فرنسا ترفض سحب قواتها من النيجر وتتمسّك بشرعية بازوم

مؤشرات تباين في مواقف «إيكواس» من الانقلابيين

أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض سحب قواتها من النيجر وتتمسّك بشرعية بازوم

أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)
أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)

استبق سباستيان لوكورنو، وزير الدفاع الفرنسي، انتهاء المهلة التي أعطاها المجلس العسكري النيجري، الأحد، لرحيل القوات الفرنسية عن البلاد، بتأكيد أن باريس «ليست في وارد الخضوع» لمطالب الانقلابيين، وأنها لا تزال على تواصل دائم مع الرئيس المخلوع محمد بازوم الذي تعترف بشرعيته.

والحجة التي تتمسك بها فرنسا، منذ حصول الانقلاب في نيامي، 26 يوليو (تموز) الماضي، واضحة وقوية، ولا تحتمل برأيها الجدل، وهي أن الحضور العسكري الفرنسي في النيجر موثّق في اتفاقيات معقودة مع السلطات الشرعية، وبناءً على طلبها، وبالتالي فإنها فقط معنية بما يصدر عن هذه السلطات و«ليس عن انقلابيين يفتقدون الشرعية».

وكما رفضت باريس، الأسبوع الماضي، الاستجابة لطلب وزارة الخارجية النيجرية سحب سفيرها سيلفان أيتيه، من نيامي، خلال مهلة لا تزيد عن 48 ساعة، فإنها ترفض الخضوع لمطلب المجلس العسكري الذي نقض الاتفاقيات الأمنية والدفاعية الموقعة بين الطرفين وأمهل القوة الفرنسية شهراً واحداً للخروج.

تواصل يومي مع بازوم

في حديث نشرته صباح السبت صحيفة «لو فيغارو»، قال لوكورنو إن باريس أرسلت قوات إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر لمساعدة القوات المحلية في محاربة التنظيمات الإرهابية؛ مثل «داعش» في منطقة الساحل، والفرع المحلي لـ«القاعدة»، ومجموعة «بوكو حرام». وبرر انسحاب هذه القوات من مالي وبوركينا فاسو بتخلي السلطات الانقلابية في هذين البلدين عن محاربة الإرهاب. لكنه أردف قائلاً إن «الوضع في النيجر مختلف، ونحن لا نعترف إلا بسلطة الرئيس بازوم ونريد العودة إلى الانتظام الدستوري».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس النيجر محمد بازوم في الإليزيه في 23 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال الرئيس إيمانويل ماكرون، الجمعة، إنه يتحدث «كل يوم مع الرئيس بازوم»، وتابع: «نحن ندعمه. ولا نعترف بمن نفذوا الانقلاب. وأي قرارات سنتخذها، أياً كانت، ستكون مبنية على تواصلنا مع بازوم».

الملفت في كلام ماكرون أن باريس كانت تربط تعاطيها، حصراً، بالملف النيجري بما تقرره المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» التي يتلخص موقفها بالبحث عن حل سياسي ــ دبلوماسي لأزمة النيجر، مع عدم استبعاد التدخل العسكري باعتباره «ملاذاً أخيراً».

وحتى يوم الاثنين الماضي، في خطابه أمام سفراء فرنسا بمناسبة مؤتمرهم السنوي، أكّد ماكرون أن بلاده تدعم «إيكواس» في خياراتها إن كانت دبلوماسية أو عسكرية. والحال، أنه في حديثه الأخير، ربط قرارات بلاده القادمة بما يطلبه الرئيس المخلوع الذي وصفه ماكرون بــ«الرهينة»، والذي يشكو من المعاملة السيئة التي يتلقاها من الانقلابيين. لكن هذا لا يمنعه من التواصل مع العالم الخارجي بحرية، أو أن تكون له مكالمة يومية مع الرئيس ماكرون الذي يتهمه المجلس الانقلابي بأنه يخطط ويدفع للتدخل العسكري.

الفرق بين انقلابي النيجر والغابون

وفي تبرير الفرق في التعاطي بين انقلابي النيجر والغابون، يقوم التفسير الفرنسي الرسمي، حسب ماكرون، على اعتبار أنهما «مختلفان للغاية». أما كلام لوكورنو فقد جاء أكثر تفصيلاً، إذ أكد أن فرنسا «تدين كل الانقلابات ولا تكيل بمكيالين، لأن مصداقيتها على المحك». لكنه أردف قائلاً: «رغم ذلك، لا نستطيع أن نضع على قدم المساواة ما جرى في النيجر وما حصل في الغابون». ففي الحالة الأولى، «عمد عسكريون يفتقدون للشرعية لإزاحة رئيس منتخب شرعياً، فيما دافعُ العسكريين في الغابون هو تحديداً عدم احترام القانون الانتخابي والدستور، وفي اعتقادي أن هناك شكوكاً حول نزاهة الانتخابات». ويعني ذلك عملياً أن باريس يمكن أن تغض الطرف عن انقلاب الغابون، وهو ما سبقه إليها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى.

