«ميوعة» عالمية في التعامل مع انقلاب الغابون مقابل التشدد مع النيجر

الجنرال أوليغي نغيما نسيب الرئيس المخلوع سيثبت الاثنين رئيساً للدولة

الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
TT

«ميوعة» عالمية في التعامل مع انقلاب الغابون مقابل التشدد مع النيجر

الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ثمة خيوط كثيرة تجمع الانقلابين اللذين حصلا في النيجر يوم 26 يوليو (تموز) وفي الغابون، صبيحة الأربعاء، أولها يتمثل في أن الطرف المحرض على الانقلاب كان في الحالتين الحرس الجمهوري أي الجهاز المولج المحافظة على النظام والسهر على راحة رئيسه. وفي الحالتين، تولى رئيسه قيادة المجلس العسكري المنبثق عن الحركة الانقلابية إضافة إلى رئيس الدولة. ففي حالة النيجر، عزل محمد بازوم واحتل مكانه الجنرال عبد الرحمن تياني. وفي حالة الغابون، أطيح بعلي بونغو ووضع في الإقامة الجبرية كما أحيل على التقاعد ليتربع الجنرال أوليغي نغيما بريس على مقعده الرئاسي. وفي الحالتين أيضا، نزلت الجماهير إلى الساحات والشوارع للتعبير عن دعمها للانقلابيين وعن تخلصها من أنظمة فاسدة فيما عمدت إلى إلقاء القبض على الوزراء والشخصيات النافذة في نيامي وليبرفيل وتوجيه اتهامات «ثقيلة» لها منها الخيانة العظمى والاحتيال والتزوير وتهريب المخدرات... بيد أن الغابون ليست النيجر رغم التشابه الكبير بينهما حيث البلدان كانا لعقود مستعمرتين فرنسيتين. وبعد استقلالهما، حافظت باريس على موقع مهيمن على السياسة وارتباط عملتيهما «الفرنك الأفريقي» بالاقتصاد الفرنسي. لكن، بعكس ما حصل في النيجر من مظاهرات معادية لفرنسا ومطالبة بسحب سفيرها وقواتها العسكرية المرابطة في البلاد، لم تشهد العاصمة الغابونية أو مدن البلاد الكبرى شيئاً مشابهاً، علما بأن الغابون تستضيف قاعدة بحرية أساسية للحضور العسكري الفرنسي في وسط جنوب أفريقيا.

ملصق انتخابي للرئيس المخلوع علي بونغو تعرض للتمزيق في ليبرفيل الخميس (أ.ف.ب)

