الحكومة الفرنسية الجديدة في مواجهة تحديات استثنائية

ماكرون يتوجه للفرنسيين مساء الثلاثاء في مؤتمر صحافي هو الثاني منذ عام 2017

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
TT

الحكومة الفرنسية الجديدة في مواجهة تحديات استثنائية

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون خلال كلمة له لدعم القطاع السياحي في باريس في 11 يناير (إ.ب.أ)

ليس سراً أن الرئيس الفرنسي لا يحب المؤتمرات الصحافية التي تجعله وجهاً لوجه أمام الوسائل الإعلامية، هو يفضّل عليها اللقاءات المتلفزة مع صحافيين اثنين يتم اختيارهما بالتوافق مع قصر الإليزيه وثمة من يقول بطلب منه. ولا يتهرب إيمانويل ماكرون من لقاء الصحافة عقب القمم الدولية أو الأوروبية، حيث الأسئلة التي تطرح عليه تنحصر غالباً بمواضيع اللقاءات. ومنذ انتخابه ربيع عام 2017، لم يعقد ماكرون سوى مؤتمر صحافي واحد. من هنا، فإن المؤتمر الذي سيعقده مساء الثلاثاء في قصر الإليزيه والذي سينقل مباشرة على قنوات تلفزيونية عدة، وقد وجهت الدعوات بشأنه إلى الصحافيين قبل يوم واحد، هو الثاني من نوعه منذ 7 سنوات.

واختيار الـ16 من الشهر الجاري موعداً له لم يأتِ من قبيل الصدفة. فهو يحل عقب تغيير وزاري أراده الرئيس الفرنسي انطلاقة جديدة لعهده الثاني مع تكليف غابريال أتال برئاستها، وهو أصغر رئيس لحكومة فرنسية على الإطلاق.

ويأتي هذا التغيير بعد سنة كانت وبالاً على العهد، بسبب ما رافقها من حراك اجتماعي ــ اقتصادي ومظاهرات وإضرابات إن بخصوص تعديل قانون التقاعد أو تغيير قواعد استقبال المهاجرين، فضلاً عن الصعوبات التي واجهتها حكومة إليزابيث بورن في توفير أكثرية برلمانية للتصويت على مشروعات القوانين في مجلس النواب بسبب فقدان عهد ماكرون الثاني الأكثرية المطلقة. وفي الوقت عينه، واجهت فرنسا، كغيرها من دول الاتحاد الأوروبي، صعوبات اقتصادية واجتماعية بسبب ارتفاع معدلات التضخم التي تراجعت بعض الشيء ولكنها ما زالت تؤثر على مستوى حياة الطبقة المتوسطة التي تئن بغالبيتها لسببين: الأول أنها ليست فقيرة لحد الاستفادة من الدعم المادي الذي تقدمه الحكومة للطبقة الأدنى، والثاني، لكونها ليست ثرية للدرجة التي تمكنها من تحمل أعباء الضرائب وغلاء الأسعار وانهيار قدرتها الشرائية كالطبقة الأعلى. وأخيراً، فإن ماكرون سبق له أن وعد الفرنسيين بأنه سيقترح «موعداً مع الأمة» من أجل تعزيز الوحدة الوطنية وطرح رؤيته للمستقبل وإعادة «تسليح فرنسا» على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وأراد أن تكون الحكومة التي شُكلت الأسبوع الماضي الخطوة الأولى على هذا الدرب.

امتحان الانتخابات الأوروبية في يونيو

حقيقة الأمر أن ماكرون أراد أن يشكّل تكليف غابريال أتال، وزير التربية الشاب البالغ من العمر 34 عاماً، الخطوة الأولى والاستفادة من شعبيته من أجل تسليح عهده لمواجهة التحديات المقبلة التي في مقدمتها الانتخابات الأوروبية في شهر يونيو (حزيران) المقبل. ومشكلة ماكرون عنوانها الشعبية المتزايدة التي يتمتع بها حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي يشرف عليه الثنائي مارين لوبن، المرشحة الرئاسية السابقة رئيسة مجموعة حزبها في البرلمان، وجوردان بارديلا رئيسه البالغ من العمر 28 عاماً.

