«ميوعة» عالمية في التعامل مع انقلاب الغابون مقابل التشدد مع النيجر

الجنرال أوليغي نغيما نسيب الرئيس المخلوع سيثبت الاثنين رئيساً للدولة

الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
TT

«ميوعة» عالمية في التعامل مع انقلاب الغابون مقابل التشدد مع النيجر

الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ثمة خيوط كثيرة تجمع الانقلابين اللذين حصلا في النيجر يوم 26 يوليو (تموز) وفي الغابون، صبيحة الأربعاء، أولها يتمثل في أن الطرف المحرض على الانقلاب كان في الحالتين الحرس الجمهوري أي الجهاز المولج المحافظة على النظام والسهر على راحة رئيسه. وفي الحالتين، تولى رئيسه قيادة المجلس العسكري المنبثق عن الحركة الانقلابية إضافة إلى رئيس الدولة. ففي حالة النيجر، عزل محمد بازوم واحتل مكانه الجنرال عبد الرحمن تياني. وفي حالة الغابون، أطيح بعلي بونغو ووضع في الإقامة الجبرية كما أحيل على التقاعد ليتربع الجنرال أوليغي نغيما بريس على مقعده الرئاسي. وفي الحالتين أيضا، نزلت الجماهير إلى الساحات والشوارع للتعبير عن دعمها للانقلابيين وعن تخلصها من أنظمة فاسدة فيما عمدت إلى إلقاء القبض على الوزراء والشخصيات النافذة في نيامي وليبرفيل وتوجيه اتهامات «ثقيلة» لها منها الخيانة العظمى والاحتيال والتزوير وتهريب المخدرات... بيد أن الغابون ليست النيجر رغم التشابه الكبير بينهما حيث البلدان كانا لعقود مستعمرتين فرنسيتين. وبعد استقلالهما، حافظت باريس على موقع مهيمن على السياسة وارتباط عملتيهما «الفرنك الأفريقي» بالاقتصاد الفرنسي. لكن، بعكس ما حصل في النيجر من مظاهرات معادية لفرنسا ومطالبة بسحب سفيرها وقواتها العسكرية المرابطة في البلاد، لم تشهد العاصمة الغابونية أو مدن البلاد الكبرى شيئاً مشابهاً، علما بأن الغابون تستضيف قاعدة بحرية أساسية للحضور العسكري الفرنسي في وسط جنوب أفريقيا.

ملصق انتخابي للرئيس المخلوع علي بونغو تعرض للتمزيق في ليبرفيل الخميس (أ.ف.ب)

بيد أن الفرق الأساسي عنوانه اختلاف ردود الفعل على انقلاب الغابون قياساً على التي أعقبت انقلاب النيجر المهددة بغزو عسكري لإعادة الرئيس المعزول إلى منصبه والرجوع إلى الانتظام المؤسساتي. صحيح أن التنديد بالانقلاب كان عاماً وشاملاً وكذلك الدعوة إلى استعادة حكم المؤسسات والمحافظة على سلامة رئيس الجمهورية وعائلته، لكن أحدا لم يلجأ إلى لغة متشددة بمن فيها فرنسا التي لم يصدر عنها سوى تصريح واحد على لسان أوليفيه فيران، الناطق باسم الحكومة والذي تميز بالغموض. وقال فيران، عقب اجتماع مجلس الوزراء ظهر الأربعاء، إن باريس «تدين الانقلاب العسكري الجاري حاليا» وتذكر بـ«تمسكها بالمسارات الانتخابية الحرة والشفافة». والفقرة الثانية من تصريح فيران «حمالة أوجه»، إذ لم تشر مباشرة إلى الانتخابات الرئاسية في الغابون بل تحدثت بصفة عامة والسبب في ذلك الظروف التي أحاطت بهذه الانتخابات والشكوك في صدقية وصحة نتائجها. وهذه الإشكالية بالذات تلاحظ في العديد من ردود الفعل الغربية وكان أوضحها ما صدر صباح الخميس عن جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، إذ اعتبر أنه تصعب المقارنة بين الانقلابين من جهة، وذكر، من جهة أخرى، أن الانقلابيين تدخلوا مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات في ساعة متأخرة من الليل وفي ظروف مثيرة للشبهات. وجاء في حرفية تصريح لبوريل إلى القناة الإخبارية الأميركية «سي إن إن» أن «الانقلابات العسكرية ليست الحل بالطبع، لكن يجب ألا ننسى أنه في الغابون جرت انتخابات مليئة بالمخالفات». وأضاف المسؤول الأوروبي أن تصويتاً مزوراً يمكن اعتباره بمثابة «انقلاب مؤسساتي» مدني. وأوضح المسؤول الأوروبي أن الدبلوماسيين الأوروبيين يعملون من أجل التوسط في حل الأزمة في الغابون، وأنه ليست هناك خطط لإجلاء مواطنيهم، كما حدث في النيجر. ملاحظة بوريل تنسحب على العديد من الردود الدولية. فالأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على لسان الناطق باسمه ستيافان دوجاريتش، بعد أن «أدان بشدة المحاولة الانقلابية»، أشار إلى «القلق الكبير» بشأن النتائج المعلنة للانتخابات «وسط معلومات تشير إلى انتهاكات خطيرة للحقوق الأساسية» للناخبين.

