فرنسا ترفض سحب قواتها من النيجر وتتمسّك بشرعية بازوم

مؤشرات تباين في مواقف «إيكواس» من الانقلابيين

أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض سحب قواتها من النيجر وتتمسّك بشرعية بازوم

أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)

استبق سباستيان لوكورنو، وزير الدفاع الفرنسي، انتهاء المهلة التي أعطاها المجلس العسكري النيجري، الأحد، لرحيل القوات الفرنسية عن البلاد، بتأكيد أن باريس «ليست في وارد الخضوع» لمطالب الانقلابيين، وأنها لا تزال على تواصل دائم مع الرئيس المخلوع محمد بازوم الذي تعترف بشرعيته.

والحجة التي تتمسك بها فرنسا، منذ حصول الانقلاب في نيامي، 26 يوليو (تموز) الماضي، واضحة وقوية، ولا تحتمل برأيها الجدل، وهي أن الحضور العسكري الفرنسي في النيجر موثّق في اتفاقيات معقودة مع السلطات الشرعية، وبناءً على طلبها، وبالتالي فإنها فقط معنية بما يصدر عن هذه السلطات و«ليس عن انقلابيين يفتقدون الشرعية».

وكما رفضت باريس، الأسبوع الماضي، الاستجابة لطلب وزارة الخارجية النيجرية سحب سفيرها سيلفان أيتيه، من نيامي، خلال مهلة لا تزيد عن 48 ساعة، فإنها ترفض الخضوع لمطلب المجلس العسكري الذي نقض الاتفاقيات الأمنية والدفاعية الموقعة بين الطرفين وأمهل القوة الفرنسية شهراً واحداً للخروج.

تواصل يومي مع بازوم

في حديث نشرته صباح السبت صحيفة «لو فيغارو»، قال لوكورنو إن باريس أرسلت قوات إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر لمساعدة القوات المحلية في محاربة التنظيمات الإرهابية؛ مثل «داعش» في منطقة الساحل، والفرع المحلي لـ«القاعدة»، ومجموعة «بوكو حرام». وبرر انسحاب هذه القوات من مالي وبوركينا فاسو بتخلي السلطات الانقلابية في هذين البلدين عن محاربة الإرهاب. لكنه أردف قائلاً إن «الوضع في النيجر مختلف، ونحن لا نعترف إلا بسلطة الرئيس بازوم ونريد العودة إلى الانتظام الدستوري».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس النيجر محمد بازوم في الإليزيه في 23 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال الرئيس إيمانويل ماكرون، الجمعة، إنه يتحدث «كل يوم مع الرئيس بازوم»، وتابع: «نحن ندعمه. ولا نعترف بمن نفذوا الانقلاب. وأي قرارات سنتخذها، أياً كانت، ستكون مبنية على تواصلنا مع بازوم».

الملفت في كلام ماكرون أن باريس كانت تربط تعاطيها، حصراً، بالملف النيجري بما تقرره المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» التي يتلخص موقفها بالبحث عن حل سياسي ــ دبلوماسي لأزمة النيجر، مع عدم استبعاد التدخل العسكري باعتباره «ملاذاً أخيراً».

وحتى يوم الاثنين الماضي، في خطابه أمام سفراء فرنسا بمناسبة مؤتمرهم السنوي، أكّد ماكرون أن بلاده تدعم «إيكواس» في خياراتها إن كانت دبلوماسية أو عسكرية. والحال، أنه في حديثه الأخير، ربط قرارات بلاده القادمة بما يطلبه الرئيس المخلوع الذي وصفه ماكرون بــ«الرهينة»، والذي يشكو من المعاملة السيئة التي يتلقاها من الانقلابيين. لكن هذا لا يمنعه من التواصل مع العالم الخارجي بحرية، أو أن تكون له مكالمة يومية مع الرئيس ماكرون الذي يتهمه المجلس الانقلابي بأنه يخطط ويدفع للتدخل العسكري.

