فرنسا ترفض سحب قواتها من النيجر وتتمسّك بشرعية بازوم

مؤشرات تباين في مواقف «إيكواس» من الانقلابيين

أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض سحب قواتها من النيجر وتتمسّك بشرعية بازوم

أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)

استبق سباستيان لوكورنو، وزير الدفاع الفرنسي، انتهاء المهلة التي أعطاها المجلس العسكري النيجري، الأحد، لرحيل القوات الفرنسية عن البلاد، بتأكيد أن باريس «ليست في وارد الخضوع» لمطالب الانقلابيين، وأنها لا تزال على تواصل دائم مع الرئيس المخلوع محمد بازوم الذي تعترف بشرعيته.

والحجة التي تتمسك بها فرنسا، منذ حصول الانقلاب في نيامي، 26 يوليو (تموز) الماضي، واضحة وقوية، ولا تحتمل برأيها الجدل، وهي أن الحضور العسكري الفرنسي في النيجر موثّق في اتفاقيات معقودة مع السلطات الشرعية، وبناءً على طلبها، وبالتالي فإنها فقط معنية بما يصدر عن هذه السلطات و«ليس عن انقلابيين يفتقدون الشرعية».

وكما رفضت باريس، الأسبوع الماضي، الاستجابة لطلب وزارة الخارجية النيجرية سحب سفيرها سيلفان أيتيه، من نيامي، خلال مهلة لا تزيد عن 48 ساعة، فإنها ترفض الخضوع لمطلب المجلس العسكري الذي نقض الاتفاقيات الأمنية والدفاعية الموقعة بين الطرفين وأمهل القوة الفرنسية شهراً واحداً للخروج.

تواصل يومي مع بازوم

في حديث نشرته صباح السبت صحيفة «لو فيغارو»، قال لوكورنو إن باريس أرسلت قوات إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر لمساعدة القوات المحلية في محاربة التنظيمات الإرهابية؛ مثل «داعش» في منطقة الساحل، والفرع المحلي لـ«القاعدة»، ومجموعة «بوكو حرام». وبرر انسحاب هذه القوات من مالي وبوركينا فاسو بتخلي السلطات الانقلابية في هذين البلدين عن محاربة الإرهاب. لكنه أردف قائلاً إن «الوضع في النيجر مختلف، ونحن لا نعترف إلا بسلطة الرئيس بازوم ونريد العودة إلى الانتظام الدستوري».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس النيجر محمد بازوم في الإليزيه في 23 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال الرئيس إيمانويل ماكرون، الجمعة، إنه يتحدث «كل يوم مع الرئيس بازوم»، وتابع: «نحن ندعمه. ولا نعترف بمن نفذوا الانقلاب. وأي قرارات سنتخذها، أياً كانت، ستكون مبنية على تواصلنا مع بازوم».

الملفت في كلام ماكرون أن باريس كانت تربط تعاطيها، حصراً، بالملف النيجري بما تقرره المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» التي يتلخص موقفها بالبحث عن حل سياسي ــ دبلوماسي لأزمة النيجر، مع عدم استبعاد التدخل العسكري باعتباره «ملاذاً أخيراً».

وحتى يوم الاثنين الماضي، في خطابه أمام سفراء فرنسا بمناسبة مؤتمرهم السنوي، أكّد ماكرون أن بلاده تدعم «إيكواس» في خياراتها إن كانت دبلوماسية أو عسكرية. والحال، أنه في حديثه الأخير، ربط قرارات بلاده القادمة بما يطلبه الرئيس المخلوع الذي وصفه ماكرون بــ«الرهينة»، والذي يشكو من المعاملة السيئة التي يتلقاها من الانقلابيين. لكن هذا لا يمنعه من التواصل مع العالم الخارجي بحرية، أو أن تكون له مكالمة يومية مع الرئيس ماكرون الذي يتهمه المجلس الانقلابي بأنه يخطط ويدفع للتدخل العسكري.

