للانضمام إلى الاتحاد في العام 2009. إلا أن قبول عضويتها يثير الكثير من الاعتراضات بالنظر للعلاقات القوية التي تربطها بروسيا. ورغم الضغوط الأوروبية والأميركية، فقد رفضت بلغراد دوماً السير بالعقوبات التي فرضها الأوروبيون على روسيا بسبب حرب أوكرانيا. كذلك، فإن التوترات القائمة بين بلغراد وكوسوفو تثير مخاوف الأوروبيين ومنهم فرنسا. لكن ماكرون الذي دعا أكثر من مرة الطرفين لتعميق «التطبيع» بينهما، نبه بريشتينا من مواصلة «الإجراءات الأحادية الجانب» التي من شأنها إعاقة عملية التطبيع بين الطرفين وتسيء إلى سعي الطرفين للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

عقد شراء طائرات رافال

غير أن الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية ليست وحدها التي تدفع ماكرون للابتعاد عن فرنسا إذ ثمة عقود ترغب فرنسا بأن يتم توقيعها بين الطرفين وأبرزها مشروع شراء بلغراد 12 طائرة فرنسية من طراز «رافال» التي تنتجها شركة «داسو» للصناعات الجوية. ولا تجد باريس غضاضة ببيع هذه الطائرات لدولة قريبة من موسكو وتتناقض مع الغرب في مواقفها السياسية من الحرب الأوكرانية مع باريس والعواصم الأوروبية والمعسكر الغربي بشكل عام.

وبحسب الرئيس الصربي، فإن بلغراد مستعدة لتخصيص 3 مليارات دولار لهذه الطائرات القتالية من الجيل الرابع علماً بأن أنظمتها من السلاح تعود جميعها للعصر السوفياتي. وفي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال فوتيتش إنّ جميع «الطائرات الاعتراضية» الصربية تقريباً و«جميع الطائرات المقاتلة تأتي من روسيا» مضيفاً: «علينا أن نتطوّر ونغيّر عاداتنا وكل شيء آخر من أجل إعداد جيشنا».

طائرات رافال التي بيعت لكرواتيا عام 2021 (أ.ب)

ورداً على ذلك، قالت مصادر الإليزيه، الاثنين، في معرض تقديمها لزيارة ماكرون، إنه يمكن لبلغراد أن تتخذ «الخيار الاستراتيجي» المتمثّل في «التعاون مع دولة أوروبية» لتجديد أسطولها. وأبدت المصادر المشار إليها نوعاً من التفاؤل في أن تفضي المحدثات القائمة بين شركة «داسو» والسلطات الصربية إلى اتفاق لتزويد القوات الجوية الصربية بالمقاتلات التي تطلبها خلال زيارة ماكرون. ووصف فوتيتش العقد بـ«الكبير جداً» بالنسبة لصربيا وبأنه «ليس صغيراً بالنسبة لفرنسا» معرباً، هو الآخر، عمن أمله بتوقيع العقد بمناسبة الزيارة عينها. كذلك تأمل باريس بأن يكون لـ«شركة كهرباء فرنسا» دور في مشاريع بلغراد بإعادة إطلاق برامجها النووية السلمية لإنتاج الكهرباء.

وجاء في بيان صادر عن قصر الإليزيه أن العلاقات بين باريس وبلغراد تتطور باستمرار منذ زيارة ماكرون الأولى للعاصمة الصربية في العام 2019 وأن هدف الزيارة الجديدة «تعزيز العلاقات الدفاعية والاقتصادية وفي مجالات الصحة والطاقة والثقافة» مضيفاً أن الطرفين يعملان معاً في قطاع الذكاء الاصطناعي. وختم البيان بتأكيد أن ماكرون «ما فتئ يؤكد انتماء صربيا الأوروبي وعزمه على الاستمرار في مواكبتها» في هذا السبيل.


مقالات ذات صلة

احتجاجات الطلاب تهز فرنسا قبل الرئاسيات

أوروبا جانب من المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن في باريس يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

احتجاجات الطلاب تهز فرنسا قبل الرئاسيات

اتهم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، اليسار الراديكالي بالسعي إلى إثارة الفوضى قبل الانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تقرير إخباري طلاب المدارس الثانوية الفرنسية يتجمعون أمام مدرسة ليسيه صوفي جيرمان الثانوية في باريس (رويترز)

تقرير إخباري من الإنفاق السخي إلى «قنبلة الديون»... فرنسا أمام اختبار مالي وسياسي حاسم

تجد فرنسا نفسها أمام واحدة من أصعب أزماتها المالية منذ عقود، بعدما تحوّلت سنوات الإنفاق الحكومي المرتفع إلى عبء متزايد على المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

خاص فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.

