ماذا تبقَّى من «فاغنر»؟ ومَن سيدير نشاطها خارج البلاد؟

الغموض يحيط بمصير تركة بريغوجين... جيش مسلح وعشرات الشركات

عَلم مجموعة «فاغنر» مع العَلم الروسي احتفالاً باليوم الوطني (رويترز)
عَلم مجموعة «فاغنر» مع العَلم الروسي احتفالاً باليوم الوطني (رويترز)
TT

ماذا تبقَّى من «فاغنر»؟ ومَن سيدير نشاطها خارج البلاد؟

عَلم مجموعة «فاغنر» مع العَلم الروسي احتفالاً باليوم الوطني (رويترز)
عَلم مجموعة «فاغنر» مع العَلم الروسي احتفالاً باليوم الوطني (رويترز)

في حين تتكاثر الروايات حول أسباب تحطم طائرة زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين، فإن ما يشغل بال كثيرين هو عواقب هذا الحادث، وما الذي يمكن أن يغيّره في هيكلية ونشاط المجموعة الناشطة في بلدان عدة خصوصاً في القارة الأفريقية. كان لافتاً أن بريغوجين لقي مصرعه مباشرةً بعد عودته من رحلة غامضة إلى أحد بلدان القارة الذي لم يتم تحديده. ظهر الرجل في شريط فيديو حاملاً بندقية آلية، وحوله صحراء من كل الجهات لا يمكن تحديد معالم البلد من خلالها. وأعلن عزمه على مواصلة العمل في القارة من أجل «عزة روسيا» و«رفاهية وسعادة شعوب القارة».

بريغوجين وكل المجموعة التي رافقته في تلك الرحلة كان على موعد مع الموت بعد مرور ساعات قليلة على بث الشريط. بينما تتركز الأنظار حالياً على الخطوات الأولى التي يمكن أن تتخذها قيادة «فاغنر» أو مَن تبقى منها لإدارة المرحلة المقبلة.

الغموض يسيطر على حادث تحطم طائرة خاصة كانت تقل زعيم «فاغنر» (أ.ف.ب)... وفي الإطار صورة أرشيفية لبريغوجين

تقسيم «فاغنر» إلى جزأين أساسيين

بعد التمرد العسكري في 24 يونيو (حزيران) بدا الموقف تجاه ناشطي «فاغنر» غامضاً للغاية، وكان هذا ملحوظاً بشكل خاص في وسائل الإعلام الحكومية التي أطلقت حملات قوية على «المتمردين»، رغم العفو الذي أصدره الرئيس فلاديمير بوتين عنهم. ورغم أن الكرملين كشف لاحقاً عن أن بوتين استقبل قيادة المجموعة في الكرملين و«تفاهم» معهم على ترتيبات وأولويات المرحلة المقبلة.

ما اتضح من الخطوات الأولى، كان تقسيم مجموعة «فاغنر» إلى جزأين أساسيين، يضم أحدهما المجموعات التي قاتلت في أوكرانيا، والعناصر التي تنتشر في الصفوف الخلفية داخل الأراضي الروسية. هؤلاء تضمّن اتفاق إنهاء التمرد انتقال الجزء الأعظم منهم إلى بيلاروسيا حيث انتشروا في مناطق حدودية استعداداً لمواجهة الموقف في حال اندلع قتال مع بولندا ولاتفيا وفقاً لتصريحات الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو. وتدور أحاديث حالياً حول أن المجموعات التي انتشرت في بيلاروسيا قد تخضع لاحقاً لسلطة لوكاشينكو نفسه الذي أبدى اهتماماً كبيراً بالإفادة من قدرات «فاغنر».

بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرغي شويغو (أ.ب)

في أوكرانيا، على الرغم من الإعلان عن انصياع بعض المقاتلين لرغبة وزارة الدفاع عبر توقيع عقود تعاقد معها بهدف مواصلة القتال في هذا البلد، لم تُسمع منذ ذلك الحين أي معلومات تشير إلى أن مقاتلي «فاغنر» لعبوا أدواراً في المعارك الجارية في جنوب وشرق أوكرانيا.

