استراتيجية الأمن في تجنيد ميليشيات رخيصة تتحول إلى كارثة في أفريقيا

من خلال تسليح المدنيين الذين يفتقرون إلى التدريب الجيد

النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
TT

استراتيجية الأمن في تجنيد ميليشيات رخيصة تتحول إلى كارثة في أفريقيا

النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)

كانا نائمَين على حصيرة رقيقة شاركاها منذ أن تزوجا قبل خمس سنوات، وفجأة، استيقظا على صوت دراجات نارية ثم سحب مسلحون رايناتو ديالو وزوجها أداما ديالو من سريرهما وأدخلوهما إلى فناء المنزل. ودون أن ينطقوا بكلمة، أطلق الرجال المسلحون النار على الزوج ليردوه قتيلاً، وبينما كانت زوجته تهرب من القرية، وهى واحدة من كثيرين من القرى التي سقطت في دوامة العنف في بوركينا فاسو، تعرفت على قتلة زوجها الملثمين، الذين كانوا جيراناً لها.

رايناتو ديالو (32 عاماً) في منزل العائلة بكوت ديفوار (ساحل العاج) إلى حيث فرَّت بعد مقتل زوجها في بوركينا فاسو (نيويوك تايمز)

وقد باتت بوركينا فاسو، الدولة التي لطالما افتخرت بتسامحها وعلاقاتها السلمية والتعايش بين مختلف الأعراق فيها، الآن مسرحاً لأحد أخطر الصراعات في غرب أفريقيا، فمنذ استيلاء القائد العسكري الحالي، النقيب إبراهيم تراوري، على السُّلطة في انقلاب عام 2022، تصاعدت الحرب ضد المتمردين الإسلاميين، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ما يقرب من ثلاثة ملايين آخرين.

«المتطوعين للدفاع عن الوطن»

ولتعزيز صفوف الجيش المتورط في النزاع، جنّدت حكومة تراوري عشرات الآلاف من الرجال في ميليشيا مدنية تُعرف باسم «المتطوعين للدفاع عن الوطن»، وقد أسَّس الميليشيا زعيم سابق لحماية المجتمعات ضد المتمردين، لكنها أدت تحت قيادة تراوري إلى انتشار العنف بلا رادع وإثارة صراعات بين السكان المحليين، مع استهداف المجموعات العرقية الأقلية بشكل وحشي، فيما يخشى بعض المحللين من أن يؤدي إلى نشوب حرب أهلية في البلاد، وفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين.

ووفقاً للبيانات التي جمعها مشروع «موقع وأحداث الصراعات المسلحة»، فقد تضاعفت أعمال العنف ضد السكان المحليين التي شارك فيها أفراد الميليشيات منذ انقلاب تراوري، كما تُظهِر البيانات أن أفراد الميليشيات نفذوا عمليات إعدام واختفاء قسري، وأعمال نهب كل ستة أيام في المتوسط، حسب البيانات.

وفق «حصانة شبه تامة»

إن تسليح المدنيين الذين يفتقرون إلى التدريب الجيد ولا يحترمون حقوق الإنسان، ثم منحهم حصانة شبه تامة، ليس أمراً فريداً في بوركينا فاسو وحدها، ففي شمال شرقي نيجيريا، اتُّهم أعضاء ميليشيا مدنية تدعم الدولة في مكافحة جماعة «بوكو حرام» بارتكاب أعمال عنف جنسي، وتجنيد الأطفال، وتنفيذ إعدامات سريعة، وفي السودان، تسببت ميليشيا «قوات الدعم السريع» في اندلاع حرب أدت إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم. ففي كل حالة من هذه الحالات، أدت استراتيجية استخدام ميليشيا مدنية لتعزيز القوة العسكرية إلى نتائج عكسية، مما أدى إلى تعميق دوامة العنف التي تعرِّض السكان المحليين لمزيد من المخاطر وتؤجج التوترات العرقية.

