سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

يرى هزيمة المجري أوربان «نذيراً لبداية تراجع تيّار القوى الشعبوية... وأن أميركا اللاتينية قد تشهد تمرداً واسعاً ضد واشنطن»

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
TT

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

بعد التصريح الشهير الذي أطلقه مطالع الشهر الحالي ضد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ورفضه السماح للطائرات التي تشارك فيها باستخدام القواعد الأميركية في إسبانيا، فاتحاً بذلك الباب أمام تشكيل «جبهة» أوروبية رافضة للتجاوب مع ضغوط واشنطن لجرّها إلى المشاركة في العمليات العسكرية لفتح مضيق هرمز، ذهب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطوة متقدمة نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية»، التي تضمّ القوى التقدمية في العالم، في مدينة برشلونة، شارك فيها عدد من الرؤساء اليساريين، يتقدمهم رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم، ورئيس جمهورية جنوب إفريقيا، إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان. وضمّت هذه القمة أيضاً عدداً غفيراً من النقابات العمالية، والشخصيات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني من عشرات الدول.

عدد من الرؤساء اليساريين يتقدمهم الإسباني سانشيز والبرازيلي لولا ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم ورئيس جمهورية جنوب أفريقيا إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان (أ.ب)

تأتي هذه القمة التي كانت إسبانيا تحضّر لها منذ بداية العام الحالي، بعد سنوات شهدت خلالها القوى التقدمية مرحلة مديدة من الانتكاسات السياسية، وتراجع تأييد الأوساط الشعبية لها في النظم الديمقراطية الغربية، وفي أميركا اللاتينية، ولجوء هذه الأوساط إلى القوى الشعبوية واليمينية المتطرفة بحثاً عن حلول لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية. كما تتزامن مع الهزيمة القاسية التي لحقت بالرمز الأوروبي والعالمي لهذه القوى، رئيس وزراء المجر فكتور أوربان، في الانتخابات العامة، التي رأى فيها كثيرون نذيراً لبداية تراجع التيّار اليميني المتطرف الذي بدأ يشعر بالحرج من تماهيه مع سياسة الإدارة الأميركية.

وكان لولا قد أدلى بتصريحات قبل وصوله إلى برشلونة، قال فيها: «ليس من حق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستيقظ في الصباح ويهدد هذا البلد أو ذاك». وفيما نفى أن تكون هذه القمة موجهة ضد ترمب، أكّد أن الهدف منها هو تشكيل جبهة سياسية عالمية بديلة عن تلك التي تضمّ اليوم الولايات المتحدة والقوى اليمينية المتطرفة في أوروبا. وقالت زعيمة الحزب الديمقراطي الإيطالي إيلي شلاين: «منذ سنوات واليمين المتطرف يقرع طبول الحرب ويغذّي الصراعات، ويدمّر الاقتصاد ويدفع المزيد من الناس إلى براثن الفقر. جاء الآن دورنا كي نبني عالماً مختلفاً، ونخوض المعارك نفسها من أجل السلام والعدالة الاجتماعية».

سانشيز يتوسط البرازيلي لولا ورئيس كولومبيا (إ.ب.أ)

وسبق لرئيس الوزراء الإسباني والرئيس البرازيلي أن عقدا لقاءات عدة في السنوات المنصرمة، وأظهرا انسجاماً تاماً بينهما على الصعيد السياسي، رغم التباين في موقف كل منهما من الحرب في أوكرانيا، إذ يدعم سانشيز بقوة الموقف الأوروبي المؤيد لأوكرانيا، بينما يراهن لولا على تسوية سلمية تحصل روسيا بموجبها على بعض الأراضي الأوكرانية.

وكانت مفاجأة هذه القمة مشاركة رئيسة المكسيك، التي نادراً ما تسافر خارج بلادها، خصوصاً وأن العلاقات مع إسبانيا كانت مشوبة بتوتر شديد منذ سنوات، بعد رفض مدريد التجاوب مع طلب الرئيس المكسيكي السابق أوبيز أوبرادور أن تعتذر إسبانيا عن المجازر التي ارتكبتها إبّان احتلال المكسيك.