وتبين استطلاعات الرأي أن «التجمع الوطني» يمكن أن يحصل على 30 في المائة من أصوات الناخبين الفرنسيين، بينما سيحصل حزب ماكرون (النهضة) والحزبان الرديفان له (الحركة الديمقراطية ــ موديم) وحزب رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب (هوريزون ــ آفاق) على 18 في المائة من الأصوات.

رئيس الحكومة الجديد غابريال أتال خيار الرئيس ماكرون لمواجهة تقدم اليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية في يونيو المقبل (أ.ف.ب)

لذا، أراد ماكرون رئيساً شاباً لحكومته الجديدة يكون قادراً على مقارعة شاب أصغر منه سناً، خصوصاً أن بارديلا سيقود لائحة اليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية، بينما لم يعثر العهد على الشخصية التي ستقود كتلته التي ستمكنه من الحد من الخسائر المرتقبة في هذا الاستحقاق الرئيسي. وكان من المرتقب أن تعهد المهمة إلى النائب الأوروبي ستيفان سيجورنيه، إلا أن الأخير المقرب جداً من ماكرون ومن غابريال أتال، عُين وزيراً للخارجية خلفا لكاترين كولونا، التي لم تبقَ في منصبها سوى عشرين شهراً. وحتى الساعة، لم تعرف هوية الشخصية التي ستسند إليها هذه المهمة الشاقة.

يعاني الرئيس الفرنسي مشكلة إضافية عنوانها عدم قدرته دستورياً على الترشح لولاية ثالثة. ولهذا السبب، فإن قبضته على الأكثرية النسبية التي تدعمه وعلى اللعبة السياسية في البلاد تتراجع كلما اقترب موعد انتهاء ولايته بعد 3 سنوات. واليوم، هناك 3 متنافسين من معسكره شبه معلنين للترشح لرئاسة؛ هم وزير الاقتصاد برونو لو مير الذي يشغل هذا المنصب منذ 7 سنوات ووزير الداخلية جيرالد درمانان ورئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب. وفي الأسابيع الأخيرة، برز اسم غابريال أتال مرشحاً محتملاً بسبب شعبيته المتزايدة، منذ أن عُين وزيراً للتربية قبل 5 أشهر وبعد التدابير المتشددة التي اتخذها مثل منع الفتيات من ارتداء العباءة ودعوته لتمكين الأساتذة من استعادة هيبتهم في الصفوف والتشديد على دور المدرسة بوصفها ناقلة للمعارف وليس لشيء آخر ومحاربة أي إشارة أو بادرة تعد دعوة للعنف أو للتعبير عن «كراهية»... وثمة من ينظر إلى أتال على أنه «وريث الماكرونية» بسبب التحاقه برئيس الجمهورية باكراً والتزامه الخط الماكروني الذي لا يحيد عنه بتاتاً.

ماكرون لوزرائه: كونوا ثوريين

في الكلمة القصيرة التي ألقاها ماكرون في مستهل الاجتماع الوزاري، يوم الجمعة الماضي، دعا وزراءه لأن يتحركوا للعمل دون تأخير وأن يكونوا «ثوريين» وليس «إداريين»، مشدداً على أنه يريد «نتائج». وحرص ماكرون وأتال على تشكيل حكومة محصورة عددياً (15 مع رئيسها) بانتظار تعيين وزراء الدولة في الوزارات الفضفاضة مثل الاقتصاد والتعليم والصحة والعمل، إلا أن اختيار أتال غطت عليه تسمية وزيرتين جاءتا من صوف اليمين، ما جعل الانتقادات تُصب على الحكومة الجديدة وعلى ماكرون الذي سينتهج سياسة يمينية. رغم ذلك، يفهم من تصريحات رئيسي السلطة التنفيذية أن «المدرسة» التي وصفها أتال بأنها ستكون «أم المعارك» ستكون أولوية الأولويات للحكومة الجديدة. والحال، أن مشكلتها الأولى تكمن في تغيير توجهاتها الفلسفية والتربوية مع وصول كل وزير جديد. من هنا، يمكن اعتبار أن التحدي الداخلي الرئيسي الثاني الذي سيواجهه ماكرون هو تحديداً الارتقاء بالمستوى التعليمي الذي يتراجع خصوصاً في المستويين الابتدائي والتكميلي.

