موجة حرارة قياسية تجتاح العالم من أوروبا إلى أميركا والصين

نتائجها ستنعكس على الزراعة والاقتصاد والبنى التحتية

TT

موجة حرارة قياسية تجتاح العالم من أوروبا إلى أميركا والصين

درجة الحرارة العالية تؤثر كثير من مناحي الحياة (أ.ف.ب)
درجة الحرارة العالية تؤثر كثير من مناحي الحياة (أ.ف.ب)

تحولت أجزاء كبيرة من أوروبا وأميركا إلى مناطق مشتعلة بسبب الحر، مع عودة فصل الصيف وموجات الحرارة غير المسبوقة.

ومع تفاقم أزمة التغير المناخي، وتحذيرات الخبراء من أن موجات الحر ستصبح أمراً اعتيادياً في أوروبا والولايات المتحدة، وأنها ستزداد ضراوة، أصدرت عدة دول أوروبية وولايات أميركية إنذارات إلى السكان، محذرة من موجات الحر الشديد في الأيام المقبلة. وحذرت دراسة جديدة واسعة النطاق، من أن المملكة المتحدة وسويسرا ستكونان الأكثر تضرراً على مستوى العالم من الزيادة النسبية في «الأيام الحارة المزعجة».

وفي الولايات المتحدة، تتوقع وكالات حكومية أن ترتفع درجات الحرارة في ولايات تكساس وأريزونا ونيفادا وكاليفورنيا إلى درجات خطيرة، فيما تواجه دول أوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا واليونان، موجات حر شديد يتوقع أن تصل معها درجات الحرارة في بعض الأماكن إلى 48 درجة مئوية.

أرقام حرارة قياسية

وأعلنت وكالة الفضاء الأوروبية أن جزيرتي صقلية وسردينيا في إيطاليا قد تسجلان أعلى درجات حرارة تسجل بأوروبا في الأيام المقبلة.

وفي اليومين المقبلين، يتوقع خبراء في الأرصاد الجوية، بوكالة كاليفورنيا الأميركية، أن تعادل الحرارة أو حتى تتجاوز أعلى درجة حرارة للجو تم قياسها بشكل موثوق على الأرض على الإطلاق، في صحراء وادي الموت (ديث فالي). وقد حددت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية المستوى القياسي العالمي المطلق عند 56.7 درجات مئوية.

وتمتد موجات الحر كذلك إلى مناطق شمال أفريقيا حيث أصدر المغرب، مثلاً، إنذاراً أحمر في عدة أقاليم تشهد موجات حر خطيرة. ووصلت موجات الحر هذا العام إلى الصين، حيث أعلنت إحدى كبرى شركات الكهرباء تسجيل مستوى قياسي في توليد الكهرباء اليومي، الاثنين الماضي، بسبب زيادة الطلب المرتبط بارتفاع درجات الحرارة.

ومع عودة موجات الحر هذا الصيف، يتوقع أن تزداد كذلك أعداد الوفيات المرتبطة بارتفاع الحرارة.

مخاطر وفيات وحرائق

في الصيف الماضي، سجلت أوروبا، التي تشهد أسرع ارتفاع في درجات الحرارة، نحو 60 ألف وفاة مرتبطة بالحر الشديد. وفي العقدين الماضيين، ارتفعت درجة الحرارة في أوروبا بنسبة نصف درجة مئوية لكل عقد، بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. والآن، يتوقع الخبراء أن تستمر درجات الحرارة في العالم بالارتفاع بمعدل درجتين مئويتين بحلول عام 2050. لكن الخبراء يحذرون من أن الارتفاع في درجات الحرارة التي ستشهدها أوروبا سيكون أعلى من ذلك.

حريق مشتعل على أحد التلال في بلدة بجنوب لبنان في وقت مبكر الجمعة (أ.ف.ب)

ويقول آلان كيندي - آسر، أستاذ العلوم الجغرافية في جامعة بريستول البريطانية، إن التوقعات بارتفاع حرارة الأرض بدرجتين هو معدل عام يشمل كذلك المحيطات التي ترتفع حرارتها بشكل أبطأ من البر. ويضيف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا يعني أن درجات الحرارة في البر سترتفع بشكل أكبر وتصل إلى 3 درجات أو أكثر في أوروبا.

وتأخذ هذه التقديرات بالاعتبار الخطط العالمية الموجودة حالياً لمواجهة التغير المناخي، وتقدر ارتفاع درجات حرارة الأرض انطلاقاً من أن الخطط ستطبق بشكل كامل، وأنه سيتم تحقيق هدف الوصول إلى صفر انبعاثات بحلول عام 2050.