كلاوديا شينباوم شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل (إ.ب.أ)

كان سانشيز قد اعترف مؤخراً بأن إسبانيا ارتكبت «تجاوزات» خلال تلك المرحلة، وقامت حكومته بعدد من المبادرات لترطيب الأجواء مع المكسيك، توّجتها تصريحات للعاهل الإسباني الملك فيليبي السادس أقرّ فيها هو أيضاً بتلك التجاوزات. وقد حرصت الرئيسة المكسيكية على حسم الجدل حول العلاقات مع إسبانيا بقولها «لا توجد أزمة سياسية مع إسبانيا. لم توجد أبداً».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وبعد أن نوّه لولا بالجهود التي يبذلها سانشيز ونجاحه في زيادة عدد «القطيع التقدمي»، قال إنه لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تدفع الناخبين إلى تأييد القوى اليمينية المتطرفة، مضيفاً: «أعداد التقدميين إلى تراجع في كل أنحاء العالم... لكن سانشيز حقق إنجازاً استثنائياً بهذه القمة التي جاءت إليها رئيسة المكسيك ورئيس جنوب أفريقيا. من واجبنا اليوم أن نقدم للعالم خطاباً يحمل الأمل بغد أفضل، وألا نسمح بتكرار ما حصل مع هتلر. لا شيء في الدنيا أفضل من الديمقراطية، فهي تسمح مثلاً لعامل مثلي لا يحمل شهادات أن يصل إلى رئاسة البرازيل».

نائبة رئيس غانا نآنا جين أوبوكو-أغيمانغا تشارك في قمة زعماء اليسار في الدفاع عن الديمقراطية (أ.ف.ب)

من جهته قال سانشيز إن إسبانيا والبرازيل عازمتان على مضاعفة الجهود للعمل من أجل السلام، وتجديد النظام الدولي متعدد الأطراف ومؤسساته، وأضاف: «نحن نريد دمل الجراح التي يفتحها الآخرون، وإنهاء الإجحاف والفوارق الحادة في مجتمعاتنا وبين الدول، والتصدي للتحديات العالمية الكبرى مثل التغيّر المناخي والتطور التكنولوجي السريع، والدفاع عن الديمقراطية التي تتعرّض للهجوم من الموجة الرجعية العالمية وأنظمة الاستبداد والمعلومات المزورة».

سانشيز مع رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم (إ.ب.أ)

رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو الذي لعب دوراً رئيسياً في التحضير لهذا اللقاء، قال «إن الأفكار هي التي تجمع بين القوى التقدمية، بينما القوى اليمينية لا تجتمع إلا حول السلطة»، واعتبر أن قمة برشلونة «محطة تاريخية من حيث كونها الأهم بالنسبة للأحزاب التقدمية في العالم منذ بداية هذا القرن، وقد أصبحنا على أبواب مرحلة جديدة نشهد فيها تراجع الخطاب السياسي الذي ينكر القرائن العلمية الدامغة، ولا يقيم للسلم وزناً ويتمتع بمشاهد المسيّرات والصواريخ وحاملات الطائرات. اليمين المتطرف إلى تقهقر، لكن من واجبنا كقوى تقدمية أن نكون متحدين في مواجهته».

وتوقف الزعيم الاشتراكي الإسباني طويلاً في كلمته أمام القرار الذي اتخذته هذا الأسبوع حكومة سانشيز بتعديل قانون الأجانب بما يسمح لأكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي بتسوية أوضاعهم القانونية، في خطوة معاكسة تماماً للاتجاه الذي تسير فيه بقية الحكومات الأوروبية، وقال: «أشعر بالفخر بالحزب الاشتراكي عندما تتخذ الحكومة خطوة تعطي حقوقهم للمهاجرين الذين يساهمون في بناء مجتمعنا الذي يسجّل اليوم أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وقال الرئيس الكولومبي غوستافو بترو، وهو أحد المشاركين في القمة: «إن أميركا اللاتينية قد تشهد تمرداً واسعاً إذا لم تبادر واشنطن إلى إعادة النظر في سياستها»، واعتبر أن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تركت جرحاً عميقاً في أميركا اللاتينية، إذ إن كاراكاس هي المدينة الوحيدة التي تعرضت للقصف في تاريخ المنطقة.

كلاوديا شينباوم، التي لقيت استقبالاً حاراً لدى وصولها إلى القمة كونها أول رئيسة للمكسيك تزور إسبانيا منذ ثماني سنوات، شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل، ودعت إلى مضاعفة الجهود وتوحيدها لضبط أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي الضخمة «التي أصبحت هي البوصلة الرئيسية للمشهد الاجتماعي والسياسي في معظم البلدان».