بيد أن الفرق الأساسي عنوانه اختلاف ردود الفعل على انقلاب الغابون قياساً على التي أعقبت انقلاب النيجر المهددة بغزو عسكري لإعادة الرئيس المعزول إلى منصبه والرجوع إلى الانتظام المؤسساتي. صحيح أن التنديد بالانقلاب كان عاماً وشاملاً وكذلك الدعوة إلى استعادة حكم المؤسسات والمحافظة على سلامة رئيس الجمهورية وعائلته، لكن أحدا لم يلجأ إلى لغة متشددة بمن فيها فرنسا التي لم يصدر عنها سوى تصريح واحد على لسان أوليفيه فيران، الناطق باسم الحكومة والذي تميز بالغموض. وقال فيران، عقب اجتماع مجلس الوزراء ظهر الأربعاء، إن باريس «تدين الانقلاب العسكري الجاري حاليا» وتذكر بـ«تمسكها بالمسارات الانتخابية الحرة والشفافة». والفقرة الثانية من تصريح فيران «حمالة أوجه»، إذ لم تشر مباشرة إلى الانتخابات الرئاسية في الغابون بل تحدثت بصفة عامة والسبب في ذلك الظروف التي أحاطت بهذه الانتخابات والشكوك في صدقية وصحة نتائجها. وهذه الإشكالية بالذات تلاحظ في العديد من ردود الفعل الغربية وكان أوضحها ما صدر صباح الخميس عن جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، إذ اعتبر أنه تصعب المقارنة بين الانقلابين من جهة، وذكر، من جهة أخرى، أن الانقلابيين تدخلوا مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات في ساعة متأخرة من الليل وفي ظروف مثيرة للشبهات. وجاء في حرفية تصريح لبوريل إلى القناة الإخبارية الأميركية «سي إن إن» أن «الانقلابات العسكرية ليست الحل بالطبع، لكن يجب ألا ننسى أنه في الغابون جرت انتخابات مليئة بالمخالفات». وأضاف المسؤول الأوروبي أن تصويتاً مزوراً يمكن اعتباره بمثابة «انقلاب مؤسساتي» مدني. وأوضح المسؤول الأوروبي أن الدبلوماسيين الأوروبيين يعملون من أجل التوسط في حل الأزمة في الغابون، وأنه ليست هناك خطط لإجلاء مواطنيهم، كما حدث في النيجر. ملاحظة بوريل تنسحب على العديد من الردود الدولية. فالأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على لسان الناطق باسمه ستيافان دوجاريتش، بعد أن «أدان بشدة المحاولة الانقلابية»، أشار إلى «القلق الكبير» بشأن النتائج المعلنة للانتخابات «وسط معلومات تشير إلى انتهاكات خطيرة للحقوق الأساسية» للناخبين.

سيارات تعبر قرب مدخل القصر الرئاسي في ليبرفيل الخميس (إ.ب.أ)

ويبدو رد الفعل الأميركي نسخة عن سابقه الأممي. إذ عبر ماثيو ميلر، الناطق باسم الخارجية الأميركية، عن «القلق بشأن غياب الشفافية والتقارير التي تحدثت عن مخالفات أحاطت بالانتخابات». وإلى ما سبق، يمكن إضافة ردود فعل مشابهة من ألمانيا وبريطانيا... والجهة الوحيدة التي تميز خطابها بالتشدد تتمثل في الاتحاد الأفريقي. وأمس، اجتمع مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد من أجل «دراسة التطورات الطارئة في الغابون» وفق بيان صادر عنه. ويمثل مجلس الاتحاد السلطة التنفيذية. وفي المحصلة، بدا من الصعب للدبلوماسية الدولية الدفاع عن نظام احتكرته عائلة الرئيس علي بونغو منذ 56 عاماً وتميزت عهودها بديمقراطية شكلية ينخرها التزوير الانتخابي والفساد المعمم. ومنذ أن ورث الرئاسة عن أبيه في العام 2009، عجز علي بونغو عن الفوز في انتخابات حرة ونزيهة. ففي انتخابات العام 2009 كما في العام 2016، لجأ بونغو والمحيطون به إلى عمليات تزوير واسعة مقرونة بضغوط على الحريات وعلى المعارضين. وما كان رد الفعل الأولي الداعم للانقلابيين الذي خرج إلى العلن في ليبرفيل وبور جونتيل وغيرهما من المدن الغابونية إلا ابتهاجا بالتخلص من نظام احتكرته عائلة بونغو وتوارثته.

الرجل القوي الجديد في الغابون سارع الانقلابيون إلى تعيين الجنرال بريس أوليغي نغيما بالإجماع، ليل الأربعاء - الخميس، رئيسا لـ«لجنة انتقال واستعادة المؤسسات» وأيضا رئيساً للمرحلة الانتقالية أي الرئيس الفعلي لدولة ما بعد الانقلاب. وسارع العسكر للإعلان عن أن مرحلة انتقالية بدأت وبختامها ستعود السلطة للمدنيين. بيد أن بيانهم لم يحدد لا طبيعة المرحلة الانتقالية -خصوصا أن البيان الانقلابي أفتى بحل كافة مؤسسات الدولة-، ولا كيف ستحكم الغابون خلالها ولا مدتها. كذلك، لا شيء يؤشر لما ستكون عليه العلاقة بين الانقلابيين والقوى المعارضة وخصوصا المرشح الرئاسي ألبيرت أوندو أوسا الذي حصل وفق النتائج المعلنة على 30 في المائة، فيما حصل علي بونغو على ما يزيد على 67 في المائة من الأصوات. ويطالب الأول بالعودة إلى النتائج الفعلية للانتخابات وإعلانه فائزاً بها، الأمر الذي يستبعده المراقبون في الوقت الحاضر.

جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، يتحدث في طلطيليا (إسبانيا) الخميس (أ.ف.ب)

وأعلن الانقلابيون أمس أن الجنرال أوليغي نغيما سوف يقسم اليمين أمام المجلس الدستوري كرئيس للمرحلة الانتقالية. وقال الناطق العسكري باسم لجنة الانتقال واستعادة المؤسسات أن أوليغي نغيما قرر إنشاء المؤسسات الخاصة بالمرحلة الانتقالية «تدريجيا»، وأن الغابون «سوف تحترم كافة التزاماتها الخارجية والداخلية»، في بادرة هدفها كما يبدو طمأنة الأطراف الخارجية ودفعها إلى الامتناع عن اتخاذ مواقف عدائية من النظام الجديد الذي يحافظ على مصالحها ويلتزم بتعهداته. المفارقة في انقلاب الغابون أن رجله القوي كان يعد حتى حصول الانقلاب أحد أعمدته الرئيسية بفضل المنصب الذي كان يتولاه ومهمته حماية النظام. وتربط الجنرال أوليغي نغيما علاقة قرابة بالرئيس المخلوع إذ إنه زوج ابنة عمه. ورغم أهمية الحجج التي شدد عليها الانقلابيون لإعطاء شرعية لتحركهم، فإن عدة أسئلة أخذت تطرح، وأولها الأسباب التي جعلت الجنرال بريس أوليغي نغيما ينقلب على أولياء نعمته. وفي هذا السياق تؤكد مصادر فرنسية، وفق ما نقلته صحيفة «لو موند» المستقلة، أن الجنرال المذكور كان على خلاف مع سيلفيا، زوجة الرئيس المخلوع ومع ابنه نور الدين بونغو الذي كان يحضّره والده، الذي يعاني من مشاكل صحية خطيرة، لتوريثه الرئاسة. ونقلت المصادر للصحيفة الفرنسية أن الجنرال أوليغي نغيما كان «وفياً للرئيس ولكن ليس لابنه وزوجته اللذين كانا يحكمان البلاد بالوكالة عنه». وثمة من يؤكد أن ترشح علي بونغو لولاية ثالثة رغم حالته غرضه الوحيد ضمان انتقال الرئاسة من الأب إلى الابن. يضاف إلى ما سبق أن عاملا آخر قد يكون قد دفع إلى الانقلاب، وهو أن عائلة بونغو التي تحكم الغابون منذ العام 1965 تنتمي إلى إتنية «تيكيه» التي تعد أقلية في البلاد فيما إتنية «فانغ» التي ينتمي إليها مرشح المعارضة تعد الأكبر عددا وهي خارج جنة الحكم. ونقل عن الجنرال أوليغي نغيما البالغ من العمر 48 عاما والذي ينتمي من جهة أبيه إلى إتنية «فانغ» وإلى إتنية «تيكيه» من جهة أمه، أن القوات المسلحة في البلاد «ليست مهمتها إقصاء الأكثرية السوسيولوجية (أي إتنية فانغ) عن حكم البلاد. وكان الجنرال المذكور قد أبعد لعدة سنوات عن دائرة السلطة الأضيق، وقد أعيد إليها في العام 2019 مديراً للمخابرات ثم رئيسا للحرس الجمهوري.