وبالتوازي مع القطاع المدرسي، يمثل قطاع الصحة التحدي الثاني الذي يتعين على الحكومة الجديدة مواجهته. ورغم الأموال التي خُصصت له في السنوات الأخيرة، ما زال القطاع الصحي الحكومي يعاني من نقص إنساني «أطباء وممرضين وممرضات» ومادي، فضلاً عن النقص الفاضح للمؤسسات الاستشفائية والطبية في الأرياف، حيث توصف غالباً بـ«الصحراء الطبية». والقطاعان المذكوران يحتاجان لتخصيص عشرات المليارات، بينما وزير الاقتصاد والمال يريد خفضاً في عجز الميزانية وخفضاً للمديونية. ويريد برونو لو مير توفير من مصاريف الدولة ما لا يقل عن 12 مليار يورو حتى عام 2025، بينما يريد أتال تخصيص 32 مليار يورو لقطاع الصحة حتى عام 2027.

مظاهرة في بوردو الأحد للمطالبة بسحب قانون الهجرات الذي صوّت عليه البرلمان أواخر الشهر الماضي (أ.ف.ب)

التحدي الأمني

يبقى أن فرنسا تواجه تحدياً أمنياً من الدرجة الأولى عنوانه الألعاب الأولمبية التي تستضيفها باريس، وما يزيد على 10 مدن أخرى في الصيف المقبل، بما يعنيه ذلك من تدفق ملايين الزوار والسياح وهواة الرياضة في فترة زمنية لا تزيد على أسبوعين. وأعلن وزير الداخلية أنه يريد أن يكون في منصبه من أجل الإشراف الأمني على هذه الألعاب التي ستجند السلطات لها ليس فقط الجهاز الأمني الرسمي المشكل من الشرطة والدرك والمخابرات الداخلية، بالإضافة إلى الاستعانة بعدد من وحدات الجيش، بل أيضاً الشركات الأمنية الخاصة.

وخلال الأسبوع الماضي، أفاد الوزير دارمانان، في حديث لصحيفة «لو فيغارو» اليمينية عن «التهديد الإرهابي» الذي ما زال يطأ بثقله على فرنسا. والتخوف من أن ترغب جهات لم يحددها في الاستفادة من فرصة الألعاب الأولمبية لارتكاب عمليات إرهابية تلطخ صورة فرنسا وسمعة قواتها الأمنية.


مقالات ذات صلة

إيران تعلن فتح مضيق «هرمز» حتى انتهاء الهدنة... وترمب يرحّب

شؤون إقليمية سفينة شحن في مياه الخليج العربي (أ.ب)

إيران تعلن فتح مضيق «هرمز» حتى انتهاء الهدنة... وترمب يرحّب

أعلنت إيران، اليوم (الجمعة)، إعادة فتح مضيق «هرمز» بشكل كامل خلال الفترة المتبقية من وقف النار في الشرق الأوسط، وذلك عقب موافقة إسرائيل على هدنة مع «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تشيكرز - لندن 9 يناير 2025 (د.ب.أ) p-circle

مؤتمر دولي ينعقد في باريس لضمان أمن الملاحة بمضيق هرمز

يناقش الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في باريس، الجمعة، مع قادة دول حليفة تشكيل قوة متعددة الأطراف لضمان حرية الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس فرنسا 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ماكرون يُعرب عن قلقه من أن يُهدد استمرار العمليات العسكرية الهدنة في لبنان

أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، عن قلقه من أن يُهدّد استمرار العمليات العسكرية وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ بين إسرائيل و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

كشف قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر للتواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية سفينة تنقل غاز البترول المسال في ميناء مومباي بالهند بعد عبورها مضيق هرمز... 1 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