ومثل الزوجة، السيدة ديالو، قال معظم اللاجئين، البالغ عددهم ثلاثين لاجئاً، الذين قابلتهم صحيفة «نيويورك تايمز» خلال رحلة حديثة على بُعد 500 ميل في كوت ديفوار المجاورة، بالقرب من حدود بوركينا فاسو، إن «المتطوعين للدفاع عن الوطن» أجبروهم على الفرار إمّا بطردهم وإما بقتل أقاربهم.

«كانوا يهاجمون القرى الأخرى، لذلك كنا نعلم أن دورنا سيأتي»، حسبما قالت السيدة ديالو، 32 عاماً، في مقابلة أُجريت مؤخراً معها في مدينة «أوانغولودوغو» في شمال كوت ديفوار.

من جانبها، لم تردّ حكومة بوركينا فاسو على طلب الصحيفة الحصول على تعليق. ومنذ العام الماضي، فرَّ نحو 150 ألف شخص من بوركينا فاسو إلى أربع دول مجاورة، وقد استقبلت كوت ديفوار العدد الأكبر منهم، حيث استضافت نحو 65 ألف شخص في مراكز اللجوء التي تديرها الحكومة وفي المجتمعات المضيفة.

نُشر مزيد من الجنود في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو عام 2022 لفرض الحالة الأمنية (غيتي)

ونظراً لأن معظم المتمردين المرتبطين بتنظيم «القاعدة» الذين يخوضون الحرب في بوركينا فاسو ينتمون إلى جماعة «الفولاني» العِرقية، فقد تم اتهام مدنيين من تلك الجماعة في كثير من الأحيان بالتعاون مع الجهاديين، كما جرى استهدافهم من الميليشيا بشكل غير متناسب. ووصف الباحثون عنف هذه الميليشيا، وتواطؤ الدولة معه، بأنهما «سياسة عامة» في البلاد.

وحسب جان باتيست زونغو، وهو محلل أمني مستقل من بوركينا فاسو ومقيم في كوت ديفوار، فإن «هناك ارتباطاً مباشراً بين توسيع نشاط (المتطوعين للدفاع عن الوطن) تحت قيادة تراوري، واستهداف الفولانيين، والتدفق الهائل للاجئين إلى كوت ديفوار».

وشارك اللاجئون في كوت ديفوار ذكرياتهم عن الانتهاكات التي تعرضوا لها «في الجهة الأخرى»، حيث تحدثوا همساً بصوت لا يكاد يُسمع بسبب الأمطار التي كانت تضرب أسطح المنازل الحديدية التي يسكنونها، وقال التوأمان حسين وحسن لي، وهما معلِّمان للقرآن، إنهما فرّا من شمال بوركينا فاسو في سبتمبر (أيلول) 2023 بعد أن اختطف رجال الميليشيا المدنيين عمهما وقتلوا شقيقهما على جانب الطريق.

وقال علي باري، 30 عاماً، وهو ممرض من جماعة «الفولاني»، إنه فرَّ من قريته في ديسمبر (كانون الأول) 2022 بعد أن أعدمت الميليشيا شقيقه وكثيراً من جيرانه، وأضاف: «بلدنا في أزمة، والسلطات الحالية تعتقد أن منح الناس أسلحة لقتل مجموعة كاملة من السكان هو الحل».

وقد أكد زعماء المجتمعات المضيفة والعاملون في المجال الإنساني والسلطات المحلية في كوت ديفوار شهادات اللاجئين، لكنَّ التدفق الكبير للاجئين في شمال كوت ديفوار، الذي يعد أفقر مناطق البلاد يعد اختباراً لـ«كرم الضيافة» الذي تشتهر به هذه المنطقة.

وقال باولين يوي، وهو مستشار الأمن والدفاع في كوت ديفوار، والذي يعمل مع الرئيس ويشرف على استقبال اللاجئين في الشمال: «سواء كان ذلك صحيحاً أو خاطئاً، فإن طالبي اللجوء، الذين هم في الغالب من جماعة الفولاني، يتعرضون للوصم».