الفرق بين انقلابي النيجر والغابون

وفي تبرير الفرق في التعاطي بين انقلابي النيجر والغابون، يقوم التفسير الفرنسي الرسمي، حسب ماكرون، على اعتبار أنهما «مختلفان للغاية». أما كلام لوكورنو فقد جاء أكثر تفصيلاً، إذ أكد أن فرنسا «تدين كل الانقلابات ولا تكيل بمكيالين، لأن مصداقيتها على المحك». لكنه أردف قائلاً: «رغم ذلك، لا نستطيع أن نضع على قدم المساواة ما جرى في النيجر وما حصل في الغابون». ففي الحالة الأولى، «عمد عسكريون يفتقدون للشرعية لإزاحة رئيس منتخب شرعياً، فيما دافعُ العسكريين في الغابون هو تحديداً عدم احترام القانون الانتخابي والدستور، وفي اعتقادي أن هناك شكوكاً حول نزاهة الانتخابات». ويعني ذلك عملياً أن باريس يمكن أن تغض الطرف عن انقلاب الغابون، وهو ما سبقه إليها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى.

تباين داخل «إيكواس»

حقيقة الأمر أن ما يُقلق فرنسا يتمثل بوجود بوادر تفسّخ داخل مجموعة «إيكواس» إزاء كيفية تواصل التعاطي مع انقلابيي النيجر. وثمة قناعة، وفق مصادر أوروبية، قوامها أن «كل أسبوع يمر من شأنه تقوية موقع المجلس العسكري وتراجع احتمال التدخل الخارجي»، وهي تضيف أن انقلاب الغابون واختلاف التعاطي الإقليمي والدولي معه يضعفان «إيكواس»، خصوصاً العواصم المتشددة الدافعة باتجاه عملية عسكرية مثل ساحل العاج أو السنغال.

متظاهر يحمل لافتة للتعبير عن رفضه بقاء القوات الفرنسية في النيجر (أ.ف.ب)

بيد أن التخوف الفرنسي الأكبر مصدره نيجيريا التي كانت تعد، مع حصول الانقلاب، الدولة الأكثر حزماً وإصراراً على إجهاضه، حتى عسكرياً. وموقف نيجيريا، القطب الأكبر سياسياً واقتصادياً والأقوى عسكرياً، والتي تتشارك مع النيجر بحدود تصل إلى 1500 كلم، له التأثير الأهم على مقاربة «إيكواس» للأزمة النيجرية.

فضلاً عن ذلك، فإن بولا تينوبو، الرئيس النيجيري الجديد الذي يرأس الدورة الحالية لـ«إيكواس» أكد منذ البداية أن الانقلاب في نيامي هو «لزوم ما لا يلزم، وبالتالي يتعين التصدي له». وسارع إلى إغلاق حدود بلاده مع النيجر، وقطع الإمدادات الكهربائية لها، ودفع لاتخاذ عقوبات صارمة بحقها، وفرض عزلة سياسية واقتصادية ومالية عليها من أجل لي ذراع الانقلابيين ودفعهم للتراجع.

المفارقة، أن بولا تينوبو هو أول رئيس من مجموعة «إيكواس» عمد، الخميس الماضي، إلى اقتراح حل سياسي ــ دبلوماسي في بيان صادر عن الرئاسة النيجيرية. وعرض فيه على الانقلابيين «فترة انتقالية» من 9 أشهر. وحُجّة تينوبو أن ما نجح في نيجيريا للتخلص من الحكم العسكري في تسعينات القرن الماضي، يمكن أن يكون مخرجاً من الأزمة الراهنة في النيجر.

بيد أن «إيكواس» عجّلت، مساء اليوم نفسه، إلى إصدار بيان ذكرت فيه أن موقفها «واضح» ولم يتغير ومؤداه أنه يتعيّن على «السلطات العسكرية العودة إلى الانتظام الدستوري فوراً، وإطلاق سراح الرئيس بازوم وتمكينه من استعادة سلطاته». وما جاءت به هذه الهيئة يعكس، بلا شك، وجود مقاربات مختلفة، لا بل تفسخاً، في مواقفها، خصوصاً أنها تعلن عن مواقف متضاربة مع مواقف رئيسها.

فترة انتقالية؟

تجدر الإشارة إلى أن مقترح الرئيس النيجيري جاء بعد أيام قليلة من اقتراح مشابه قدمه وزير الخارجية الجزائري أحمد العطاف، بعد جولة أفريقية شملت نيجيريا، فيما زار مسؤول رفيع المستوى في وزارته نيامي وأجرى مباحثات مع قادة الانقلاب. وتتضمن الخطة الجزائرية ستة بنود، أهمها القيام بترتيبات مرحلية على مدى ستة أشهر تحت إشراف سلطة مدنية توافقية، بما يُفضي إلى استعادة النظام الدستوري في البلاد مع المطالبة بإخلاء سبيل الرئيس بازوم وتمكينه من ممارسة مهامه.

