استراتيجية الأمن في تجنيد ميليشيات رخيصة تتحول إلى كارثة في أفريقيا

من خلال تسليح المدنيين الذين يفتقرون إلى التدريب الجيد

النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
TT

استراتيجية الأمن في تجنيد ميليشيات رخيصة تتحول إلى كارثة في أفريقيا

النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)

كانا نائمَين على حصيرة رقيقة شاركاها منذ أن تزوجا قبل خمس سنوات، وفجأة، استيقظا على صوت دراجات نارية ثم سحب مسلحون رايناتو ديالو وزوجها أداما ديالو من سريرهما وأدخلوهما إلى فناء المنزل. ودون أن ينطقوا بكلمة، أطلق الرجال المسلحون النار على الزوج ليردوه قتيلاً، وبينما كانت زوجته تهرب من القرية، وهى واحدة من كثيرين من القرى التي سقطت في دوامة العنف في بوركينا فاسو، تعرفت على قتلة زوجها الملثمين، الذين كانوا جيراناً لها.

رايناتو ديالو (32 عاماً) في منزل العائلة بكوت ديفوار (ساحل العاج) إلى حيث فرَّت بعد مقتل زوجها في بوركينا فاسو (نيويوك تايمز)

وقد باتت بوركينا فاسو، الدولة التي لطالما افتخرت بتسامحها وعلاقاتها السلمية والتعايش بين مختلف الأعراق فيها، الآن مسرحاً لأحد أخطر الصراعات في غرب أفريقيا، فمنذ استيلاء القائد العسكري الحالي، النقيب إبراهيم تراوري، على السُّلطة في انقلاب عام 2022، تصاعدت الحرب ضد المتمردين الإسلاميين، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ما يقرب من ثلاثة ملايين آخرين.

«المتطوعين للدفاع عن الوطن»

ولتعزيز صفوف الجيش المتورط في النزاع، جنّدت حكومة تراوري عشرات الآلاف من الرجال في ميليشيا مدنية تُعرف باسم «المتطوعين للدفاع عن الوطن»، وقد أسَّس الميليشيا زعيم سابق لحماية المجتمعات ضد المتمردين، لكنها أدت تحت قيادة تراوري إلى انتشار العنف بلا رادع وإثارة صراعات بين السكان المحليين، مع استهداف المجموعات العرقية الأقلية بشكل وحشي، فيما يخشى بعض المحللين من أن يؤدي إلى نشوب حرب أهلية في البلاد، وفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين.

ووفقاً للبيانات التي جمعها مشروع «موقع وأحداث الصراعات المسلحة»، فقد تضاعفت أعمال العنف ضد السكان المحليين التي شارك فيها أفراد الميليشيات منذ انقلاب تراوري، كما تُظهِر البيانات أن أفراد الميليشيات نفذوا عمليات إعدام واختفاء قسري، وأعمال نهب كل ستة أيام في المتوسط، حسب البيانات.

وفق «حصانة شبه تامة»

إن تسليح المدنيين الذين يفتقرون إلى التدريب الجيد ولا يحترمون حقوق الإنسان، ثم منحهم حصانة شبه تامة، ليس أمراً فريداً في بوركينا فاسو وحدها، ففي شمال شرقي نيجيريا، اتُّهم أعضاء ميليشيا مدنية تدعم الدولة في مكافحة جماعة «بوكو حرام» بارتكاب أعمال عنف جنسي، وتجنيد الأطفال، وتنفيذ إعدامات سريعة، وفي السودان، تسببت ميليشيا «قوات الدعم السريع» في اندلاع حرب أدت إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم. ففي كل حالة من هذه الحالات، أدت استراتيجية استخدام ميليشيا مدنية لتعزيز القوة العسكرية إلى نتائج عكسية، مما أدى إلى تعميق دوامة العنف التي تعرِّض السكان المحليين لمزيد من المخاطر وتؤجج التوترات العرقية.

ومثل الزوجة، السيدة ديالو، قال معظم اللاجئين، البالغ عددهم ثلاثين لاجئاً، الذين قابلتهم صحيفة «نيويورك تايمز» خلال رحلة حديثة على بُعد 500 ميل في كوت ديفوار المجاورة، بالقرب من حدود بوركينا فاسو، إن «المتطوعين للدفاع عن الوطن» أجبروهم على الفرار إمّا بطردهم وإما بقتل أقاربهم.

«كانوا يهاجمون القرى الأخرى، لذلك كنا نعلم أن دورنا سيأتي»، حسبما قالت السيدة ديالو، 32 عاماً، في مقابلة أُجريت مؤخراً معها في مدينة «أوانغولودوغو» في شمال كوت ديفوار.

من جانبها، لم تردّ حكومة بوركينا فاسو على طلب الصحيفة الحصول على تعليق. ومنذ العام الماضي، فرَّ نحو 150 ألف شخص من بوركينا فاسو إلى أربع دول مجاورة، وقد استقبلت كوت ديفوار العدد الأكبر منهم، حيث استضافت نحو 65 ألف شخص في مراكز اللجوء التي تديرها الحكومة وفي المجتمعات المضيفة.

نُشر مزيد من الجنود في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو عام 2022 لفرض الحالة الأمنية (غيتي)

ونظراً لأن معظم المتمردين المرتبطين بتنظيم «القاعدة» الذين يخوضون الحرب في بوركينا فاسو ينتمون إلى جماعة «الفولاني» العِرقية، فقد تم اتهام مدنيين من تلك الجماعة في كثير من الأحيان بالتعاون مع الجهاديين، كما جرى استهدافهم من الميليشيا بشكل غير متناسب. ووصف الباحثون عنف هذه الميليشيا، وتواطؤ الدولة معه، بأنهما «سياسة عامة» في البلاد.