وحتى في ظل الأمان النسبي في كوت ديفوار، يعيش اللاجئون في ظروف قاسية، حيث خفَّض «برنامج الأغذية العالمي» مخصصات الدعم الشهري إلى النصف، لتصبح 7.5 دولار أميركي بدلاً من 15 دولاراً لكل لاجئ مُسجَل في كوت ديفوار، وذلك بسبب نقص التمويل، كما لا يذهب غالبية أطفال اللاجئين إلى المدارس.

ويقول فاباركا واتارا، وهو عمدة قرية «لينغويكورو» في كوت ديفوار، التي استقبلت نحو 300 لاجئ: «كنا خائفين في البداية بسبب كثرة عددهم»، وأضاف: «لقد قالوا إنهم يفرون من الحرب، لكننا لم نكن نعرف ما إذا كانوا جاءوا مسلحين أم لا».

وفي صباح أحد الأيام الماضية، كانت السيدة ديالو، التي قُتل زوجها في فناء المنزل، تُحضّر الطعام في منزل استأجره والدها في كوت ديفوار بعد أن فرَّ من بوركينا فاسو في وقت سابق من هذا العام مع 12 فرداً آخر من العائلة، وقد استأجر هذا المنزل مقابل نحو 20 دولاراً شهرياً.

وعن حياتهم في بوركينا فاسو قبل أن يبدأ الرجال المحليون في الانضمام إلى الميليشيا، تقول السيدة ديالو: «كنا نعيش معاً، وكان أطفالنا يذهبون إلى المدرسة معاً»، وأضافت أنه بعدما انضم الرجال إلى «المتطوعين للدفاع عن الوطن»، توقف الجيران عن تحية عائلات جماعة «الفولاني»، ثم بدأت الغارات وعمليات القتل.

وأوضح والد السيدة ديالو، سيكو ديالو، أن أفراد الميليشيا كانوا يستهدفون بشكل متزايد مجموعات عرقية أخرى أيضاً، مثل «الموسى» و«اللوبي»، قائلاً: «كانوا يأتون في الليل، وكنا نستيقظ في الصباح لنكتشف أن رجلاً قد اختفى، سواء كان من عائلات جماعة الفولاني أو من غيرها».

وبينما كان والدها يتحدث، خفضت السيدة ديالو رأسها، إذ لم تتمكن من دفن زوجها لأنها لم تستطع العودة إلى قريتها دون المخاطرة بالموت، ثم لمست خاتماً رقيقاً بإصبعها، وهو التذكار الوحيد المتبقي من حبهما، حسب الزوجة المكلومة.


مقالات ذات صلة

تهمة «إرهاب الدولة» تنسف ما تبقّى من ثقة بين الجزائر وفرنسا

شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)

تهمة «إرهاب الدولة» تنسف ما تبقّى من ثقة بين الجزائر وفرنسا

وصفت الجزائر علاقاتها مع فرنسا، في ظل التوترات المستمرة منذ نحو عامين، بأنها تمرّ بحالة من «الرِدّة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (أ.ف.ب)

الأمن المغربي يفكّك خلية إرهابية في 4 مدن

تمكّنت قوات الأمن المغربي، خلال الـ24 ساعة الماضية، من تفكيك خلية إرهابية تتكون من ستة أشخاص في أربع مدن مغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شؤون إقليمية انتشار كثيف للشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقرُّ القنصلية الإسرائيلية في حي بيشكتاش بإسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين استهدفوه الثلاثاء (أ.ف.ب)

استهداف القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول... والشرطة تقتل مهاجماً وتقبض على اثنين

حددت السلطات التركية هوية 3 أشخاص اشتبكوا مع عناصر الشرطة، التي تتولى تأمين مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول؛ ما أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة الآخرَين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس (رويترز)

حاكم فلوريدا يوقع قانون تصنيف «الإرهاب» ويثير مخاوف إزاء حرية التعبير

وقع حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس قانوناً يمنحه وغيره من مسؤولي الولاية سلطة تصنيف الجماعات «منظمات إرهابية»، وطرد الطلاب الذين يدعمونها.

