شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

رغم انسحاب مسلحي الحركة من مدينة أوفيرا

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.


مقالات ذات صلة

احتجاجات متصاعدة في الكونغو الديمقراطية ضد تعديل الدستور

أفريقيا حشد من المتظاهرين بالقرب من مبنى البرلمان في كينشاسا في يوم 12 يونيو (رويترز)

احتجاجات متصاعدة في الكونغو الديمقراطية ضد تعديل الدستور

تشهد الكونغو الديمقراطية توترات جديدة تضاف إلى أزمات صحية ومسلحة شرق البلاد، بعد اندلاع احتجاجات واسعة أمام مقر البرلمان في العاصمة كينشاسا.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

إثيوبيا لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية بعد الانتخابات

تترقب الأوساط السياسية في إثيوبيا إعلان كامل نتائج الانتخابات العامة السابعة التي شهدتها البلاد، وسط خلافات حادة مع معارضين لرئيس الوزراء آبي أحمد.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)

مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

تصدر ملف نهر النيل والأوضاع الإنسانية والأمنية في شرق الكونغو الديمقراطية محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)

مصر تتجه لإرجاء القمة الأفريقية في العلمين بسبب «إيبولا»

قال مصدر مصري مسؤول إن هناك اتجاهاً لتأجيل «قمة منتصف العام التنسيقية» للاتحاد الأفريقي التي كانت مقررة نهاية الشهر الجاري بسبب «إيبولا».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي خلال استقبال مسعد بولس في أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)

مياه النيل وتوترات «القرن الأفريقي» تتصدران محادثات مصرية - أميركية

أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي محادثات مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس تركزت على القضايا والأزمات الإقليمية.

محمد محمود (القاهرة )

«إيبولا» يودي بحياة أكثر من 200 شخص في الكونغو الديموقراطية

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» (أ.ف.ب)
TT

«إيبولا» يودي بحياة أكثر من 200 شخص في الكونغو الديموقراطية

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» (أ.ف.ب)

أودى فيروس إيبولا بحياة أكثر من 200 شخص في جمهورية الكونغو الديموقراطية، بعد مرور نحو شهر على تفشيه، وفق ما أفادت هيئة صحية تابعة للإتحاد الأفريقي الخميس.

وأفاد مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا «أفريكا سي دي سي»، أن 202 شخصا توفوا جراء الفيروس من أصل 875 إصابة مؤكدة، بنسبة وفيات بلغت 23%.

وقال وسام منكولا، المسؤول في مركز مكافة الأمراض والوقاية منها، إن «ما يثير قلقنا هو حالة تتبع المخالطين».

أضاف «بسبب التحديات الأمنية وصعوبة وصول فرق الاستجابة التابعة لنا من مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها ومنظمة الصحة العالمية وشركاء آخرين، إلى بعض المناطق (...) ما زلنا نلاحظ ضعفا في جهود تتبع المخالطين».

وحذر الصليب الأحمر هذا الأسبوع من أن تفشي المرض في جمهورية الكونغو الديموقراطية الذي أُعلن عنه في 15 أيار/مايو، لم يبلغ ذروته بعد، وقد يستغرق احتواؤه عاما كاملا.

ويواجه التصدي لتفشي الفيروس للمرة ال17 في هذه الدولة الشاسعة الواقعة في وسط إفريقيا، تحديات جسيمة، حيث لا توجد لقاحات أو علاجات لسلالة بونديبوغيو التي تقف وراء التفشي الحالي.

وتعاني ثلاث مقاطعات متضررة في شمال شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية هي إيتوري وكيفو الشمالية وكيفو الجنوبية، من نزاعات مسلحة ونزوح جماعي، ما يعقد جهود الاستجابة.

وامتد تفشي الحمى النزفية القاتلة إلى أوغندا المجاورة، إلا أن إجراءات الاحتواء كانت فعالة هناك، حيث سُجلت 19 إصابة وحالتا وفاة، ومعظمهم المصابين من المسافرين الكونغوليين.


