المسار الروماني البديل للسفن الأوكرانية في البحر الأسود

دلتا الدانوب تقدّم بديلاً خالياً من المخاطر نسبياً مقارنة مع أوديسا على البحر الأسود

صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)
صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

المسار الروماني البديل للسفن الأوكرانية في البحر الأسود

صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)
صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)

بعد مرور أكثر من أسبوعين وسط زحام مروري في البحر الأسود حيث تنتظر سفن الشحن دورها للدخول إلى دلتا نهر الدانوب لتحميل الحبوب الأوكرانية، وصل البحارة المصريون في النهاية إلى أرض صلبة نهاية الأسبوع الماضي، وجددوا مخزونهم المتناقص من المياه العذبة والأغذية.

لكن ابتهاجهم بامتلاك ما يكفي من الطعام والشراب اختلط بالانزعاج، إذ إنهم بعد وقفتهم القصيرة لتحميل المؤن في ميناء سولينا الروماني المطل على البحر الأسود، سوف يتوجهون إلى قناة سولينا، أحد فروع نهر الدانوب داخل أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ثم إلى امتداد من النهر حيث هاجمت روسيا في الأسابيع الأخيرة مرفأين نهريين أوكرانيين.

قال أحد أفراد الطاقم المصري، وهو من الإسكندرية، ولم يذكر سوى اسمه الأول، إسماعيل: «الوضع خطير للغاية هناك الآن، انفجارات في كل مكان».

عندما انسحبت روسيا من اتفاق الشهر الماضي لتوفير ممر آمن للسفن التي تحمل الحبوب في أوديسا وغيرها من الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، بدا أن دلتا الدانوب تقدّم بديلاً خالياً من المخاطر نسبياً، وإن كانت مزدحمة للغاية. لكن روسيا سعت منذ ذلك الوقت إلى نسف هذه الفكرة بقصف مرافق شحن الحبوب الأوكرانية هناك أيضاً. كما تأججت المخاوف بين البحارة يوم الأحد عندما أطلقت سفينة دورية روسية طلقات تحذيرية على سفينة شحن تبحر عبر البحر الأسود، وصعدت القوات الروسية مؤقتاً على متنها، ما يؤكد تهديد موسكو السابق بالتعامل مع أي سفن تحاول الوصول إلى أوكرانيا على أنها معادية.

كانت سفينة الشحن في طريقها إلى سولينا ثم إلى الدلتا في «إيزميل»، أحد ميناءين أوكرانيين على نهر الدانوب هاجمتهما روسيا منذ يوليو (تموز) الماضي. كما عملت أوكرانيا على تضخيم المخاوف بشأن التهديدات الموجهة إلى سفن الشحن بمهاجمة السفن الروسية في البحر الأسود.

سفينة تحمل حبوباً من أوكرانيا وراء سفينة شحن أخرى قرب إسطنبول في نوفمبر 2022 (رويترز)

لكن مع تزايد المخاطر في الممرات المائية في أوكرانيا وما حولها، حافظت قناة سولينا - وهي امتداد يبلغ 40 ميلاً من المياه يمتد من البحر الأسود إلى الموانئ الرومانية والأوكرانية والمولدوفية في دلتا نهر الدانوب - على تدفق الحبوب، لتصبح من الممرات الحيوية. وبفضل مظلة الحماية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي، فهي شريان حياة آمن حتى الآن بالنسبة لأوكرانيا.

كانت هذه القناة معروفة جيداً خارج دوائر الشحن البحري كنقطة جذب لمراقبي الطيور وغيرهم من محبي الطبيعة، لكنها صارت الآن تحظى باهتمام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كنقطة اختناق استراتيجية وحاسمة لتصدير الحبوب الأوكرانية.

بعد اجتماع عُقد يوم الجمعة بين مسؤولين أوروبيين وأميركيين في مدينة غالاتي الساحلية في رومانيا، قال جيمس أوبراين، منسق العقوبات في إدارة بايدن، إن حجم الحبوب الأوكرانية المصدّرة عبر نهر الدانوب «سوف يزيد على الضعف». لم يُحدد إطاراً زمنياً. غير أن المسؤولين ناقشوا إجراءات تهدف ليس فقط إلى إبقاء قناة سولينا مفتوحة، وإنما إلى توسيع دورها كذلك، بما في ذلك تركيب معدات ملاحية جديدة بحيث يمكن للسفن استخدامها على مدار الساعة، وليس فقط خلال ساعات النهار.

قال أوبراين إنه قبل الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا العام الماضي، كانت شحنات الدانوب تحمل 100 ألف طن من الحبوب الأوكرانية شهرياً. وفي الأشهر الـ 18 التي تلت ذلك، زاد هذا الرقم بمقدار عشرة أضعاف، ليصل إلى ما مجموعه أكثر من 20 مليون طن.