الفرق بين انقلابي النيجر والغابون

وفي تبرير الفرق في التعاطي بين انقلابي النيجر والغابون، يقوم التفسير الفرنسي الرسمي، حسب ماكرون، على اعتبار أنهما «مختلفان للغاية». أما كلام لوكورنو فقد جاء أكثر تفصيلاً، إذ أكد أن فرنسا «تدين كل الانقلابات ولا تكيل بمكيالين، لأن مصداقيتها على المحك». لكنه أردف قائلاً: «رغم ذلك، لا نستطيع أن نضع على قدم المساواة ما جرى في النيجر وما حصل في الغابون». ففي الحالة الأولى، «عمد عسكريون يفتقدون للشرعية لإزاحة رئيس منتخب شرعياً، فيما دافعُ العسكريين في الغابون هو تحديداً عدم احترام القانون الانتخابي والدستور، وفي اعتقادي أن هناك شكوكاً حول نزاهة الانتخابات». ويعني ذلك عملياً أن باريس يمكن أن تغض الطرف عن انقلاب الغابون، وهو ما سبقه إليها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى.

تباين داخل «إيكواس»

حقيقة الأمر أن ما يُقلق فرنسا يتمثل بوجود بوادر تفسّخ داخل مجموعة «إيكواس» إزاء كيفية تواصل التعاطي مع انقلابيي النيجر. وثمة قناعة، وفق مصادر أوروبية، قوامها أن «كل أسبوع يمر من شأنه تقوية موقع المجلس العسكري وتراجع احتمال التدخل الخارجي»، وهي تضيف أن انقلاب الغابون واختلاف التعاطي الإقليمي والدولي معه يضعفان «إيكواس»، خصوصاً العواصم المتشددة الدافعة باتجاه عملية عسكرية مثل ساحل العاج أو السنغال.

متظاهر يحمل لافتة للتعبير عن رفضه بقاء القوات الفرنسية في النيجر (أ.ف.ب)

بيد أن التخوف الفرنسي الأكبر مصدره نيجيريا التي كانت تعد، مع حصول الانقلاب، الدولة الأكثر حزماً وإصراراً على إجهاضه، حتى عسكرياً. وموقف نيجيريا، القطب الأكبر سياسياً واقتصادياً والأقوى عسكرياً، والتي تتشارك مع النيجر بحدود تصل إلى 1500 كلم، له التأثير الأهم على مقاربة «إيكواس» للأزمة النيجرية.

فضلاً عن ذلك، فإن بولا تينوبو، الرئيس النيجيري الجديد الذي يرأس الدورة الحالية لـ«إيكواس» أكد منذ البداية أن الانقلاب في نيامي هو «لزوم ما لا يلزم، وبالتالي يتعين التصدي له». وسارع إلى إغلاق حدود بلاده مع النيجر، وقطع الإمدادات الكهربائية لها، ودفع لاتخاذ عقوبات صارمة بحقها، وفرض عزلة سياسية واقتصادية ومالية عليها من أجل لي ذراع الانقلابيين ودفعهم للتراجع.

المفارقة، أن بولا تينوبو هو أول رئيس من مجموعة «إيكواس» عمد، الخميس الماضي، إلى اقتراح حل سياسي ــ دبلوماسي في بيان صادر عن الرئاسة النيجيرية. وعرض فيه على الانقلابيين «فترة انتقالية» من 9 أشهر. وحُجّة تينوبو أن ما نجح في نيجيريا للتخلص من الحكم العسكري في تسعينات القرن الماضي، يمكن أن يكون مخرجاً من الأزمة الراهنة في النيجر.

بيد أن «إيكواس» عجّلت، مساء اليوم نفسه، إلى إصدار بيان ذكرت فيه أن موقفها «واضح» ولم يتغير ومؤداه أنه يتعيّن على «السلطات العسكرية العودة إلى الانتظام الدستوري فوراً، وإطلاق سراح الرئيس بازوم وتمكينه من استعادة سلطاته». وما جاءت به هذه الهيئة يعكس، بلا شك، وجود مقاربات مختلفة، لا بل تفسخاً، في مواقفها، خصوصاً أنها تعلن عن مواقف متضاربة مع مواقف رئيسها.