ميشال أبونجم (باريس)
الاقتصاد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)

فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

دخلت فرنسا أسبوعاً حاسماً على الصعيدين المالي والسياسي، مع اجتماع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو وحكومته لبحث موازنة عام 2027.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
TT

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

شنّت القوات الروسية هجوماً واسعاً على بنى تحتية للطاقة في العاصمة الأوكرانية ومحيطها ومدن أوكرانية أخرى، فيما بدا تجاهلاً لـ«هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق، ولم تؤكد موسكو التزامها بها.

ووجّهت كييف انتقادات قاسية لواشنطن، إذ اتهمتها بـ«مساعدة روسيا في حربها» على خلفية تراجع الدعم الاستخباراتي، على الرغم من تأكيد الإدارة الأميركية أنها لم تقلص التعاون مع الأوكرانيين في هذا المجال. وانعكس التوتر المتفاقم في العلاقات الأميركية بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على الوضع الميداني في جبهات القتال.

وكرّر زيلينسكي، أمس (الأربعاء)، التحذير بأن أوكرانيا «لم تتلقَّ تحذيرات مرتين بشأن إطلاق صواريخ باليستية على كييف». وكتب: «أبلغتكم بالضربة الروسية على كييف وعدم تلقينا أي تحذير من شركائنا بشأن إطلاق الصاروخ الباليستي. هذه ثاني مرة لا تتلقى فيها أوكرانيا أي تحذير».

واتهم مسؤول أوكراني رفيع المستوى، فضّل عدم الكشف عن هويته، واشنطن، بمساعدة روسيا ضد أوكرانيا، مؤكداً أنها لم تحذّر كييف مسبقاً بشأن هجمات روسية، كما أنها أبطأت خدمات «ستارلينك». وأضاف المسؤول الأوكراني: «لم نتلقَّ تحذيرات من واشنطن في حالتين حتى الآن بشأن إطلاق صواريخ باليستية روسية في هجوم باليستي واسع النطاق على قطاع الطاقة».


زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة، الأربعاء، إن الأمر كان «مؤلماً»، عندما انحاز الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الطرف الآخر في الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا، وذلك بعد أن قال إن زيلينسكي يجب استبداله.

وقال زيلينسكي لبرنامج بيرس مورغان «أنسنسورد» إنه «من المؤلم أن يختار الرئيس ترمب جانباً واحداً... ليس جانبنا».

وقال أيضاً إنه لا يمانع في أن يكون ترمب في الوسط بين أوكرانيا وروسيا، لكنه أضاف: «إذا كنتَ في الوسط، فعليك أن تبقى في الوسط».

ورداً على سؤال عما إذا كان يشعر بالخيانة من ترمب، الذي دعا مطلع الأسبوع إلى أن يكون هناك رئيس جديد لأوكرانيا، بعد أن وافق على رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية، أجاب زيلينسكي: «حقّاً، نعم... لكن الأمر أكثر تعقيداً قليلاً من مجرد عواطفي أو مشاعري».

وأضاف: «من المؤسف أننا نفقد شريكاً قوياً».

وقال زيلينسكي أيضاً: «لا نبيع بلدنا... الأمر لا يتعلّق بالأعمال بالنسبة لنا. إنها حياتنا فحسب، وهذا بلدنا».


مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
TT

مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)

في محاكمة مشحونة سياسياً وتشكل حرجاً للحكومة الألمانية، مثل جندي أوكراني سابق أمام المحكمة العليا في مدينة هامبورغ بقضية تخريب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم1» الذي كان يوصل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا، قبل 4 سنوات.

ويواجه «سيرهي.ك»؛ الذي كان اعتقل بإيطاليا في أغسطس (آب) 2025 بناء على مذكرة توقيف ألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب بالتخطيط لاستهداف بنى تحتية مدنية. ويقول الادعاء إن سيرهي نفذ أوامر دولة؛ مما يعني أنه يتهم الحكومة الأوكرانية بإعطاء الأوامر لتخريب خط الأنابيب الروسي. ونفى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تورط بلاده في العملية، متهماً روسيا بها.

قاعة المحكمة العليا في هامبورغ مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» بقضية تفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» (إ.ب.أ)

وقد اعترض محامو الدفاع على الاتهامات الموجهة إلى سيرهي، وعدّوا أن أنبوب الغاز «لا يمكن عدّه بنية تحتية مدنية، بل إنه كان أداة حرب عسكرية وسياسية ومالية في يد روسيا ضد كييف؛ نظراً إلى أن عائداتها كانت تتدفق إلى ميزانية الدولة لتمويل الحرب على أوكرانيا». وقال المحامون إن سيرهي ملزم الصمت وإنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه؛ بسبب السرية التي هو محكوم بها بصفته جندياً سابقاً. وطالبوا إثر ذلك بإسقاط القضية عنه.

والتزم بالفعل سيرهي الصمت في اليوم الأول من محاكمته، في حين تداول محاموه الثلاثة على قراءة بيانات؛ رافضين القضية برمتها. وقال أحد المحامين إن هناك «مصالح سياسية تلعب دوراً في القضية؛ مما يحول المحاكمة استعراضاً سياسياً».