الجزء الثاني، وهو الأكثر أهمية على صعيد تحركات روسيا الخارجية، اشتمل على نحو 14 ألف مقاتل مدرب ومسلح بشكل جيد، وهي المجموعة المنتشرة وفقاً لتقديرات منصات إعلامية قريبة من «فاغنر» في عدد من الدول الأفريقية. هؤلاء كما بدا من تحركات بريغوجين ومن تصريحات كثيرة صدرت عن مركز القرار الروسي، واصلوا الولاء لزعيمهم بريغوجين.

قوات «فاغنر» في أفريقيا (أ.ب)

بريغوجين نفسه لم يُخفِ ذلك، وأعلن في مناسبات نادرة ظهر فيها على العلن بعد التمرد أنه سيواصل إدارة مجموعته في القارة الأفريقية، بل إنه عقد أيضاً لقاءات على هامش القمة الروسية-الأفريقية التي انعقدت في سان بطرسبرغ الشهر الماضي. وبعد ذلك ظهر في شريط فيديو قال إنه يدعم سلطات الانقلاب في النيجر وأعلن عن استعداده لإرسال قواته إلى هذا البلد. هذه التحركات رافقها الكثير من الغموض على المستوى الرسمي، حيال شخص بريغوجين وحيال مستقبل نشاط المجموعة.

وفي حين أعلنت وزارة الخارجية أن «فاغنر» سوف تواصل أداء المهام الأمنية والعسكرية في بلدان أفريقية، لم يتطرق الكرملين أو أي مركز قرار روسي آخر، إلى فرضيات حول مستقبل قيادة بريغوجين هذه المجموعات.

حل التشكيلات شبه العسكرية

في الآونة الأخيرة، ترددت معطيات على وسائل الإعلام بأن موسكو تتجه لحل كل التشكيلات شبه العسكرية وإقرار قانون ينظّم عمل الشركات الأمنية الخاصة. لكنّ خبراء روسيين جادلوا في هذا الموضوع، على اعتبار أن حل «فاغنر» بقرار من الحكومة الروسية ليس ممكناً، كون المجموعة مسجلة كشركة خدمات أمنية في خارج البلاد ولا توجد سجلات لها في دوائر قانونية روسية.

رغم ذلك، برزت فرضيات عدة، تحوم بالدرجة الأولى حول احتمال إعادة بناء هيكلية هذه المجموعة الناشطة خارج الأراضي الروسية. في هذا الإطار يبدو احتمال فرض رقابة أو سيطرة عليها من جانب وزارة الدفاع مستبعداً للغاية، لعدة أسباب أولها أن مقاتلي «فاغنر» لا يَدينون بالولاء أصلاً للوزارة، ولديهم تعبئة منهجية ضد أركان الوزارة وأبرز شخصياتها.

لكن الأهم من ذلك، أن فرض سيطرة وزارة الدفاع على المجموعة سوف يعني تحميل موسكو مسؤولية علنية ومباشرة عن نشاط المجموعة في بلدان عدة وهو أمر سعت موسكو إلى تجنبه طوال السنوات الماضية.

المعسكر القريب من قرية تسيل في بيلاروسيا (إ.ب.أ)

الخيار الأفضل كما تشير تقديرات هو انتقال أفراد المجموعة إلى شركات أمنية أخرى. ونقلت مصادر استخبارات غربية أن بعض هذه الشركات يتنافس حالياً لضم مقاتلي «فاغنر» إلى صفوفه.

وهناك خيار يقوم على الإبقاء على هيكلية «فاغنر» كما هي مع تكليف شخصية من قيادييها يَدين بالولاء للكرملين بإدارة نشاطها خلال المرحلة المقبلة. في هذا الموضوع يشير بعض الخبراء إلى لقاء بوتين مع قيادة «فاغنر» بعد مرور أيام على التمرد العسكري. في ذلك اللقاء حضر نحو 30 شخصاً من أبرز القادة الميدانيين للمجموعة، ولا يمكن استبعاد أن الكرملين قرر بعد هذا الاجتماع مَن سيتولى إدارة «فاغنر» لاحقاً.

في كل الأحوال، ومهما كان مصير إدارة المجموعة في أفريقيا، فإن أوساطاً روسية تبدو واثقة أن مصيراً مختلفاً ينتظر مجموعات «فاغنر» التي ما زالت تنشط في سوريا. هنا لن ترغب وزارة الدفاع، وفقاً لخبراء، في التخلي عن سيطرة كاملة ومباشرة على نشاط المجموعة لأن ذلك قد يُسفر عن أضرار جدية على النشاط العسكري الروسي في هذا البلد. هذا قد يعني أن موسكو ستقوم بحملة تطهير واسعة داخل صفوف المجموعة في سوريا لإطاحة الشخصيات التي قد لا تدين بالولاء لوزارة الدفاع.