يشير المشهد الذي جرى مؤخراً على شاطئ قرب سولينا إلى أن الجهود الروسية الرامية إلى قطع طرق الشحن في دلتا نهر الدانوب - تماماً كما فعلت مع حركة المرور إلى موانئ البحر الأسود في أوكرانيا - قد فشلت في الوقت الراهن. بجانب المصطافين على الشاطئ، تنتظر مجموعة من السفن في البحر للحصول على فرصة لدخول قناة سولينا. وفي يوم الاثنين، كانت أكثر من 80 سفينة قيد الانتظار.

ولتسريع حركة المرور وتخفيف الازدحام، شرعت رومانيا في تجنيد مرشدين بحريين من الجيش يعرفون الطريق ومخاطرها لاستكمال قائمة المرشدين المدنيين الذين يرشدون السفن إلى وجهاتها من سولينا.

قالت ماجدة كوبتشينسكا، كبيرة مسؤولي النقل بالمفوضية الأوروبية، في غالاتي يوم الجمعة إنه يجري النظر أيضاً في إمكانية تصدير الحبوب الأوكرانية عبر الموانئ البولندية وموانئ بحر البلطيق والبحر الأدرياتيكي، ولكن «ثبت أن وصلة الدانوب هي الأكثر كفاءة».

صورة وزعها مركز الاتصالات الاستراتيجية على منصة «إكس» (تويتر سابقاً) لطائرة روسية خلال تفتيش سفينة شحن تركية في البحر الأسود يوم 14 أغسطس الحالي (رويترز)

مع ذلك، يقول سورين غرينديانو، وزير النقل الروماني، إنه لكي تعمل هذه الطريق بكامل طاقتها تحتاج أوكرانيا إلى تقليل اعتمادها على موانئها النهرية والبدء في شحن المزيد من الحبوب من الموانئ الرومانية على نهر الدانوب. واستشهد بميناءي غالاتي وبريلا، القريبين من الحدود الأوكرانية، ولكنهما محميان بعضوية رومانيا في حلف شمال الأطلسي. وقال الوزير غريندانو إن رومانيا «لا تحاول جني المال» من آلام أوكرانيا. لكن بعد أن استثمرت رومانيا بكثافة في البنية الأساسية لميناء الدانوب - أحد التغييرات هو خط سكة حديد في غالاتي يستخدم نفس المسارات واسعة النطاق مثل أوكرانيا - تشعر رومانيا بالحيرة لأن حركة المرور إلى موانئها عن طريق السفن التي تجمع الحبوب الأوكرانية كانت متواضعة للغاية. قال غريندانو في مقابلة في بوخارست: «لقد استثمرنا الكثير من المال في غالاتي. لكنهم لا يستخدمونها. ولا أعرف لماذا لا يستخدمونها».

لقد استثمرنا الكثير من المال في غالاتي. لكنهم لا يستخدمونها. ولا أعرف لماذا لا يستخدمونها

سورين غرينديانو، وزير النقل الروماني

جني محصول الشعير من حقل في منطقة قريبة من العاصمة الأوكرانية كييف يوم 10 أغسطس الحالي (أ.ب)

من جهته، قال وزير البنية التحتية الأوكراني، أوليكسندر كوبراكوف، في حديث أدلى به يوم الجمعة بعد اجتماعه مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين، إن الموانئ الرومانية يمكن أن تشهد «زيادة في كميات» الحبوب من بلاده في المستقبل، لكنه أضاف أن ذلك سيعتمد على المزيد من العمل لتحسين خطوط السكك الحديدية. والانتقال إلى الموانئ الرومانية يعني أن أوكرانيا سوف تخسر رسوم تحميل كبيرة وغير ذلك من العائدات.

مع ازدحام الدخول إلى قناة سولينا، سعت أوكرانيا إلى فتح طريق ثانية إلى الشمال عن طريق تجريف قناة بيستروي، وهو ممر مائي أوكراني متصل بفرع آخر من نهر الدانوب. لكن القناة المجروفة ضحلة للغاية وخطرة للغاية لأنها تمر عبر الأراضي الأوكرانية و«يمكن قصفها في أي لحظة»، على حد تعبير الوزير غريندانو. كما أن استخدامها، من وجهة نظر رومانيا، ينتهك أيضاً اتفاق عام 1948 بشأن إدارة المرور عبر الدلتا وحماية «الحقوق السيادية للدول المطلة على نهر الدانوب». أضاف غريندانو أن الموانئ النهرية الأوكرانية ليست عرضة للهجوم فحسب، وإنما لا تمتلك القدرة على تحميل كميات كبيرة من الحبوب.

كانت موانئ الأنهار في أوكرانيا تلعب بالفعل دوراً متزايد الأهمية حتى قبل أن تصبح مياه البحر الأسود القريبة من أوكرانيا بالغة الخطورة. وفي النصف الأول من العام الحالي، شُحن ما يقرب من 11 مليون طن من المنتجات الزراعية الأوكرانية، وهو ما يقرب من 11.5 مليون طن جرى التعامل معها عام 2022 بالكامل، الأمر الذي جذب الانتباه الروسي.

صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)

قال المؤرخ الروماني قسطنطين أرديليانو إن الجهود المبذولة لإبقاء دلتا الدانوب مفتوحة تعيد مُجريات الدراما التي ظهرت للمرة الأولى بين روسيا والغرب قبل نحو 200 سنة. عندما ضمت الإمبراطورية الروسية الدلتا عام 1829، وأنشأت محطة للحجر الصحي في سولينا، وأغضبت بريطانيا والدول الغربية الأخرى المتعطشة للحبوب المنتجة في الأراضي الزراعية الغنية في المنطقة، وذلك باستحداث الفحوصات الصحية لعرقلة حركة الشحن. انتهى التعطيل بهزيمة روسيا في حرب القرم عام 1856، والتي أرغمتها على التخلي عن السيطرة على الدلتا إلى ائتلاف من البلدان الأوروبية التي شرع مهندسوها بشق قناة سولينا وتقويمها.

تقول سورين نيكولا، المديرة البارزة في هيئة نهر الدانوب السفلى، وهي وكالة حكومية رومانية مسؤولة عن إدارة حركة المرور داخل قناة سولينا وخارجها «إن سولينا أشبه بالطريق السريعة». وعلى النقيض من مياه البحر الأسود على طول الساحل الأوكراني، كانت منطقة البحر قُبالة ساحل رومانيا بالقرب من سولينا آمنة حتى الآن. وتخرج معظم السفن التي تحمل الحبوب على طول نهر الدانوب من قناة سولينا وتسافر إلى «كونستانتا»، أكبر ميناء روماني على البحر الأسود، على بعد 85 ميلاً فقط من الساحل. في كونستانتا، تُنقل شحناتها إلى سفن أكبر، تخرج بعد ذلك من البحر الأسود عبر مضيق البوسفور، ثم تُبحر إلى موانئ بعيدة.

قالت وزارة الدفاع الرومانية في رد مكتوب على أسئلة إن كونستانتا «برزت كطريق رئيسية بديلة للحبوب منذ انسحاب موسكو من صفقة الحبوب في البحر الأسود». وأضافت الوزارة أنه بُغية الحفاظ على سلامتها، فإن قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع - التي يُطلق عليها اسم «عيون السماء» التابعة لحلف شمال الأطلسي، «تنتشر على مدار الساعة فوق رومانيا ومياهها الإقليمية في البحر الأسود» في الوقت الحالي. كما أن الشواطئ المزدحمة بالقرب من الميناء، لا تدل على الذعر في سولينا، حيث هز قصف روسيا جزيرة «سنيك» (جزيرة الثعبان) الأوكرانية، التي لا تبعد سوى 25 ميلاً، نوافذ المنازل في العام الماضي.

قالت إيوانا توميسكو، وهي مديرة متجر على رصيف الميناء يخدم السياح المهتمين بالحياة البرية والنباتية في الدلتا، إن «الناس اعتادوا هنا على الحرب كما اعتادوا على كورونا تماماً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تركيا: انطلاق تدريبات لـ«ناتو» على مكافحة الألغام بالبحر الأسود وبحر إيجه

العالم سفن تركية خلال مناورة «نصرت 2025» التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) التي أجريت العام الماضي (وزارة الدفاع التركية)

تركيا: انطلاق تدريبات لـ«ناتو» على مكافحة الألغام بالبحر الأسود وبحر إيجه

انطلقت في تركيا، الثلاثاء، مناورات «نصرت 2026» التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) للتدريب على مكافحة الألغام البحرية في بحر إيجه والبحر الأسود.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا صورة مركبة للرئيسين الروسي والأميركي (أ.ف.ب)

​ليتوانيا تطلق مساراً لنشر أسلحة نووية والكرملين يحذر من «تصعيد خطير»

ليتوانيا تطلق مساراً لنشر أسلحة نووية والكرملين يحذر من «تصعيد خطير» ولافروف يقول إن موسكو على علم بأن «الأطلسي» وضع خطة حرب.