اتفاق أمني بين نيجيريا والكاميرون لمواجهة الإرهاب والجريمة

صورة جماعية لوزراء نيجيريا والكاميرون والخبراء بعد توقيف مذكرة التفاهم (إعلام محلي)
صورة جماعية لوزراء نيجيريا والكاميرون والخبراء بعد توقيف مذكرة التفاهم (إعلام محلي)
TT

اتفاق أمني بين نيجيريا والكاميرون لمواجهة الإرهاب والجريمة

صورة جماعية لوزراء نيجيريا والكاميرون والخبراء بعد توقيف مذكرة التفاهم (إعلام محلي)
صورة جماعية لوزراء نيجيريا والكاميرون والخبراء بعد توقيف مذكرة التفاهم (إعلام محلي)

وقّعت نيجيريا والكاميرون مذكرة تفاهم للتعاون الأمني والدفاعي، تهدف إلى تأمين الحدود الجنوبية المشتركة، ومواجهة التهديدات في النطاقين البري والبحري، في خطوة تأتي وسط استمرار التحديات الأمنية المعقدة في حوض بحيرة تشاد ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا.

وقّع الاتفاق في العاصمة الكاميرونية ياوندي، كل من: وزير الدفاع النيجيري الجنرال كريستوفر موسى، والوزير المنتدب لدى الرئاسة المكلف بالدفاع في الكاميرون جوزيف بيتي أسومو، بعد يومين من المداولات المكثفة بين خبراء الدفاع والأمن من الجانبين.

ووصف الجنرال موسى الاتفاق بأنه «مرحلة رئيسية لتعميق التعاون الدفاعي الثنائي وتأمين الحدود الجنوبية المشتركة بين البلدين». وأضاف أن مذكرة التفاهم «ستوفر من الآن فصاعداً إطاراً هيكلياً للتعاون والعمليات العسكرية بين البلدين، وستسهم في إضفاء طابع مؤسسي أكبر على التعاون لمعالجة الهواجس الأمنية المتبادلة».

أفراد أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا (رويترز)

وتشمل مجالات التعاون الرئيسية تعزيز التنسيق العملياتي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم اللوجستي، والتدريب العسكري المشترك، وبرامج تبادل الأفراد، بالإضافة إلى تقوية آليات الاستجابة الجماعية للتهديدات الناشئة.

كما اتفق الجانبان على تفعيل «قوة المهام البحرية المشتركة» التي أُنشئت مؤخراً، بوصفها منصة استراتيجية لحماية الأمن البحري والمصالح الاقتصادية في خليج غينيا، وهو الخليج الغني بالنفط والغاز، ويعد أحد أهم معابر الملاحة في غرب أفريقيا.

يأتي هذا الاتفاق في سياق أمني إقليمي معقد؛ إذ إن نيجيريا والكاميرون تشكلان محوراً أساسياً في مواجهة التهديدات الإرهابية في حوض بحيرة تشاد، حيث لا تزال جماعات «بوكو حرام» وتنظيم «داعش» في غرب أفريقيا تنشط عبر الحدود، رغم الجهود المبذولة ضمن قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات، وهي قوة شكلتها دول نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر لمواجهة الإرهاب منذ عدة سنوات.

كما يرتبط الاتفاق بجهود أوسع لاحتواء التداعيات الأمنية القادمة من منطقة الساحل، التي تشهد انتشاراً للجماعات المتطرفة واضطرابات سياسية متتالية، وهو ما يزيد من مخاطر التهريب والحركة غير المنضبطة عبر الحدود الإقليمية.

حاكم ولاية أدماوا في شمال شرقي نيجيريا خلال زيارة لمنطقة غوياكو التي تعرضت لهجوم مسلح من تنظيم «داعش» الإرهابي (أ.ب)

أما في خليج غينيا فيشكل التعاون البحري أولوية مشتركة لمكافحة القرصنة والجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي تهدد الممرات البحرية الحيوية للاقتصادين النيجيري والكاميروني، وتزداد مخاوف البلدين من وصول التنظيمات الإرهابية إلى خليج غينيا الحيوي.

يأتي الاتفاق الجديد ليربط بين جهود البلدين في حوض بحيرة تشاد وخليج غينيا، حيث يرى مراقبون أن تعزيز الأمن على الحدود الجنوبية للبلدين «سيسهم بشكل مباشر في تضييق الخناق على خطوط الإمداد اللوجستي وحركات التسلل التي تستغلها الجماعات الإرهابية».

وفي سياق متصل، لم تقتصر الاتفاقية على الجوانب التكتيكية، بل امتدت لتشمل نقل التكنولوجيا والابتكار العسكري؛ إذ استعرض الوزير النيجيري الفرص الواعدة التي تتيحها «هيئة الصناعات الدفاعية النيجيرية» لتعزيز الإنتاج المحلي للمعدات العسكرية في أفريقيا وتقليل الاعتماد على الخارج.

