ماكرون يؤكد حاجة أفريقيا إلى «الاستثمارات لا المساعدات»

مشاركة واسعة في «قمة نيروبي»… وفرنسا تقر بـ«انتهاء» حقبة نفوذها بالقارة السمراء

الرئيس الكيني يستقبل نظيره الفرنسي لدى وصوله إلى نيروبي للمشاركة في قمة «أفريقيا إلى الأمام» (أ.ف.ب)
الرئيس الكيني يستقبل نظيره الفرنسي لدى وصوله إلى نيروبي للمشاركة في قمة «أفريقيا إلى الأمام» (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يؤكد حاجة أفريقيا إلى «الاستثمارات لا المساعدات»

الرئيس الكيني يستقبل نظيره الفرنسي لدى وصوله إلى نيروبي للمشاركة في قمة «أفريقيا إلى الأمام» (أ.ف.ب)
الرئيس الكيني يستقبل نظيره الفرنسي لدى وصوله إلى نيروبي للمشاركة في قمة «أفريقيا إلى الأمام» (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، في اليوم الأول من القمة الفرنسية - الأفريقية في نيروبي إلى توجيه الجهود نحو «الاستثمار» بدلاً من المساعدات العامة التي لم تعد أوروبا أصلاً قادرة على تقديمها لأفريقيا بسخاء كما كان في السابق. وتُقام هذه القمة التي تحمل عنوان «أفريقيا إلى الأمام» للمرة الأولى في بلد ناطق بالإنجليزية، هو كينيا، وبدأت أعمالها الاثنين.

وقال ماكرون في جامعة نيروبي: «في العادة، كان هذا النوع من القمم يبدأ باجتماع بين المسؤولين الفرنسيين والأفارقة»، وكان المسؤولون الفرنسيون يقولون فيه للأفارقة: «إليكم ما هو جيد، سنساعدكم». وشدّد نقلاً عن الرئيس الكيني ويليام روتو على أن «هذا لم يعد إطلاقاً ما تحتاج إليه أفريقيا ولا ما تريد أن تسمعه». وأضاف: «نحن أيضاً لم نعد نملك كامل الإمكانات»، وذلك في إشارة إلى تراجع المساعدات العامة للتنمية في فرنسا كما في سائر الدول الغربية التي تواجه أزمات في ماليتها العامة. ولاحظ الرئيس الفرنسي أن «أفريقيا تحقق النجاح»، و«هي تحتاج إلى استثمارات كي تصبح أكثر سيادة».

«دفاع عن النظام الدولي»

وبدوره، أشار الرئيس الكيني ويليام روتو إلى أن هناك حاجة إلى استثمارات في قطاع التعليم والبنى التحتية، تهدف خصوصاً إلى مواكبة الثورة التكنولوجية في مجال الذكاء الاصطناعي. وفي مقابلة نشرتها، الاثنين، مجلتا «جون أفريك» و«ذي أفريكا ريبورت»، ذكّر ماكرون بأنه بادر إلى «إدانة الاستعمار بقوة» منذ 2017، سنة وصوله إلى السلطة. ورداً على الانتقادات للقوى الاستعمارية السابقة، رأى الرئيس الفرنسي أن «المفارقة هي أن الأوروبيين ليسوا مفترسي هذا القرن». وأشار إلى أن «أوروبا تدافع عن النظام الدولي، وعن تعددية الأطراف، وعن سيادة القانون، وعن تجارة حرة ومفتوحة»، في حين أن الولايات المتحدة والصين «تتصرفان بمنطق المواجهة التجارية» من دون احترام القواعد.

ووصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاثنين، إلى نيروبي للمشاركة في القمة، وسبقه عدد من القادة والمسؤولين بينهم رئيس الحكومة التونسية. وقال وزير الخارجية الكيني، موساليا مودافادي، الاثنين، إن القادة الأفارقة سيستغلون القمة لإعادة النظر في كيفية تقييم المخاطر في القارة، وفتح الطريق أمام تدفقات الاستثمار إلى القطاعات الرئيسية. وأشار مودافادي حسبما أوردت «رويترز» إلى حضور مؤسسات إقراض عالمية وإقليمية في قمة هذا الأسبوع، بما في ذلك البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، والبنك الأفريقي للتنمية، ما يسهم في وضع آليات تمويل أفضل لدعم أفريقيا بما يتيح خلق فرص عمل في القارة الأفريقية.

