فرنسا تسعى لتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الهند... ولمزيد من التعاون في «النووي المدني»

الرئيس ماكرون ضيف الشرف في العيد الوطني الهندي الـ75

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تسعى لتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الهند... ولمزيد من التعاون في «النووي المدني»

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)

تحتفل الهند كل عام بـ«يوم الجمهورية»، في 26 يناير (كانون الثاني)، الذي يمجّد البدء بالعمل بالدستور الهندي، الذي أُقرّ في اليوم نفسه من عام 1950، أي بعد عامين من استقلال الهند عن بريطانيا.

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال مؤتمره الصحافي مساء الثلاثاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

ودرج القادة الهنود، بهذه المناسبة، على دعوة أحد كبار قادة العالم ليكون «ضيف الشرف» إلى جانب المسؤولين الهنود، بما يعكس متانة وقوة العلاقة بين الهند والبلد المدعو. وبمناسبة قمة العشرين التي استضافتها الهند في العاصمة نيودلهي، في 8 سبتمبر (أيلول) الماضي، اقترح رئيس الوزراء ناريندرا مودي، على الرئيس الأميركي جو بايدن، أن يكون ضيف الشرف لعام 2024. ولكن بعد انتظار طويل، جاء الرد الأميركي أن «أجندة الرئيس بايدن لا تسمح له بتلبية الدعوة»، الأمر الذي دفع نيودلهي إلى استبدال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنظيره الأميركي. وكان باراك أوباما آخر رئيس أميركي يلبي الدعوة الهندية في عام 2015. ولم يترك الرئيس الأسبق وراءه ذكرى جميلة للهنود؛ بسبب إثارته ملف حقوق الإنسان في الهند.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال تدشين إنشاءات أقامتها شركة «بوينغ» في الهند يوم 19 يناير (إ.ب.أ)

وبعد الرفض الأميركي، قبلت باريس الدعوة الرسمية، وعدّت أوساط الإليزيه وقتها أنها «تشريف قوي لفرنسا، وأنها ستساعد على توفير دعم للعلاقات الثنائية القوية» القائمة بين البلدين. وستكون الزيارة إلى الهند الثالثة من نوعها التي يقوم بها ماكرون، بعد زيارة أولى في عام 2018 وثانية في سبتمبر الماضي؛ للمشاركة في قمة العشرين.

وسبق للرؤساء فاليري جيسكار ديسستان، وجاك شيراك، ونيكولا ساركوزي، وفرنسوا هولاند، أن حظوا بدعوات مماثلة خلال رئاساتهم المتلاحقة. وكان الرئيس ماكرون قد دعا مودي ليكون ضيف الشرف في «احتفالات العيد الوطني» في يوليو (تموز) الماضي. وليس سراً أن باريس تسعى لأوثق علاقات مع نيودلهي لأسباب سياسية واستراتيجية واقتصادية بالنظر للدور المتعاظم لنيودلهي على الصعيد العالمي، وعلى الصُّعد كافة.

الرئيس الفرنسي ماكرون مستعرضاً جنوداً فرنسيين بمناسبة زيارته القاعدة البحرية في مدينة شيربورغ شمال غربي فرنسا يوم 19 الحالي (أ.ف.ب)

وفي معرض تقديمها للزيارة، التي ستكون على مدار يومي 25 و26 يناير، قالت مصادر الإليزيه إنها «ستعزز الشراكة الاستراتيجية» بين الطرفين التي قامت، بشكل رئيسي، على أساس التعاون الدفاعي المكثف الذي تبرزه العقود المبرمة بين الطرفين، خصوصاً في المجال الجوي والغواصات.

وفي هذا السياق، أشارت المصادر الرئاسية إلى أن وحدات فرنسية ستشارك في العرض العسكري الكبير المرتقب، إلى جانب طائرات عدة من طراز «رافال»، التي اشترت الهند عشرات منها من شركة «داسو» الفرنسية للطيران. وتشدد هذه المصادر على أن العلاقة بين الجانبين تدور حول 3 محاور رئيسية: الأول، يتناول المسائل الأمنية والسيادية بالنظر للوضع الراهن في منطقة الهندي ــ الهادئ التي يعد الاستقرار والأمن فيها «إحدى أولويات الرئيس ماكرون»، وبوصف الهند «شريكاً رئيسياً» فيها وقد بنت معها باريس علاقات قوية.

وتسعى فرنسا لمساعدة نيودلهي على «تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية»، الأمر الذي يعد «عنصراً أساسياً» في العلاقة معها. يضاف إلى ذلك أن الطرفين يسعيان لتعاون أوثق في مجالَي الفضاء والسيبرانية.

وأشارت المصادر الفرنسية إلى أن حضور رائد الفضاء الفرنسي، توماس باسكيه، ضمن البعثة الرسمية التي سترافق ماكرون؛ للتدليل على أهمية التعاون في هذا القطاع ثلاثي الأبعاد (الرحلات المأهولة، واكتشاف الفضاء، والصواريخ الحاملة للمركبات الفضائية). كذلك يعمل الطرفان على تعزيز التعاون في مجال توفير الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب. يشار أيضاً إلى أهمية مواصلة العمل بين الطرفين حول بلورة مشروعات عدة للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية بالنظر لأهميتها؛ لتخلص الهند من الطاقة الملوثة والتوصل إلى الاقتصاد عديم الكربون.

أما المحور الثاني فعنوانه مواجهة «التحديات الشاملة» التي يعمل الطرفان بشأنها منذ زيارة ماكرون الأولى للهند في عام 2018، حيث تم إطلاق ما سُمي «التحالف الشمسي العالمي» الهادف إلى استخدام الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء في الهند وأماكن أخرى من العالم، بينما يدور المحور الثالث حول «تعاون المجتمع المدني بين الطرفين»، الفرنسي والهندي، حيث تطمح فرنسا لاستضافة 30 ألف طالب هندي في معاهدها الجامعية حتى عام 2030، وتعزيز البحوث العلمية المشتركة، والقيام ببرامج ثقافية مشتركة.