وحسب جان باتيست زونغو، وهو محلل أمني مستقل من بوركينا فاسو ومقيم في كوت ديفوار، فإن «هناك ارتباطاً مباشراً بين توسيع نشاط (المتطوعين للدفاع عن الوطن) تحت قيادة تراوري، واستهداف الفولانيين، والتدفق الهائل للاجئين إلى كوت ديفوار».

وشارك اللاجئون في كوت ديفوار ذكرياتهم عن الانتهاكات التي تعرضوا لها «في الجهة الأخرى»، حيث تحدثوا همساً بصوت لا يكاد يُسمع بسبب الأمطار التي كانت تضرب أسطح المنازل الحديدية التي يسكنونها، وقال التوأمان حسين وحسن لي، وهما معلِّمان للقرآن، إنهما فرّا من شمال بوركينا فاسو في سبتمبر (أيلول) 2023 بعد أن اختطف رجال الميليشيا المدنيين عمهما وقتلوا شقيقهما على جانب الطريق.

وقال علي باري، 30 عاماً، وهو ممرض من جماعة «الفولاني»، إنه فرَّ من قريته في ديسمبر (كانون الأول) 2022 بعد أن أعدمت الميليشيا شقيقه وكثيراً من جيرانه، وأضاف: «بلدنا في أزمة، والسلطات الحالية تعتقد أن منح الناس أسلحة لقتل مجموعة كاملة من السكان هو الحل».

وقد أكد زعماء المجتمعات المضيفة والعاملون في المجال الإنساني والسلطات المحلية في كوت ديفوار شهادات اللاجئين، لكنَّ التدفق الكبير للاجئين في شمال كوت ديفوار، الذي يعد أفقر مناطق البلاد يعد اختباراً لـ«كرم الضيافة» الذي تشتهر به هذه المنطقة.

وقال باولين يوي، وهو مستشار الأمن والدفاع في كوت ديفوار، والذي يعمل مع الرئيس ويشرف على استقبال اللاجئين في الشمال: «سواء كان ذلك صحيحاً أو خاطئاً، فإن طالبي اللجوء، الذين هم في الغالب من جماعة الفولاني، يتعرضون للوصم».

وحتى في ظل الأمان النسبي في كوت ديفوار، يعيش اللاجئون في ظروف قاسية، حيث خفَّض «برنامج الأغذية العالمي» مخصصات الدعم الشهري إلى النصف، لتصبح 7.5 دولار أميركي بدلاً من 15 دولاراً لكل لاجئ مُسجَل في كوت ديفوار، وذلك بسبب نقص التمويل، كما لا يذهب غالبية أطفال اللاجئين إلى المدارس.

ويقول فاباركا واتارا، وهو عمدة قرية «لينغويكورو» في كوت ديفوار، التي استقبلت نحو 300 لاجئ: «كنا خائفين في البداية بسبب كثرة عددهم»، وأضاف: «لقد قالوا إنهم يفرون من الحرب، لكننا لم نكن نعرف ما إذا كانوا جاءوا مسلحين أم لا».

وفي صباح أحد الأيام الماضية، كانت السيدة ديالو، التي قُتل زوجها في فناء المنزل، تُحضّر الطعام في منزل استأجره والدها في كوت ديفوار بعد أن فرَّ من بوركينا فاسو في وقت سابق من هذا العام مع 12 فرداً آخر من العائلة، وقد استأجر هذا المنزل مقابل نحو 20 دولاراً شهرياً.

وعن حياتهم في بوركينا فاسو قبل أن يبدأ الرجال المحليون في الانضمام إلى الميليشيا، تقول السيدة ديالو: «كنا نعيش معاً، وكان أطفالنا يذهبون إلى المدرسة معاً»، وأضافت أنه بعدما انضم الرجال إلى «المتطوعين للدفاع عن الوطن»، توقف الجيران عن تحية عائلات جماعة «الفولاني»، ثم بدأت الغارات وعمليات القتل.

وأوضح والد السيدة ديالو، سيكو ديالو، أن أفراد الميليشيا كانوا يستهدفون بشكل متزايد مجموعات عرقية أخرى أيضاً، مثل «الموسى» و«اللوبي»، قائلاً: «كانوا يأتون في الليل، وكنا نستيقظ في الصباح لنكتشف أن رجلاً قد اختفى، سواء كان من عائلات جماعة الفولاني أو من غيرها».

وبينما كان والدها يتحدث، خفضت السيدة ديالو رأسها، إذ لم تتمكن من دفن زوجها لأنها لم تستطع العودة إلى قريتها دون المخاطرة بالموت، ثم لمست خاتماً رقيقاً بإصبعها، وهو التذكار الوحيد المتبقي من حبهما، حسب الزوجة المكلومة.


مقالات ذات صلة

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
أوروبا رجل يُشتبه في توجيهه تهديدات باغتيال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يصل تحت حراسة الشرطة إلى مقر النيابة العامة في العاصمة البولندية وارسو يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بولندا تعثر على متفجرات لدى متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء ووزير الدفاع

أعلنت النيابة البولندية العثور على متفجرات محلية الصنع في شقة رجل متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء دونالد توسك ووزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك-كاميش.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الفريق أول السعيد شنقريحة يبحث مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.