مصدر: محادثات تقودها فرنسا وبريطانيا ستشمل فرض عقوبات على إيران

قال مصدر، الثلاثاء، إن المناقشات التي تقودها بريطانيا وفرنسا بشأن الخطوات اللازمة لفتح مضيق هرمز ستشمل فرض عقوبات مالية محتملة على إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
TT

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

بعد التصريح الشهير الذي أطلقه مطالع الشهر الحالي ضد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ورفضه السماح للطائرات التي تشارك فيها باستخدام القواعد الأميركية في إسبانيا، فاتحاً بذلك الباب أمام تشكيل «جبهة» أوروبية رافضة للتجاوب مع ضغوط واشنطن لجرّها إلى المشاركة في العمليات العسكرية لفتح مضيق هرمز، ذهب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطوة متقدمة نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية»، التي تضمّ القوى التقدمية في العالم، في مدينة برشلونة، شارك فيها عدد من الرؤساء اليساريين، يتقدمهم رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم، ورئيس جمهورية جنوب إفريقيا، إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان. وضمّت هذه القمة أيضاً عدداً غفيراً من النقابات العمالية، والشخصيات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني من عشرات الدول.

عدد من الرؤساء اليساريين يتقدمهم الإسباني سانشيز والبرازيلي لولا ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم ورئيس جمهورية جنوب أفريقيا إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان (أ.ب)

تأتي هذه القمة التي كانت إسبانيا تحضّر لها منذ بداية العام الحالي، بعد سنوات شهدت خلالها القوى التقدمية مرحلة مديدة من الانتكاسات السياسية، وتراجع تأييد الأوساط الشعبية لها في النظم الديمقراطية الغربية، وفي أميركا اللاتينية، ولجوء هذه الأوساط إلى القوى الشعبوية واليمينية المتطرفة بحثاً عن حلول لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية. كما تتزامن مع الهزيمة القاسية التي لحقت بالرمز الأوروبي والعالمي لهذه القوى، رئيس وزراء المجر فكتور أوربان، في الانتخابات العامة، التي رأى فيها كثيرون نذيراً لبداية تراجع التيّار اليميني المتطرف الذي بدأ يشعر بالحرج من تماهيه مع سياسة الإدارة الأميركية.

وكان لولا قد أدلى بتصريحات قبل وصوله إلى برشلونة، قال فيها: «ليس من حق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستيقظ في الصباح ويهدد هذا البلد أو ذاك». وفيما نفى أن تكون هذه القمة موجهة ضد ترمب، أكّد أن الهدف منها هو تشكيل جبهة سياسية عالمية بديلة عن تلك التي تضمّ اليوم الولايات المتحدة والقوى اليمينية المتطرفة في أوروبا. وقالت زعيمة الحزب الديمقراطي الإيطالي إيلي شلاين: «منذ سنوات واليمين المتطرف يقرع طبول الحرب ويغذّي الصراعات، ويدمّر الاقتصاد ويدفع المزيد من الناس إلى براثن الفقر. جاء الآن دورنا كي نبني عالماً مختلفاً، ونخوض المعارك نفسها من أجل السلام والعدالة الاجتماعية».

سانشيز يتوسط البرازيلي لولا ورئيس كولومبيا (إ.ب.أ)

وسبق لرئيس الوزراء الإسباني والرئيس البرازيلي أن عقدا لقاءات عدة في السنوات المنصرمة، وأظهرا انسجاماً تاماً بينهما على الصعيد السياسي، رغم التباين في موقف كل منهما من الحرب في أوكرانيا، إذ يدعم سانشيز بقوة الموقف الأوروبي المؤيد لأوكرانيا، بينما يراهن لولا على تسوية سلمية تحصل روسيا بموجبها على بعض الأراضي الأوكرانية.

وكانت مفاجأة هذه القمة مشاركة رئيسة المكسيك، التي نادراً ما تسافر خارج بلادها، خصوصاً وأن العلاقات مع إسبانيا كانت مشوبة بتوتر شديد منذ سنوات، بعد رفض مدريد التجاوب مع طلب الرئيس المكسيكي السابق أوبيز أوبرادور أن تعتذر إسبانيا عن المجازر التي ارتكبتها إبّان احتلال المكسيك.