وتركّز القمّة على الاقتصاد والاستثمار مع حضور وفد كبير من مديري الشركات الفرنسية، من أمثال رودولف سعادة من «سي إم إيه - سي جي إم» حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

مركبات تمر أمام لوحة إعلانية تحمل صورة الرئيسين الكيني والفرنسي للترويج للقمة بنيروبي (أ.ف.ب)

وتعدّ فرنسا رابع أكبر مستثمر في أفريقيا، حيث تجاوز حجم تجارتها مع القارة 65 مليار يورو في عام 2024، كما تضاعف عدد فروع الشركات الفرنسية في القارة خلال 15 عاماً، مما أسهم في خلق 500 ألف وظيفة مباشرة، فيما بلغ إجمالي الاستثمارات الفرنسية في أفريقيا 52 مليار يورو بنهاية عام 2024، حسب تقرير حديث لـ«الخارجية» الفرنسية.

وأكد ماكرون في مؤتمر صحافي مع روتو أن حقبة مجال نفوذ بلاده في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية «انتهت»، مبرراً بذلك اختياره كينيا الناطقة بالإنجليزية لعقد القمة الفرنسية - الأفريقية الرئيسية الوحيدة خلال فترة رئاسته، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأحد. وأضاف: «أود أن أوضح أن دول غرب أفريقيا ستكون حاضرة» رغم هذه الغيابات، مشيراً إلى قادة السنغال وكوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديموقراطية. وذكر أنه يتوقع حضور 35 رئيس دولة وحكومة أفريقية.

وأدت انقلابات في ثلاث دول ساحلية هي مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين عامي 2020 و2023 إلى انحسار دور باريس فيها وانسحاب الجيش منها، ويغيب قادة هذه الدول الثلاث عن قمة نيروبي.

«أداة تقارب»

ورأى الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد تورشين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القمة قد تكون أداة تقارب بين فرنسا وأفريقيا بدل النفوذ سواء العسكري والسياسي، حيث أقرت باريس بأن هذا الأمر قد انتهى. وأضاف أن «كثيراً من الدول الأفريقية، بما في ذلك الفرنكفونية أو الناطقة بالفرنسية، لا تعادي الجانب الفرنسي بل تنظر لفرنسا بأنها هي شكل من أشكال الفرص التي يمكن أن تشكل لها قدراً من الاستقرار الاقتصادي، والاستفادة من الخبرات والإمكانات الفرنسية في إطار نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يكون بعيداً كل البعد عن الهيمنة».

ويشير تورشين إلى أن فرنسا ستكون داعماً لهذه المقاربة الاقتصادية، ويمكن أن تحقق كثيراً من المكاسب الاقتصادية في قادم الأيام، وكذلك أفريقيا.

الرئيس الفرنسي يشارك في جلسة بعنوان «أفريقيا إلى الأمام: الإلهام والتواصل» خلال قمة نيروبي الاثنين (أ.ف.ب)

وكتب الرئيس الفرنسي، الأحد، في منشور على منصة «إكس» فور وصوله نيروبي: «أشعر بحماس كبير مع وصولي إلى كينيا، عشية انعقاد قمة (أفريقيا إلى الأمام). إنها قمة تكرس شراكة متجددة ورابحة للجميع، فلنمنحها كل قوتنا هنا في نيروبي، فهناك الكثير مما يمكننا تحقيقه معاً».

وباتت كينيا شريكاً أساسياً لفرنسا، والدينامية بين البلدين آخذة في التعاظم منذ سنوات، حسب الإليزيه. وتضمّ كينيا اليوم 140 شركة فرنسية متفاوتة الأحجام، في مقابل حوالي ثلاثين قبل 15 عاماً، حسب مصدر دبلوماسي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأحد.