تركة بريغوجين

في إطار الحديث عن مصير «فاغنر» بعد رحيل بريغوجين، برز أيضاً حديث عن تركة الرجل، وكيف سيتم التعامل معها. ومع كل الانتقادات التي يوجهها البعض إلى بريغوجين كونه «لم ينجح في إدارة حساباته المتعلقة بالصراع مع وزارة الدفاع»، و«لم يفهم جيداً حجم دوره ومساحة ملعبه داخل خلافات النخب الروسية»، لكن الجميع في المقابل يقرّ بأن بريغوجين كان رجل أعمال ناجحاً للغاية.

كان بريغوجين يمتلك عشرات المطاعم، وقام على مدى سنوات طويلة بتزويد الجيش الروسي بالطعام والمستلزمات المتعلقة بالغذاء. كما أنه كسب عقوداً طويلة الأمد لإمداد المدارس والمعاهد التعليمية بالمنتجات الغذائية أيضاً.

ضباط شرطة روس أمام مقر «فاغنر» في سان بطرسبرغ (أ.ف.ب)

لكن هذا كان الشق المعلن فقط من نشاطه التجاري. والشيء الرئيسي هو أنه بمساعدة القوة العسكرية في بلدان تشتعل فيها حروب، دخل سوق الموارد الطبيعية بقوة. على الأقل توجد لائحة معلنة ببعض ممتلكاته التي يسيطر الغموض على مصيرها بعد رحيله وبينها شركة «يوروبوليس» لإنتاج المواد الهيدروكربونية في سوريا. تأسست في عام 2020. وسجلت الشركة إيرادات بقيمة 134 مليون دولار وأرباحاً بقيمة 90 مليون دولار؛ وبعد مرور عام، بلغت الإيرادات 400 ألف دولار فقط، لكن الميزانية العمومية للشركة بلغت 92 مليون دولار. وشركة «إم إنفست» المتخصصة في تعدين الذهب في السودان. وفي عام 2021 بلغت إيراداتها 2.6 مليون دولار. وهناك شركتان (لم يتم كشف تفاصيل عنهما) لكنهما متخصصتان في شحن المعدات الصناعية في السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى. والإيرادات في عام 2021 زادت على 6 ملايين دولار. فضلاً عن شركة «ميركوري» المتخصصة في قطاع النفط والغاز في سوريا. حتى عام 2021 حققت الشركة 67 مليون دولار.

عناصر من «فاغنر» بجانب دباباتهم في روستوف أون دون (أ.ب)

ومع اللائحة المعلنة هناك حديث عن شركات عدة بتسميات مختلفة متخصصة في استخراج ونقل الماس والذهب من بلدان أفريقية، وهذه الشركات لا توجد أي تفاصيل تؤكد حجم عائداتها السنوية، وفقاً لمصادر إعلامية روسية. ولدى بريغوجين أيضاً يخت بقيمة 6 ملايين دولار، وطائرة خاصة، وعشرات القصور والمنازل المنتشرة في مناطق عدة.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
TT

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)

نددت وزارة الخارجية ​البريطانية بإطلاق كوريا الشمالية لصواريخ باليستية مطلع الأسبوع، وحثت الدولة المنعزلة على ‌الانخراط في ‌دبلوماسية ​بناءة.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي يشرف على اختبار صواريخ باليستية مطورة (رويترز)

وقالت ‌وزارة ⁠الخارجية ​وشؤون الكومنولث ⁠والتنمية البريطانية في بيان صدر يوم الأحد «إطلاق الصواريخ الباليستية ⁠في 19 ‌أبريل ‌يمثل انتهاكا ​آخر ‌لقرارات مجلس ‌الأمن الدولي، مما يزعزع استقرار السلام والأمن الإقليميين».

وأفادت ‌وكالة الأنباء المركزية الكورية يوم ⁠الاثنين ⁠بأن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أشرف يوم الأحد على تجارب إطلاق صواريخ باليستية ​قصيرة ​المدى مطورة.


تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.