ويُتهم سيرهي بقيادة فريق من الغواصين والمختصين في المتفجرات لزرع عبوة ناسفة أسفل المحيط لتفجير خط الأنابيب. وقد عثر المحققون على قارب في بولندا قادهم إلى المتهمين بعد العثور على آثار متفجرات وحمض نووي فيه.

وفي حين كانت المحاكمة تُجرى في الداخل، تجمع في الخارج العشرات من مؤيدي أوكرانيا رافعين لافتات تتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب.

وتواجه الحكومة الألمانية، التي تعدّ أكبر داعم عسكري لكييف في حربها ضد روسيا، حرجاً كبيراً من القضية التي قد تورط الحكومة الأوكرانية. وحتى الآن تلتزم برلين الصمت بشأن الموضوع، وتكتفي بالقول إنها تنتظر انتهاء المحاكمة.

وقد كرر وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، ذلك، وقال؛ بعيد انطلاق محاكمة سيرهي، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي في برلين، إنه يجب انتظار انتهاء المحاكمة ونتائجها. ولكنه أشار إلى نفي الرئيس الأوكراني تورطه في القضية، مضيفاً أنه مع ذلك؛ فإن الحكومة الألمانية ستتعامل مع أي نتيجة تظهر، وأنها ستحدد موقفها آنذاك.

وحذر سياسيون ألمان من استغلال الأحزاب الشعبوية المؤيدة لروسيا المحاكمة، وتحديداً «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي يحل بالطليعة في استطلاعات الرأي، وكذلك حزب آخر صغير من أقصى اليسار ترأسه زارا فغنكناشت. ويطالب الحزبان بوقف المساعدات عن أوكرانيا التي يقولان إنها تزيد من الأزمة الاقتصادية في ألمانيا. ويتهم الحزبان الحكومة بإنفاق أموال الميزانية العامة على كييف بدلاً من إنفاقها على الداخل لإنعاش الاقتصاد، ويقولان إن كييف كانت مسؤولة عن تفجير خط الأنابيب الذي كان يجلب الغاز الرخيص إلى البلاد.

وكانت الحكومة الألمانية قد أوقفت استيراد الغاز الروسي عبر خط «نورد ستريم» قبل تفجيره، من ضمن العقوبات ضدها؛ بسب شنها حرباً على أوكرانيا. ويدعو الحزبان الآن إلى فرض عقوبات على أوكرانيا بعد اتهامها بالمسؤولية عن تفجير خط أنابيب الغاز، وليس فقط وقف المساعدات المقدمة إليها.

متظاهرون خارج قاعة المحكمة من مؤيدي أوكرانيا يرفعون لافتات تتهم روسيا بالإرهاب (إ.ب.أ)

ويتهم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الحكومة بازدواجية المعايير، ويقول إنها لم تتردد في فرض عقوبات على موسكو بعد اتهامات بالمسؤولية عن الهجوم الفاشل بالمسيّرات على مطار لايبزيغ في أغسطس الماضي، وإنها فعلت ذلك في حين كانت التحقيقات ما زالت مستمرة. وأعلنت الحكومة الألمانية مطلع الشهر إغلاق القنصلية الروسية في بون و«المركز الثقافي الروسي» في برلين؛ رداً على العثور على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ قالت إن الكرملين مسؤول عنها.

وقد رد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، على تلك الاتهامات في كلمة أمام «البرلمان الفيدرالي (بوندستاغ)»، قبيل سفره إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وقال إنه «على عكس ما نسمع؛ فإن الأموال التي ترسل إلى أوكرانيا لا تؤخذ من نظامنا الاجتماعي». وأضاف: «الأموال المتعلقة بالدفاع تُنفَق من صندوق خاص ومنفصل عن الإنفاق على نظامينا؛ الصحي والاجتماعي». وشدد؛ متوجهاً إلى الحزبين المؤيدين لروسيا، بالقول إن «التهديد حقيقي، ونحن نرى أن روسيا دائماً مستعدة للتصعيد»، مضيفاً: «لا أفهم كيف يمكن لأقصى اليمين وأقصى اليسار التقليل من شأن ذلك».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً أمام الـ«بوندستاغ» في برلين مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» (د.ب.أ)

ويستبعد خبراء أن تُثبت المحاكمة الجارية تورط الحكومة الأوكرانية أو استبعاد تورطها، ونقلت القناة الألمانية العامة «إن دي آر» عن الخبير في الشؤون الجيوسياسية يواكيم ويبر، من جامعة بون، قوله إن الحقيقة لن تظهر؛ «لأنه لا أحد سيعترف بمن هي السلطة العليا إلى أعطت أوامر» تفجير الأنابيب. وأضاف أن هذا يعني أن «التخمينات بشأن ما إذا كان الرئيس زيلينسكي قد أعطى الأوامر، أو كان يعلم بها، ستبقى على الأرجح تخمينات» في نهاية المحاكمة.