رائد جبر ( موسكو )
أوروبا أشخاص يلجأون إلى ممر تحت الأرض للاحتماء خلال حالة تأهب جوي في كييف (أ.ف.ب) p-circle

بعد الهجمات الروسية الأخيرة... أوكرانيا تفرض تقنيناً للكهرباء في كييف

أمرت الشركة الوطنية المشغّلة لشبكات الكهرباء في أوكرانيا، بفرض تقنين دوري للتيار في كييف عقب الهجمات الروسية الأخيرة على البنية التحتية للطاقة في البلاد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا خلال تركيب شباك مضادة للمسيّرات على الجسر الشمالي في كييف يوم 6 أكتوبر 2026 وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

العاصمة الأوكرانية تبدأ تركيب شباك لحماية أحد جسورها الرئيسية من المسيّرات الروسية

بدأت كييف تركيب شباك مضادة للمسيّرات على الجسر الشمالي فوق نهر دنيبرو، بعد هجمات روسية استهدفت جسور العاصمة وتسببت بازدحام مروري كبير.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا عسكريون أوكرانيون يسيرون بجوار منصة إطلاق تابعة لنظام الدفاع الجوي «باتريوت» وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا (رويترز)

السويد سترسل منظومة «باتريوت» إلى بولندا لحماية مركز دعم لأوكرانيا

أعلنت السويد اليوم (الثلاثاء) أنها سترسل منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي إلى بولندا، لحماية قاعدة لوجستية مخصصة للدعم العسكري والمدني لأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)

بلغاريا تبحث عن طاقم سفينة أغرقتها مسيّرات في البحر الأسود

سفينة الشحن «إيبل» إحدى السفينتين اللتين تعرضتا لهجوم بطائرات مسيّرة في البحر الأسود قبالة سواحل بلغاريا (رويترز)
سفينة الشحن «إيبل» إحدى السفينتين اللتين تعرضتا لهجوم بطائرات مسيّرة في البحر الأسود قبالة سواحل بلغاريا (رويترز)
TT

بلغاريا تبحث عن طاقم سفينة أغرقتها مسيّرات في البحر الأسود

سفينة الشحن «إيبل» إحدى السفينتين اللتين تعرضتا لهجوم بطائرات مسيّرة في البحر الأسود قبالة سواحل بلغاريا (رويترز)
سفينة الشحن «إيبل» إحدى السفينتين اللتين تعرضتا لهجوم بطائرات مسيّرة في البحر الأسود قبالة سواحل بلغاريا (رويترز)

أطلقت السلطات البلغارية عملية بحث واسعة للعثور على أفراد طاقم سفينة تجارية فُقدوا بعدما غرقت اليوم الثلاثاء في البحر الأسود إثر ضربات بمسيّرات، في هجوم وصفه رئيس الوزراء رومين راديف بأنه «غير مقبول إطلاقاً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاء الهجوم غداة حادثة أخرى اشتعلت خلالها النيران في سفينة وغرقت قبالة السواحل الرومانية، ما أدّى إلى مقتل شخص وفقدان آخر.

وحسبما قال راديف خلال مؤتمر صحافي، تعرّضت سفينتان تجاريتان لهجوم الثلاثاء «قرابة الساعة الثالثة فجراً» بواسطة «مسيّرات بحرية وجوية»، على بعد 70 ميلاً بحرياً (130 كيلومتراً) شرق مدينة بيالا، في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا في البحر الأسود.

والسفينة التي غرقت هي «ألفا وطن» التي ترفع علم توغو، حسب الموقع الإلكتروني المتخصص «ماريتايم. بي جي».

أما السفينة الثانية، «إيبل» المسجّلة في بالاو، فاشتعلت فيها النيران، لكن أمكن إنقاذ أفراد طاقمها الـ18، وهم 11 تركياً وسبعة هنود. ونُقل اثنان منهم إلى المستشفى، أحدهما مصاب بحروق والآخر بإصابة في الرأس.

وتعود ملكية السفينتين إلى مالكي سفن أتراك، حسب قاعدة بيانات النقل البحري «إكواسيس».

وأضاف راديف أن سفينة بلغارية لنقل المركبات شهدت الانفجار وأسرعت إلى الموقع، حيث عثرت على أطواف نجاة مقلوبة وسترات إنقاذ قرب السفينة التي غرقت، لكن لم يُعثر على أي من أفراد طاقمها. ولم يحدّد عدد المفقودين.

وندّد بهذه الضربات، عادّاً أنها تشكّل «انتهاكاً صارخاً لقانون البحار، وبشكل عام، لقواعد الملاحة»، ومبدياً أسفه لتداعيات تصاعد الحرب بين أوكرانيا وروسيا.

وقال راديف إن «هجوماً كهذا في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا غير مقبول إطلاقاً»، في وقت يعاني النقل البحري في البحر الأسود خلال الأشهر الأخيرة من تداعيات كثيرة للحرب بين أوكرانيا وروسيا.

وبعد اجتماع طارئ لحكومته، قال رئيس الوزراء البلغاري لوسائل الإعلام إنه يتعذّر في الوقت الراهن تحديد الدولة التي جاءت منها المسيّرات بدقة.

سفينة الشحن «ألفا وطن» إحدى السفينتين اللتين تعرضتا لهجوم بطائرات مسيّرة في البحر الأسود قبالة سواحل بلغاريا (رويترز)

ازدياد الهجمات على السفن

ووصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بدورها الهجمات على الملاحة المدنية في البحر الأسود بأنها «غير مقبولة».