ووقّعت شركة شحن فرنسية، الأحد، اتفاقية شراكة استراتيجية مع الحكومة الكينية لتطوير بنى تحتية للنقل والخدمات اللوجستية، بقيمة 700 مليون يورو، فيما يختتم ماكرون جولته الأفريقية الأربعاء في إثيوبيا.

ويعتقد تورشين أن قمة نيروبي لن تفتح صفحة جديدة في العلاقات الفرنسية - الأفريقية فقط، بل ستعزز الحضور الاقتصادي والسياسي لفرنسا في القارة الأفريقية، خصوصاً مع تصورات تذهب إلى أن باريس خسرت بعض نفوذها بفعل القرارات والتوجهات التي اتخذتها دول كونفدرالية الساحل، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتي أدت إلى إبعاد الحضور العسكري الفرنسي وقطع العلاقات الدبلوماسية.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد الخبير في الشؤون الأفريقية أن «فرنسا لا تزال حاضرة في تلك الدول من خلال اللغة والثقافة وما إلى ذلك، فضلاً عن وجود بعض الفصائل السياسية والعسكرية التي لديها صلات مع فرنسا، وبالتالي، أعتقد أن فرنسا تسعى باستراتيجية جديدة إلى الانفتاح على كثير من الدول الأفريقية غير الناطقة بالفرنسية». ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية تشمل دولاً في شرق أفريقيا مثل إثيوبيا وكينيا، بالإضافة إلى دول أخرى مثل نيجيريا وغانا، فضلاً عن موزمبيق والغابون، كما يوضح أن «كل هذه الدول، فرنسا حاضرة فيها من خلال الاستثمارات في قطاع النفط والمعادن، فضلاً عن الاستثمارات في القطاع المصرفي من خلال البنوك وكذلك الطاقة».

ولفت إلى أن الجانب الفرنسي يحاول استكشاف أسواق جديدة، لا سيما في دول بها كثير من القدرات السكانية وتتميز بعدد سكان ضخم مثل إثيوبيا، من أجل الوجود بتلك الأسواق الجديدة.


مقالات ذات صلة

الجيش الإثيوبي يدعم الوصول لمنفذ بحري... خطاب للداخل أم تصعيد؟

شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات الشهر الماضي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

الجيش الإثيوبي يدعم الوصول لمنفذ بحري... خطاب للداخل أم تصعيد؟

تواصل إثيوبيا التأكيد على حقها في منفذ على البحر الأحمر، ودخل الجيش على الخط بتشديده على «أهمية الحفاظ على الجاهزية العالية لتأمين الوصول لهذا الحق».

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

أزمة التمويل تُهدد بعثة حفظ السلام في الصومال... و3 سيناريوهات محتملة

تعاني بعثة حفظ السلام الجديدة في الصومال أزمات تمويلية منذ تشكيلها قبل نحو عام، غير أن أفق عمل تلك القوات ينتظر تهديداً وجودياً أكبر مع تحركات أميركية جديدة.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)

66 عاماً على استقلال الصومال... الفيدرالية تواجه «خطر الانقسام»

تحل الأربعاء ذكرى مرور 66 عاماً على استقلال الصومال واتحاد شمالها مع جنوبها، بينما تتعرض الحكومة الفيدرالية لضغوط عديدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقبال السفير الصومالي بالقاهرة في مايو الماضي (الخارجية المصرية)

شروط تسليم الفدية ومخاوف التدخل الأمني تعرقل تحرير البحارة المصريين في الصومال

تقترب أزمة البحارة المصريين المختطفين على متن ناقلة نفط قبالة السواحل الصومالية من إتمام شهرها الثاني، بينما تبدو المفاوضات مع الخاطفين أقرب للحسم من أي وقت.

علاء حموده (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

محادثات رئيس الصومال مع آبي أحمد... مساعٍ لتهدئة داخلية وإقليمية

محادثات جديدة جمعت رئيس الصومال حسن شيخ محمود ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، في أديس أبابا، وسط توترات سياسية بين حكومة مقديشو والمعارضة.

محمد محمود (القاهرة)

الكونغو: ارتفاع الإصابات المؤكدة بـ«إيبولا» إلى 1561 منها 506 حالات وفاة

يستقبل عاملون صحيون كونغوليون مريضاً بمستشفى روامبارا العام بينما تُكثّف السلطات جهودها لاحتواء تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا في روامبارا خارج بونيا بمقاطعة إيتوري (رويترز)
يستقبل عاملون صحيون كونغوليون مريضاً بمستشفى روامبارا العام بينما تُكثّف السلطات جهودها لاحتواء تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا في روامبارا خارج بونيا بمقاطعة إيتوري (رويترز)
TT

الكونغو: ارتفاع الإصابات المؤكدة بـ«إيبولا» إلى 1561 منها 506 حالات وفاة

يستقبل عاملون صحيون كونغوليون مريضاً بمستشفى روامبارا العام بينما تُكثّف السلطات جهودها لاحتواء تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا في روامبارا خارج بونيا بمقاطعة إيتوري (رويترز)
يستقبل عاملون صحيون كونغوليون مريضاً بمستشفى روامبارا العام بينما تُكثّف السلطات جهودها لاحتواء تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا في روامبارا خارج بونيا بمقاطعة إيتوري (رويترز)

قالت جمهورية الكونغو الديمقراطية، في وقت متأخر من أمس الأحد، إن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس إيبولا في البلاد بلغ 1561 حالة، توفي منها 506.

كانت «منظمة الصحة العالمية» قد أعلنت، الأسبوع الماضي، بدء تجربة سريرية لعلاجين لفيروس بونديبوغيو المسبِّب لإيبولا في جمهورية الكونغو الديموقراطية التي تواجه تفشياً وبائياً متسارعاً.

وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، خلال مؤتمر صحافي: «انطلقت التجربة السريرية الخاصة بتقييم علاجين، مع تسجيل أول مريض للمشاركة فيها».

ومِن شأن هذه التجربة التي أُطلقت تحت اسم «بارتنرز» أن تسمح بتقييم فاعلية الجسم المضاد الوحيد النسيلة «MBP134»، والمضاد الفيروسي «ريمديسيفير» عند إعطائهما معاً أو كل واحد على حدة.

ويتولّى «المعهد الوطني للأبحاث الطبية الحيوية» بجمهورية الكونغو الديموقراطية إدارة هذه الدراسة، بدعم من مجموعة من الشركاء؛ بينهم «منظمة الصحة العالمية».


تجدُّد المعارك بين القوات الروسية والمتمردين الطوارق في شمال مالي

حركة المرور في طريق رئيسي بالعاصمة المالية باماكو يوم 4 يوليو 2026
حركة المرور في طريق رئيسي بالعاصمة المالية باماكو يوم 4 يوليو 2026
TT

تجدُّد المعارك بين القوات الروسية والمتمردين الطوارق في شمال مالي

حركة المرور في طريق رئيسي بالعاصمة المالية باماكو يوم 4 يوليو 2026
حركة المرور في طريق رئيسي بالعاصمة المالية باماكو يوم 4 يوليو 2026

تجددت صباح الأحد، الاشتباكات المسلحة في أقصى شمالي دولة مالي؛ حيث تعرضت بلدة أنفيس التي تُعد واحدة من آخر معاقل الجيش المالي والقوات الروسية في منطقة كيدال إلى هجوم عنيف من المتمردين الطوارق.

وقال شهود عيان إن البلدة الصغيرة استيقظت صباح اليوم على هجمات بقذائف «الهاون»، وقصف متكرر تشنه طائرات مُسيَّرة، يتركز في محيط القاعدة العسكرية التي تقع على بعد أقل من كيلومتر واحد إلى الغرب من البلدة التي يقدر عدد سكانها بالمئات فقط.

قوات روسية محاصرة

ورغم أن المتمردين الطوارق المنخرطين في «جبهة تحرير أزواد» أعلنوا أمس دخول البلدة والسيطرة على مواقع داخلها، إلا أن القاعدة العسكرية لا تزال عصية على السقوط؛ حيث يتحصن عناصر الجيش المالي، وقوات «فيلق أفريقيا» التابع لوزارة الدفاع الروسية.

وقالت مصادر ميدانية كثيرة إن المتمردين الطوارق يحاصرون القاعدة العسكرية، بما في ذلك القوات الروسية المتحصنة فيها. وقال ناشطون في صفوف المتمردين الطوارق، إن المعركة الحاسمة ستكون في بلدة أنفيس، وذلك من أجل إسقاط القاعدة العسكرية التي تجسد آخر معاقل القوات الروسية والجيش المالي في منطقة كيدال.

في غضون ذلك، تداول ناشطون مقاطع فيديو لتعزيزات عسكرية تغادر مدينة غاو التي تبعد 240 كيلومتراً إلى الجنوب من أنفيس، وضمت هذه التعزيزات قوات من الجيش المالي وأخرى من القوات الروسية. وحسب المصادر فإن التعزيزات غادرت السبت، ويتوقع أن تصل الأحد.

وتؤكد هذه التعزيزات العسكرية حرص القوات المالية والروسية على التمسك بالقاعدة العسكرية في أنفيس، على خلاف انسحابهم نهاية أبريل (نيسان) الماضي من قواعد مماثلة في كيدال وتيساليت دون قتال كبير.

أسلحة روسية

إلى ذلك، أكد ناشطون ميدانيون أن القوات الروسية هي من تقود المعارك في أنفيس ضد المتمردين الطوارق؛ حيث نشر «فيلق أفريقيا» الروسي مقاطع فيديو أمس تُظهر جوانب من القتال العنيف الدائر في البلدة الصغيرة، وكان من بينها مقاطع لإجلاء جنود روس مصابين في المعارك.

في المقابل، ادعى ناشطون موالون لـ«جبهة لتحرير أزواد» أن 4 مروحيات روسية شاركت في عملية إجلاء الجرحى، ولكنها تعرضت للقصف بالمدفعية، ما أسفر عن سقوط مروحية وإلحاق أضرار جسيمة بأخرى، وفق رواية المتمردين.

وكان المتمردون الطوارق قد دخلوا البلدة على متن مدرعات روسية، حصلوا عليها بعد سقوط القاعدة العسكرية في بلدة تيساليت قبل أكثر من شهرين، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الأسلحة الروسية التي تركها الجيش المالي خلفه وهو ينسحب من البلدة.

ومع تجدد المعارك لليوم الثاني على التوالي، يبدو الوضع في البلدة متوتراً؛ حيث يسيطر المتمردون على البلدة ويتمركزون ما بين البيوت السكنية، ويحاصرون القاعدة العسكرية التي لا تزال تحت سيطرة القوات الروسية والجيش المالي.

ورغم أن الهجمات التي أطلقتها «جبهة تحرير أزواد» استهدفت 5 مواقع رئيسية في مناطق مختلفة من مالي (هي: أنفيس، وغاو، وأجلهوك، وسيفاري، وكينيوروبا) فإن الوضع أكثر سخونة في بلدة أنفيس، عاصمة إقليم أنفيف، الذي يحظى بأهمية استراتيجية كبيرة.

هجمات «القاعدة»

وتوسعت دائرة الهجمات مع دخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ حيث أعلنت استهداف مواقع عسكرية تابعة للجيش المالي والقوات الروسية في وسط وجنوب مالي، وقالت إنها شنت أمس 10 هجمات في مناطق مختلفة، دون أن تتحدث عن أي مسؤولية لها عن الهجمات التي استهدفت الشمال (أنفيس وأجلهوك وغاو).

وأعلنت الجماعة أنها نصبت كميناً لدورية من الجيش المالي في ضواحي سوفارا، واستهدفت ثكنة للجيش المالي والفيلق الروسي في مدينة «ليري» بولاية تمبكتو بقصف مدفعي، وهاجمت مقراً لميليشيات الدونزو في غورل بوجي.

وقالت الجماعة إنها سيطرت على موقع عسكري في كينيوروبا غرب العاصمة باماكو، وآخر في منطقة تيو قرب مدينة كونا وسط البلاد، وثكنة في كواكورو بولاية موبتيفي الوسط، إضافة إلى مقرات لميليشيات الدونزو في كل من كونا بمنطقة باند جاغارا، وسومادوقو، وكاراكاني، وسيني كورو.

رد الجيش

ورداً على رواية تنظيم «القاعدة»، أعلن الجيش المالي صد هجمات إرهابية استهدفت بلدتَي كونا وسومادوغو في وسط البلاد، وأكد أن رد القوات المسلحة المالية كان «منسقاً وقوياً وحازماً»، معلناً أنها كبدت مقاتلي «القاعدة» خسائر فادحة. وأشار الجيش المالي إلى أن «عملية جوية برية متزامنة أسفرت عن دحر مجموعة إرهابية أخرى كانت تتجمع في سومادوغو؛ حيث كانت تخطط لشن هجوم ضد بلدة سوفورولاي، الواقعة أيضاً في إقليم موبتي».

وقال الجيش إن «الحصيلة البشرية والمادية لهاتين العمليتين كانت ثقيلة للغاية في صفوف الإرهابيين»، دون أن يصدر أي أرقام حول عدد ضحايا هذه العملية العسكرية، ولا الخسائر التي سُجلت فيها.


رئيس نيجيريا يشدد على «حوار الأديان» لمواجهة التحديات الأمنية

جانب من لقاء الرئيس النيجيري مع مبعوث الفاتيكان في أبوجا السبت (إعلام محلي)
جانب من لقاء الرئيس النيجيري مع مبعوث الفاتيكان في أبوجا السبت (إعلام محلي)
TT

رئيس نيجيريا يشدد على «حوار الأديان» لمواجهة التحديات الأمنية

جانب من لقاء الرئيس النيجيري مع مبعوث الفاتيكان في أبوجا السبت (إعلام محلي)
جانب من لقاء الرئيس النيجيري مع مبعوث الفاتيكان في أبوجا السبت (إعلام محلي)

أفاد الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، بأن الحوار بين الأديان يمثل المسار الوحيد لمعالجة التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، مشيراً إلى أن الجيش حقق مكاسب مهمة خلال الآونة الأخيرة في حربه على الإرهاب، ولكن تقارير جديدة اتهمت حكومته بالتقصير في حماية المدنيين، وبشكل خاص المسيحيين.

وتواجه نيجيريا تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ أكثر من 10 سنوات تقوده جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، ولكن الجيش النيجيري واجه مؤخراً اتهامات متكررة من جهات غربية بالتقصير في حماية المجتمعات المسيحية التي قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مرة، إنها تتعرض لما سماه «إبادة جماعية».

جانب من لقاء الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو مع رئيس أساقفة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول بول غالاغر في أبوجا السبت (إعلام محلي)

الحوار أولاً

استقبل الرئيس النيجيري، رئيس أساقفة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول، بول غالاغر، السبت في العاصمة النيجيرية أبوجا، وجدد في حديثه معه «التزام حكومته بمنح الأولوية للحوار بين الأديان، وتعزيز قيم السلام والوئام والتسامح بين مختلف الطوائف الدينية في نيجيريا». وأكد تينوبو أن «الجيش النيجيري حقق تقدماً كبيراً في الآونة الأخيرة»، وقال إنه «ملتزم بالحفاظ على هذه المكاسب»، مشيراً إلى أن «وقوع حادثة واحدة قد يقوض الإنجازات السابقة»، داعياً في هذا السياق إلى الحوار والحذر.

وأعلن الرئيس النيجيري أنه خصص مزيداً من الموارد لقطاع الأمن، مع تكثيف عمليات المراقبة خصوصاً في المناطق التي كانت سابقاً خارج سيطرة الدولة وسيادتها، وأكد أن الحكومة استثمرت في قطاع الشباب لمنع استغلالهم من قبل الإرهابيين وتقليل تعرضهم للأفكار المتطرفة، بوصف ذلك جزءاً من الجهود غير الحركية (الناعمة) إلى جانب العمليات العسكرية، وفق تعبيره.

يشار إلى أن تينوبو المسلم يحكم نيجيريا التي يمثل المسيحيون نحو نصف سكانها، وكثيراً ما يواجه اتهامات وتشكيكاً في مواقفه بسبب ديانته، ولكنه في تصريحاته الأخيرة قال: «نحن نبذل أيضاً جهوداً حثيثة لضمان حرية العبادة. وكما تعلمون، فإن زوجتي قسيسة في كنيسة إنجيلية، وهو ما يقلل من حدة الصبغة الدينية التي قد يتخذها الجدل الديني في بلادنا».

استهداف المسيحيين

في آخر تقرير نشرته الأمم المتحدة حول الوضع الأمني في نيجيريا، قالت الجمعية الدولية للحريات المدنية وسيادة القانون إن أكثر من 3550 نيجيرياً لقوا حتفهم جراء أنشطة الجماعات الإرهابية خلال النصف الأول من عام 2026.

وأوضحت المنظمة الأممية في تقرير نشرته الخميس الماضي، أن ضحايا الإرهاب في نيجيريا كان من بينهم 2550 مسيحياً، و1050 مسلماً، وأشار التقرير إلى تدمير 300 كنيسة وقتل 10 قساوسة واختطاف 10 آخرين، وإجبار 800 سيدة على الدخول في الإسلام خلال وجودهن في الأسر لدى تنظيم «داعش».

وقالت المنظمة إنه منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، سجلت 720 هجوماً ضد المسيحيين في نيجيريا، وهو ما يعني 120 هجوماً كل شهر، وأشارت المنظمة إلى أنه منذ بداية العام كان معدل قتل المسيحيين هو 14 قتيلاً كل يوم، واختطاف 16 يومياً.

وتحدثت المنظمة عن استهداف مجتمعات مسلمة بهجمات إرهابية، خلال الفترة نفسها، لكنها أشارت إلى أن هذه المجتمعات «تبين أنها تنتمي إلى السكان المدنيين من غير عرقية الفولاني»، متهمة ميليشيا من «الفولاني» بالتورط في هذه الهجمات «ذات الطابع العرقي».

اتهام السلطات

حمّلت المنظمة مسؤولية هذا الوضع للحكومة النيجيرية، التي قالت إنها «فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة هذه الجرائم، من خلال تنفيذ القوانين الجنائية المحلية، أو على الأقل التنازل عن اختصاصها القضائي لصالح المحكمة الجنائية الدولية». بل إن المنظمة ذهبت إلى اتهام السلطات النيجيرية بما قالت إنها «الإدانة الذاتية، والتواطؤ الذي لا يمكن الدفاع عنه، فضلاً عن كونه تجسيداً صريحاً لعدم الرغبة وعدم القدرة على التحرك».

ولم يصدر عن السلطات في نيجيريا أي تعليق أو رد على التقرير الأخير، إلا أنها سبق أن رفضت مثل هذه الاتهامات، مشيرة في أكثر من مرة، إلى أن الإرهاب الموجود في نيجيريا لا دين له ولا عرق، وأن ضحاياه من جميع الأديان والأعراق.

وترفض الحكومة النيجيرية اختزال التحديات الأمنية التي تعصف بها في استهداف المسيحيين، مشيرة إلى أنها تواجه أمة معقدة، حيث تبرز بالإضافة إلى مخاطر الإرهاب (داعش وبوكو حرام)، تحديات أخرى مثل اللصوصية المسلحة وعمليات الخطف الجماعي، والنزاعات بين المزارعين والرعاة، التي تتفاقم بسبب تغير المناخ والجفاف.

وأمام هذا الوضع، أعلنت الحكومة رفع ميزانية الدفاع والأمن، حيث بلغت هذا العام رقماً قياسياً يقترب من 4 مليارات دولار أميركي، كما أعلن الرئيس تينوبو حالة طوارئ أمنية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ووافق على تجنيد أكثر من 50 ألف شرطي جديد.

عاجل ماكرون يصل إلى دمشق في أوّل زيارة لرئيس دولة غربية كبرى منذ إطاحة الأسد (أ.ف.ب)