«الشرق الأوسط» (فلوريدا)
أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج سوق مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية (رويترز)

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية... مسلحون هاجموا قرى يتهمونها بقتل اثنين من أبناء قبيلتهم

الشيخ محمد (نواكشوط)

مقتل 17 شخصاً في هجوم لمسلحين على قرية في وسط نيجيريا

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
TT

مقتل 17 شخصاً في هجوم لمسلحين على قرية في وسط نيجيريا

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)

هاجم مسلحون الأحد قرية في ولاية بينو بوسط نيجيريا، ما أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص، وفق ما أفاد مسؤولون وسكان محليون الأحد.

وتقع ولاية بينو في منطقة تشهد صراعات مستمرة بين المزارعين والرعاة بسبب تنازعهم على الأراضي الخصبة والموارد الطبيعية، فضلا عن عمليات خطف مقابل فدية ترتكبها جماعات مسلحة محلية تعرف باسم «قطاع الطرق».

وأكد المتحدث باسم حكومة ولاية بينو، تيرسو كولا، وقوع الهجوم في قرية مبالوم التابعة لمنطقة غوير ايست، قائلا: «هناك ضحايا بالتأكيد»، مشيرا إلى عدم حصوله بعد على أرقام دقيقة.

وقال أحد السكان، تيرسير نغوتور، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، «أستطيع أن أؤكد مقتل 17 شخصا».

وأضاف «وصل المهاجمون (...) قرابة الساعة الخامسة مساء السبت وأطلقوا النار في جميع الاتجاهات. كنت بعيدا، وعندما غادروا بدأنا البحث عن أحبائنا».

كما أفاد ساكن آخر، غبادي جون، بمقتل «17 شخصا» وإصابة العديد من الأشخاص.

وحمّل حاكم ولاية بينو، هياسينث آليا، مسؤولية الهجوم لـ«رعاة مسلحين مشتبه بهم»، واصفا ما فعلوه بأنه «همجي».


جيش نيجيريا: إنقاذ 31 رهينة بعد هجوم على كنيسة

قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
TT

جيش نيجيريا: إنقاذ 31 رهينة بعد هجوم على كنيسة

قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)

أعلن الجيش النيجيري، الأحد، إنقاذ 31 ​مدنياً احتجزوا رهائن خلال هجوم على كنيسة في ولاية كادونا، شمال غربي البلاد، فيما عُثر على 5 قتلى في ‌مكان الواقعة.

وقال ‌الجيش إن ​الهجوم ‌وقع في ​أثناء قداس عيد القيامة في قرية أريكو بمنطقة كاتشيا. وأضاف أن القوات تلاحق منفذي الهجوم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكّد كاليب ماجي، رئيس «الرابطة المسيحية النيجيرية»، ‌في ‌ولاية كادونا، تعرض كنيستين ​لهجوم ‌في قرية أريكو، ‌الأحد. وأضاف أن 7 قتلوا، فيما احتجز المهاجمون عدداً غير معروف من ‌الرهائن.

وقال ماجي لوكالة «رويترز» للأنباء: «لا تزال عمليات البحث جارية».

وتشهد منطقة، شمال غربي نيجيريا، أعمال عنف منذ سنوات، بما في ذلك عمليات خطف جماعي مقابل فدية ومداهمات للقرى، حيث تعمل جماعات مسلحة من مخابئ في غابات شاسعة ​في ​أنحاء المنطقة.


محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
TT

محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

عقد الجانبان الكونغولي والأميركي محادثات من شأنها محاولة إحياء مسار السلام المتعثر في شرق جمهورية الكونغو منذ بداية العام الحالي مع تصاعد أعمال العنف.

وبحث الجانبان مستجدات الأوضاع ومسار السلام الذي رعته الولايات المتحدة وقطر على مدار نحو عام 2025، وهو ما يراها متابعون للشؤون الأفريقية محاولات لإحياء المحادثات المتعثرة بهدف خفض التصعيد المستمر، والتأكيد على المضي به رغم انشغالات الوسطاء بتطورات حرب إيران.