سيارات تعبر قرب مدخل القصر الرئاسي في ليبرفيل الخميس (إ.ب.أ)

ويبدو رد الفعل الأميركي نسخة عن سابقه الأممي. إذ عبر ماثيو ميلر، الناطق باسم الخارجية الأميركية، عن «القلق بشأن غياب الشفافية والتقارير التي تحدثت عن مخالفات أحاطت بالانتخابات». وإلى ما سبق، يمكن إضافة ردود فعل مشابهة من ألمانيا وبريطانيا... والجهة الوحيدة التي تميز خطابها بالتشدد تتمثل في الاتحاد الأفريقي. وأمس، اجتمع مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد من أجل «دراسة التطورات الطارئة في الغابون» وفق بيان صادر عنه. ويمثل مجلس الاتحاد السلطة التنفيذية. وفي المحصلة، بدا من الصعب للدبلوماسية الدولية الدفاع عن نظام احتكرته عائلة الرئيس علي بونغو منذ 56 عاماً وتميزت عهودها بديمقراطية شكلية ينخرها التزوير الانتخابي والفساد المعمم. ومنذ أن ورث الرئاسة عن أبيه في العام 2009، عجز علي بونغو عن الفوز في انتخابات حرة ونزيهة. ففي انتخابات العام 2009 كما في العام 2016، لجأ بونغو والمحيطون به إلى عمليات تزوير واسعة مقرونة بضغوط على الحريات وعلى المعارضين. وما كان رد الفعل الأولي الداعم للانقلابيين الذي خرج إلى العلن في ليبرفيل وبور جونتيل وغيرهما من المدن الغابونية إلا ابتهاجا بالتخلص من نظام احتكرته عائلة بونغو وتوارثته.

الرجل القوي الجديد في الغابون سارع الانقلابيون إلى تعيين الجنرال بريس أوليغي نغيما بالإجماع، ليل الأربعاء - الخميس، رئيسا لـ«لجنة انتقال واستعادة المؤسسات» وأيضا رئيساً للمرحلة الانتقالية أي الرئيس الفعلي لدولة ما بعد الانقلاب. وسارع العسكر للإعلان عن أن مرحلة انتقالية بدأت وبختامها ستعود السلطة للمدنيين. بيد أن بيانهم لم يحدد لا طبيعة المرحلة الانتقالية -خصوصا أن البيان الانقلابي أفتى بحل كافة مؤسسات الدولة-، ولا كيف ستحكم الغابون خلالها ولا مدتها. كذلك، لا شيء يؤشر لما ستكون عليه العلاقة بين الانقلابيين والقوى المعارضة وخصوصا المرشح الرئاسي ألبيرت أوندو أوسا الذي حصل وفق النتائج المعلنة على 30 في المائة، فيما حصل علي بونغو على ما يزيد على 67 في المائة من الأصوات. ويطالب الأول بالعودة إلى النتائج الفعلية للانتخابات وإعلانه فائزاً بها، الأمر الذي يستبعده المراقبون في الوقت الحاضر.

جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، يتحدث في طلطيليا (إسبانيا) الخميس (أ.ف.ب)

وأعلن الانقلابيون أمس أن الجنرال أوليغي نغيما سوف يقسم اليمين أمام المجلس الدستوري كرئيس للمرحلة الانتقالية. وقال الناطق العسكري باسم لجنة الانتقال واستعادة المؤسسات أن أوليغي نغيما قرر إنشاء المؤسسات الخاصة بالمرحلة الانتقالية «تدريجيا»، وأن الغابون «سوف تحترم كافة التزاماتها الخارجية والداخلية»، في بادرة هدفها كما يبدو طمأنة الأطراف الخارجية ودفعها إلى الامتناع عن اتخاذ مواقف عدائية من النظام الجديد الذي يحافظ على مصالحها ويلتزم بتعهداته. المفارقة في انقلاب الغابون أن رجله القوي كان يعد حتى حصول الانقلاب أحد أعمدته الرئيسية بفضل المنصب الذي كان يتولاه ومهمته حماية النظام. وتربط الجنرال أوليغي نغيما علاقة قرابة بالرئيس المخلوع إذ إنه زوج ابنة عمه. ورغم أهمية الحجج التي شدد عليها الانقلابيون لإعطاء شرعية لتحركهم، فإن عدة أسئلة أخذت تطرح، وأولها الأسباب التي جعلت الجنرال بريس أوليغي نغيما ينقلب على أولياء نعمته. وفي هذا السياق تؤكد مصادر فرنسية، وفق ما نقلته صحيفة «لو موند» المستقلة، أن الجنرال المذكور كان على خلاف مع سيلفيا، زوجة الرئيس المخلوع ومع ابنه نور الدين بونغو الذي كان يحضّره والده، الذي يعاني من مشاكل صحية خطيرة، لتوريثه الرئاسة. ونقلت المصادر للصحيفة الفرنسية أن الجنرال أوليغي نغيما كان «وفياً للرئيس ولكن ليس لابنه وزوجته اللذين كانا يحكمان البلاد بالوكالة عنه». وثمة من يؤكد أن ترشح علي بونغو لولاية ثالثة رغم حالته غرضه الوحيد ضمان انتقال الرئاسة من الأب إلى الابن. يضاف إلى ما سبق أن عاملا آخر قد يكون قد دفع إلى الانقلاب، وهو أن عائلة بونغو التي تحكم الغابون منذ العام 1965 تنتمي إلى إتنية «تيكيه» التي تعد أقلية في البلاد فيما إتنية «فانغ» التي ينتمي إليها مرشح المعارضة تعد الأكبر عددا وهي خارج جنة الحكم. ونقل عن الجنرال أوليغي نغيما البالغ من العمر 48 عاما والذي ينتمي من جهة أبيه إلى إتنية «فانغ» وإلى إتنية «تيكيه» من جهة أمه، أن القوات المسلحة في البلاد «ليست مهمتها إقصاء الأكثرية السوسيولوجية (أي إتنية فانغ) عن حكم البلاد. وكان الجنرال المذكور قد أبعد لعدة سنوات عن دائرة السلطة الأضيق، وقد أعيد إليها في العام 2019 مديراً للمخابرات ثم رئيسا للحرس الجمهوري.

ثمة مسألة تطرح، في سياق كل ما حصل، وتتناول علاقة الانقلابيين بفرنسا التي لم يصدر عنها سوى تعليق واحد يختلف جذرياً عن موقفها من انقلاب النيجر المتسم بالتشدد ودفع المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا إلى التدخل العسكري. فالمعروف أن باريس وليبرفيل وقعتا اتفاقيات عسكرية وأمنية منذ العام 1960، تاريخ استقلال الغابون، ثم جددتها في العام 2011 وأن الرئيس ماكرون زار ليبرفيل في مارس (آذار) العام الماضي، وأن قاعدة بحرية عسكرية فرنسية رئيسية موجودة في الغابون.