وقالت في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي إنه «رغم أن الملابسات الدقيقة لهذه الحوادث لم تتضح بعد»، فإن هذه الأحداث «مقلقة للغاية».

وأشار راديف إلى أن السفينة «إيبل» كانت تحمل القمح وتبحر جنوباً، في حين كانت «ألفا وطن» تبحر شمالاً، حسب المعلومات المتاحة.

وغرقت، يوم الاثنين، سفينة شحن تركية أخرى تحمل حبوباً، تسمى «روياد محمدوف»، في المنطقة الاقتصادية الخالصة لرومانيا، إثر هجوم بمسيّرات اتهمت أوكرانيا روسيا بتنفيذه.

وحسب المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية الأذربيجانية، الذي نقلت عنه وكالة أنباء «ريا نوفوستي»، قُتل قبطان السفينة روياد محمدوف، وهو أذربيجاني، ولا يزال أحد مواطنيه في عداد المفقودين.

وباتت الحوادث المرتبطة بالمسيّرات أكثر تواتراً خلال الأشهر الأخيرة في دول أوروبا الشرقية والبحر الأسود.

وتعرّضت 45 سفينة تجارية على الأقلّ لهجمات خلال الأشهر الـ12 الماضية في مناطق من البحر الأسود لم تكن مصنّفة سابقاً على أنها عالية المخاطر، حسبما أفادت شركة «أمبري» المتخصصة في المخاطر البحرية في سبتمبر (أيلول).

وأوضحت «أمبري» أنه لم تُسجّل أي ضربة في هذه المناطق خلال الأشهر الـ12 السابقة، مضيفة أن ازدياد عدد الهجمات مدفوع بضربات تُشن على مسافات أبعد قبالة سواحل روسيا وأوكرانيا.

وقالت غرفة التجارة البحرية التركية (إيمياك) في أغسطس (آب) إن 226 سفينة مدنية، بينها سفن تجارية، استُهدفت في البحر الأسود منذ بدء الحرب، غالبيتها العظمى خلال العام الحالي.

وتُعدّ حادثة الثلاثاء الأولى من نوعها في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا في البحر الأسود.

وفي أغسطس، انفجرت مسيّرة في شمال شرقي الأراضي البلغارية، قرب الحدود الرومانية وخط أنابيب للغاز.

ورجّحت صوفيا آنذاك أن تكون من طراز تستخدمه القوات الأوكرانية، فيما أكدت كييف من جهتها أن أيا من مسيّراتها لم يستهدف بلغاريا عمداً.


روبيو يؤكد أهمية آيسلندا لأمن أميركا والحلفاء

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك يوم 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك يوم 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

روبيو يؤكد أهمية آيسلندا لأمن أميركا والحلفاء

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك يوم 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك يوم 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

شدّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أهمية آيسلندا لأمن الولايات المتحدة والحلفاء، مع سعي واشنطن إلى تعزيز نفوذها في المنطقة القطبية الشمالية، وذلك خلال زيارته، الثلاثاء، عاصمة هذه الجزيرة الواقعة في شمال المحيط الأطلسي.

واستهل روبيو من ريكيافيك جولة أوروبية تأتي بعد توقيع واشنطن اتفاقاً أمنياً بخصوص جزيرة غرينلاند، أسهم في تهدئة التوترات مع الأوروبيين بشأن هذا الإقليم التابع للدنمارك، والواقع أيضاً قرب القطب الشمالي، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال وزير الخارجية الأميركي في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيرته الآيسلندية، إن آيسلندا سمحت للقوات الأميركية باستخدام أراضيها ومجالها الجوي ومياهها.

وأضاف: «لقد وفّرت لنا بذلك موقعاً متقدماً حيوياً لمراقبة الأنشطة السرية، وردع خصومنا عن دخول أراضيكم السيادية وأراضي حلفائنا المشتركين السيادية».

وزير الخارجية الأميركي برفقة وزيرة الخارجية الآيسلندية في ريكيافيك يوم 6 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وكان روبيو وصل الاثنين إلى آيسلندا، وأجرى في عاصمتها مباحثات مع رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير. كما زار مقر «هوفدي» حيث عقد الرئيسان الأميركي والسوفياتي رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف لقاء في أكتوبر (تشرين الأول) 1986 تخللته مصافحة تاريخية.

وأعاد روبيو تمثيل المشهد بمصافحة رئيسة الوزراء في الموقع ذاته.

وبحث وزير الخارجية الأميركي ملفات الطاقة الحرارية الأرضية ومراكز البيانات وصناعة الأدوية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أثار جدلاً مطلع سبتمبر (أيلول) بعدما نشر «خريطة» غطّى فيها العلم الأميركي كامل أميركا الشمالية والمكسيك ومنطقة الكاريبي وغرينلاند وآيسلندا. وردّت ريكيافيك على ذلك باستدعاء السفير الأميركي، وهي مسألة قال الجانبان إنهما ناقشاها خلال اللقاء.