وسبق للجنرال عبد الرحمن تياني، رئيس المجلس العسكري، أن تحدث عن فترة انتقالية من ثلاث سنوات. والواضح أن بحثاً في هذا الاتجاه سيكون سمة الجهود الدبلوماسية. لكن نقطة الضعف فيها أن الضمانات التي قد يقدمها الانقلابيون لجهة تنظيم انتخابات مبكرة والالتزام ببنود اتفاق مرحلي لن يتم بالضرورة العمل بها، والدليل على ذلك ما حصل في مالي وبوركينا فاسو.

حتى اليوم، لم يصدر أي تعليق فرنسي على المقترحين الجزائري والنيجيري، فيما تنشط الولايات المتحدة اتصالاتها الدبلوماسية.

متظاهرون يحملون علم «فاغنر» في نيامي السبت (أ.ف.ب)

وثمّة قناعة اليوم بأن باريس تعاني من «العزلة الدبلوماسية»، وقد تجد نفسها قريباً وحيدة بسبب التمسك بمواقف متشددة، علماً بأنها المتضررة الأولى مما يحصل في الساحل وأخيراً في الغابون.

فالتوجه الغالب داخل الاتحاد الأوروبي يشدد على الحل الدبلوماسي، والولايات المتحدة لا ترى غيره حلاً. وتراجع نيجيريا ستكون له، بلا شك، تداعيات داخل «إيكواس».

في المقابل، فإن الضغوط لترحيل القوة الفرنسية سوف تتضاعف، ولا شك أن السلطة العسكرية والجمعيات والمجموعات الموالية لها سوف تستخدم الضغط الشعبي للتخلص من الحضور الفرنسي. وتكاثرت في الأيام الأخيرة الدعوات للاعتصام قرب القاعدة العسكرية التي يستخدمها الجنود الفرنسيون في نيامي. وأول من أمس، سُئل الرئيس ماكرون عن عزلة بلاده في ملف النيجر، وكان جوابه: «العزلة لا تزعجني إذا كانت بسبب وفائنا للمبادئ والاحترام الذي يتعين علينا إظهاره للشعوب».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رفع مستوى خطر تفشي «إيبولا» في الكونغو

موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)
موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)
TT

رفع مستوى خطر تفشي «إيبولا» في الكونغو

موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)
موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)

رفعت منظمة الصحة العالمية، أمس، مستوى خطر تفشّي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية من «مرتفع» إلى «مرتفع جداً» على الصعيد الوطني. وقال المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس إن مستوى الخطر لا يزال «مرتفعاً» على المستوى الإقليمي و«منخفضاً» عالمياً.

وأكّد غيبريسوس: «حتى الآن، تم تأكيد 82 حالة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينها سبع وفيات مؤكدة. لكننا نعلم أن حجم الانتشار في جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر بكثير. هناك الآن ما يقارب 750 حالة مشتبهاً بها و177 وفاة مشتبهاً بها». وأشار تيدروس إلى أن «الوضع في أوغندا مستقر، مع تأكيد إصابتين لأشخاص قدموا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينهما وفاة واحدة».

في غضون ذلك، أضرم محتجّون النار بخيام تابعة لمستشفى في إحدى بؤر تفشّي الفيروس، بعدما أثارت عمليات الدفن السريعة للضحايا غضب الأهالي.


رئيس السنغال يقيل رئيس الوزراء ويحل الحكومة وسط تصاعد التوتر

الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)
الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)
TT

رئيس السنغال يقيل رئيس الوزراء ويحل الحكومة وسط تصاعد التوتر

الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)
الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)

ذكر بيان بثته هيئة ​الاذاعة والتلفزيون السنغالية، أن الرئيس باسيرو ديوماي فاي، أقال رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل ‌الحكومة، ​في ‌خطوة ⁠قد ​تؤدي إلى تفاقم ⁠التوتر السياسي في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من أعباء ديون ⁠ثقيلة.

ويأتي هذا القرار ‌بعد ‌أشهر من ​التوترات ‌المتصاعدة بين ‌الحليفين اللذين تحولا إلى خصمين.