أطفال يلهون في حديقة عامة في بخارست هربا من جحيم الحر (أ.ب)

وحتى الآن، تسبب ارتفاع نصف درجة مئوية في العقد بتغيرات مناخية كبيرة في أوروبا. فموجات الحر الشديد في الصيف بدول جنوب أوروبا، الباردة عادة، باتت اعتيادية وتزداد حدة كل عام. وحرائق الغابات يبدو أنها تتمدد أيضاً سنوياً لتشمل مناطق جديدة. فما الذي تنتظره أوروبا حقاً في السنوات المقبلة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة؟

خطر محدق بالمسنين

يقول الخبراء إن تأثيرات ارتفاع درجات الحرارة ستظهر على البشر والحجر. وبحسب معهد دراسات الاستدامة المتقدمة في مدينة بوتسدام الألمانية، فإن أعداد الوفيات المرتبطة بارتفاع الحرارة سترتفع في السنوات المقبلة. وتقول الباحثة في المعهد، إيريكا فون شنايديمسر، إن ارتفاع درجات الحرارة والتلوث الذي تتسبب به زيادة كمية غاز الأوزون في الهواء، سيؤديان إلى ارتفاع أعداد الوفيات بشكل مبكر، وستزداد الأمراض المرتبطة بوظائف الرئة والأمراض التنفسية. وتضيف فون شنايديمسر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة الأوزون في الهواء، الناتجة عن ارتفاع درجة الحرارة، ستؤدي بدورها إلى عدم قدرة كثير من الأشخاص على العمل أو تأدية وظائفهم، وسيؤثر ذلك بشكل كبير على المسنين.

إيطالي يستريح عند نافورة في ساحة ديل بوبولو خلال موجة حارة عبر إيطاليا الجمعة (رويترز)

وترى الباحثة أن هذا ستكون له آثار مباشرة على الأنظمة الصحية في أوروبا بسبب زيادة الضغط على المستشفيات.

تراجع في الاقتصاد والمحاصيل الزراعية

وتطال تأثيرات التغيرات المناخية المحاصيل الزراعية كذلك. وتتوقع الباحثة فون شنايديمسر، بحسب دراسة قادتها ونشرت قبل عامين، انخفاض نسبة إنتاج القمح في أوروبا بنسبة 10 في المائة بحلول عام 2025 مقارنة بعام 2000، وانخفاض كمية حصاد الذرة بنسبة 40 في المائة في الفترة نفسها.

وأبعد من التأثيرات على الكائنات الحية، يحذر خبراء من تأثيرات أخرى ستكون لها عواقب اقتصادية كبيرة على الدول الأوروبية. ويقدر الباحث في معهد بوتسدام لبحوث تأثير المناخ، حازم كريشان، الخسائر الاقتصادية التي ستترتب على الدول الأوروبية بالتريليونات. ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن إيطاليا هي الدولة الأكثر عرضة للخطر في أوروبا، بحسب اختبار الإجهاد المناخي على الاقتصادات الأوروبية الرئيسية، فيما تواجه ألمانيا الخطر الأقل. ويقدر كريشان الخسائر الناجمة بشكل أساسي عن حرائق الغابات وشح المياه والفيضانات، إضافة إلى تكلفة الانتقال للطاقة الخضراء، على أكبر 5 اقتصادات في أوروبا (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا)، بأكثر من 30 تريليون يورو بين عامي 2020 و2025. ويقول إن إيطاليا وحدها ستواجه خسائر بنسبة 14 في المائة من ناتجها الإجمالي حتى عام 2025. ويشير كريشان إلى أن هذه الخسائر مقدرة على أساس الالتزام بتطبيق الخطط المناخية الموجودة حالياً.

حقل من أشجار الفستق يعاني من الجفاف في إسبانيا (أ.ف.ب)

ويتحدث الخبير في التغير المناخي كذلك، عن ازدياد مخاطر خسارة كثير من الممتلكات لقيمتها في دول غير مجهزة للحر الشديد، مثل ألمانيا. ويعطي أمثلة عن المنازل التي تقع في مناطق فيضانات أو في الغابات، وتعاني من خسائر لقيمتها بسبب المخاطر المزدادة عليها مقابل ارتفاع تأمينها بسبب المخاوف من تعرضها للخراب.

عجز البنى التحتية في مواجهة الحر

وتزداد المخاوف فعلاً بشأن مدى قدرة الدول الأوروبية، الجنوبية خاصة، على التعامل مع موجات الحر الشديد، خصوصاً أن بنيتها التحتية غير مؤهلة لذلك.

ورغم أن دول جنوب أوروبا، مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان، قد تواجه فاتورة عالية بسبب التغير المناخي، فهي معتادة على التعامل مع الحر الشديد، وبنيتها التحتية مؤهلة أكثر للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة المرتقبة. في المقابل، تواجه دول شمال أوروبا تحديات غير مسبوقة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة فيها.

ويعطي كيندي - آشر، الأستاذ في جامعة بريستول، مثلاً على ذلك ما شهدته بريطانيا الصيف الماضي من ذوبان أسفلت مدرجين في مطار لوتن في لندن، بعد أن وصلت درجة الحرارة في منتصف يوليو (تموز) الماضي، إلى 39 درجة مئوية. ويتحدث كيندي - آشر، كذلك، عن امتداد تأثير ارتفاع الحرارة إلى تأخير سير القطارات وإمدادات الكهرباء بسبب تعرض بعض المحطات للحرارة المرتفعة. ويشير كيندي - آسر إلى هندسة المنازل كذلك، خصوصاً القديمة منها المبنية في القرن التاسع عشر، التي شيدت لكي تحفظ الحرارة بسبب برودة الطقس. وتسبب ارتفاع درجات الحرارة في السنوات الماضية، بتشققات في هذه الأبنية القديمة التي تستخدم طيناً يتمدد مع مياه الأمطار، لكنه ينحسر في الجفاف ومع ارتفاع درجات الحرارة.