واستقبلت وزيرة الخارجية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تيريز فاجنر، القائم بالأعمال بالإنابة في السفارة الأميركية لدى كينشاسا، إيان ج. ماكاري، حيث تناولت المباحثات مسار السلام في واشنطن وباقي المبادرة الأخرى الجارية وتطورات تلك العملية، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الكونغولية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي، وقعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025 بواشنطن، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقعته كينشاسا وحركة «23 مارس» المتمردة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

ويأتي الاجتماع الذي عُقد السبت بعد تعثر يشهده المسار، الذي شهد أواخر مارس (آذار) الماضي إعلان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في تغريدة على «إكس»، أن الغريمتين رواندا والكونغو الديمقراطية «التزمتا في محادثات واشنطن بالتهدئة وحماية المدنيين، بعد اجتماعات في واشنطن، وتشمل التهدئة تعهدات بسحب قوات تدريجياً وتجميد هجمات أخرى».

وجاءت تلك الجهود نحو أسبوعين من مشاركة قطر عبر تقنية الاتصال المرئي، في اجتماع بحث تنفيذ «آلية الإشراف والتحقق من وقف إطلاق النار»، وسبق أن تم توقيعه مطلع فبراير (شباط) الماضي بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية والمتمردين في الدوحة.

وأوضح المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك المباحثات التي أجرتها كينشاسا مع واشنطن تندرج ضمن سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، في ظل استمرار تصاعد العنف في شرق الكونغو الديمقراطية وتعدد الفاعلين المسلحين وتشابك المصالح الإقليمية.

دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وتعكس هذه التحركات، حسب عيسى، «إدراكاً متزايداً بأن المقاربة العسكرية لم تعد كافية، وأن استئناف المسار التفاوضي بات ضرورة لتفادي مزيد من التدهور»، لافتاً إلى أن «نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بمدى التزام الأطراف المحلية، ولا سيما الجماعات المسلحة، بوقف إطلاق النار والانخراط الجاد في العملية السياسية».

ووفقاً لتقدير عيسى، «تستطيع الولايات المتحدة أن تضطلع بدور داعم عبر الضغط الدبلوماسي وتوفير ضمانات تتعلق بوقف إطلاق النار، ومراقبة تنفيذ الاتفاقات، ودعم آليات التحقق الميداني، غير أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في غياب إرادة داخلية حقيقية».

ويأتي هذا المسار مع تصاعد أعمال العنف، وفي 2 أبريل (نيسان) الحالي، قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، حسبما أعلنت القوات المسلحة الكونغولية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وفي ظل ذلك الوضع، وما يصاحبه من انشغال كل من أميركا وقطر بملفات أكثر إلحاحاً، وعلى رأسها تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، يعتقد المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن المحادثات تأكيد على أولوية الدفع نحو مسار تفاوضي فعلي في شرق الكونغو الديمقراطية، وعدم فقدان الزخم السياسي والدبلوماسي اللازم لبلورة اختراق حقيقي. وأضاف عيسى: «وهذا الانشغال لا يعني بالضرورة غياب المسار التفاوضي، وكما رأينا هناك مباحثات، لكنه يجعله أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلّها، حيث تقتصر الجهود على احتواء التصعيد بدل معالجته جذرياً».

مع ذلك، قد يظل الباب مفتوحاً أمام تحركات محدودة أو مبادرات إقليمية بديلة، خاصة إذا ما توفرت إرادة محلية حقيقية لدى الأطراف المتنازعة، وفق تقدير عيسى، محذراً من أن غياب دعم دولي قوي ومنسق، يقلل من فرص تحويل هذه التحركات إلى مسار تفاوضي جاد ومستدام. ويؤكد عيسى أن «أي تقدّم محتمل سيكون بطيئاً وهشاً، وقابلاً للانتكاس عند أول اختبار ميداني، إلا إذا تمت إعادة ترتيب الأولويات الدولية وتكثيف التنسيق الإقليمي، لضمان عدم انزلاق الوضع نحو مزيد من التصعيد، وتهيئة حدٍّ أدنى من الثقة يسمح بفتح نافذة تفاوضية أكثر استدامة».