وكان سونكو، الذي يتميز بشخصية جذابة ‌ويحظى بتأييد كبير من الشباب، قد ⁠أيد ⁠فاي في انتخابات عام 2024 بعد أن منعته إدانة بتهمة التشهير من الترشح.

وقال الأمين العام للرئاسة في البيان ​إنه ​تم حل الحكومة.

(إعداد مروة سلام للنشرة ​العربية)


منظمة الصحة العالمية ترفع خطر تفشّي «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية

مدير منظّمة الصحة العالمية يتحدّث مع مسؤول أفريقيا في المنظّمة نفسها خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
مدير منظّمة الصحة العالمية يتحدّث مع مسؤول أفريقيا في المنظّمة نفسها خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
TT

منظمة الصحة العالمية ترفع خطر تفشّي «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية

مدير منظّمة الصحة العالمية يتحدّث مع مسؤول أفريقيا في المنظّمة نفسها خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
مدير منظّمة الصحة العالمية يتحدّث مع مسؤول أفريقيا في المنظّمة نفسها خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)

رفعت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، مستوى خطر تفشّي فيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية من «مرتفع» إلى «مرتفع جداً» على الصعيد الوطني.

وقال المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال مؤتمر صحافي، إن مستوى الخطر لا يزال «مرتفعاً» على المستوى الإقليمي، و«منخفضاً» عالمياً.

وأضاف: «يتفشّى فيروس (إيبولا) في جمهورية الكونغو الديمقراطية بسرعة». وتابع: «نقوم الآن بمراجعة تقييم المخاطر إلى (مرتفع جداً) على المستوى الوطني، و(مرتفع) على المستوى الإقليمي، و(منخفض) على المستوى العالمي».

مسؤولو منظّمة الصحة العالمية يتحدّثون للصحافة حول تفشي «إيبولا» خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)

وأكّد غيبريسوس: «حتى الآن، تم تأكيد 82 حالة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينها سبع وفيات مؤكدة. لكننا نعلم أن حجم الانتشار في جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر بكثير. هناك الآن ما يقارب 750 حالة مشتبهاً بها، و177 وفاة مشتبهاً بها».

وأشار غيبريسوس إلى أن «الوضع في أوغندا مستقر، مع تأكيد إصابتين لأشخاص قدموا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينهما وفاة واحدة». وأكّد أن أعمال العنف وانعدام الأمن يعرقلان جهود الاستجابة للتفشّي.

نشر الجيش

في غضون ذلك، أضرم محتجّون النار في خيام تابعة لمستشفى في إحدى بؤر تفشّي فيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في حين يواجه كثير من الكونغوليين حالة من الخوف والغضب والارتباك إزاء أحدث موجات التفشّي القاتلة.

وأثارت عمليات الدفن السريعة للضحايا الذين يُشتبه في وفاتهم بالحمّى النزفية الفيروسية، شكوكاً في منطقة تعصف بها النزاعات وتعاني أصلاً من انعدام الثقة بالدولة، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». ومع تصاعد التوتر، نُشر الجيش لتأمين مراسم الدفن.

وأُضرمت النار، الخميس، في الخيام المستخدمة لعزل مرضى «إيبولا» في «مستشفى روامبارا»، في إقليم إيتوري شمال شرقي البلاد، الواقع في بؤرة التفشّي، قبل أن تنتهي أعمال الشغب سريعاً بعد تدخل الجيش. ولم يتبقَّ من الخيام سوى هياكلها المتفحّمة. وقال مسؤول في المؤسسة الطبية: «بدأ كل شيء عندما تُوفي شاب يبلغ 24 عاماً، وهو ابن أحد الجنود، داخل المستشفى». وأضاف: «أرادت العائلة أن نسلّمها الجثة حتى تتمكن من دفنها، لكن في ظلّ هذه الظروف، ذلك مستحيل».

عشرات الوفيات

إلى جانب كون «إيبولا» مرضاً شديد الفتك، فإنه ينتقل عبر الاتصال الجسدي المطوّل وسوائل الجسم. ولا يتوافر لقاح أو علاج لسلالة «بونديبوغيو» المسؤولة عن التفشّي السابع عشر لـ«إيبولا» الذي يضرب هذا البلد الواقع في وسط أفريقيا، والذي تعتقد منظمة الصحة العالمية أنه أودى بالفعل بحياة أكثر من 177 شخصاً.