وقالت وزيرة الخارجية الآيسلندية: «لقد عالجنا هذه القضية بالفعل بطريقة بنّاءة... وكنا في غاية الوضوح بشأنها، لأننا نتمتع بعلاقة جيدة جداً مع الولايات المتحدة، ونرغب في مواصلة تعزيزها».

وزير الخارجية الأميركي يتحدث مع وزيرة الخارجية الآيسلندية قبيل صعوده إلى الطائرة بآيسلندا يوم 6 أكتوبر 2026 (أ.ب)

«أكثر من أي وقت مضى»

وأشادت الوزيرة أيضاً بالاتفاق «الجيد» الذي أُبرم بين الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة، بعد أشهر من التوترات التي أعقبت تهديدات ترمب بفرض «السيطرة» على الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي، الأمر الذي زاد من توتر العلاقات عبر الأطلسي.

وبموجب الاتفاق، تعتزم واشنطن إنشاء قاعدتين عسكريتين جديدتين في غرينلاند، ما يجعل الإقليم يرسّخ موقعه في الفلك الأميركي بعد تهديدات ترمب.

ومع تسليط الأضواء مجدداً على منطقة القطب الشمالي التي لا تبعد سواحل غرينلاند الشرقية فيها سوى أقل من 300 كيلومتر عن آيسلندا، استعادت هذه الجزيرة أهمية استراتيجية بارزة.

وقال روبيو: «منذ عقود، تحتل آيسلندا موقعاً استراتيجياً أساسياً لأمننا الجماعي، وهذا يبقى قائماً اليوم، أكثر من أي وقت مضى».

وتعتمد آيسلندا التي لا تمتلك جيشاً منذ استقلالها عام 1944، إلى حدّ كبير على الولايات المتحدة لضمان أمنها، في إطار اتفاق دفاع ثنائي أُبرم عام 1951، وكذلك من خلال عضويتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتفقد عوامة سونار خلال جولة داخل طائرة «بي -8 بوسيدون» التابعة للبحرية الأميركية في قاعدة جوية بآيسلندا يوم 6 أكتوبر 2026 (رويترز)

ولا تملك واشنطن قاعدة دائمة في آيسلندا، لكنها تسعى إلى تعزيز سيطرتها على طرق الوصول إلى المنطقة القطبية الشمالية في ظل تنافس محموم في هذا المجال مع روسيا والصين. وزار روبيو قاعدة كيفلافيك، حيث التقى عناصر من البحرية الأميركية منتشرين فيها. وتعود آخر زيارة لوزير خارجية أميركي إلى آيسلندا إلى عام 2021.

كما تأتي زيارة روبيو بعد الاستفتاء الذي أُجري في أواخر أغسطس (آب)، وصوّت فيه الآيسلنديون بنسبة 52,8 في المائة ضد استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، المجمدة منذ 2013.

واختتم روبيو زيارته إلى آيسلندا متوجهاً إلى أثينا للمشاركة في «حوار استراتيجي» مع اليونان بشأن الأمن الإقليمي وأمن الطاقة، وفق وزارة الخارجية الأميركية. ومن المقرر أن يختتم جولته بزيارة قصيرة إلى لشبونة عاصمة البرتغال.


ماكرون يشدد على «مصداقية الردع النووي الفرنسي» ويوجه رسائل «لمن يعنيهم الأمر»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغادر الفرقاطة الفرنسية «نورماندي» الراسية في ميناء أوسلو (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغادر الفرقاطة الفرنسية «نورماندي» الراسية في ميناء أوسلو (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يشدد على «مصداقية الردع النووي الفرنسي» ويوجه رسائل «لمن يعنيهم الأمر»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغادر الفرقاطة الفرنسية «نورماندي» الراسية في ميناء أوسلو (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغادر الفرقاطة الفرنسية «نورماندي» الراسية في ميناء أوسلو (أ.ف.ب)

خطوة جديدة اجتازتها فرنسا لتطوير وتحسين ترسانتها النووية وقدراتها الردعية في زمن ما زالت الحرب تخيم فيه على أوروبا التي تتساءل عن كيفية حماية أمنها، وسط تهديدات الحرب الهجينة التي توجه أصابع الاتهام بشأنها إلى روسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

وفيما القارة القديمة التي يتشكل منها الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي تساورها الشكوك في مدى التزام الولايات المتحدة الأميركية بحماية أمنها، وإفادتها من مظلتها النووية، فإن ما قامت به فرنسا، صباح الثلاثاء، يندرج بالطبع في توفير أمن مستدام لفرنسا، ولكنه يذهب أبعد من ذلك ليشمل الأمن الأوروبي.