تباين داخل «إيكواس»

حقيقة الأمر أن ما يُقلق فرنسا يتمثل بوجود بوادر تفسّخ داخل مجموعة «إيكواس» إزاء كيفية تواصل التعاطي مع انقلابيي النيجر. وثمة قناعة، وفق مصادر أوروبية، قوامها أن «كل أسبوع يمر من شأنه تقوية موقع المجلس العسكري وتراجع احتمال التدخل الخارجي»، وهي تضيف أن انقلاب الغابون واختلاف التعاطي الإقليمي والدولي معه يضعفان «إيكواس»، خصوصاً العواصم المتشددة الدافعة باتجاه عملية عسكرية مثل ساحل العاج أو السنغال.

متظاهر يحمل لافتة للتعبير عن رفضه بقاء القوات الفرنسية في النيجر (أ.ف.ب)

بيد أن التخوف الفرنسي الأكبر مصدره نيجيريا التي كانت تعد، مع حصول الانقلاب، الدولة الأكثر حزماً وإصراراً على إجهاضه، حتى عسكرياً. وموقف نيجيريا، القطب الأكبر سياسياً واقتصادياً والأقوى عسكرياً، والتي تتشارك مع النيجر بحدود تصل إلى 1500 كلم، له التأثير الأهم على مقاربة «إيكواس» للأزمة النيجرية.

فضلاً عن ذلك، فإن بولا تينوبو، الرئيس النيجيري الجديد الذي يرأس الدورة الحالية لـ«إيكواس» أكد منذ البداية أن الانقلاب في نيامي هو «لزوم ما لا يلزم، وبالتالي يتعين التصدي له». وسارع إلى إغلاق حدود بلاده مع النيجر، وقطع الإمدادات الكهربائية لها، ودفع لاتخاذ عقوبات صارمة بحقها، وفرض عزلة سياسية واقتصادية ومالية عليها من أجل لي ذراع الانقلابيين ودفعهم للتراجع.

المفارقة، أن بولا تينوبو هو أول رئيس من مجموعة «إيكواس» عمد، الخميس الماضي، إلى اقتراح حل سياسي ــ دبلوماسي في بيان صادر عن الرئاسة النيجيرية. وعرض فيه على الانقلابيين «فترة انتقالية» من 9 أشهر. وحُجّة تينوبو أن ما نجح في نيجيريا للتخلص من الحكم العسكري في تسعينات القرن الماضي، يمكن أن يكون مخرجاً من الأزمة الراهنة في النيجر.

بيد أن «إيكواس» عجّلت، مساء اليوم نفسه، إلى إصدار بيان ذكرت فيه أن موقفها «واضح» ولم يتغير ومؤداه أنه يتعيّن على «السلطات العسكرية العودة إلى الانتظام الدستوري فوراً، وإطلاق سراح الرئيس بازوم وتمكينه من استعادة سلطاته». وما جاءت به هذه الهيئة يعكس، بلا شك، وجود مقاربات مختلفة، لا بل تفسخاً، في مواقفها، خصوصاً أنها تعلن عن مواقف متضاربة مع مواقف رئيسها.

فترة انتقالية؟

تجدر الإشارة إلى أن مقترح الرئيس النيجيري جاء بعد أيام قليلة من اقتراح مشابه قدمه وزير الخارجية الجزائري أحمد العطاف، بعد جولة أفريقية شملت نيجيريا، فيما زار مسؤول رفيع المستوى في وزارته نيامي وأجرى مباحثات مع قادة الانقلاب. وتتضمن الخطة الجزائرية ستة بنود، أهمها القيام بترتيبات مرحلية على مدى ستة أشهر تحت إشراف سلطة مدنية توافقية، بما يُفضي إلى استعادة النظام الدستوري في البلاد مع المطالبة بإخلاء سبيل الرئيس بازوم وتمكينه من ممارسة مهامه.