كلاوديا شينباوم شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل (إ.ب.أ)

كان سانشيز قد اعترف مؤخراً بأن إسبانيا ارتكبت «تجاوزات» خلال تلك المرحلة، وقامت حكومته بعدد من المبادرات لترطيب الأجواء مع المكسيك، توّجتها تصريحات للعاهل الإسباني الملك فيليبي السادس أقرّ فيها هو أيضاً بتلك التجاوزات. وقد حرصت الرئيسة المكسيكية على حسم الجدل حول العلاقات مع إسبانيا بقولها «لا توجد أزمة سياسية مع إسبانيا. لم توجد أبداً».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وبعد أن نوّه لولا بالجهود التي يبذلها سانشيز ونجاحه في زيادة عدد «القطيع التقدمي»، قال إنه لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تدفع الناخبين إلى تأييد القوى اليمينية المتطرفة، مضيفاً: «أعداد التقدميين إلى تراجع في كل أنحاء العالم... لكن سانشيز حقق إنجازاً استثنائياً بهذه القمة التي جاءت إليها رئيسة المكسيك ورئيس جنوب أفريقيا. من واجبنا اليوم أن نقدم للعالم خطاباً يحمل الأمل بغد أفضل، وألا نسمح بتكرار ما حصل مع هتلر. لا شيء في الدنيا أفضل من الديمقراطية، فهي تسمح مثلاً لعامل مثلي لا يحمل شهادات أن يصل إلى رئاسة البرازيل».

نائبة رئيس غانا نآنا جين أوبوكو-أغيمانغا تشارك في قمة زعماء اليسار في الدفاع عن الديمقراطية (أ.ف.ب)

من جهته قال سانشيز إن إسبانيا والبرازيل عازمتان على مضاعفة الجهود للعمل من أجل السلام، وتجديد النظام الدولي متعدد الأطراف ومؤسساته، وأضاف: «نحن نريد دمل الجراح التي يفتحها الآخرون، وإنهاء الإجحاف والفوارق الحادة في مجتمعاتنا وبين الدول، والتصدي للتحديات العالمية الكبرى مثل التغيّر المناخي والتطور التكنولوجي السريع، والدفاع عن الديمقراطية التي تتعرّض للهجوم من الموجة الرجعية العالمية وأنظمة الاستبداد والمعلومات المزورة».

سانشيز مع رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم (إ.ب.أ)

رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو الذي لعب دوراً رئيسياً في التحضير لهذا اللقاء، قال «إن الأفكار هي التي تجمع بين القوى التقدمية، بينما القوى اليمينية لا تجتمع إلا حول السلطة»، واعتبر أن قمة برشلونة «محطة تاريخية من حيث كونها الأهم بالنسبة للأحزاب التقدمية في العالم منذ بداية هذا القرن، وقد أصبحنا على أبواب مرحلة جديدة نشهد فيها تراجع الخطاب السياسي الذي ينكر القرائن العلمية الدامغة، ولا يقيم للسلم وزناً ويتمتع بمشاهد المسيّرات والصواريخ وحاملات الطائرات. اليمين المتطرف إلى تقهقر، لكن من واجبنا كقوى تقدمية أن نكون متحدين في مواجهته».

وتوقف الزعيم الاشتراكي الإسباني طويلاً في كلمته أمام القرار الذي اتخذته هذا الأسبوع حكومة سانشيز بتعديل قانون الأجانب بما يسمح لأكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي بتسوية أوضاعهم القانونية، في خطوة معاكسة تماماً للاتجاه الذي تسير فيه بقية الحكومات الأوروبية، وقال: «أشعر بالفخر بالحزب الاشتراكي عندما تتخذ الحكومة خطوة تعطي حقوقهم للمهاجرين الذين يساهمون في بناء مجتمعنا الذي يسجّل اليوم أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وقال الرئيس الكولومبي غوستافو بترو، وهو أحد المشاركين في القمة: «إن أميركا اللاتينية قد تشهد تمرداً واسعاً إذا لم تبادر واشنطن إلى إعادة النظر في سياستها»، واعتبر أن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تركت جرحاً عميقاً في أميركا اللاتينية، إذ إن كاراكاس هي المدينة الوحيدة التي تعرضت للقصف في تاريخ المنطقة.

