بوتين في فيتنام بعد كوريا الشمالية... تنسيق لمواجهة «تحديات قديمة وجديدة»

تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والأمن والدفاع والصناعات النووية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفيتنامي تو لام (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفيتنامي تو لام (أ.ب)
TT

بوتين في فيتنام بعد كوريا الشمالية... تنسيق لمواجهة «تحديات قديمة وجديدة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفيتنامي تو لام (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفيتنامي تو لام (أ.ب)

عزَّز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ثاني محطات جولته الآسيوية، مسار إحياء التحالفات القديمة لبلاده، وتجديد آليات التنسيق مع شركاء تقليديين عبّروا عن دعم لمواقف موسكو في المواجهة المتفاقمة حالياً مع الغرب.

وفي فيتنام، التي وصلها بعد زيارة لافتة إلى كوريا الشمالية أثارت قلق بلدان غربية، تعمّد بوتين تأكيد سعي موسكو وهانوي لتعزيز التعاون الواسع، في إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي نصّت عليها المعاهدة الروسية الفيتنامية للصداقة والتعاون، المبرمة منذ ثلاثة عقود.

وأكد البيان الثنائي، الصادر في ختام جولة المحادثات المطوّلة التي عقدها بوتين مع الرئيس الفيتنامي تو لام، «استقلالية العلاقات بين البلدين وتطابق مواقفهما الدولية، وعزمهما مواصلة التعاون في كل المجالات».

بوتين مع نظيره الفيتنامي (إ.ب.أ)

وشدد على «مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين لا تخضع لتغيرات الظروف الجيوسياسية، وتهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار والأمن. وأكد أن الطرفين يتبنيان «مواقف قريبة جداً أو متطابقة تجاه الملفات الدولية والإقليمية».

على الصعيد الثنائي أكد الطرفان دعمهما «التطوير المستمر للتعاون في صناعة النفط والغاز والطاقة والتقنيات الرقمية».

ومع هذه المجالات شدد البيان بشكل منفصل على أن «التعاون في مجال الدفاع والأمن يحتل مكانة خاصة في العلاقات الروسية الفيتنامية»، مؤكداً أن هذا التعاون غير موجّه ضد دول ثالثة.

كما جرى تأكيد أهمية زيادة الاستثمارات المتبادلة، بما في ذلك في مجال الفلزات والتعدين. وتعهّد الجانبان بالإسراع في تنفيذ مشروعات استراتيجية متفق عليها، بينها اتفاق إنشاء مركز للعلوم والتكنولوجيا النووية في فيتنام.

اللافت أن التعاون في المجال النووي حظي باهتمام خاص من جانب بوتين الذي استبَق زيارته بنشر مقالة في وسائل الإعلام الحكومية الفيتنامية أكد فيها التزام بلاده بهذا المسار.

وكتب بوتين، في مقالة لصحيفة «نيان زان»، الرسمية التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الفيتنامي، بعنوان «روسيا وفيتنام.. صداقة اجتازت اختبارات الزمن»، والذي نشر «الكرملين»، على موقعه الإلكتروني، مقتطفات منه: «يجري العمل على مبادرة إنشاء مركز للعلوم والتكنولوجيا النووية في فيتنام بمساعدة مؤسسة روس أتوم (المسؤولة عن الصناعات النووية الروسية)».

وأشار الزعيم الروسي إلى أن «روس أتوم» مستعدة بشكل عام لمساعدة الشركاء الفيتناميين في تشكيل صناعة الطاقة النووية الوطنية، بما في ذلك عبر تعزيز قدرات فيتنام البشرية بهذا القطاع.

وأكد بوتين أن روسيا وفيتنام تتعاونان بشكل وثيق في المنصات الرئيسية متعددة الأطراف، وفي المقام الأول الأمم المتحدة. وأعرب عن امتنانه لفيتنام؛ لموقفها «المتوازن بشأن الأزمة الأوكرانية»، ورغبتها في المساهمة للبحث عن سبل حقيقية لحلها سلمياً.

وخلال زيارة بوتين لفيتنام، وقَّع الطرفان 15 اتفاقاً ومذكرة تفاهم بين موسكو وهانوي تشمل مختلف قطاعات التعاون؛ بما فيها الطاقة والصحة والعلوم.

واستهلّ الرئيسان، بوتين وتو لام، الشق الرسمي من المحادثات بتأكيد نيتيهما توسيع التعاون في المجالين العسكري والأمني. وقال تو لام إن بلاده تُعلق أهمية كبيرة على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع روسيا، التي تَعدّها «إحدى أولويات السياسة الخارجية». وقال إن فيتنام «تذكر بامتنان المساعدة والدعم المتفاني الذي قدَّمه الشعب الروسي لفيتنام في كفاحنا من أجل الاستقلال».

وأضاف: «تنتهج فيتنام سياسة خارجية سلمية مستقلة ومنفردة ومتعددة الاتجاهات، لكننا، في الوقت نفسه، نُعلق أهمية كبيرة على تنمية الصداقة التقليدية مع روسيا، والشراكة الاستراتيجية الشاملة».

العَلم الروسي بجانب العَلم الفيتنامي في شوارع هانوي (أ.ف.ب)

من جانبه أكد بوتين أن تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع فيتنام هو الآخر من أولويات روسيا على الدوام، وأشار إلى إحياء الذكرى الـ30 لإبرام معاهدة الصداقة بين البلدين. ولفت إلى استمرار تطور العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.

وكرر الرئيسان، في المؤتمر الصحافي الختامي، تأكيد أولويات تحرك روسيا وفيتنام لتجديد آليات التعاون الشامل، ومنح زخم لتوسيع التنسيق في السياسات، وفتح مجالات جديدة لعمل مشترك.