فترة انتقالية؟

تجدر الإشارة إلى أن مقترح الرئيس النيجيري جاء بعد أيام قليلة من اقتراح مشابه قدمه وزير الخارجية الجزائري أحمد العطاف، بعد جولة أفريقية شملت نيجيريا، فيما زار مسؤول رفيع المستوى في وزارته نيامي وأجرى مباحثات مع قادة الانقلاب. وتتضمن الخطة الجزائرية ستة بنود، أهمها القيام بترتيبات مرحلية على مدى ستة أشهر تحت إشراف سلطة مدنية توافقية، بما يُفضي إلى استعادة النظام الدستوري في البلاد مع المطالبة بإخلاء سبيل الرئيس بازوم وتمكينه من ممارسة مهامه.

وسبق للجنرال عبد الرحمن تياني، رئيس المجلس العسكري، أن تحدث عن فترة انتقالية من ثلاث سنوات. والواضح أن بحثاً في هذا الاتجاه سيكون سمة الجهود الدبلوماسية. لكن نقطة الضعف فيها أن الضمانات التي قد يقدمها الانقلابيون لجهة تنظيم انتخابات مبكرة والالتزام ببنود اتفاق مرحلي لن يتم بالضرورة العمل بها، والدليل على ذلك ما حصل في مالي وبوركينا فاسو.

حتى اليوم، لم يصدر أي تعليق فرنسي على المقترحين الجزائري والنيجيري، فيما تنشط الولايات المتحدة اتصالاتها الدبلوماسية.

متظاهرون يحملون علم «فاغنر» في نيامي السبت (أ.ف.ب)

وثمّة قناعة اليوم بأن باريس تعاني من «العزلة الدبلوماسية»، وقد تجد نفسها قريباً وحيدة بسبب التمسك بمواقف متشددة، علماً بأنها المتضررة الأولى مما يحصل في الساحل وأخيراً في الغابون.

فالتوجه الغالب داخل الاتحاد الأوروبي يشدد على الحل الدبلوماسي، والولايات المتحدة لا ترى غيره حلاً. وتراجع نيجيريا ستكون له، بلا شك، تداعيات داخل «إيكواس».

في المقابل، فإن الضغوط لترحيل القوة الفرنسية سوف تتضاعف، ولا شك أن السلطة العسكرية والجمعيات والمجموعات الموالية لها سوف تستخدم الضغط الشعبي للتخلص من الحضور الفرنسي. وتكاثرت في الأيام الأخيرة الدعوات للاعتصام قرب القاعدة العسكرية التي يستخدمها الجنود الفرنسيون في نيامي. وأول من أمس، سُئل الرئيس ماكرون عن عزلة بلاده في ملف النيجر، وكان جوابه: «العزلة لا تزعجني إذا كانت بسبب وفائنا للمبادئ والاحترام الذي يتعين علينا إظهاره للشعوب».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
TT

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)

تواجه الكونغو الديمقراطية منذ عامين تصاعداً للعنف، مع سيطرة متمردين وجماعات مسلحة على مناطق حيوية في شرق البلاد، بينما تصطدم جهود مواجهة تلك التهديدات الأمنية بتلويح أوغندا بسحب قوات بلادها ووقف الدعم المستمر منذ سنوات.

ذلك التلويح الذي يتزامن مع نشاط يتنامى للمتمردين، يرى خبير مختص في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يزيد من مخاطر الفراغ الأمني، ويساهم في اتساع التوترات العسكرية وسط تراجع مسار السلام منذ بداية العام الحالي رغم اتفاقات عديدة شهدها عام 2025.

وأعلن قائد الجيش الأوغندي، موهوزي كاينيروغابا، أن قوات الدفاع الشعبي الأوغندية قد تبدأ الانسحاب من مواقعها الممتدة بين شمال كيفو وإيتوري، في حال استمرار ما وصفه بـ«العراقيل السياسية» التي تعوق تنفيذ مهامها الميدانية.

وتأتي هذه التطورات وسط توتر متزايد مع حاكم إيتوري، جوني لوبويا نكاشاما، الذي فرض قيوداً على تحركات القوات الأوغندية، شملت الحد من الوصول إلى نقاط حدودية حساسة، وهو ما تعتبره كمبالا عائقاً أمام عملياتها العسكرية، حسب ما ذكره إعلام أوغندي مساء الجمعة.