كلاوديا شينباوم، التي لقيت استقبالاً حاراً لدى وصولها إلى القمة كونها أول رئيسة للمكسيك تزور إسبانيا منذ ثماني سنوات، شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل، ودعت إلى مضاعفة الجهود وتوحيدها لضبط أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي الضخمة «التي أصبحت هي البوصلة الرئيسية للمشهد الاجتماعي والسياسي في معظم البلدان».

الرئيسة الآيرلندية كاثرين كونولي تشارك في لقاء برشلونة لقوى الحشد التقدمي العالمي (إ.ب.أ)

لكن إلى جانب الشعارات السياسية والدعوات إلى رصّ الصفوف وتوحيد الجهود والتنسيق لخوض المعارك الانتخابية في لوائح مشتركة، احتلت الطروحات الاقتصادية حيّزاً رئيسياً في أعمال القمة الموازية تحت عنوان «الحشد التقدمي العالمي» التي ركّزت على التدابير الهادفة إلى حماية المواطنين لمنع اتساع الفجوة بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة من جهة، وطبقة كبار الأغنياء، الذين يشكلون 0.0001 في المائة من سكان العالم، يستحوذون على 17 في المائة من الثروة العالمية. ويفيد تقرير وضعته منظمة «أوكسفام» المنبثقة عن جامعة أكسفورد، بأن مداخيل 1 في المائة من السكان الأثرياء نمت ضعف مداخيل الطبقات المتوسطة، وحصلت وحدها على نصف الأرباح التي نجمت عن ارتفاع أسعار المواد الأولية عبر أدواتها الاستثمارية.

الصحافية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ماريا ريسا تشارك في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

يأتي اختيار مدينة برشلونة، وليس مدريد، لاستضافة هذه القمة، لكون هذه الأخيرة قد تحولت منذ سنوات إلى معقل القوى اليمينية والمحافظة في إسبانيا، بينما يدير برشلونة مجلس بلدي يساري ويتولى رئاسة حكومة كاتالونيا الإقليمية فيها اشتراكي سبق أن شغل مناصب وزارية في حكومات سانشيز. وفيما كان رئيس الوزراء الإسباني يعقد القمة الثنائية مع لولا على هامش القمة، كانت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد، اليمينية إيزابيل آيوسو، تستضيف زعيمة المعارضة الفنزويلية كورينا ماتشادو التي رفضت دعوة سانشيز للحلول ضيفة رسمية على حكومته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)
TT

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة إن الولايات المتحدة وافقت على بيع محتمل لمعدات عسكرية لألمانيا تقدر قيمتها بنحو 11.9 مليار دولار.

وجاء في بيان الخارجية الأميركية، إن «هذا البيع المقترح سيدعم أهداف السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وأضاف البيان أن ألمانيا كانت قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في أوروبا.

ووفقا للبيان، تسعى ألمانيا للحصول على ثمانية أنظمة قتالية متكاملة وأنظمة رادار حديثة وأنظمة إطلاق للصواريخ الموجهة، من بين معدات أخرى.

وستسمح هذه التكنولوجيا للسفن الحربية باكتشاف التهديدات مبكرا والتصدي لها والاتصال بوحدات الناتو الأخرى.

وقالت وزارة الخارجية إن «البيع المقترح سيعزز قدرة القوات البحرية الألمانية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين الدفاع الوطني والإقليمي بالإضافة إلى إمكانية التشغيل البيني مع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو».

وتم تقديم الصفقة إلى الكونغرس الأميركي، الذي لا يزال بإمكانه الاعتراض عليها.


زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفّذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك، حيث لا يزالان محتجَزين حتى الآن، ويواجهان تُهماً؛ من بينها التآمر لتهريب المخدّرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت قيام بيلاروسيا بتوسيع شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

ولم يقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

كانت روسيا قد استخدمت الأراضي البيلاروسية منطلقاً في غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.