ولكن الصحيح أيضا أن العلاقة بين العاصمتين فترت بعض الشيء في السنوات الأخيرة، وأن بونغو الابن سعى لتنويع علاقاته بالانفتاح على الصين والانضمام إلى الكومنولث رغم أن الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد. وكان لافتا أن الرئيس المعزول، في شريط الفيديو الذي بثه الأربعاء وفيه يطلب من أصدقائه «رفع الصوت» أو «إحداث ضجيج»، تكلم بالإنجليزية وليس بالفرنسية. ثم إن عدداً من المراقبين في باريس ينظرون إلى الانقلاب العسكري الذي كان لولبه الجنرال أوليغي نغيما، على أنه جاء «استباقاً» لحراك شعبي ربما كان سيطيح بكل أركان نظام بونغو، بمن فيهم أقرب العسكريين إليه ومن ضمنهم أوليغي نغيما وجماعته.


مقالات ذات صلة

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) play-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) play-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) play-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)
أفريقيا انتشار عسكري خارج مقر الإذاعة والتلفزيون في كوتونو 7 ديسمبر (رويترز)

محاولة انقلاب «فاشلة» في بنين تُعزز أزمات الغرب الأفريقي

شهدت بنين، الواقعة في غرب أفريقيا، إحباط محاولة انقلاب قادها عسكريون، بعد أسبوعين من نجاح أخرى في غينيا بيساو، تعد التاسعة في المنطقة منذ 2020، والـ11 منذ 2015.

محمد محمود (القاهرة)

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.


مقتل 13 طفلاً في حادثة حافلة مدرسية في جنوب أفريقيا

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مقتل 13 طفلاً في حادثة حافلة مدرسية في جنوب أفريقيا

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

قالت السلطات في جنوب أفريقيا إن شاحنة اصطدمت بحافلة مدرسية صغيرة في إقليم جاوتينغ، مما أودى بحياة ما لا يقل عن 13 طفلاً.

وأشارت التقارير الأولية إلى أن 11 تلميذاً مدرسياً لقوا حتفهم في الحال، في حين تُوفيَ طفلان متأثران بجراحهما في المستشفى، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

كانت الحافلة الخاصة تقل التلاميذ إلى عدة مدارس ابتدائية وثانوية في جنوب غرب جوهانسبرغ، اليوم (الاثنين)، عندما وقعت الحادثة نحو السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي، حسبما قالت السلطات.

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

وقال شهود عيان إن الحافلة التي كانت تقل التلاميذ كانت تتخطى سيارات أخرى متوقفة عندما اصطدمت بالشاحنة وجهاً لوجه. وقالت الشرطة إنه يتم التحقيق في سبب الحادثة، كما سيتم استجواب سائق الشاحنة.

ونقلت خدمات الطوارئ في جاوتينغ خمسة مصابين إلى مستشفى سيبوكينغ، في حين تم نقل اثنين آخرين إلى مستشفى كوبانونغ لتلقي الرعاية الطبية. وقد أُصيب سائق الحافلة، وكان ضمن من تم نقلهم إلى المستشفى.

أقارب لأطفال ضحايا يتفاعلون في موقع الحادثة في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

وأعرب رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، عن حزنه لوقوع خسائر في الأرواح، قائلاً إن السلطات الوطنية والإقليمية ستقدم للأُسر والمدارس الدعم النفسي اللازم.

وقال رامافوزا: «أطفالنا هم أغلى أصول الدولة، وعلينا بذل كل ما نستطيع بدءاً من اتباع قواعد الطرق إلى جودة مقدمي الخدمات المعنيين لنقل الطلاب - لحماية المتعلمين».

وقال وزير التعليم في إقليم جاوتينغ، ماتومي شيلواني، للصحافيين، إنه سيتم التحقيق أيضاً مع سائق حافلة المدرسة لاحتمال قيادته برعونة.

وقالت وزيرة التعليم الأساسي في جنوب أفريقيا، سيفيوي جواروبي، إن الكثير من حوادث وسائل النقل المدرسية تنجم عن خطأ من السائقين.

كما طالبت وزارة النقل بضمان صلاحية المركبات التي تنقل تلاميذ المدارس للسير على الطرق.