ثمة مسألة تطرح، في سياق كل ما حصل، وتتناول علاقة الانقلابيين بفرنسا التي لم يصدر عنها سوى تعليق واحد يختلف جذرياً عن موقفها من انقلاب النيجر المتسم بالتشدد ودفع المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا إلى التدخل العسكري. فالمعروف أن باريس وليبرفيل وقعتا اتفاقيات عسكرية وأمنية منذ العام 1960، تاريخ استقلال الغابون، ثم جددتها في العام 2011 وأن الرئيس ماكرون زار ليبرفيل في مارس (آذار) العام الماضي، وأن قاعدة بحرية عسكرية فرنسية رئيسية موجودة في الغابون.

ولكن الصحيح أيضا أن العلاقة بين العاصمتين فترت بعض الشيء في السنوات الأخيرة، وأن بونغو الابن سعى لتنويع علاقاته بالانفتاح على الصين والانضمام إلى الكومنولث رغم أن الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد. وكان لافتا أن الرئيس المعزول، في شريط الفيديو الذي بثه الأربعاء وفيه يطلب من أصدقائه «رفع الصوت» أو «إحداث ضجيج»، تكلم بالإنجليزية وليس بالفرنسية. ثم إن عدداً من المراقبين في باريس ينظرون إلى الانقلاب العسكري الذي كان لولبه الجنرال أوليغي نغيما، على أنه جاء «استباقاً» لحراك شعبي ربما كان سيطيح بكل أركان نظام بونغو، بمن فيهم أقرب العسكريين إليه ومن ضمنهم أوليغي نغيما وجماعته.


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) p-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) p-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) p-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)

اقتحم مسلحون مجهولون كنيسة في ولاية إيكيتي، جنوب نيجيريا، وقتلوا القس قبل أن يقتادوا عدداً من المصلين إلى مكان مجهول، وفق ما أكدت مصادر محلية، واعترفت به في وقت لاحق مصادر في الشرطة.

الهجوم وقع في بلدة إيدا أونيو إيكيتي، حين كان السكان يقيمون قُداساً مفتوحاً في ساحة الكنيسة، مساء الثلاثاء، قبل أن يقتحمه المسلحون، ثم يطلقون النار بشكل مباشر على القس، حين كان يقود التجمع الديني.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وقالت تقارير إعلامية محلية إن المهاجمين اجتاحوا ساحة التجمع الواقعة بضواحي البلدة بأعداد كبيرة، حيث فتحوا النار على القس وأردوه قتيلاً على الفور، ثم اقتادوا مجموعة من المصلين نحو الغابات المجاورة للبلدة.

وأضافت تقارير صحيفة «فانغارد» نقلاً عن مصادر محلية أن «المهاجمين المدججين بالسلاح استمروا في عمليتهم لعدة دقائق قبل أن يقتادوا ضحاياهم إلى الغابات»، وقال شهود نجوا من الهجوم: «كان من بين المختطفين كبار سن، وأطفال، اقتادهم المسلحون نحو الغابة، لقد دخلوا البلدة بأعداد كبيرة، ومدججين بالسلاح».

وقالت الصحيفة إنها حاولت التواصل مع الشرطة المحلية بخصوص الموضوع، ولكن «كل المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يرد المسؤول الإعلامي للقيادة، صنداي أبوتو، على المكالمات، والرسائل المرسلة إليه»، حتى صباح الأربعاء.

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

وتحدثت تقارير عديدة عن «حالة من الارتباك والذعر تنتشر بين سكان البلدة»، وقال أحد السكان لصحيفة محلية: «إنه أمر مرعب ومفاجئ، اقتحموا البلدة بأعداد كبيرة، وأطلقوا النار على الناس بشكل عشوائي، قتلوا القس، واقتادوا الآخرين نحو الغابة، كان من بينهم كبار سن، وأطفال».

