«ميوعة» عالمية في التعامل مع انقلاب الغابون مقابل التشدد مع النيجر

الجنرال أوليغي نغيما نسيب الرئيس المخلوع سيثبت الاثنين رئيساً للدولة

الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
TT

«ميوعة» عالمية في التعامل مع انقلاب الغابون مقابل التشدد مع النيجر

الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ثمة خيوط كثيرة تجمع الانقلابين اللذين حصلا في النيجر يوم 26 يوليو (تموز) وفي الغابون، صبيحة الأربعاء، أولها يتمثل في أن الطرف المحرض على الانقلاب كان في الحالتين الحرس الجمهوري أي الجهاز المولج المحافظة على النظام والسهر على راحة رئيسه. وفي الحالتين، تولى رئيسه قيادة المجلس العسكري المنبثق عن الحركة الانقلابية إضافة إلى رئيس الدولة. ففي حالة النيجر، عزل محمد بازوم واحتل مكانه الجنرال عبد الرحمن تياني. وفي حالة الغابون، أطيح بعلي بونغو ووضع في الإقامة الجبرية كما أحيل على التقاعد ليتربع الجنرال أوليغي نغيما بريس على مقعده الرئاسي. وفي الحالتين أيضا، نزلت الجماهير إلى الساحات والشوارع للتعبير عن دعمها للانقلابيين وعن تخلصها من أنظمة فاسدة فيما عمدت إلى إلقاء القبض على الوزراء والشخصيات النافذة في نيامي وليبرفيل وتوجيه اتهامات «ثقيلة» لها منها الخيانة العظمى والاحتيال والتزوير وتهريب المخدرات... بيد أن الغابون ليست النيجر رغم التشابه الكبير بينهما حيث البلدان كانا لعقود مستعمرتين فرنسيتين. وبعد استقلالهما، حافظت باريس على موقع مهيمن على السياسة وارتباط عملتيهما «الفرنك الأفريقي» بالاقتصاد الفرنسي. لكن، بعكس ما حصل في النيجر من مظاهرات معادية لفرنسا ومطالبة بسحب سفيرها وقواتها العسكرية المرابطة في البلاد، لم تشهد العاصمة الغابونية أو مدن البلاد الكبرى شيئاً مشابهاً، علما بأن الغابون تستضيف قاعدة بحرية أساسية للحضور العسكري الفرنسي في وسط جنوب أفريقيا.

ملصق انتخابي للرئيس المخلوع علي بونغو تعرض للتمزيق في ليبرفيل الخميس (أ.ف.ب)

بيد أن الفرق الأساسي عنوانه اختلاف ردود الفعل على انقلاب الغابون قياساً على التي أعقبت انقلاب النيجر المهددة بغزو عسكري لإعادة الرئيس المعزول إلى منصبه والرجوع إلى الانتظام المؤسساتي. صحيح أن التنديد بالانقلاب كان عاماً وشاملاً وكذلك الدعوة إلى استعادة حكم المؤسسات والمحافظة على سلامة رئيس الجمهورية وعائلته، لكن أحدا لم يلجأ إلى لغة متشددة بمن فيها فرنسا التي لم يصدر عنها سوى تصريح واحد على لسان أوليفيه فيران، الناطق باسم الحكومة والذي تميز بالغموض. وقال فيران، عقب اجتماع مجلس الوزراء ظهر الأربعاء، إن باريس «تدين الانقلاب العسكري الجاري حاليا» وتذكر بـ«تمسكها بالمسارات الانتخابية الحرة والشفافة». والفقرة الثانية من تصريح فيران «حمالة أوجه»، إذ لم تشر مباشرة إلى الانتخابات الرئاسية في الغابون بل تحدثت بصفة عامة والسبب في ذلك الظروف التي أحاطت بهذه الانتخابات والشكوك في صدقية وصحة نتائجها. وهذه الإشكالية بالذات تلاحظ في العديد من ردود الفعل الغربية وكان أوضحها ما صدر صباح الخميس عن جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، إذ اعتبر أنه تصعب المقارنة بين الانقلابين من جهة، وذكر، من جهة أخرى، أن الانقلابيين تدخلوا مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات في ساعة متأخرة من الليل وفي ظروف مثيرة للشبهات. وجاء في حرفية تصريح لبوريل إلى القناة الإخبارية الأميركية «سي إن إن» أن «الانقلابات العسكرية ليست الحل بالطبع، لكن يجب ألا ننسى أنه في الغابون جرت انتخابات مليئة بالمخالفات». وأضاف المسؤول الأوروبي أن تصويتاً مزوراً يمكن اعتباره بمثابة «انقلاب مؤسساتي» مدني. وأوضح المسؤول الأوروبي أن الدبلوماسيين الأوروبيين يعملون من أجل التوسط في حل الأزمة في الغابون، وأنه ليست هناك خطط لإجلاء مواطنيهم، كما حدث في النيجر. ملاحظة بوريل تنسحب على العديد من الردود الدولية. فالأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على لسان الناطق باسمه ستيافان دوجاريتش، بعد أن «أدان بشدة المحاولة الانقلابية»، أشار إلى «القلق الكبير» بشأن النتائج المعلنة للانتخابات «وسط معلومات تشير إلى انتهاكات خطيرة للحقوق الأساسية» للناخبين.