ومن جانبه، أكد الوزير الكاميروني جوزيف بيتي أسومو اهتمام بلاده البالغ بهذا المسار، كاشفاً عن أن ياوندي تعكف على صياغة إطار مقترح رسمي لتحويل الترتيبات الثنائية في مجال التكنولوجيا الدفاعية إلى خطوات ملموسة.

قيادي في «داعش» قتل في قصف لجيوش دول الساحل مطلع أكتوبر (إعلام محلي)

وأكد الجنرال موسى «استعداد نيجيريا لتعميق الشراكة في مجال التصنيع الدفاعي ونقل التكنولوجيا»، مشدداً على أن محدودية الإنتاج المحلي للمعدات العسكرية في أفريقيا تمثل تحدياً مستمراً يتطلب بناء شراكات إقليمية أقوى.

ويُعد هذا الاتفاق محطة مهمة في العلاقات الثنائية بين أبوجا وياوندي، وفي مسار مواجهة التهديدات العابرة للحدود في غرب ووسط أفريقيا، كما يكرس موقف نيجيريا بوصفها قوة إقليمية تقود الحرب على الإرهاب في منطقة غرب أفريقيا.


النيجر تتصدى لهجوم جديد ضد مطار نيامي

سيارة قال ناشطون إن منفذي الهجوم استخدموها للتسلل إلى المطار (تواصل اجتماعي)
سيارة قال ناشطون إن منفذي الهجوم استخدموها للتسلل إلى المطار (تواصل اجتماعي)
TT

النيجر تتصدى لهجوم جديد ضد مطار نيامي

سيارة قال ناشطون إن منفذي الهجوم استخدموها للتسلل إلى المطار (تواصل اجتماعي)
سيارة قال ناشطون إن منفذي الهجوم استخدموها للتسلل إلى المطار (تواصل اجتماعي)

هاجم مسلحون مجهولون فجر الخميس، إحدى بوابات المطار الرئيسي في عاصمة النيجر نيامي، فيما أكد شهود سماع دوي انفجارات وإطلاق نار استمر لساعات، وسقوط عدة قتلى واعتقال آخرين من بين منفذي الهجوم.

وحتى مساء الخميس، لم تُصدر أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، فيما تشير أصابع الاتهام إلى تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى»، الذي سبق أن تبنى هجوماً استهدف نفس المطار يناير (كانون الثاني) الماضي.

ورغم أن المعلومات لا تزال شحيحة حول الهجوم فإن مسؤولاً أمنياً قال إن منفذي الهجوم تمكنوا من اختراق أمن المطار، وإن قوات الأمن انتشرت لصد الهجوم، في حين لم تتضح على الفور هوية المهاجمين.

صورة عامة لنيامي عاصمة النيجر (رويترز)

وأكد شهود عيان وصول تعزيزات عسكرية إلى محيط المطار في الساعات الأولى من فجر الخميس، وتداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لوصول التعزيزات يظهر فيها عشرات المواطنين متجمهرين في المنطقة.

ماذا حدث؟

رغم مرور ساعات على الهجوم، لم يصدر عن سلطات النيجر أي بيان أو تعليق، فيما تشير روايات غير رسمية إلى أن إطلاق نار اندلع عند البوابة الرئيسية للمطار، عند حدود الساعة السادسة صباحاً بالتوقيت المحلي (الخامسة بالتوقيت العالمي الموحد).

وقال شاهد عيان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف إن أول ما تبادر إليه بعد سماع إطلاق النار هو أنه «هجوم إرهابي»، فيما قال أحد سكان المنطقة إن إطلاق النار استهدف نقطة تفتيش أمني عند المدخل الرئيسي للمطار، حيث يقوم رجال شرطة مسلحون بتفتيش المركبات والتحقق من الهويات، وتقع النقطة على مسافة بضع مئات من الأمتار من مدخل مبنى الركاب.

لقطة شاشة من مقطع فيديو متداول لأحد المشتبه بهم (تواصل اجتماعي)

وتداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي صورة سيارة صغيرة بيضاء، على أنها استخدمت من طرف منفذي الهجوم، وقال صحافي محلي معلقاً على الصورة: «تشير المعلومات الأولية إلى أن منفذي الهجوم استخدموا سيارة أجرة (تاكسي) لمحاولة التسلل إلى داخل حرم المطار».

ويظهر في الصورة عدد من الجنود وهم يحاصرون السيارة التي يبدو أنها تعرضت لإطلاق نار كثيف، مما أدى إلى تكسير زجاجها المترامي على الأرض، كما تظهر في الصورة جثة شخص، يُتوقع أنها لأحد منفذي الهجوم.