ويشدد الأستاذ في جامعة بريستول على ضرورة أن «تتعلم» الدول الأوروبية الواقعة في جنوب القارة، من الدول الشمالية كيفية التأقلم مع الحر الشديد واتخاذ خطوات تسهم في تخفيض الاضطرابات الناجمة عن الحر.

ارتفاع الحرارة يكشف عيوب المباني

ويرى ليزلي مابون، المحاضر في الأنظمة المناخية في الجامعة المفتوحة (أوبن يونيفرسيتي) في إنجلترا، أن المشاكل المتعلقة بارتفاع الحرارة ستزداد في الدول غير المهيأة لها. ويعطي مثالاً على ذلك الأبنية المشيدة في بريطانيا من دون شرفات ومن دون الهندسة التي تسمح بالتهوية. ويدعو إلى ضرورة الاستعداد ببناء منازل قادرة على تحمل الحر، ومهندسة لتبقى باردة. ويشير إلى أن أوروبا ستعاني من أزمات تتعلق بالهندسة المدنية، ليس فقط للمنازل، ولكن أيضاً للطرقات والبنى التحتية بشكل أوسع. ويتحدث عن ضرورة أن تبدأ الحكومات بالتخطيط أكثر لكي تتمكن من مواجهة التغير المناخي المزداد، من خلال خطط مشتركة مع قطاع البناء والهندسة المدنية، وتدريب الكفاءات اللازمة في هذه المجالات، وخلق الوظائف المطلوبة.

خطر ارتفاع مستوى المياه

وعلى الطرف الآخر من الكرة الأرضية، ما زالت تتقلص كميات الكتل الجليدية في القطب الجنوبي، ما يزيد من مخاطر ارتفاع مياه المحيطات بسبب ذوبانها والتسبب بفيضانات كارثية. وبحسب خبراء، فإن الكتل الجليدية الطافية في القطب الجنوبي وصلت إلى أدنى مستوياتها الشهر الماضي، مقارنة مع الحقبة ما قبل الصناعية.

عملية لتنظيف الأعشاب البحرية التي تتكاثر بسبب نقص المياه في منطقة كاستيلا لامانشا بإسبانيا (أ.ف.ب)

ومع استمرار ارتفاع درجة حرارة الأرض، ستستمر الكتل الجليدية في الذوبان بوتيرة متسارعة. ولا يستطيع خبراء البيئة تحديد كمية الجليد التي ستذوب في غرينلاند وغرب القارة القطبية الجنوبية وتنتهي مياهها في المحيطات، ولكن ذوبان كامل الصفائح الجليدية في العالم سيؤدي إلى رفع مستوى البحر بمعدل 70 متراً، ما يعني أن المدن الساحلية سيتم طمرها وأن مساحة البر ستتقلص بشكل كبير.

ومع ذلك، ورغم التوقعات بأن تستمر الطبقة الجليدية بالذوبان، يستبعد خبراء ذوبان كامل جبال الجليد، ويستندون إلى أنها عايشت فترات حر في الماضي من دون أن تتعرض للذوبان الكامل.


مقالات ذات صلة

موجة صقيع تضرب أوروبا... وتعُطّل حركة السفر ​

أوروبا أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج 5 يناير 2026 (رويترز)

موجة صقيع تضرب أوروبا... وتعُطّل حركة السفر ​

اجتاح الطقس المتجمد مساحات شاسعة من أوروبا الثلاثاء وتسببت الثلوج في إلغاء مئات الرحلات الجوية بهولندا ووفاة ​خمسة أشخاص بحوادث طرق في فرنسا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
شمال افريقيا مغربيان يحتميان من الأمطار الغزيرة التي ضربت مدينة فاس المغربية لأيام متواصلة (رويترز)

بعد وفاة شخصين... طوارئ بقوات الدفاع المدني وتوقيف الدراسة في مدن مغربية

لقي شخصان حتفهما وأُصيب 4 آخرون في انهيار منزل من 3 طوابق بالعاصمة المغربية الرباط، وفق السلطات المغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
صحتك فصل الشتاء قد يرتبط بتقلّبات المزاج (جامعة ولاية أوكلاهوما)

أطعمة تبدد كآبة الشتاء

مع بداية فصل الشتاء، قد يشعر كثير من الناس بالخمول وتقلّبات المزاج، ويعود ذلك جزئياً إلى قِصر ساعات النهار وقلة التعرّض لأشعة الشمس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يقفون بجوار بركة من مياه الأمطار وسط ملاجئ مؤقتة في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة في ظل ظروف شتوية باردة تشهدها المنطقة في 29 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وفاة 25 فلسطينياً في غزة جراء سوء الأحوال الجوية منذ بداية ديسمبر

قال تلفزيون «فلسطين»، الاثنين، إن 25 مواطناً في قطاع غزة لقوا حتفهم جراء سوء الأحوال الجوية منذ بداية ديسمبر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ عاصفة شتوية قوية تهدد مناطق من الغرب الأوسط العلوي الأميركي (إ.ب.أ)

أميركا: عاصفة شتوية تجلب عواصف ثلجية ورياحاً شديدة البرودة

تسببت عاصفة شتوية قوية في تهديد مناطق من الغرب الأوسط العلوي الأميركي بظروف جوية تشبه العواصف الثلجية.