في المقابل، تدعم الحكومة في كينشاسا إجراءات حاكم إيتوري، في إطار مساعيها لتعزيز سيادتها على الملف الأمني وتقليص دور القوات الأجنبية داخل أراضيها.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن التلويح الصادر من كمبالا بشأن تقييد حركة قواتها أو حتى الانسحاب من شرق الكونغو، يعكس توتراً متصاعداً في العلاقة مع كينشاسا، خصوصاً في ما يتعلق بوجود القوات الأوغندية داخل إقليم إيتوري.

هذا الوجود منذ 2021، حسب عيسى، كان قائماً على تفاهمات أمنية هدفها ملاحقة الجماعات المسلحة، لكنه يبدو اليوم أكثر هشاشة مع بروز خلافات حول حرية الحركة والصلاحيات الميدانية.

وفي حال انسحاب أو تقليص هذا الوجود، فإن أبرز ما سيترتب عليه هو اتساع الفراغ الأمني، في منطقة تعاني أصلاً من تعدد الجماعات المسلحة وضعف سلطة الدولة، خصوصاً وهذا الفراغ غالباً ما يستغل بسرعة من قبل الفصائل المسلحة لإعادة الانتشار أو تكثيف الهجمات، ما يعني احتمال ارتفاع مستوى العنف بدل احتوائه، وفق تقدير عيسى.

كما أن أي تراجع في التنسيق بين أوغندا والكونغو الديمقراطية قد يضعف عمليات المراقبة على الحدود، ويزيد من اضطراب حركة السكان والتجارة، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد مثل إيتوري، حيث تتداخل المصالح الأمنية بالاقتصادية بشكل معقد، وفق عيسي.

وأوضح أنه مع تراجع الفاعل الإقليمي الأوغندي، قد تتجه أطراف أخرى إلى ملء الفراغ، سواء عبر تدخلات غير مباشرة أو عبر دعم مجموعات محلية، ما يعقّد المشهد أكثر.

ووفقاً للمحلل صالح إسحاق عيسى، فإن الخطر الأكبر في هذه الحالة لا يكمن فقط في انسحاب قوة عسكرية، وإنما في غياب بديل فوري قادر على ضبط الوضع، وهو ما قد يدفع شرق الكونغو إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية بشكل أكثر حدة.

جنود من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية يركبون فوق شاحنتهم العسكرية (رويترز)

يأتي هذا التلويح الأوغندي مع استمرار تصعيد الحركات المسلحة والمتمردة في عملياتها، وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وقبل نحو أسبوعين، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا)، في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في مناطق شرق الكونغو»، وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وفي ضوء ذلك يعتقد المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الأوضاع الأمنية في شرق الكونغو مرشحة للتفاقم، إذا استمر ضعف التنسيق بين حكومة الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة، ومع استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعددها في إقليم إيتوري.

ويغذي ذلك، حسب عيسى، أي خلاف سياسي أو عسكري بين كينشاسا وكمبالا مما تتسع معه فرص الانفلات الأمني بسرعة، محذراً من أي تراجع في وجود القوات الأوغندية أو تقليص لحركتها قد يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المسلحة لإعادة الانتشار وتوسيع نفوذها، ما يؤدي إلى زيادة الهجمات والنزوح وقطع الطرق الحيوية.

ويعتقد عيسى أن الحل يبدأ باتفاقات واضحة بين الكونغو والدول المتدخلة، لا سيما الكونغو، تحدد بدقة مهام القوات ومدة بقائها وآليات التنسيق الميداني.

كما يحتاج الأمر إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة بشكل فعلي وإعادة دمج عناصرها في المجتمع، مع تحسين الأوضاع الاقتصادية ومعالجة التهميش الذي يغذي الصراع منذ سنوات، وفق عيسى، لافتاً إلى أنه من دون ذلك، ستبقى أي تهدئة مؤقتة هشة وقابلة للانهيار، وسيظل شرق الكونغو يدور في دائرة من العنف المتجدد بدلاً من أن يتجه نحو استقرار مستدام، ولن يكون سببه فقط انسحاب قوات دول مجاورة بل مجمل الأوضاع.

Your Premium trial has ended


20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق


جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
TT

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي، في ظل أزمات الحكومة مع المتمردين شرق البلاد.