وقال بوتين، للصحافيين: «اتخذنا قرارات بشأن دعم الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين. وقد انتهت المحادثات بتوافق وجو من الود والثقة، وتحدثنا عن التعاون المشترك، وتطرقنا إلى أهم القضايا الإقليمية والدولية، واهتممنا بالتعاون التجاري والاستثماري».

ولفت إلى أن موسكو وهانوي أطلقتا عملاً مشتركاً لاستخدام العملات الوطنية في التعاملات التجارية، وإنشاء قنوات للتعاون في مجال المصارف بالعملات الوطنية.

وأشار إلى بروز «آفاق جديدة للتعامل مع الطاقة المتجددة، بما في ذلك تجديد منظومة الطاقة في فيتنام، وتنفيذ المشاريع الروسية الفيتنامية لتوليد الطاقة الكهرومائية».

وقال إن الخبراء الروس أسهموا في إنتاج ثلث الإنتاج الفيتنامي للطاقة الكهرومائية، مُذكراً بأن الطرفين يعملان على تطوير التعاون بمجال الطاقة النووية.

وتحدّث بوتين عن إنتاج مشترك على الأراضي الفيتنامية للشاحنات الروسية الصغيرة من طراز «غازيل»، وتصديرها إلى بلدان ثالثة.

كما أشار إلى توسيع التعاون في المجال الزراعي، «حيث يزداد حجم الإيرادات في مجال التقنيات الزراعية، إضافة إلى إقامة مؤسسات وشركات للمنتجات الزراعية الفيتنامية في أكثر من إقليم روسي».

رئيس الوزراء الفيتنامي فام من جين مع الرئيس الروسي (أ.ب)

في الإطار الإنساني الثقافي، كشف بوتين عن خطط واسعة لتعزيز التعاون، وإقامة أسابيع للسينما ومعارض تشكيلية واستعراضات فنية وعروض مسرحية للطرفين، فضلاً عن تطوير القطاع السياحي بشكل متبادل.

وفي السياسة الإقليمية ركز بوتين على التعاون في الأمم المتحدة والقمم الآسيوية ومنظمة «آسيان»، إضافة إلى «الاهتمام المشترك في بناء هيكل أمني جديد على مبدأ عدم استخدام القوة والحل السلمي للأزمات وعدم بناء تحالفات عسكرية في المنطقة».

بدوره أكد تو لام تعزيز وتكثيف الاستثمارات المتبادلة، والتعاون في مجالات النفط والغاز، وتهيئة الظروف المناسبة للتعاون على مستوى القطاع الخاص.

وتحدّث عن اتفاقات على توسيع التعاون في مجال الطاقة المتجددة، وفي مجالي الأمن والدفاع، وقال إن روسيا وفيتنام «تكافحان معاً التحديات القديمة والجديدة»، وتعملان على توسيع أطر التعاون في شتى المجالات.

وأكد دعوة بلاده المتطابقة مع وجهة النظر الروسية لبناء «نظام عالمي عادل قائم على ميثاق الأمم المتحدة، وحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية والسلمية، وتطبيق نظام التجارة الحرة».

اللافت أن زيارة بوتين لفيتنام مثل زيارته لكوريا الشمالية أثارت ردود فعل لدى الغرب. ونقلت وسائل إعلام حكومية روسية أن «هانوي تحدّت واشنطن عملياً عبر الاستقبال الحافل لبوتين»، وقالت إن الولايات المتحدة حاولت ممارسة ضغوط على فيتنام، ووجّهت انتقادات حادة لها، على خلفية الإعداد لهذه الزيارة.

ونقلت عن وكالة «بلومبرغ» أن فيتنام «استضافت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، متجاهلة انتقادات واشنطن، ومؤكدة بذلك استمرار علاقتها مع موسكو في مواجهة رد الفعل السلبي من الولايات المتحدة».

بوتين ضيف دار الأوبرا الفيتنامية (إ.ب.أ)

في هذا السياق، كانت المحطة الأولى من جولة بوتين قد أثارت تحفظات غربية واسعة، خصوصاً بعد إعلان توقيع اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين روسيا وكوريا الشمالية، والتي نصّت، في أحد بنودها، على الدفاع المشترك ضد الأخطار الخارجية. وأعربت اليابان وكوريا الجنوبية عن قلق بسبب هذا التطور، علماً بأن بوتين كان قد لوَّح، في وقت سابق، بأن بلاده سوف تعمل على تسليح خصوم واشنطن وحليفاتها، وتعزيز وضع البلدان التي تواجه أوضاعاً مماثلة لروسيا لجهة العقوبات الغربية والقيود المفروضة عليها.


مقالات ذات صلة

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)

موسكو تعلن السيطرة على أراض واسعة في أوكرانيا هذا العام

قال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف: «منذ بداية هذا العام صار تحت سيطرتنا 80 منطقة سكنية إجمالاً وأكثر من 1700 كيلومتر ⁠مربع من الأراضي»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم صورة نشرتها وزارة النقل الروسية لعمال في موقع بناء الجسر (أ.ف.ب)

روسيا وكوريا الشمالية تدشنان أول جسر برّي يربط البلدين

أقامت روسيا وكوريا الشمالية مراسم، اليوم (الثلاثاء)، احتفالاً بإنشاء أول جسر برّي يربط البلدين والمقرر فتحه أمام حركة السير هذا الصيف، حسبما أعلنت موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يتهم مبعوثَي الولايات المتحدة بعدم احترام أوكرانيا

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبعوثي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بإظهار نقص في الاحترام تجاه أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

طلبت أوكرانيا من تركيا السعي لعقد اجتماع بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي وسط ترحيب فاتر من روسيا باستئناف محادثات السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.