«الشرق الأوسط» (ميشيغان)

مقتل شخصين وإصابة آخرين في ضربات روسية على كييف

رجال إطفاء في موقع تعرض لغارة روسية بطائرة مسيرة في كييف (رويترز)
رجال إطفاء في موقع تعرض لغارة روسية بطائرة مسيرة في كييف (رويترز)
TT

مقتل شخصين وإصابة آخرين في ضربات روسية على كييف

رجال إطفاء في موقع تعرض لغارة روسية بطائرة مسيرة في كييف (رويترز)
رجال إطفاء في موقع تعرض لغارة روسية بطائرة مسيرة في كييف (رويترز)

أسفرت ضربات روسية على كييف، ليل الخميس-الجمعة، عن مقتل شخصين وإصابة خمسة آخرين، وفق ما أعلن رئيس بلدية العاصمة الأوكرانية فيتالي كليتشكو.

أناس يحتمون في المترو أثناء الهجوم الروسي على كييف (رويترز)

وأفاد كليتشكو على «تلغرام» عن «مقتل شخصين في العاصمة وإصابة خمسة آخرين». وأعلن سلاح الجو حالة التأهب القصوى في كل أنحاء البلاد تحسبا لهجوم صاروخي روسي، مشيراً إلى أن هذه الصواريخ كانت متجهة تحديدا نحو العاصمة.

دخان يتصاعد من مبنى سكني في كييف بعد غارة روسية (رويترز)

من جهته، صرح رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية ميكولا كالاتشنيك، بأن «العدو يشن هجوماً مكثفاً على كييف باستخدام مسيّرات متفجرة».

وفي الغرب، كانت لفيف هدفاً لـ«ضربة صاروخية» خلال الليل، وفق ما قال رئيس إدارة المدينة ماكسيم كوزيتسكي دون الإبلاغ عن أي إصابات.

وبحسب رئيس بلدية المدينة أندري سادوفي، تضررت «بنية تحتية حيوية» لم يحددها.


ماكرون ينتقد تخلّي الولايات المتحدة عن حلفائها... ويرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
TT

ماكرون ينتقد تخلّي الولايات المتحدة عن حلفائها... ويرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)

قاتمة الصورة التي رسمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ظهر الخميس، في الكلمة التي ألقاها أمام سفراء بلاده عبر العالم، بمناسبة مؤتمرهم الثلاثين الذي حلّ في قصر الإليزيه. قاعة الأعياد التي تقع في الطابق الأرضي للقصر الرئاسي كانت ممتلئة تماماً بالوزراء وبعدد من النواب، وخصوصاً بسفراء فرنسا الذين يشكّلون، وفق وزارة الخارجية، ثاني أكبر شبكة دبلوماسية في العالم بعد الولايات المتحدة.

وبعكس ما درج عليه منذ وصوله إلى الرئاسة ربيع عام 2017، امتنع ماكرون عن تناول أزمات العالم، واحدة بعد الأخرى، مُفضّلاً التطرّق لما يعتبره التحديات الكبرى التي تواجهها بلاده ومعها الاتحاد الأوروبي في عالم «خطير ومتحول»، إلا أن ماكرون لم يبخل في توجيه الثّناء للعمل الذي يقوم به ممثلو فرنسا في الخارج، وفي التعبير عن ارتياحه للدور الذي تلعبه على المسرح الدولي، متوقفاً عند النجاحات التي حققتها، وبشكل خاص عند النتائج التي أفرزتها قمة «تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا التي استضافها الإليزيه، وعند المبادرات الكثيرة التي أطلقتها أو دعمتها، إن كان في إطار الاتحاد الأوروبي - كالدفع باتجاه استراتيجية دفاعية واستقلالية استراتيجية - أو الأمم المتحدة - كالاعتراف بدولة فلسطين - أو بشأن البيئة ومصير المحيطات وتمويل الدول الفقيرة، وخصوصاً الأفريقية.

صورة جماعية للقادة وممثلي الدول الأعضاء في «تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا الذي التأم في باريس الثلاثاء الماضي (رويترز)

ثمة هاجس يسيطر على الرئيس الفرنسي وعلى الكثيرين من قادة العالم غرباً وشرقاً، اسمه دونالد ترمب، والسياسات التي يمارسها، والأطماع التي لا يخفيها. من هنا، أهمية الانتقادات التي وجّهها الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة، من غير أن يسمي نظيره الأميركي بالاسم. والخوف الأكبر الذي يسكن ماكرون عنوانه تهميش أوروبا، وفرنسا في قلبها، وتفكّك الحلف الأطلسي، ونسف المنظمات الدولية، وتقاسم النفوذ في العالم بين قطبين هما الولايات المتحدة والصين، وعودة الأطماع الإمبريالية إلى الواجهة، أكانت روسية (في أوكرانيا)، أم أميركية (في فنزويلا وغرينلاند)، أم صينية (في تايوان).