وتشير الرواية المحلية إلى أن تبادل إطلاق النار استمر لأربع ساعات، وبشكل متقطع، قبل أن يعود الهدوء بشكل تام إلى محيط المطار، وخلال هذه الساعات تحدثت مصادر محلية عن مقتل عدد من المهاجمين واعتقال آخرين.

وقال شاهد عيان إن منفذي الهجوم بعد التصدي لهم توجهوا نحو حي «طريق تشانغا» القريب من المطار، لتبدأ مطاردة شارك فيها السكان المحليون، وقال سائق دراجة نارية أجرة (تاكسي-موتو): «الوضع تحت السيطرة. لقد انتشر العسكريون في بعض الأحياء المحيطة بالمطار لتمشيط المنطقة، وهم يتلقون المساعدة من السكان الذين يلاحقون المسلحين بالعصي والسيوف».

صورة أرشيفية لطريق مطار نيامي (أ.ب)

وتداول ناشطون مقطع فيديو لجنود ورجال أمن بالزي المدني، يقتادون شاباً يرتدي الزي الأفريقي التقليدي، وحافي القدمين، فيما تحاول مجموعة غاضبة من السكان المحليين الاعتداء عليه بالضرب، رغم أن الجنود حاولوا حمايته، ثم وضعوه في سيارة عسكرية رباعية الدفع.

وجرى تداول صور لقتلى ومعتقلين آخرين، يُعتقد أنهم من منفذي الهجوم، رغم غياب أي تأكيدات رسمية لصحة هذه الصور المتداولة على نطاق واسع.

ومع عودة الهدوء إلى المطار ومحيطه، لاحظ السكان وجود انتشار أمني مكثف، وأفاد أحدهم، وكان من المقرر أن يسافر يوم الخميس، بأنه «عند وصوله بالقرب من المطار، أوضح له العسكريون أنه لا يمكن ركوب الطائرة».

وبالفعل، أظهر تطبيق «فلايت رادار» المختص بتتبّع حركات الطيران العالمي، إلغاء جميع الرحلات من وإلى «مطار نيامي الدولي»، رغم أن السلطات لم تُصدر أي قرار بهذا الخصوص.

لماذا المطار؟

يأتي هذا الحادث بعد أقل من ستة أشهر على هجوم 29 يناير (كانون الثاني) الذي ترك أثراً بالغاً في النيجر، حيث ضُرب مطار العاصمة حينها لأول مرة من تنظيم «داعش». وأسفر ذلك الهجوم عن إصابة أربعة أشخاص وخلّف أضراراً مادية جسيمة، وفقاً للسلطات.

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)

ويعتقد محللون أن المطار يمثل مركزاً استراتيجياً يضم قاعدة للقوات الجوية النيجرية، بالإضافة إلى مقر القيادة العامة للقوة العسكرية المشتركة بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي، وفي هذا الصدد، قالت بيفرلي أوتشيانغ، وهي محللة أمنية رفيعة المستوى في مؤسسة «كونترول ريسكس»: «إن الرمزية التي يتمتع بها المطار بوصفه مقراً لقيادة تحالف دول الساحل، ستظل دافعاً يحفز المسلحين على استهدافه».

ويزيد من حساسية المطار وجود شحنات كبيرة من اليورانيوم، المحتجزة بانتظار تصديرها، بالإضافة إلى تمركز المئات من الجنود الروس فيه، كان لهم دور حاسم في إحباط هجوم «داعش» الماضي، وهو هجوم كان يهدف إلى تدمير الطائرات المسيرة.

رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يسار) وإبراهيم تراوري (بوركينا فاسو) خلال قمة دول الساحل في النيجر يوليو 2024 (إ.ب.أ)

وكان الجنرال عبد الرحمن تياني، رئيس النظام العسكري المنبثق من انقلاب يوليو (تموز) 2023، قد تحدث سابقاً عن وجود «ثغرة في المنظومة الأمنيّة سمحت بوقوع الهجوم»، والذي كان «هدفه تدمير القدرات الجوية كافة» للجيش.

وخلال الأسابيع الأخيرة، أطلقت النيجر حملة هدم واسعة النطاق للأحياء المحيطة بالمطار لحمايته من «الخطر الإرهابي». كما اتُّخذت إجراءات أمنية أخرى؛ حيث تم تمديد السور المحيط بالمطار، وتثبيت أكثر من 350 كاميرا مراقبة داخل المنشأة وخارجها.

Your Premium trial has ended