الرئيسة الآيرلندية كاثرين كونولي تشارك في لقاء برشلونة لقوى الحشد التقدمي العالمي (إ.ب.أ)

لكن إلى جانب الشعارات السياسية والدعوات إلى رصّ الصفوف وتوحيد الجهود والتنسيق لخوض المعارك الانتخابية في لوائح مشتركة، احتلت الطروحات الاقتصادية حيّزاً رئيسياً في أعمال القمة الموازية تحت عنوان «الحشد التقدمي العالمي» التي ركّزت على التدابير الهادفة إلى حماية المواطنين لمنع اتساع الفجوة بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة من جهة، وطبقة كبار الأغنياء، الذين يشكلون 0.0001 في المائة من سكان العالم، يستحوذون على 17 في المائة من الثروة العالمية. ويفيد تقرير وضعته منظمة «أوكسفام» المنبثقة عن جامعة أكسفورد، بأن مداخيل 1 في المائة من السكان الأثرياء نمت ضعف مداخيل الطبقات المتوسطة، وحصلت وحدها على نصف الأرباح التي نجمت عن ارتفاع أسعار المواد الأولية عبر أدواتها الاستثمارية.

الصحافية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ماريا ريسا تشارك في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

يأتي اختيار مدينة برشلونة، وليس مدريد، لاستضافة هذه القمة، لكون هذه الأخيرة قد تحولت منذ سنوات إلى معقل القوى اليمينية والمحافظة في إسبانيا، بينما يدير برشلونة مجلس بلدي يساري ويتولى رئاسة حكومة كاتالونيا الإقليمية فيها اشتراكي سبق أن شغل مناصب وزارية في حكومات سانشيز. وفيما كان رئيس الوزراء الإسباني يعقد القمة الثنائية مع لولا على هامش القمة، كانت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد، اليمينية إيزابيل آيوسو، تستضيف زعيمة المعارضة الفنزويلية كورينا ماتشادو التي رفضت دعوة سانشيز للحلول ضيفة رسمية على حكومته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

بغداد تحصل على سماح أميركي محدود للطيران الإيراني

المشرق العربي طائرة من طراز «إيرباص A340-600» تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

بغداد تحصل على سماح أميركي محدود للطيران الإيراني

تمكنت حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، من انتزاع موافقة أميركية تسمح بتسيير 40 رحلة جوية يومياً من وإلى مطار النجف الأشرف الدولي لشركات الطيران الإيرانية.

فاضل النشمي (بغداد)
شؤون إقليمية موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان» للطيران الإيرانية في أربيل بالعراق في 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

العراق: السماح بتسيير 40 رحلة إيرانية يومياً من وإلى مطار النجف

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ​إنه سيُسمح لشركات الطيران الإيرانية بتسيير 40 رحلة يومياً من مطار النجف الدولي وإليه باستثناء شركة «ماهان إير».

أوروبا كلمة عقوبات أمام علما أميركا وروسيا (رويترز)

بعد عقوبات أميركية... منصة «إيه7» الروسية للتحويلات المالية تنفي صلتها بإيران

نفت منصة «إيه7» الروسية للتحويلات المالية أي صلات بإيران، بعدما فرضت واشنطن عقوبات عليها متهمة إياها بمساعدة طهران و«الحرس الثوري» على الالتفاف على العقوبات.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية ناقلتا نفط راسيتان في مضيق هرمز قبالة ميناء بندر عباس الإيراني - 2 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

حملة ضغط أميركية تترك ناقلات نفط إيرانية عالقة في المياه الآسيوية

على بُعد نحو 24 كيلومتراً من ساحل جنوب غرب سريلانكا، يقف نحو 20 ناقلة نفط إيرانية فارغة عالقة، تنجرف بمحركاتها المتوقفة بينما تنفد منها المواد الغذائية.

«الشرق الأوسط» (كولمبو)
المشرق العربي عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)

فصائل لكسر حصار إيران بـ«إسقاط حكومة بغداد»

تُظهر بغداد حتى الآن موقفاً متماسكاً بشأن عدم السماح لشركات الطيران الإيرانية بالهبوط في المطارات العراقية استجابة لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».