هل ما زالت واشنطن حليفاً؟

بيد أن سهام ماكرون الأكثر شحذاً وجّهها الرئيس الفرنسي للحليف الأميركي. وما ذكره يشكّل مضبطة اتهام بحق واشنطن والرئيس ترمب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

فالولايات المتحدة، في نظره، قوة «تنصرف تدريجياً عن بعض حلفائها، وتتحرر من القواعد الدولية التي كانت تروّج لها حتى وقت قريب». كذلك، فإن إدارة ترمب تمارس سياسة يصح توصيفها بـ«العدوانية الاستعمارية الجديدة»، ملمّحاً إلى ما قامت به في فنزويلا، وما تنوي تنفيذه في الدنمارك. ولا ينسى ماكرون التنديد بتخلّي واشنطن عن المنظمات الدولية، وعن «التعددية الفعّالة» في إدارة شؤون العالم، وتفضيلها أنانية المصالح الخاصة. وفي رأي ماكرون، فإن «أداء المؤسسات متعددة الأطراف يتراجع بشكل مطّرد؛ إذ نحن نعيش في عالم قوى عظمى لها رغبة حقيقية في تقاسم العالم في ما بينها»، مستهدفاً بكلامه الولايات المتحدة بالطبع، ولكن أيضاً الصين وروسيا.

في خطاب له في بودابست في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024، بمناسبة قمة «المجموعة السياسية الأوروبية»، قال ماكرون ما حرفيته أن «العالم يتكون من فئتين: أكلة اللحوم من جهة، وأكلة الأعشاب من جهة أخرى. وإذا كان قرارنا البقاء كأكلة الأعشاب، فسوف يلتهمنا أكلة اللحوم؛ لذا فمن الأفضل لنا أن نكون (في الوقت عينه) من أكلة الأعشاب وأكلة اللحوم». ويبدو أن ماكرون ما زال عند هذا الرأي، بقوله الخميس: «نحن نرفض الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، لكننا في المقابل نرفض أيضاً التبعية والانهزامية».

عالم مهزوز

تُبيّن رؤية ماكرون «عالماً يختل نظامه» بسبب امتناع قوى رئيسية فاعلة عن احترام الأسس التي ينهض عليها البناء الدولي القويم. فمقابل الولايات المتحدة التي تحرر رئيسها من قيود القوانين الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول، هناك روسيا التي تشكّل «قوة لزعزعة الاستقرار»، وهناك الصين التي يشكو من سياستَيها الاقتصادية والتجارية. ولخّص الوضع بالتالي: «لدينا (إضافة لروسيا) مشكلة مزدوجة: العدوانية الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية»؛ لذا فإن «وجود الأمرين معاً يعد مشكلة كبيرة».

ماكرون متوسّطاً ستارمر وزيلينسكي في قصر الإليزيه يوم 6 يناير (إ.ب.أ)

للخروج من هذه الصورة المعتمة، ولأنه يرفض الانهزامية والوقوف موقف المتفرج أمام عالم يتداعى؛ فإن الرئيس الفرنسي يقترح مجموعة من الخطوات الضرورية على ثلاثة مستويات: الوطني الفرنسي، والأوروبي، والدولي. ففي ما خصّ المستوى الأول، يؤكد ماكرون أن «الموقف الوحيد المقبول في عالم يفقد القواعد، ويغلب عليه قانون الأقوى، هو أن نؤمن بأننا أقوياء، وأن نحافظ على وحدتنا، وأن نعمل على زيادة مناعتنا، وأن نوسّع دائرة تأثيرنا».

ويضيف الرئيس الفرنسي: «لسنا هنا للنحيب والبكاء على مصير العالم، بل لنعمل ونتحرك»، مُذكّراً بأن فرنسا تتمتع بـ«الاستقلالية الاستراتيجية»، ومُلمّحاً إلى قدراتها النووية، وأنها نجحت في التأثير على الأجندة الأوروبية. وفي نظره، يتعين العمل بشكل «براغماتي»، والدفاع عن المصالح الفرنسية، وتوسيع دائرة التأثير الفرنسي، ورفض التبعية مهما تكن ولأي جهة كانت. وخلاصته أن «ما نجحنا في تحقيقه لفرنسا وفي أوروبا يسير في الاتجاه الصحيح»، لجهة الدفع باتجاه تعزيز القدرات الدفاعية الفرنسية والأوروبية، بما فيها البرامج الصناعية الدفاعية، و«تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية» في مواجهة الولايات المتحدة والصين، سواء في المجال التجاري أو الأمني.

وأكثر من مرة، أراد ماكرون أن يبرز معالم القوة لفرنسا والاتحاد الأوروبي، مذكّراً بأنه يتشكّل من 450 مليون مواطن ومستهلك، وأنه قوة اقتصادية وتجارية قائمة وساعية لتكون قوة استراتيجية.