وسبق للرئيس ماكرون أن طرح مبادرة تقوم على انضمام الأوروبيين إلى ما سماه «الإطار المتقدم» للردع النووي الفرنسي. وبكلام أوضح، فإن ماكرون يقترح أن توضع القوة النووية الفرنسية في خدمة الأمن الأوروبي، ووفق الشروط التي تتمسك بها باريس.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه وزير الاقتصاد رولان ليسكور خلال قمة دول السبع عبر تقنية الفيديو المخصصة لأزمة الطاقة يوم 2 أكتوبر (إ.ب.أ)

فيديو ماكرون على متن فرقاطة

ظُهر الثلاثاء، وزع قصر الإليزيه مقطع فيديو صغيراً وتغريدة لماكرون على منصة «إكس». الفيديو يظهر الرئيس الفرنسي على متن الفرقاطة «أوفرني» متعددة المهام، وإلى جانبه عدد من الضباط وهم ينظرون إلى خروج الصاروخ الباليستي إم 51.1 من مياه المحيط الأطلسي قريباً من الشواطئ الفرنسية، ويرتفع في الأجواء، بعد أن أطلق من الغواصة النووية حاملة الصواريخ الباليستية «لو فيجيلان»؛ أي الحذر.

رئيس وزراء السويد أولف كريسترسون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يشهدان توقيع اتفاقيات لتزويد ستوكهولم بأربع فرقاطات حديثة (أ.ف.ب)

ثم يظهر مجدداً وهو يتحدث للضباط داخل الفرقاطة، وليؤكد أن تجربة الإطلاق نجحت وتشكل «برهاناً على مصداقية فرنسا». ووصف ما تحقق بأنه «مرحلة بالغة الأهمية» بحيث إن فرنسا «أصبحت أكثر قوة»، مضيفاً: «أعتقد أن الرسالة وصلت بشكل واضح لمن يعنيهم الأمر» في إشارة مبطنة إلى روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين. وفي تغريدته، كتب ماكرون أن «عدداً قليلاً جداً من الدول يمتلك مثل هذه الخبرة والقدرات التقنية»، مضيفاً أن نجاح تجربة الإطلاق «يمثل دليلاً جديداً على مصداقية قوة الردع النووي الفرنسية، التي نضمن استمراريتها».

وعرض ماكرون رؤيته لعالم اليوم، قائلاً: «لكي تكون حراً، يجب أن تكون مهاباً. ولكي تكون مهاباً، يجب أن تكون قوياً»، منوهاً ببرنامج تجديد قدرات فرنسا الدفاعية الذي أطلقه في عام 2017 وبمضاعفة الميزانية الدفاعية الفرنسية. كذلك نوه بـ«إطلاق، هذا العام، برنامج الصواريخ الاستراتيجية فرط الصوتية والقادرة على المناورة، التي ستجهّز مكوّننا الجوي للردع النووي»، فيما تعمل الصناعات الدفاعية الفرنسية على بناء الغواصات الاستراتيجية المستقبلية. وخلاصته (إن ردعنا النووي يحمينا اليوم)، وسيواصل حمايتنا».

زورق دورية يعود إلى الفرقاطة النرويجية «فريدتيوف نانسن» خلال تدريبات بحرية (رويترز)

قوة الردع النووية الفرنسية

ما حصل، وفق وزارة الدفاع، أن البحرية الفرنسية أجرت للمرة الأولى تجربة إطلاق «صاروخ إم51.1» وهو نسخة مطورة من الصاروخ «إم 51» من الغواصة النووية «لو فيجيلان» بعد عودتها للخدمة بعد مرحلة من التجديد والتحديث. وأهمية هذا الصاروخ العابر للقارات أنه مصمم ليحمل رأساً نووياً لم يكن مزوداً به في هذا الاختبار.

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» تعبر مضيق ملقا يوم 13 أغسطس 2026 (رويترز)

وأطلق الصاروخ من الغواصة التي كانت تبحر مقابل ساحل «بروتاني» «غرب فرنسا»، حيث تقع جزيرة «إيل لونغ» وقاعدة الغواصات النووية. وسقط الصاروخ، وفق الوزارة، في «شمال المحيط الأطلسي، على بُعد مئات الكيلومترات من أي سواحل».

بيد أن الوزارة لم تكشف عن المسافة التي قطعها الصاروخ. وجاء في بيان الوزارة أن عملية الإطلاق تمت «بما يتوافق مع التزامات فرنسا الدولية»، مضيفة أن هذه التجربة «تبرهن، مرة أخرى، على التميز الذي تتمتع به الحلول التكنولوجية المتقدمة التي تستخدمها الصناعة الفرنسية في مجال الردع النووي».