لذلك، تعتمد جهود احتواء التفشّي الأخير أساساً على الإجراءات الوقائية وتعقّب المخالطين بسرعة. لكن في المناطق الريفية من الكونغو الديمقراطية «يرتمي الأقارب على الجثث، ويلمسونها ويلمسون ملابس المتوفين، في حين ينظمون طقوس عزاء تجمع أعداداً كبيرة من الناس»، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن جان ماري إيزادري، وهو أحد قادة المجتمع المدني في إيتوري. وأضاف: «للأسف، هذا يحدث حتى خلال هذا الوباء، ما يفسّر كثرة حالات العدوى».

«مرض وهمي»

بعد أعمال الشغب في «مستشفى روامبارا»، انتظرت عائلات بقلق دفن ثلاثة مرضى يُشتبه في وفاتهم بالفيروس، رغم أن بعضهم شكّك في وجود المرض أساساً.

وقال جيريمي أروامبارا (22 عاماً): «أخي لم يمت بسبب (إيبولا)، إنه مرض وهمي!». وصرخ إزيكييل شامبويي قائلاً: «لماذا يرفضون تسليمنا الجثث؟! إنه أخي الأكبر، لا يمكن أن أخاف منه».

موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)

وتفرّق الحشد بعد أن أطلق الجنود المنتشرون حول المستشفى أعيرة تحذيرية. كما أُصيبت ممرضة بجروح جراء الحجارة التي رشقها المحتجون. وداخل المستشفى، كان العاملون في القطاع الصحي يستعدّون لعمليات الدفن، مرتدين معدات الوقاية الكاملة، ثم خرجوا يحملون ثلاثة توابيت بالأبيض والأسود، وُضعت على عربة ثلاثية العجلات.

وفي أحد التوابيت كان يرقد والد موسى أموري، الذي حضر لتوديع والده على عجل. وقال الشاب: «سيدفنون والدنا من دون أن نراه، هذا يحطم قلبي!».

وانطلق موكب الجنازة نحو مقبرة روامبارا، ترافقه ثلاث سيارات «جيب» تُقلّ جنوداً وعناصر من الشرطة. وتواجه قوات الأمن الكونغولية، المعروفة بسوء الانضباط، اتهامات في تفشّيات سابقة لـ«إيبولا» بتأجيج انعدام الثقة تجاه الطواقم الطبية.

ووفق مصدر في المستشفى، فإن بعض المشاركين في أعمال الشغب في روامبارا كانوا جنوداً أيضاً، ومن المقربين لأحد الضحايا، وقد هدّدوا العاملين في القطاع الصحي.

ترنيمة جنائزية

ومع حلول الغسق على التلال الخضراء المحيطة بروامبارا، بدأت مراسم الدفن في المقبرة الواقعة خارج البلدة. وبعد رشّ التوابيت بالمطهّرات، أُنزلت سريعاً إلى القبور على أيدي رجال يرتدون بذلات الوقاية الكاملة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وانفجر ذوو الضحايا في البكاء أثناء متابعتهم المراسم. وبدأ أحدهم ينشد ترنيمة بصوت خافت، في حين تلا قسّ عدة آيات من الإنجيل. ومن بين المشيّعين، رفضت مامان ليوني تصديق أن شقيقها قضى بسبب «إيبولا». وقالت متوسّلة: «لقد كان مريضاً فقط، فلتأتِ الحكومة لمساعدتنا!».

موظفو صحّة ينقلون مصاباً بـ«إيبولا» إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)

وظلّت خدمات الدولة شبه غائبة لعقود في المناطق الريفية من إيتوري. وبات السكان، الذين يعانون أصلاً من المجازر المتكررة التي ترتكبها الجماعات المسلحة المنتشرة في الإقليم المضطرب، يحمّلون الحكومة الكونغولية بشكل متزايد مسؤولية بطء الاستجابة للتفشّي.

وقال مسؤول في المستشفى إنه خلال الأيام الأخيرة في بلدة مونغبالو «أدرك السكان حجم الوضع، وأصبحوا يعلمون أنه يجب عدم لمس الجثث». لكنه أضاف أن السكان يشعرون بالقلق؛ لأن «مناطق العزل وفرز الحالات لم تُنشأ بعد». وأوضح أن «الحالات المشتبه بها تختلط مع المرضى الآخرين داخل أجنحة المستشفى، ما يرفع خطر العدوى بشكل كبير».