طموحات ماكرونية

أعرب الرئيس الفرنسي عن طموحاته للاستفادة من ترؤس بلاده «مجموعة السبع» بدءاً من أول يناير (كانون الثاني)، مؤكداً رغبته في جعله محطّة لمكافحة «الاختلالات العالمية» بطريقة «تعاونية»، ولا سيما مع الصين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

وحذّر من أن «مجموعة السبع» يجب ألا تتحول إطلاقاً إلى «نادٍ مناهض لدول (بريكس)»، وهو تكتل آخر يضم «الدول الصاعدة الكبرى» مثل البرازيل وروسيا والهند والصين. ولخّص ما سبق بالقول: «ما تمكنّا من تحقيقه لفرنسا وأوروبا يسير في الاتجاه الصحيح: مزيد من الاستقلال الاستراتيجي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين». لكن الحقيقة لا تبدو زهرية لهذا الحد، وقد اتّضحت حاجة أوروبا للدور الأميركي عسكرياً واستراتيجياً في أوكرانيا، فضلاً عن ضعفها في وجه الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، والعقوبات التي يهدد بها الأوروبيين في حال أعاقوا عمل الشركات الأميركية الكبرى في المجالات التكنولوجية المتقدمة.

ويسعى ماكرون إلى إصلاح نظام «التعددية الفعّالة» التي يرفضها ترمب تماماً، كما يرفض المنظمات الدولية التي خرج من العديد منها كـ«اليونيسكو» ومنظمة الصحة الدولية، ومن الاتفاقيات الخاصة بالمناخ كاتفاقية باريس لعام 2015. كذلك يريد ماكرون إصلاح عمل الأمم المتحدة والحوكمة العالمية.

إنها، من غير شك، طموحات مشروعة، لكن هل هي قابلة أن تتحول إلى واقع؟ السؤال مطروح، وعلامات الاستفهام عديدة إذا التفتنا إلى أوضاع فرنسا على المستويين السياسي والاقتصادي، وأن البلاد ما زالت متشظية سياسياً، ومنهكة اقتصادياً، ومتوترة اجتماعياً.


موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وخلفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وخلفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)
TT

موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وخلفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وخلفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)

وصفت موسكو، الخميس، كييف والعواصم الأوروبية الداعمة لها بـ«محور الحرب»، مؤكدة عدم قبولها بالاتفاق بين هذه الدول على نشر قوة حفظ سلام أوروبية في أوكرانيا.

وهددت بأنها ستتعامل بشكل حازم عند ظهور أي قوات تابعة لبلدان حلف شمال الأطلسي على الأراضي الأوكرانية.

ونددت وزارة الخارجية الروسية بإعلان «تحالف الراغبين» عن نيته نشر قوات فصل بعد إبرام اتفاقية سلام في أوكرانيا. وقالت إن الخطوة سوف تشكل «تدخلاً عسكرياً أجنبياً يهدد الأمن الروسي»، متوعدة بالتعامل مع الوحدات أو المنشآت الغربية المنويّ نشرها كـ«أهداف قتالية مشروعة».

صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)

وحذرت الناطقة باسم الخارجية، ماريا زاخاروفا، من عواقب القرارات التي تم اتخاذها خلال اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس. وقالت إن التكتل (يضم عشرات البلدان التي تدعم أوكرانيا) يعمل على تأجيج الصراع، بدلاً من السعي إلى معالجة الأسباب الجذرية له، والتعامل مع الأمر الواقع القائم ميدانياً.

وحذرت الدبلوماسية الروسية من أن القرار المتعلق بـ«نشر وحدات عسكرية ومنشآت ومستودعات وغيرها من البنى التحتية التابعة للدول الغربية على الأراضي الأوكرانية يعد تدخلاً عسكرياً أجنبياً مباشراً، يُشكل تهديداً لأمن روسيا ودول أوروبية أخرى». وقالت إن بلادها سوف «تتعامل مع جميع هذه الوحدات والمنشآت كأهداف قتالية مشروعة».

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

وكان رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، قد أعلن، الثلاثاء، أن «تحالف الراغبين» قد اعتمد إعلاناً بشأن نشر القوات فور تحقيق السلام. وأكد أنه في حال وقف إطلاق النار، ستقوم بريطانيا وفرنسا بإنشاء قواعد عسكرية في جميع أنحاء البلاد، وبناء مستودعات للمعدات للقوات المسلحة الأوكرانية.

وشددت زاخاروفا على أن هذه الوثيقة تهدف إلى «زيادة عسكرة أوكرانيا، وتصعيد القتال وتوسيع نطاقه». وشددت على موقف موسكو المعلن بأنه «لا يمكن حل النزاع إلا بعد معالجة أسبابه الجذرية، وعودة الدولة المجاورة إلى وضع عدم الانحياز، والاعتراف بالواقع الإقليمي الجديد». وأضافت الناطقة الروسية أن تلك الأهداف «سوف يتم تحقيقها كاملة؛ إما عبر الدبلوماسية وإما من خلال العمليات العسكرية».

وكانت موسكو أكدت التزامها بدعم المسار السياسي الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها أبدت تحفظات كثيرة على خطة السلام المقترحة، ونددت بما وصفته «تعديلات أوروبية وأوكرانية عليها هدفت إلى تقويض فرص السلام».

ورفضت موسكو خلال جولات الحوار مع الجانب الأميركي أي إشارات إلى دور محتمل لأوروبا في نشر قوات فصل بعد إنجاز اتفاقية سلام مع أوكرانيا. ونددت بمطالب الأوروبيين المتعلقة بالضمانات الأمنية لأوكرانيا في المستقبل.

رغم ذلك أفادت تقارير بعد جولات مفاوضات أميركية - أوكرانية في برلين الشهر الماضي، بأن الدول الغربية وافقت على تقديم ضمانات أمنية لكييف مماثلة للمادة 5 من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو).

من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)

ولم يتم التطرق إلى أي تفاصيل محددة عن القوة وخطة عملها. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه لم يتلقَّ بعد إجابة «قاطعة» بشأن الإجراءات التي ستُتّخذ في حال شنّت روسيا هجوماً جديداً. وأكدت أوكرانيا أن أصعب مسألتين في أي اتفاق محتمل لإنهاء الصراع، وهما السيطرة على منطقة دونباس الشرقية ومستقبل محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا، لا تزالان من دون حل.

وأعلن زيلينسكي، الخميس، عبر منصة «إكس» أن «الوثيقة الثنائية المتعلقة بالضمانات الأمنية لأوكرانيا باتت جاهزة عملياً لوضع اللمسات الأخيرة عليها على أعلى مستوى مع رئيس الولايات المتحدة».

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

وفي أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أجرى ترمب محادثات مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا. وأعلن بعدها بأن الجانبين توصلا إلى تفاهم بشأن 95 في المائة من القضايا.

وأبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعمه لحزمة عقوبات مشددة تهدف إلى شل الاقتصاد الروسي، في وقت تواصل فيه إدارته التفاوض للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ضد أوكرانيا.

وقال ليندسي غراهام، السيناتور الجمهوري عن ولاية ساوث كارولاينا، إنه التقى ترمب في البيت الأبيض، الأربعاء، حيث أعطى الرئيس «الضوء الأخضر» لمشروع قانون العقوبات على روسيا الذي يجري العمل عليه منذ أشهر. كما أكد مسؤول في البيت الأبيض لوكالة «أسوشييتد برس»، الأربعاء، أن الرئيس يدعم بالفعل تشريع العقوبات. ويتيح مشروع القانون، الذي صاغه بشكل رئيسي غراهام والسيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال عن ولاية كونيتيكت، للإدارة الأميركية فرض رسوم جمركية وعقوبات ثانوية على الدول التي تشتري النفط والغاز واليورانيوم الروسي وغيرها من الصادرات، في خطوة تهدف إلى قطع مصادر تمويل جزء كبير من العمليات العسكرية الروسية.

صورة في البيت الأبيض تضم الرئيسين دونالد ترمب وزيلينسكي وقادة أوروبيين 18 أغسطس 2025 بمناسبة محادثات حول أوكرانيا (رويترز)

وكان البيت الأبيض أصر في السابق على إدخال بعض التعديلات، ومنح ترمب قدراً من المرونة في حزمة العقوبات، إلا أن المسؤول لم يوضح، الأربعاء، ما إذا كان قد تم التوصل إلى أي تغييرات في هذا الشأن.

وقال ​المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الخميس، إن على أوروبا أن ترفع ‌ثمن الحرب ‌في ‌أوكرانيا ⁠لإجبار ​روسيا ‌على قبول وقف إطلاق النار.

وأضاف ميرتس بعد محادثات في مؤتمر حزبي: «⁠لا يزال ‌وقف إطلاق النار غير مطروح على جدول الأعمال، وهذا واضح تماماً؛ لأن روسيا ​لا تريده». وتابع: «لذلك سيتعين علينا الاستمرار في ⁠رفع ثمن هذه الحرب، ويجب أن تدرك روسيا أنه لا جدوى من استمرارها».

وميدانياً، ذكرت وكالات أنباء روسية، الخميس، نقلاً عن وزارة الدفاع، أن ‌القوات الروسية ‌نفذت ضربات ‌على ⁠منشآت ​للطاقة ‌وبنية تحتية لموانٍ يستخدمها الجيش الأوكراني. وأضافت الوكالات أن القوات الروسية سيطرت ⁠على قرية ‌براتسكي في منطقة دنيبروبيتروفسك الأوكرانية. وقالت أوكرانيا إن الضربات ⁠الروسية أغرقت منطقتين في جنوب شرقي البلاد في ظلام شبه تام خلال الليل.

ملف أوكرانيا يثير خلافات أميركية - أوروبية (أ.ب)

وذكرت وزارة الطاقة الأوكرانية، الخميس، أن منطقتي دنيبروبيتروفسك وزابوريجيا انقطعت عنهما الكهرباء بشكل شبه كامل، حيث لا يزال نحو 800 ألف شخص دون كهرباء في منطقة دنيبروبيتروفسك، صباح الخميس. وقالت الوزارة إن أعمال الإصلاح جارية لإعادة ربط المناطق بشبكة الكهرباء لتوفير الإنارة والتدفئة. ووفقاً للسلطات، فقد تمت إعادة التيار الكهربائي والتدفئة في منطقة زابوريجيا. ووصف الحاكم إيفان فيدوروف ما حدث بأنه أول انقطاع كامل للكهرباء يشمل المنطقة بأكملها منذ سنوات.