تلك الأحاديث المحتملة التي أثارتها وسائل إعلام محلية يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث، لـ«الشرق الأوسط»، ضمن تحركات «جس نبض» لإضافة فترة ولاية جديدة، غير أنها تواجه تحديات عدة لتنفيذها، أبرزها المعارضة الشديدة لذلك، خاصة من الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

وبعد أشهر من صدور حكم غيابي ضده، في سبتمبر (أيلول) 2025، بالإعدام من محكمة كونغولية، خرج الرئيس السابق جوزيف كابيلا، الذي حكم البلاد من عام 2001 إلى عام 2019، في مقابلة مع الصحيفة البلجيكية «لا ليبر بلجيك»، الاثنين الماضي، يدعو لإسقاط تشيسيكيدي.

وأكد كابيلا أن «الدستور لم يعد يُحترَم، بل يدوسه الرئيس ومحيطه»، على حد قوله. وشدد على ضرورة عدم المساس به.

تزامنت تلك الانتقادات الحادة مع حديث إعلام محلي عن وجود نقاشات داخلية بشأن مراجعة الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس الحالي تشيسيكيدي.

ودعا حائز جائزة «نوبل للسلام»، الطبيب دنيس موكويغي، الرئيس تشيسيكيدي إلى «عدم الإصغاء للمحيطين بشأن تعديل الدستور،» محذراً من أن «أي تعديل دستوري في السياق الحالي سيكون خطأ تاريخياً»، وفق ما نقله للموقع الكونغولي «أكتوياليتي».

وتطرقت صحيفة «كونغو نوفو» للحديث المثار، وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون الحفاظ على التماسك الوطني واحترام العقد الجمهوري.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه من المرجَّح أن ينتهي الجدل حول تعديل الدستور في الكونغو الديمقراطية إلى الإلغاء أو التجميد، بدلاً من التنفيذ.

وتُواجه أي محاولة لتمرير تعديل يسمح للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي بولاية ثالثة، مقاومة شديدة من المعارضة السياسية، وضغوطاً من المجتمع الدولي، وتحذيرات من شخصيات وطنية بارزة مثل حائز جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، مما يجعل تنفيذ التعديل خطوة محفوفة بالمخاطر، وقد تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وفقاً لعيسى.

ويعتقد عيسى أن تصريحات الرئيس السابق جوزيف كابيلا وانتقاداته لتشيسيكيدي «تزيد من حجم الضغط الداخلي»، وتؤكد أن «أي مسار نحو تعديل الدستور سيواجه عقبات كبيرة قد تُجبر الأغلبية الحاكمة على التراجع أو البحث عن حلول وسط سياسية لتفادي أزمة أكبر، في ظل اضطرابات تزداد مع المتمردين شرق البلاد».

ويتابع: «في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل أي تعديل دستوري يظل غير مؤكَّد، وأن القوى السياسية المختلفة ستواصل مراقبة الوضع من كثب، مع احتمال أن تتحول النقاشات الحالية إلى حوار سياسي طويل، يؤجل أي قرار حاسم إلى وقت لاحق، لتجنب الانزلاق نحو أزمة سياسية أو اجتماعية واسعة».

وتشيسيكيدي بدأ ولايته الأولى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2019 إلى 2023 قبل انتخابه مرة ثانية من 2024 إلى 2029، والدستور الحالي يقيّد الرئاسة بفترتين فقط كل منهما 5 سنوات، ما يعني أنه لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة البرلمان بأغلبية، والاستفتاء الشعبي.

ويرى عيسى أن التعديل يحتاج أيضاً إلى توافق سياسي واسع لتفادي أزمة في ظل تحديات كبيرة؛ أبرزها المعارضة السياسية القوية، والضغط الدولي، والانقسامات داخل الأغلبية الحاكمة، والمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنشأ، مما يجعل تنفيذ أي تعديل في الوقت الحالي أمراً صعباً للغاية. ويستدرك قائلاً: «لكنه غير مستبعَد، إذا تمكنت الأغلبية الحاكمة من تجاوز هذه العقبات وتوفير البيئة السياسية الملائمة».