على الرغم من عدم إخفاء النخب السياسية الروسية ارتياحها لما وصف بـ«خيبة الأمل الكبيرة» التي حصل عليها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد رفض مطالبه بتحديد جدول زمني لانضمام بلاده إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، لكن نتائج اجتماعات قمة الحلف التي انعقدت في العاصمة الليتوانية فيلنيوس أثارت قلقاً في روسيا بسبب ظهور تماسك الحلف في مواقفه حيال موسكو، رغم التباينات على عضوية أوكرانيا، وكذلك بسبب الضمانات الأمنية التي أعلنت مجموعة السبع تقديمها لكييف، والتي وصفها الكرملين بأنها «تطور خطير للغاية وستكون له عواقب سلبية».
وسخر سياسيون روس من فشل زيلينسكي في حمل القمة على الاستجابة لمطالبه. وقال نائب رئيس مجلس الفيدرالية (الشيوخ) قسطنطين كوساتشوف إن قمة «الناتو» وضعت أوكرانيا «في حجمها الطبيعي كتابع للحلف وليس شريكاً». وزاد أن زيلينسكي اضطر للتراجع عن مواقف سابقة لحضور القمة رغم عدم تلبية مطالبه. أما الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا فنعتت وزير الخارجية الأوكراني ديمتري كوليبا بـ«الغباء»؛ لأنه طالب بتحديد الشروط التي ينبغي على كييف تحقيقها لقبول طلب عضويتها في الحلف. وقالت الدبلوماسية الروسية إن القيادة الأوكرانية «لم تتعلم قواعد اللعب مع الغرب، وتطالب بغباء بتوضيح شروط اللعبة».

في المقابل، بدا الكرملين أكثر تحفظاً على نتائج القمة، ورأى أن الضمانات التي أعلن الغرب عن تقديمها لأوكرانيا تشكل تطوراً «خطيراً للغاية»، وفقاً للناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف، الذي حذّر من أن التطور يشكل «خطوة خاطئة جداً وستكون لها عواقب سلبية». وقال بيسكوف للصحافيين إنه «من خلال تقديم أي ضمانات أمنية لأوكرانيا، تتجاهل هذه الدول في الواقع المبدأ الدولي الخاص بعدم قابلية الأمن للتجزئة. أي أنها من خلال توفير ضمانات أمنية لأوكرانيا، تتعدى على أمن الاتحاد الروسي». وتابع أن هذا محفوف بـ«عواقب سلبية للغاية» في أي أفق تخطيطي. وأكد الكرملين، في هذا الإطار، أنه «يراقب الوضع عن كثب، ويذكّر بأن توجه نظام كييف بالتحديد نحو الانضمام إلى حلف (الناتو) هو الذي أصبح أحد أسباب بدء العملية العسكرية».
ووصف بيسكوف «الناتو» بأنه «حلف هجومي، ولم يتم إعلانه وتشكيله لضمان الاستقرار والأمن الدوليين، بل لإثارة الاضطراب والعدوان».

وأضاف أن الحلف يرى في التعاون بين موسكو وبكين تهديداً له. وتابع: «مثل هذه المواقف ينم عن جهل في جوهر العلاقات الروسية الصينية. علاقاتنا ليست موجهة بأي شكل من الأشكال ولم تكن موجهة أبداً ضد دول ثالثة أو أي أحلاف، على الرغم من حقيقة أننا نتحدث عن تحالفات عدوانية بطبيعتها».
ونقلت وسائل إعلام حكومية روسية عن مصادر غربية أن وثيقة قمة حلف «الناتو» تنص على تخصيص معدات عسكرية لكييف، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوسيع برامج التدريب للقوات المسلحة لأوكرانيا، فضلاً عن تطوير المنشآت الصناعية.
في غضون ذلك، رأت أوساط برلمانية روسية أن الضمانات الغربية المقدمة لأوكرانيا لن تنجح في تهدئة الموقف ووضع مقدمات لتسوية سياسية للنزاع المتفاقم. وقال ميخائيل شيريميت، العضو في مجلس النواب (الدوما) عن منطقة القرم، لوكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية، إن «إعلان وضع الحياد الكامل، وإطاحة نظام كييف الحالي، ونزع السلاح من البلاد، هي الضمانات الحقيقية لأمن أوكرانيا».

على صعيد موازٍ، جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تأكيد موقف بلاده في مواجهة التحركات الغربية، وقال في مقابلة مع صحيفة إندونيسية نشرت الأربعاء، إن «الصراع الأوكراني لن ينتهي حتى يتخلى الغرب عن هوسه بإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا». وأوضح لافروف: «لماذا لا تتوقف المواجهة في أوكرانيا؟ الإجابة بسيطة للغاية... ستستمر إلى أن يتخلى الغرب عن خططه للحفاظ على هيمنته وهوسه بإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا بأيدي الدمى التي يحركها في كييف».
وأضاف الوزير الروسي أنه لا يرى «حتى الآن، مؤشرات على التغيير في هذا الموقف، ونرى كيف يواصل الأميركيون وأتباعهم ضخ الأسلحة بشكل واسع إلى أوكرانيا، ودفع نظام كييف لمواصلة الهجوم».
وأكد أن «تجاهل الغرب للمبادرات المقدمة من طرف العديد من الدول يعتبر مؤشراً أيضاً، بما في ذلك مقترحات الرئيس الإندونيسي، جوكو ويدودو، الذي تحدث أثناء زيارته لموسكو، عن الحاجة إلى وقف إطلاق النار، فضلاً عن ضمان المساعدة الإنسانية والأمن الغذائي، كما أعرب عن استعداده لتكون بلاده بمثابة وسيط بين روسيا وأوكرانيا. وتحدث وزير الدفاع الإندونيسي برابوو سوبيانتو، عن موضوع تسوية الأزمة الأوكرانية، لكن كلماته في كييف اصطدمت على الفور بعدم القبول وقولهم، إنه ليس هناك حاجة إلى وسطاء حالياً».
وشدد لافروف على أن «ما يسمى بصيغة السلام التي طرحها زيلينسكي، التي يحاولون الآن فرضها كنوع من الوصفة الوحيدة الممكنة للتسوية، هي أيضاً أحد أعراض الموقف العدواني من جانب كييف وحلفائها».