قاذفة من طراز «بي - 1» تقلع من قاعدة «فيرفورد» الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر (رويترز)

وتتكون قوة الردع الفرنسية من مكونين: بحري وجوي، وتمتلك فرنسا 290 رأساً نووياً. وأعلن الرئيس ماكرون، الربيع الماضي، أن بلاده ستعمل على رفع عددها. وتمثل الغواصات النووية قوة الردع الضاربة الرئيسية «بحر - أرض»، وتمتلك فرنسا منها أربع غواصات، فيما تنص العقيدة الدفاعية الفرنسية على أنه يتعين أن تكون هناك دوماً غواصة جاهزة للرد في حال الاعتداء على فرنسا.

وتحمل كل غواصة 16 صاروخاً من طراز «إم 51» أو «إم 51.1»، وأدخل الأخير إلى الخدمة العام الماضي. وكانت السلطات الفرنسية قد وصفت إنتاجه بأنه يعد «مرحلة رئيسية في تحديث المكوّن البحري للردع النووي الفرنسي». والمعروف أن كل صاروخ يمكن تجهيزه بستة رؤوس نووية. أما المكون الجوي فممثل بطائرات «رافال» بعيدة المدى التي يمكن تزويدها برؤوس نووية.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أرشيفية - أ.ب)

رسالة إلى روسيا والأوروبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تعطي باريس لتجربة الصاروخ الجديد هذا القدر الأهمية والدعاية، فضلًا عن أن تتم بحضور الرئيس الفرنسي. فعندما يقول إن «الرسالة وصلت لمن يعنيهم الأمر» فهو، بالتأكيد، يشير إلى روسيا التي أصبح، في الأعوام الأخيرة، أحد أشد المنددين بـ«عدوانيتها».

وأكثر من مرة، نبه من حدوث تحول في طبيعة «العدوان والتهديدات الروسية» الموجهة ضد الدول الأوروبية، عقب سلسلة من الهجمات «الهجينة» التي حملت موسكو مسؤوليتها. كذلك، تعهد في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، بأن هذه الأعمال «لن تمر من دون رد».

كما اقترح الرئيس الفرنسي هذا العام أن ينضم الشركاء الأوروبيون إلى الإطار «المتقدم» للردع النووي الفرنسي، باعتبار فرنسا الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك أسلحة نووية، وخصوصاً باعتبار أن «الضمانة النووية» الأميركية لم تعد متوفرة وبشكل آلي لأعضاء الحلف الأطلسي من الأوروبيين، وبالتالي يتعين على هؤلاء أن يعتمدوا على أنفسهم أي، عملياً، على فرنسا الدولة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي.

الغواصة النووية الأميركية من طراز فيرجينيا «يو إس إس مينيسوتا» بعد رسوها في غرب أستراليا (أرشيفية - رويترز)

منذ أن تمكنت فرنسا من السلاح النووي، بداية عام 1964، شدد قادتها على أن الهدف منه «الدفاع عن المصالح الحيوية» للبلاد. بيد أن أياً من رؤسائها، منذ الجنرال ديغول، لم يحدد بالضبط المصالح المذكورة عملاً بمبدأ «الغموض الاستراتيجي».

لكن بالتوازي، وشيئاً فشيئاً، درج الرؤساء الفرنسيون على الحديث عن «البعد الأوروبي» للمصالح الحيوية، إلى أن جاء الرئيس ماكرون الذي اقترح على الأوروبيين، ربيع هذا العام، الانضمام إلى منظومة الردع النووي «المتقدمة»، ما يعني بلورة عقيدة نووية جديدة.

لكن ماكرون وضع مقترحه كـ«مكمل» للحلف الأطلسي، وليس بديلاً عنه، والغرض من ذلك عدم استعداء واشنطن. وشيئاً فشيئاً، تجاوب الأوروبيون وعلى رأسهم ألمانيا. وتضم اللائحة بولندا، هولندا، بلجيكا، اليونان، السويد، الدنمارك، النرويج، وآخر من انضم فنلندا.

صورة غير مؤرخة من القيادة المركزية الأميركية لغواصة أميركية من طراز أوهايو تعمل بالطاقة النووية (أ.ف.ب)

وتريد باريس أن تشاركها بريطانيا، الدولة الأوروبية النووية الثانية في هذه «الهندسة النووية»، رغم أن لبريطانيا وضعاً نووياً خاصاً مختلفاً عن فرنسا لجهة علاقتها المميزة عسكرياً ونووياً مع واشنطن.

ويتضمن «الإطار المتقدم» تمارين مشتركة وحواراً استراتيجياً وتنسيقاً في مجال التسلح التقليدي، ونشر طائرات فرنسية مزودة بقدرات نووية على أراضي دول أوروبية... بيد أن النقطة الحاسمة أن باريس تريد الاحتفاظ لوحدها بقدرة الضغط على الزر النووي، ولا ترضى تقاسمه مع أي كان. ولذا، فإن المبادرة ما زالت في بداياتها، ولا أحد يعرف إلى أي حد يمكن أن تصل، خصوصاً إذا تبدلت المقاربة الأميركية مع وصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض.