روسيا تتحايل على العقوبات الغربية لتعزيز وجودها العسكري بأفريقيا

عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)
عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)
TT

روسيا تتحايل على العقوبات الغربية لتعزيز وجودها العسكري بأفريقيا

عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)
عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)

في الوقت الذي تُواصل فيه روسيا قصف أوكرانيا، تقوم بتوسيع نطاق وجودها العسكري في أفريقيا، من خلال تزويد مناطق النزاع في أفريقيا جنوب الصحراء بأسلحة متطورة، حيث تشهد قوة مسلَّحة خاضعة لسيطرة «الكرملين» صعوداً ملحوظاً.

وبينما تتجاوز العقوبات التي فرضتها الدول الغربية، تستخدم موسكو سفن شحن لنقل دبابات ومركبات مدرَّعة ومدفعية ومُعدات عالية القيمة إلى غرب أفريقيا، وفق ما كشفته وكالة «أسوشييتد برس».

شعار «فاغنر» الروسية (أرشيفية)

وباستخدام صور الأقمار الاصطناعية والإشارات اللاسلكية، تتبعت الوكالة قافلة من سفن الشحن التي ترفع العَلم الروسي، خلال رحلةٍ استمرت قرابة شهر من بحر البلطيق.

ووفقاً لمسؤولين عسكريين أوروبيين راقبوا السفن من كثب، فقد كانت تحمل مدافع هاوتزر ومُعدات للتشويش اللاسلكي، وغيرها من العتاد العسكري.

ومِن شأن هذه الشحنات أن تُعزز «فيلق أفريقيا»، التابع لروسيا، والذي لا يزال في بداياته، في وقتٍ تتنافس فيه موسكو مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين على النفوذ بالقارة.

سفينة شحن روسية في غينيا (أ.ب)

ويشهد «فيلق أفريقيا»، الذي يرتبط بفرع سري من الجيش الروسي، تنامياً في وقتٍ بدأت فيه القوات الأميركية والأوروبية الانسحاب من المنطقة، بعد أن أجبرتها دول في أفريقيا جنوب الصحراء على الخروج، واختارت التوجه نحو روسيا للحصول على الدعم الأمني.

ويخوض كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، منذ أكثر من عقد، معارك ضد مقاتلين مرتبطين بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش».

أنهت مجموعة «فاغنر» دورها رسمياً وغادرت مالي حيث كانت تنشط منذ عام 2021 على أن يجري دمج مجموعاتها ضمن «فيلق أفريقيا» المرتبط بروسيا (أرشيفية-متداولة)

في البداية، دخلت جماعات مرتزقة ذات صلة غير مباشرة بـ«الكرملين» ساحات القتال في أفريقيا، لكن روسيا بدأت تدريجياً نشر قوتها العسكرية وأجهزتها الاستخباراتية بشكل مباشر ومتزايد. وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف: «نعتزم توسيع تعاوننا مع الدول الأفريقية في جميع المجالات، مع التركيز على التعاون الاقتصادي والاستثمارات». وأضاف: «يشمل هذا التعاون مجالات حساسة مرتبطة بالدفاع والأمن».

سفينة شحن روسية في غينيا (أ.ب)

وتُنقل الأسلحة الروسية بالشاحنات إلى مالي، وتُعدّ سفينتا «بالتيك ليدر» التي تبلغ حمولتها 8800 طن، و«باتريا» التي تبلغ حمولتها 5800 طن، من بين مئات السفن التي فرضت عليها الدول الغربية عقوبات؛ في محاولة لخنق الموارد التي تُستخدم في حرب روسيا ضد أوكرانيا.

وأظهرت صور أقمار اصطناعية لوكالة «أسوشييتد برس» أن السفينتين رَسَتا وأفرغتا حمولتيهما في مدينة كوناكري، عاصمة غينيا، في أواخر شهر مايو (أيار) الماضي.

عناصر من «فاغنر» في بلدة بشمال مالي يسكنها طوارق (متداولة)

وكانت سفن أخرى قد قامت بنقل شحنات إلى الميناء نفسه في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث جرى تسليم دبابات ومركبات مدرّعة ومُعدات عسكرية أخرى نُقلت، لاحقاً، براً إلى مالي المجاورة، وفقاً لمسؤولين عسكريين أوروبيين، وفيديو نشره مدوِّن مالي يُظهر قافلة طويلة من المركبات. وتحدّث المسؤولون العسكريون إلى وكالة «أسوشييتد برس» حول العمليات الروسية، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم. ونجحت الوكالة في التحقق من الفيديو، الذي نشره المدوِّن، عبر تحديد الموقع الجغرافي للقافلة على طريق «آر إن 5» السريع المؤدي إلى العاصمة المالية باماكو.

وبعد الشحنة الأخيرة التي جرى تسليمها في كوناكري، شُوهدت مجدداً شاحنات تنقل مركبات مدرّعة ومدافع هاوتزر ومُعدات روسية الصنع أخرى على الطريق البري المؤدي إلى مالي.

صورة من مقطع فيديو نُشر 20 مايو 2023 على «تلغرام» التابع للخدمة الصحافية لشركة «كونكورد» المرتبطة برئيس «فاغنر» يفغيني بريغوجين الذي يظهر واقفاً أمام عَلَم وطني روسي مع جنوده (أ.ف.ب)

وأكدت هيئة الإذاعة والتلفزيون المالية الرسمية «أو آر تي إم» أن جيش البلاد تسلَّم مُعدات عسكرية جديدة. ومن خلال تحليل فيديوهاتها وصور المدوِّن المالي، التي صُوّرت في الموقع نفسه الذي التُقطت فيه صور تسليم يناير، جرى التعرف على مجموعة واسعة من المُعدات روسية الصنع، من بينها مدافع ميدانية من عيار 152 ملم، ومدافع أخرى أصغر حجماً.

كما حددت وكالة أسوشيتد برس وجود ناقلة جنود مدرّعة من طراز «بي تي آر-80» مزودة بمُعدات تشويش لا سلكي، إلى جانب مركبات مدرّعة من طراز «سبارتاك» ومركبات مدرّعة أخرى، بعضها مزود بأسلحة رشاشة. وضمّت الشحنة أيضاً زورقين صغيرين شِبه مطاطيين، أحدهما يحمل عَلَم روسيا مرسوماً على هيكله، بالإضافة إلى شاحنات صهريجية، كُتب على جوانب بعضها كلمة «قابل للاشتعال» باللغة الروسية.

أرشيفية لعنصرين من «فاغنر» في مالي (متداولة)

وقال المسؤولون العسكريون، الذين تحدثوا إلى وكالة «أسوشييتد برس»، إنهم يعتقدون أن روسيا خصصت أقوى المُعدات، ولا سيما المدفعية ومُعدات التشويش، لـ«فيلق أفريقيا» التابع لها، وليس للجيش المالي. ويبدو أن «فيلق أفريقيا» حصل أيضاً على قدرات جوية، إذ رصدت الأقمار الاصطناعية، خلال الأشهر الأخيرة، طائرة هجومية من طراز «سو24-» في قاعدة جوية بباماكو.

والوحدة السرية سيئة السمعة في موسكو، ولسنوات، دعّمت القوات الفرنسية، خلال عمليات مكافحة التمرد في مالي وبوركينا فاسو والنيجر المجاورتين. لكن فرنسا سحبت قواتها بعد الانقلابات التي وقعت في مالي خلال عاميْ 2020 و2021، وفي بوركينا فاسو عام 2022، وفي النيجر عام 2023. وقد ملأ المرتزقة الروس هذا الفراغ.

وأبرز هؤلاء كانت مجموعة «فاغنر»، التي نشرت قواتها في السودان عام 2017 ووسَّعت نطاق انتشارها إلى دول أفريقية أخرى، غالباً مقابل الحصول على امتيازات في مجالات التعدين.

واكتسبت المجموعة سُمعة بالوحشية، حيث اتهمتها دول غربية وخبراء من الأمم المتحدة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك في جمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا ومالي.

ومن بين 33 دولة أفريقية تنشط فيها شركات عسكرية روسية خاصة، كانت الأغلبية تحت سيطرة «فاغنر»، وفق بحثٍ أجرته مؤسسة راند، برعاية الحكومة الأميركية.

لكن بعد تمرد قوات «فاغنر» في روسيا، خلال عام 2023، ومقتل زعيمها يفغيني بريغوجين، بعد شهرين، في حادث تحطم طائرة تحوم حوله شبهات، شددت موسكو قبضتها.

وجرت إعادة هيكلة العمليات العسكرية الروسية في أفريقيا، مع تولي «الكرملين» مزيداً من السيطرة، من خلال «فيلق أفريقيا».

ويُشرف على هذا الفيلق قائد الوحدة 29155، وهي واحدة من أكثر فروع جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي غموضاً وسوء سُمعة، وفقاً للاتحاد الأوروبي.

سفينة شحن روسية في غينيا (أ.ب)

واتهمت الوحدة 29155 بتنفيذ هجمات سرية ضد مصالح غربية، على مدى سنوات، شملت أعمال تخريب ومحاولات اغتيال.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على اللواء أندريه أفيريانوف، قائد الوحدة 29155، متهماً إياه بالإشراف على عمليات «فيلق أفريقيا».

وجاء في قرار العقوبات: «في عدد من الدول الأفريقية تُقدم القوات الروسية الحماية للمجالس العسكرية التي أطاحت بحكومات ديمقراطية شرعية، مما أدى إلى تدهور بالغ في الاستقرار والأمن والديمقراطية بتلك الدول». وأضاف القرار أن هذه العمليات يجري تمويلها من خلال استغلال الموارد الطبيعية للقارة.

مقاتلون من مرتزقة «فاغنر» الروسية في مدينة روستوف أون دون بروسيا 24 يونيو 2023 (رويترز)

تجنيد «فيلق أفريقيا»

يقول باحثون ومسؤولون عسكريون إن تدفق الأسلحة من روسيا يبدو أنه يُسرّع من صعود «فيلق أفريقيا» على حساب مجموعة «فاغنر»، مما يساعده على كسب ولاء المرتزقة، الذين ظلوا مُوالين للمجموعة. كما يقوم «فيلق أفريقيا» بتجنيد أفراد داخل روسيا، مقدماً عروضاً مالية تصل إلى 2.1 مليون روبل (26 ألفاً و500 دولار)، وقِطع أراض، مقابل توقيع عقد مع وزارة الدفاع، إضافة إلى مزايا إضافية عند الانتشار.

وبعد أيام فقط من وصول أحدث دفعة من المُعدات، أعلنت «فاغنر» انسحابها من مالي، قائلة، في منشور عبر «تلغرام»، إن «المهمة أُنجزت».

وفي منشور منفصل، أعلن «فيلق أفريقيا» نيّته البقاء.

وقالت جوليا ستانيارد، الباحثة في نشاط المرتزقة الروس بأفريقيا، إن هذا الانتقال من «فاغنر» إلى «فيلق أفريقيا» في مالي قد يكون مؤشراً على تحولات مشابهة في مناطق أخرى من القارة.

وأضافت ستانيارد، من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومقرُّها سويسرا: «جلب هذه الأسلحة الحديثة والمركبات المدرّعة الجديدة يمثل تحولاً كبيراً».

وتُكبد الجماعات المسلّحة في مالي، القوات الحكومية والمرتزقة الروس خسائر فادحة، فقد قتل مقاتلو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بـ«القاعدة»، العشرات من الجنود، في هجومٍ، هذا الشهر، على قاعدة عسكرية.

وتُظهر صور أقمار اصطناعية، التُقطت في 29 مايو الماضي شاحنات مصطفّة على الرصيف البحري، أثناء تفريغ السفينة. ولم تتمكن وكالة «أسوشييتد برس» من التحقق مما إذا كانت الحمولة تتضمن أسلحة أو الوجهة النهائية للشحنة، إلا أن مجموعة «فاغنر» لا تزال تحتفظ بوجود قوي في جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة.


مقالات ذات صلة

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جندي أوكراني يطلق النار من مدفع «هاوتزر» باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 18 مارس 2026 (أ.ب) p-circle

مشرّعون روس يزورون أميركا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات

مشرعون روس يزورون أمريكا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات الكرملين يأمل في عقد جولة جديدة من المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق


جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
TT

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي، في ظل أزمات الحكومة مع المتمردين شرق البلاد.

تلك الأحاديث المحتملة التي أثارتها وسائل إعلام محلية يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث، لـ«الشرق الأوسط»، ضمن تحركات «جس نبض» لإضافة فترة ولاية جديدة، غير أنها تواجه تحديات عدة لتنفيذها، أبرزها المعارضة الشديدة لذلك، خاصة من الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

وبعد أشهر من صدور حكم غيابي ضده، في سبتمبر (أيلول) 2025، بالإعدام من محكمة كونغولية، خرج الرئيس السابق جوزيف كابيلا، الذي حكم البلاد من عام 2001 إلى عام 2019، في مقابلة مع الصحيفة البلجيكية «لا ليبر بلجيك»، الاثنين الماضي، يدعو لإسقاط تشيسيكيدي.

وأكد كابيلا أن «الدستور لم يعد يُحترَم، بل يدوسه الرئيس ومحيطه»، على حد قوله. وشدد على ضرورة عدم المساس به.

تزامنت تلك الانتقادات الحادة مع حديث إعلام محلي عن وجود نقاشات داخلية بشأن مراجعة الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس الحالي تشيسيكيدي.

ودعا حائز جائزة «نوبل للسلام»، الطبيب دنيس موكويغي، الرئيس تشيسيكيدي إلى «عدم الإصغاء للمحيطين بشأن تعديل الدستور،» محذراً من أن «أي تعديل دستوري في السياق الحالي سيكون خطأ تاريخياً»، وفق ما نقله للموقع الكونغولي «أكتوياليتي».

وتطرقت صحيفة «كونغو نوفو» للحديث المثار، وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون الحفاظ على التماسك الوطني واحترام العقد الجمهوري.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه من المرجَّح أن ينتهي الجدل حول تعديل الدستور في الكونغو الديمقراطية إلى الإلغاء أو التجميد، بدلاً من التنفيذ.

وتُواجه أي محاولة لتمرير تعديل يسمح للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي بولاية ثالثة، مقاومة شديدة من المعارضة السياسية، وضغوطاً من المجتمع الدولي، وتحذيرات من شخصيات وطنية بارزة مثل حائز جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، مما يجعل تنفيذ التعديل خطوة محفوفة بالمخاطر، وقد تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وفقاً لعيسى.

ويعتقد عيسى أن تصريحات الرئيس السابق جوزيف كابيلا وانتقاداته لتشيسيكيدي «تزيد من حجم الضغط الداخلي»، وتؤكد أن «أي مسار نحو تعديل الدستور سيواجه عقبات كبيرة قد تُجبر الأغلبية الحاكمة على التراجع أو البحث عن حلول وسط سياسية لتفادي أزمة أكبر، في ظل اضطرابات تزداد مع المتمردين شرق البلاد».

ويتابع: «في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل أي تعديل دستوري يظل غير مؤكَّد، وأن القوى السياسية المختلفة ستواصل مراقبة الوضع من كثب، مع احتمال أن تتحول النقاشات الحالية إلى حوار سياسي طويل، يؤجل أي قرار حاسم إلى وقت لاحق، لتجنب الانزلاق نحو أزمة سياسية أو اجتماعية واسعة».

وتشيسيكيدي بدأ ولايته الأولى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2019 إلى 2023 قبل انتخابه مرة ثانية من 2024 إلى 2029، والدستور الحالي يقيّد الرئاسة بفترتين فقط كل منهما 5 سنوات، ما يعني أنه لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة البرلمان بأغلبية، والاستفتاء الشعبي.

ويرى عيسى أن التعديل يحتاج أيضاً إلى توافق سياسي واسع لتفادي أزمة في ظل تحديات كبيرة؛ أبرزها المعارضة السياسية القوية، والضغط الدولي، والانقسامات داخل الأغلبية الحاكمة، والمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنشأ، مما يجعل تنفيذ أي تعديل في الوقت الحالي أمراً صعباً للغاية. ويستدرك قائلاً: «لكنه غير مستبعَد، إذا تمكنت الأغلبية الحاكمة من تجاوز هذه العقبات وتوفير البيئة السياسية الملائمة».


الأمم المتحدة تصنّف تجارة الرقيق في أفريقيا «أخطر جريمة ضد الإنسانية»

يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)
يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة تصنّف تجارة الرقيق في أفريقيا «أخطر جريمة ضد الإنسانية»

يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)
يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، أن تجارة الرقيق التي حصلت في أفريقيا عبر التاريخ تشكّل «أخطر جريمة ضد الإنسانية»، بتصويتها على قرار تقدّمت به غانا، التي تأمل أن يفتح الباب أمام تقديم اعتذارات والمحاسبة.

واعتُمد القرار وسط التصفيق بـ123 صوتاً، فيما عارضته 3 دول (الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين)، وامتنعت 52 دولة عن التصويت (بينها بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي).

وجاء في نصّه أن «الاتجار بالأفارقة المستعبدين واسترقاق الأفارقة القائم على العرق» هما أخطر الجرائم ضدّ الإنسانية، مع التنديد بـ«هذا التعسّف في حقّ البشرية اللاإنساني إلى أقصى الحدود والأطول أمداً».

ويسلّط النصّ الضوء على نطاق الظاهرة وطول أمدها وطابعها الهمجي والممنهج وتداعياتها التي ما زالت جلّية اليوم، في عالم يسوده «التمييز العرقي والاستعمار الجديد».

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن «مؤيّدي الاسترقاق والمستفيدين منه وضعوا عقيدة عرقية حوّلت أحكاماً مسبقة إلى شبه خلاصات علمية»، مشدّداً على أن «الجروح» ما زالت «عميقة»، وعلى ضرورة «التنديد بأكاذيب استعلاء البيض» و«العمل من أجل الحقيقة والعدالة وجبر الأضرار».

ويدعو القرار الدول إلى الانخراط في مسار يرمي إلى إصلاح الأضرار وتقديم اعتذارات رسمية وتعويضات لعائلات الضحايا واعتماد سياسات للتصدّي للتمييز وإعادة القطع الثقافية والدينية التي نهبت.

واعتبرت الولايات المتحدة من جانبها أن هذا النصّ «ينطوي على إشكالية كبيرة». وقال المندوب الأميركي دان نيغريا إن «الولايات المتحدة لا تعترف بالحقّ الشرعي في تعويضات عن أضرار لم تكن في الماضي غير قانونية بموجب القانون الدولي السائد في تلك الحقبة».

وهذه أيضاً وجهة نظر دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا التي امتنعت من جهتها عن التصويت.