وسبق للجنرال عبد الرحمن تياني، رئيس المجلس العسكري، أن تحدث عن فترة انتقالية من ثلاث سنوات. والواضح أن بحثاً في هذا الاتجاه سيكون سمة الجهود الدبلوماسية. لكن نقطة الضعف فيها أن الضمانات التي قد يقدمها الانقلابيون لجهة تنظيم انتخابات مبكرة والالتزام ببنود اتفاق مرحلي لن يتم بالضرورة العمل بها، والدليل على ذلك ما حصل في مالي وبوركينا فاسو.

حتى اليوم، لم يصدر أي تعليق فرنسي على المقترحين الجزائري والنيجيري، فيما تنشط الولايات المتحدة اتصالاتها الدبلوماسية.

متظاهرون يحملون علم «فاغنر» في نيامي السبت (أ.ف.ب)

وثمّة قناعة اليوم بأن باريس تعاني من «العزلة الدبلوماسية»، وقد تجد نفسها قريباً وحيدة بسبب التمسك بمواقف متشددة، علماً بأنها المتضررة الأولى مما يحصل في الساحل وأخيراً في الغابون.

فالتوجه الغالب داخل الاتحاد الأوروبي يشدد على الحل الدبلوماسي، والولايات المتحدة لا ترى غيره حلاً. وتراجع نيجيريا ستكون له، بلا شك، تداعيات داخل «إيكواس».

في المقابل، فإن الضغوط لترحيل القوة الفرنسية سوف تتضاعف، ولا شك أن السلطة العسكرية والجمعيات والمجموعات الموالية لها سوف تستخدم الضغط الشعبي للتخلص من الحضور الفرنسي. وتكاثرت في الأيام الأخيرة الدعوات للاعتصام قرب القاعدة العسكرية التي يستخدمها الجنود الفرنسيون في نيامي. وأول من أمس، سُئل الرئيس ماكرون عن عزلة بلاده في ملف النيجر، وكان جوابه: «العزلة لا تزعجني إذا كانت بسبب وفائنا للمبادئ والاحترام الذي يتعين علينا إظهاره للشعوب».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) play-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.


مقتل 13 طفلاً في حادثة حافلة مدرسية في جنوب أفريقيا

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مقتل 13 طفلاً في حادثة حافلة مدرسية في جنوب أفريقيا

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

قالت السلطات في جنوب أفريقيا إن شاحنة اصطدمت بحافلة مدرسية صغيرة في إقليم جاوتينغ، مما أودى بحياة ما لا يقل عن 13 طفلاً.

وأشارت التقارير الأولية إلى أن 11 تلميذاً مدرسياً لقوا حتفهم في الحال، في حين تُوفيَ طفلان متأثران بجراحهما في المستشفى، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

كانت الحافلة الخاصة تقل التلاميذ إلى عدة مدارس ابتدائية وثانوية في جنوب غرب جوهانسبرغ، اليوم (الاثنين)، عندما وقعت الحادثة نحو السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي، حسبما قالت السلطات.

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

وقال شهود عيان إن الحافلة التي كانت تقل التلاميذ كانت تتخطى سيارات أخرى متوقفة عندما اصطدمت بالشاحنة وجهاً لوجه. وقالت الشرطة إنه يتم التحقيق في سبب الحادثة، كما سيتم استجواب سائق الشاحنة.

ونقلت خدمات الطوارئ في جاوتينغ خمسة مصابين إلى مستشفى سيبوكينغ، في حين تم نقل اثنين آخرين إلى مستشفى كوبانونغ لتلقي الرعاية الطبية. وقد أُصيب سائق الحافلة، وكان ضمن من تم نقلهم إلى المستشفى.

أقارب لأطفال ضحايا يتفاعلون في موقع الحادثة في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

وأعرب رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، عن حزنه لوقوع خسائر في الأرواح، قائلاً إن السلطات الوطنية والإقليمية ستقدم للأُسر والمدارس الدعم النفسي اللازم.

وقال رامافوزا: «أطفالنا هم أغلى أصول الدولة، وعلينا بذل كل ما نستطيع بدءاً من اتباع قواعد الطرق إلى جودة مقدمي الخدمات المعنيين لنقل الطلاب - لحماية المتعلمين».

وقال وزير التعليم في إقليم جاوتينغ، ماتومي شيلواني، للصحافيين، إنه سيتم التحقيق أيضاً مع سائق حافلة المدرسة لاحتمال قيادته برعونة.

وقالت وزيرة التعليم الأساسي في جنوب أفريقيا، سيفيوي جواروبي، إن الكثير من حوادث وسائل النقل المدرسية تنجم عن خطأ من السائقين.

كما طالبت وزارة النقل بضمان صلاحية المركبات التي تنقل تلاميذ المدارس للسير على الطرق.