وفي تعليق على التطورات، أكد مسؤول حكومي رفيع وعضو في اللجنة الأمنية بالولاية وقوع الهجوم، متحدثاً شريطة عدم كشف اسمه لكونه غير مخول بالتصريح الرسمي، وقال إن الأجهزة الأمنية قد انتشرت بالفعل في المنطقة، وهي تقتفي أثر المهاجمين، معرباً عن ثقته في إنقاذ الضحايا دون أذى.

وقال المسؤول: «نعم، تم اختطاف بعض المصلين في إيدا أونيو اليوم (الثلاثاء)، والأجهزة الأمنية تتابع الأمر. لقد نشرت الحكومة قوات أمنية في المنطقة، وهي تطارد المهاجمين حالياً»، دون أن يعطي أي تفاصيل حول عدد المختطفين.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

يثير استهداف الكنائس في الهجمات الإرهابية، واختطاف المسيحيين حساسية كبيرة في نيجيريا، خاصة بعد اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترمب سلطات نيجيريا بالتقاعس عن حماية المسيحيين الذين يتعرضون لما قال إنها «إبادة جماعية».

وترفض سلطات نيجيريا هذه الاتهامات، وتقول إن الصراع في نيجيريا لا يحمل أي طابع ديني، مشيرة إلى أن إرهابيي «بوكو حرام» و«داعش في غرب أفريقيا»، وشبكات الجريمة المنظمة، يستهدفون الشعب النيجيري دون أي تمييز بين دين، أو عرق.

وأكدت الحكومة النيجيرية في أكثر من مرة أن المسلمين يمثلون ضحايا رئيسين للهجمات الإرهابية في مختلف مناطق نيجيريا، وخاصة في الشمال الشرقي، حيث توجد بؤرة الإرهاب.

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو في 12 أبريل (أ.ب)

تعد نيجيريا، أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، مسرحاً لتعقيدات ديموغرافية ودينية فريدة؛ حيث ينقسم سكانها البالغ عددهم أكثر من ربع مليار نسمة بشكل شبه متساوٍ بين الشمال ذي الغالبية المسلمة والجنوب ذي الغالبية المسيحية.

ولا يقتصر الصراع في نيجيريا على البعد الديني البحت، بل يتداخل بعمق مع الهويات العرقية، حيث يهيمن عرق «الهوسا-فولاني» في الشمال، و«الإيغبو» و«اليوروبا» في الجنوب، والجنوب الغربي.

هذا التباين جعل القضايا الأمنية، مثل تمرد «بوكو حرام» في الشمال الشرقي أو نزاعات الرعاة والمزارعين في الحزام الأوسط، تتخذ أبعاداً طائفية وعرقية تزيد من حدة الاستقطاب الوطني.

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

في غضون ذلك، يعد «الحزام الأوسط» في نيجيريا بؤرة ساخنة للنزاعات العرقية-الدينية، حيث تتصادم مصالح الرعاة، وغالبيتهم من عرقية الفولاني المسلمة، مع المزارعين، وغالبيتهم من الجماعات العرقية المسيحية، حول الموارد الطبيعية، والأراضي، والمياه.

ومع تفاقم ظاهرة التغير المناخي، وزحف التصحر في الشمال، اندفع الرعاة نحو الجنوب، مما أدى إلى موجات عنف متبادلة، وتصاعدت أكثر خلال العقد الأخير، ولكنها بدأت تأخذ أبعاداً سياسية، وأمنية.


المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

قال متحدث باسم المتمردين الطوارق الأربعاء، إنّ المجلس العسكري الحاكم في مالي «سيسقط عاجلاً أم آجلاً» في مواجهة الهجوم الذي ينفذه انفصاليو الطوارق من «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن محمد المولود قوله أثناء زيارة إلى باريس، «سيسقط النظام عاجلاً أم آجلا. سيسقط، فليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد لاستعادة أراضي أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم الآخرين (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) على باماكو ومدن أخرى». أضاف «لن يتمكّنوا من الصمود».

وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب روسيا بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس».

إلى ذلك، حثت فرنسا رعاياها في مالي على مغادرة البلاد «في أقرب وقت ممكن» عقب الهجمات المنسقة التي وقعت مطلع الأسبوع، بما في ذلك في العاصمة باماكو.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية إن الوضع الأمني لا يزال متقلباً، وإنه ينبغي على المواطنين الفرنسيين البقاء في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم، إلى أن يغادروا البلاد.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

وأوصى تحديث الوزارة بشأن نصائح السفر إلى البلد الواقع في غرب أفريقيا بعدم زيارة مالي.

وهاجم متمردو الطوارق و جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا» القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو في الهجمات التي وقعت يوم السبت، كما طردت القوات الروسية التي تدعم القوات الحكومية من بلدة كيدال الاستراتيجية في الشمال.

وتوعد زعيم الحكومة العسكرية في مالي أمس الثلاثاء «بتحييد» المسؤولين عن ذلك.


أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)

التقى قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي، أسيمي غويتا، السفير الروسي، الثلاثاء، في أول ظهور رسمي له منذ الهجمات المنسقة التي نفّذها مسلحون قبل أيام، ​وذلك وفقاً لمنشور على حساب مكتب غويتا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهاجمت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، وهي فرع لتنظيم «القاعدة» في غرب أفريقيا وجماعة انفصالية يهيمن عليها الطوارق، القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو يوم السبت، كما طردت قوات روسية تدعم القوات الحكومية من كيدال في الشمال.

وأثارت الهجمات صراعاً على الأراضي عبر ‌شمال مالي ‌الصحراوي الشاسع، ما زاد احتمالات ​تحقيق ‌مكاسب ⁠كبيرة ​للجماعات المسلحة التي ⁠أبدت استعداداً متزايداً لشنّ هجمات على البلدان المجاورة، وقد توجه أنظارها في نهاية المطاف إلى مناطق أبعد، حسبما يقول المحللون.

مقتل وزير الدفاع

قُتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، في هجمات يوم السبت. ولم يظهر غويتا إلا بعد نشر المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء الثلاثاء.

ووفقاً للمنشور، ⁠ناقش غويتا والسفير الروسي إيغور غروميكو «الوضع الراهن ‌والشراكة القوية بين باماكو ‌وموسكو».

وأضاف المنشور أن غروميكو «أكد مجدداً التزام ​بلاده بدعم مالي في مكافحة ‌الإرهاب الدولي».

مشهد عام لباماكو (رويترز)

ووفقاً للمنشور الصادر عن مكتبه على منصة ‌«إكس»، زار غويتا مستشفى يتلقى فيه المصابون في هجمات السبت العلاج، وقدّم تعازيه لعائلة كامارا.

وأظهر حجم الهجوم، الذي استهدف مواقع متعددة في أنحاء هذا البلد الواقع في غرب أفريقيا، قدرة غير مسبوقة ‌لجماعات ذات أهداف مختلفة على العمل معاً وضرب قلب الحكومة العسكرية.

وتباهى بينا ⁠ديارا، المتحدث باسم جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، في رسالة مصورة، بأعمال العنف التي وقعت يوم السبت. ووصفها بأنها انتقام من غارات الطائرات المسيرة وغيرها من الهجمات التي شنّتها قوات مالي.

وهدّد ديارا بفرض حصار على باماكو، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 4 ملايين نسمة. وقال في الرسالة: «اعتباراً من اليوم، باماكو مغلقة من جميع الجهات».

وقالت روسيا، اليوم (الثلاثاء)، إن القوات المتمردة والانفصالية في مالي تعيد تنظيم صفوفها بعد أن ​ساعدت قوات موسكو في ​إحباط انقلاب يوم السبت، ما منع المتمردين من الاستيلاء على منشآت رئيسية، من بينها القصر الرئاسي.