سيارات تعبر قرب مدخل القصر الرئاسي في ليبرفيل الخميس (إ.ب.أ)

ويبدو رد الفعل الأميركي نسخة عن سابقه الأممي. إذ عبر ماثيو ميلر، الناطق باسم الخارجية الأميركية، عن «القلق بشأن غياب الشفافية والتقارير التي تحدثت عن مخالفات أحاطت بالانتخابات». وإلى ما سبق، يمكن إضافة ردود فعل مشابهة من ألمانيا وبريطانيا... والجهة الوحيدة التي تميز خطابها بالتشدد تتمثل في الاتحاد الأفريقي. وأمس، اجتمع مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد من أجل «دراسة التطورات الطارئة في الغابون» وفق بيان صادر عنه. ويمثل مجلس الاتحاد السلطة التنفيذية. وفي المحصلة، بدا من الصعب للدبلوماسية الدولية الدفاع عن نظام احتكرته عائلة الرئيس علي بونغو منذ 56 عاماً وتميزت عهودها بديمقراطية شكلية ينخرها التزوير الانتخابي والفساد المعمم. ومنذ أن ورث الرئاسة عن أبيه في العام 2009، عجز علي بونغو عن الفوز في انتخابات حرة ونزيهة. ففي انتخابات العام 2009 كما في العام 2016، لجأ بونغو والمحيطون به إلى عمليات تزوير واسعة مقرونة بضغوط على الحريات وعلى المعارضين. وما كان رد الفعل الأولي الداعم للانقلابيين الذي خرج إلى العلن في ليبرفيل وبور جونتيل وغيرهما من المدن الغابونية إلا ابتهاجا بالتخلص من نظام احتكرته عائلة بونغو وتوارثته.

الرجل القوي الجديد في الغابون سارع الانقلابيون إلى تعيين الجنرال بريس أوليغي نغيما بالإجماع، ليل الأربعاء - الخميس، رئيسا لـ«لجنة انتقال واستعادة المؤسسات» وأيضا رئيساً للمرحلة الانتقالية أي الرئيس الفعلي لدولة ما بعد الانقلاب. وسارع العسكر للإعلان عن أن مرحلة انتقالية بدأت وبختامها ستعود السلطة للمدنيين. بيد أن بيانهم لم يحدد لا طبيعة المرحلة الانتقالية -خصوصا أن البيان الانقلابي أفتى بحل كافة مؤسسات الدولة-، ولا كيف ستحكم الغابون خلالها ولا مدتها. كذلك، لا شيء يؤشر لما ستكون عليه العلاقة بين الانقلابيين والقوى المعارضة وخصوصا المرشح الرئاسي ألبيرت أوندو أوسا الذي حصل وفق النتائج المعلنة على 30 في المائة، فيما حصل علي بونغو على ما يزيد على 67 في المائة من الأصوات. ويطالب الأول بالعودة إلى النتائج الفعلية للانتخابات وإعلانه فائزاً بها، الأمر الذي يستبعده المراقبون في الوقت الحاضر.

جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، يتحدث في طلطيليا (إسبانيا) الخميس (أ.ف.ب)

وأعلن الانقلابيون أمس أن الجنرال أوليغي نغيما سوف يقسم اليمين أمام المجلس الدستوري كرئيس للمرحلة الانتقالية. وقال الناطق العسكري باسم لجنة الانتقال واستعادة المؤسسات أن أوليغي نغيما قرر إنشاء المؤسسات الخاصة بالمرحلة الانتقالية «تدريجيا»، وأن الغابون «سوف تحترم كافة التزاماتها الخارجية والداخلية»، في بادرة هدفها كما يبدو طمأنة الأطراف الخارجية ودفعها إلى الامتناع عن اتخاذ مواقف عدائية من النظام الجديد الذي يحافظ على مصالحها ويلتزم بتعهداته. المفارقة في انقلاب الغابون أن رجله القوي كان يعد حتى حصول الانقلاب أحد أعمدته الرئيسية بفضل المنصب الذي كان يتولاه ومهمته حماية النظام. وتربط الجنرال أوليغي نغيما علاقة قرابة بالرئيس المخلوع إذ إنه زوج ابنة عمه. ورغم أهمية الحجج التي شدد عليها الانقلابيون لإعطاء شرعية لتحركهم، فإن عدة أسئلة أخذت تطرح، وأولها الأسباب التي جعلت الجنرال بريس أوليغي نغيما ينقلب على أولياء نعمته. وفي هذا السياق تؤكد مصادر فرنسية، وفق ما نقلته صحيفة «لو موند» المستقلة، أن الجنرال المذكور كان على خلاف مع سيلفيا، زوجة الرئيس المخلوع ومع ابنه نور الدين بونغو الذي كان يحضّره والده، الذي يعاني من مشاكل صحية خطيرة، لتوريثه الرئاسة. ونقلت المصادر للصحيفة الفرنسية أن الجنرال أوليغي نغيما كان «وفياً للرئيس ولكن ليس لابنه وزوجته اللذين كانا يحكمان البلاد بالوكالة عنه». وثمة من يؤكد أن ترشح علي بونغو لولاية ثالثة رغم حالته غرضه الوحيد ضمان انتقال الرئاسة من الأب إلى الابن. يضاف إلى ما سبق أن عاملا آخر قد يكون قد دفع إلى الانقلاب، وهو أن عائلة بونغو التي تحكم الغابون منذ العام 1965 تنتمي إلى إتنية «تيكيه» التي تعد أقلية في البلاد فيما إتنية «فانغ» التي ينتمي إليها مرشح المعارضة تعد الأكبر عددا وهي خارج جنة الحكم. ونقل عن الجنرال أوليغي نغيما البالغ من العمر 48 عاما والذي ينتمي من جهة أبيه إلى إتنية «فانغ» وإلى إتنية «تيكيه» من جهة أمه، أن القوات المسلحة في البلاد «ليست مهمتها إقصاء الأكثرية السوسيولوجية (أي إتنية فانغ) عن حكم البلاد. وكان الجنرال المذكور قد أبعد لعدة سنوات عن دائرة السلطة الأضيق، وقد أعيد إليها في العام 2019 مديراً للمخابرات ثم رئيسا للحرس الجمهوري.

ثمة مسألة تطرح، في سياق كل ما حصل، وتتناول علاقة الانقلابيين بفرنسا التي لم يصدر عنها سوى تعليق واحد يختلف جذرياً عن موقفها من انقلاب النيجر المتسم بالتشدد ودفع المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا إلى التدخل العسكري. فالمعروف أن باريس وليبرفيل وقعتا اتفاقيات عسكرية وأمنية منذ العام 1960، تاريخ استقلال الغابون، ثم جددتها في العام 2011 وأن الرئيس ماكرون زار ليبرفيل في مارس (آذار) العام الماضي، وأن قاعدة بحرية عسكرية فرنسية رئيسية موجودة في الغابون.

ولكن الصحيح أيضا أن العلاقة بين العاصمتين فترت بعض الشيء في السنوات الأخيرة، وأن بونغو الابن سعى لتنويع علاقاته بالانفتاح على الصين والانضمام إلى الكومنولث رغم أن الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد. وكان لافتا أن الرئيس المعزول، في شريط الفيديو الذي بثه الأربعاء وفيه يطلب من أصدقائه «رفع الصوت» أو «إحداث ضجيج»، تكلم بالإنجليزية وليس بالفرنسية. ثم إن عدداً من المراقبين في باريس ينظرون إلى الانقلاب العسكري الذي كان لولبه الجنرال أوليغي نغيما، على أنه جاء «استباقاً» لحراك شعبي ربما كان سيطيح بكل أركان نظام بونغو، بمن فيهم أقرب العسكريين إليه ومن ضمنهم أوليغي نغيما وجماعته.


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) p-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) p-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) p-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.