وكتب زيلينسكي، في منشور على منصة «إكس»: «لا ⁠يوجد أي مبرر ‌عسكري على الإطلاق لمثل هذه الضربات على قطاع الطاقة والبنية التحتية التي تترك الناس دون كهرباء ​وتدفئة في فصل الشتاء». وأضاف زيلينسكي ⁠أن العملية الدبلوماسية الجارية لإنهاء الحرب يجب ألا تؤثر على توريد أنظمة الدفاع الجوي والمعدات إلى أوكرانيا.

وذكر إشعار صادر عن شركة «لويدز ليست إنتليجنس» ومصدر منفصل في قطاع الأمن البحري، ​الخميس، أن ناقلة نفط كانت في طريقها إلى روسيا تعرضت لهجوم بمسيرات في البحر الأسود، الأربعاء، مما دفع الناقلة إلى طلب المساعدة من خفر السواحل التركي وتحويل مسارها.

وقالت شركة «لويدز ليست إنتليجنس» المتخصصة في بيانات الملاحة البحرية، إن السفينة إلبوس «تعرضت ‌لهجوم بزورق صغير مسير وطائرة ‌مسيرة»، ⁠استهدف ​غرفة ‌المحركات. وأضافت أن الواقعة لم تسفر عن الإبلاغ عن وقوع أي إصابات بين أفراد الطاقم البالغ عددهم 25 فرداً، ولا عن أي تلوث. ووصف المصدر الأمني استناداً إلى تقييم مبدئي الهجوم بأنه هجوم بمسيرات، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

على صعيد آخر، وصفت الخارجية الروسية احتجاز ناقلة النفط «مارينر»، الأربعاء، من قبل الجيش الأميركي بأنه انتهاك خطير للقانون البحري الدولي.

وجاء في بيان نشرته الوزارة على موقعها الإلكتروني أنه «لا يمكن تفسير صعود أفراد الجيش الأميركي إلى سفينة سلمية في أعالي البحار، واحتجازها فعلياً، وأسر طاقمها، إلا على أنه انتهاك صارخ للمبادئ والقواعد الأساسية للقانون البحري الدولي، فضلاً عن حرية الملاحة. وهذا يُعدّ تعدياً جسيماً على الحقوق والمصالح المشروعة لمالك السفينة».

وأكدت الوزارة أن الولايات المتحدة «تلقت مراراً وتكراراً معلومات تفيد بأن الناقلة روسية الأصل، وأنها مدنية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته على مدخل القصر الرئاسي (رويترز)

وطالبت السلطات الأميركية بضمان معاملة المواطنين الروس على متنها معاملة كريمة، وعدم عرقلة عودتهم إلى وطنهم. كما دعت إلى العودة إلى مبادئ الملاحة البحرية، والوقف الفوري للأعمال غير القانونية ضد «مارينر». وحذرت من أن «استعداد واشنطن لإثارة أزمات دولية حادة، بما في ذلك ما يتعلق بالعلاقات الروسية - الأميركية، المتوترة أصلاً بسبب الخلافات خلال السنوات القليلة الماضية، أمر مؤسف ومثير للقلق».

وفي السياق ذاته، لفتت زاخاروفا إلى أن «حادثة ناقلة النفط (مارينر) قد تؤدي إلى تصعيد إضافي للتوترات العسكرية والسياسية في منطقة أوروبا الأطلسية».

ورأت أن الخطوة الأميركية باحتجاز الناقلة قد تفتح على تدابير مماثلة من جانب بلدان أخرى، وزادت: «قد تستلهم دول أخرى من النموذج الأميركي مع (مارينيرا)، بريطانيا على وجه الخصوص المشحونة بأفكار خبيثة».

ماكرون مع كوستا (أ.ب)

وقالت زاخاروفا إن تهديدات الولايات المتحدة بمقاضاة طاقم ناقلة النفط غير مقبولة على الإطلاق. وزادت أن بلادها قدمت احتجاجاً رسمياً للولايات المتحدة في هذا الشأن.

وفي وقت سابق، ذكرت وزارة النقل الروسية، في بيان، أن «قوات البحرية الأميركية صعدت، الأربعاء، نحو الساعة الثالثة مساء بتوقيت موسكو، على متن السفينة في عرض البحر خارج المياه الإقليمية لأي دولة، وانقطع الاتصال بها»، مشيرة إلى أنه وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، تسري حرية الملاحة في البحار، ولا يحق لأي دولة استخدام القوة ضد السفن المسجلة رسمياً في المياه الإقليمية لدول أخرى. وأشارت وزارة الخارجية الروسية إلى أن «مارينر» كانت تعمل في المياه الدولية لشمال المحيط الأطلسي وفقاً للقانون البحري. كما لفتت الانتباه إلى «المراقبة الدقيقة غير المبررة التي خضعت لها السفينة من قبل أفراد عسكريين أميركيين وعسكريين من حلف شمال الأطلسي».

في المقابل، أشارت معطيات غربية إلى أن السفينة احتُجزت لانتهاكها عقوبات أميركية مفروضة. وفي تعليقه على الحادث، صرّح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأن الحصار المفروض على النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات لا يزال سارياً في جميع أنحاء العالم. ووفقاً للمتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، قد يواجه طاقم الناقلة اتهامات جنائية.