طائرة «رافال» الفرنسية المقاتلة التي اشترت منها الهند أسراباً عدة (أ.ف.ب)

وأُعدَّ للرئيس ماكرون برنامج مكثف يبدأ في مدينة جايبور، عاصمة رجستان، أكبر الولايات الهندية، حيث يزور مواقع تاريخية، ويلتقي فنانين ومثقفين هنوداً وفرنسيين قبل اجتماع أول مع رئيس الوزراء الهندي، يلي ذلك في اليوم التالي اجتماع في نيودلهي بعد العرض العسكري. ويلتقي ماكرون ووفده الرئيسة الهندية بحضور الشخصيات الرئيسية السياسية والاقتصادية، ومن المجتمع المدني.

وإلى جانب اللقاء التقليدي للرؤساء الفرنسيين مع الجاليات الفرنسية خلال زياراتهم الرسمية، وهي القاعدة التي لن يشذ عنها ماكرون، فإن الرئيس الفرنسي سيلتقي رجال الأعمال وقادة كبريات الشركات الهندية؛ لحثهم على الاستثمار في الاقتصاد الفرنسي، وشرح التدابير والإصلاحات التي اتخذتها فرنسا لتشجيع الاستثمار الخارجي والمشروعات الإصلاحية المقبلة لتعزيز قدرة البلاد التنافسية.

وينتظر أن يشارك في اللقاء مع ماكرون كبار ممثلي الاقتصاد الهندي من قطاعات الطاقة، والفضاء، وصناعة السيارات، والصناعات الكيماوية. وأفادت مصادر الرئاسة بأن الهند ستكون ضيف الشرف في النسخة المقبلة لمبادرة «اختر فرنسا» التي أطلقها ماكرون لاجتذاب الاستثمارات الخارجية، التي ستعقد في شهر مايو (أيار) المقبل.

وتريد باريس الاستفادة من الأحداث الأساسية المرتقبة في عام 2024، وأبرزها استضافة الألعاب الأولمبية الصيف المقبل، والقمة الفرنكوفونية، وإعادة افتتاح كاتدرائية نوتردام بعد تأهيلها عقب الحريق التي التهم أجزاء منها في عام 2019 والاحتفالات الخاصة بذكرى إنزال الحلفاء في منطقة النورماندي لإخراج الجيش الألماني من فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. ولا يتوقع أن تشهد الزيارة توقيع عقود إضافية بين الطرفين، خصوصاً في مجال الطيران المدني أو العسكري. وبحسب باريس، فإن شركة «إيرباص» تقتطع حصة 70 في المائة من الطيران التجاري الهندي.

أما على المستوى السياسي، فإن الوضع في البحر الأحمر وما يشكّله من تهديد للملاحة، والحرب الروسية على أوكرانيا وتبعاتها سيكونان على رأس الموضوعات المطروحة للتباحث بين الجانبين. وتنظر باريس باهتمام إلى ازدياد التأثير الهندي في المسائل العالمية. أما بالنسبة للوضع الداخلي في الهند، حيث بيّن تقرير لـ«هيومان رايتس ووتش» انتهاكات حقوق الإنسان واضطهاد الأقليات المسلمة والمسيحية وتصاعد الشعور القومي الهندوسي من جانب حزب مودي. فإن المصادر الرئاسية تعدّ أنه «ليس لفرنسا أن تُقيّم التحولات في السمار الديمقراطي للهند منذ اللحظة التي تحترم فيها التزاماتها الدولية».


مقالات ذات صلة

كوريا الشمالية تطلق صواريخ باليستية عدة باتجاه بحر اليابان

آسيا شاشة بمحطة قطارات في سيول تعرض نشرةً إخباريةً تتضمَّن لقطات أرشيفية لتجربة صاروخية كورية شمالية (أ.ف.ب) p-circle

كوريا الشمالية تطلق صواريخ باليستية عدة باتجاه بحر اليابان

أعلن الجيش الكوري الجنوبي، فجر اليوم (الأحد)، أنَّ كوريا الشمالية اختبرت إطلاق صواريخ باليستية عدة، في أحدث عمليات الإطلاق التي تجريها الدولة النووية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
آسيا صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات في مارس 2022  (أ.ب)

غروسي: كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة» في قدرتها على صنع أسلحة نووية

حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، في سيول، الأربعاء، من أن كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة جداً» في قدرتها على صنع أسلحة نووية.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري خلال لقاء وفد «الدوما» الروسي الجمعة (وزارة الكهرباء المصرية)

مصر وروسيا لتسريع العمل في «الضبعة النووية»

أكد وزير الكهرباء المصري، محمود عصمت، على «التعاون والتكامل بين مختلف المؤسسات والجهات في بلاده وروسيا؛ لإنجاز مشروع محطة الضبعة النووية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز) p-circle

محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية هي المنشأة النووية المدنية الوحيدة العاملة في إيران، وشيَّدتها روسيا ودُشّنت رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2013، بعد عقود من التأخير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مفاعل نووي في كوريا الجنوبية (أرشيفية - رويترز)

كوريا الجنوبية تعيد تشغيل مفاعل نووي متوقف عن العمل لدعم إمدادات الطاقة

أعادت شركة كوريا للطاقة المائية والنووية تشغيل مفاعل نووي متوقف عن العمل، فيما تسعى البلاد لدعم إمدادات الطاقة بسبب الاضطرابات الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» (سيول)

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.