أحجار الدومينو تتساقط أمام إعصار انقلابات أفريقيا

فشل داخلي للأنظمة الحاكمة وصراع دولي محتدم

متظاهرون يحملون علم الغابون في شوارع أكاندا بالغابون (إ.ب.أ)
متظاهرون يحملون علم الغابون في شوارع أكاندا بالغابون (إ.ب.أ)
TT

أحجار الدومينو تتساقط أمام إعصار انقلابات أفريقيا

متظاهرون يحملون علم الغابون في شوارع أكاندا بالغابون (إ.ب.أ)
متظاهرون يحملون علم الغابون في شوارع أكاندا بالغابون (إ.ب.أ)

استيقظ العالم، فجر الأربعاء، على انقلاب جديد في دولة الغابون، بعد ساعات من إعلان نتائج رئاسية منحت الرئيس علي بونغو الفوز بولاية رئاسية ثالثة، وأثارت جدلاً واسعاً في البلد الأفريقي الغني بالنفط والغاز الذي تحكمه منذ أكثر من نصف قرن عائلة واحدة. ولكن الانقلاب، رغم الخصوصيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للغابون، جاء ليؤكد أن «إعصار الانقلابات» بدأ يتحرك من غرب القارة نحو وسطها، في طريقه لأن يجتاح مناطق جديدة من قارة لم تعرف الاستقرار منذ نهاية حقبة الاستعمار الغربي.

أزمات حكم

يمكن القول إن هذا الإعصار بدأ من دولة مالي حين استحوذ عسكريون على الحكم في شهر أغسطس (آب) من عام 2020، ثم عاد نفس العسكريين ليقودوا انقلاباً ثانياً عام 2021 أطاحوا فيه بالرئيس الانتقالي المدني، ليتكرر نفس السيناريو في دولة غينيا شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2021، ثم في بوركينا فاسو التي عاشت انقلابها الأول في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2022، ثم انقلابها الثاني في شهر سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، وأخيراً جاء الدور على النيجر حين تحرك عسكريون للإطاحة بالرئيس محمد بازوم نهاية شهر يوليو (تموز) 2023، وذلك بعد محاولة انقلابية فاشلة عام 2021.

كل هذه الدول تقع في غرب القارة الأفريقية، وتعاني في أغلبها من أزمات بنيوية في الحكم، تفاقمت أكثر بسبب تصاعد خطر الإرهاب خلال العقد الماضي، فيما كان جميع الانقلابيين يبررون تحركهم بالأوضاع الأمنية المتردية، إلا أن الانقلاب الذي وقعَ في الغابون يشكلُ توسعاً لدائرة إعصار تغيير الأنظمة بالقوة نحو وسط القارة الأفريقية، حين وصل إلى دولة صغيرة وغنية، ويتمتع سكانها بمستوى معين من الرفاهية بالمقارنة مع سابقاتها؛ فما البذور الحقيقية لإعصار الانقلابات؟

عوامل متعددة

عند سؤال عبد الصمد امبارك، وهو رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية»، عن أسباب تسارع وتيرة الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال السنوات الثلاث الماضية، قال إن هذه الانقلابات بما فيها انقلاب الغابون «تدخل في سياق مسار الانقلابات العسكرية في أفريقيا منذ فترة ما بعد الاستقلال، نتيجة لعدة عوامل، في مقدمتها سوء الحكامة السياسية وتفشي ظواهر الفساد المالي والإداري التي تنخر بنية الدول الأفريقية».

وأضاف امبارك في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن انقلاب الغابون يكشف أسباباً أخرى لموجة الانقلابات، من أبرزها «ظروف الحكم الجاثم على الشعوب الأفريقية، وما ولَّده من توريث سياسي عبر سيطرة عائلات لفترات طويلة على الحكم دون وجه حق، سوى الهيمنة والاحتكار للمجال السياسي لأزيد من 56 سنة»، وذلك في إشارة إلى عائلة بونغو التي تحكم الغابون منذ 1967.

احتقان شعبي

أوضح امبارك أن الهيمنة على الحكم في الدول الأفريقية «جعلت الشعوب متعطشة للحرية، وللمشاركة في تدبير شؤون الحكم، وبالتالي المساهمة في عملية التنمية المفقودة أصلاً بفعل هيمنة نخب محدودة»، وذلك ما يفسر الهبة الشعبية وراء كل انقلاب عسكري، يرفع فيها المواطنون صور قادة الانقلاب، ويمزقون صور الرئيس المطاح به. المشاهد ذاتها تكررت في هذه الدول، وهي تؤكد مستوى الاحتقان الشعبي.

ولكن الأستاذ بجامعة نواكشوط رئيس مركز «الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية»، أكد أن الاحتقان الشعبي هو الذي «يفسح المجال للجيش بوصفه المؤسسة المنتظمة الوحيدة القادرة على فرض التغيير في الدول الأفريقية، وتحقيق التجديد الذي أصبح مطلباً شعبياً متنامياً في البلدان الأفريقية، نتيجة ما وصلت إليه من احتقان سياسي، ومن أبواب موصدة استعصت على تحريك العملية السياسية بصفة دستورية تضمن النظام الديمقراطي حديث العهد في هذه البلدان».

وهكذا يصبح تدخل الجيش الوسيلة الوحيدة لتحقيق التغيير في البلدان الأفريقية، بعد أن فشلت الآليات الديمقراطية في تحقيق ذلك، ما جعل كثيراً من الشعوب الأفريقية تفقد الثقة في الانتخابات وفي قدرتها على تحقيق التناوب السلمي. وهنا يشير عبد الصمد امبارك إلى أن «النظام الديمقراطي لم يستطع النمو في مناخ غير مواتٍ لفرض القيم الديمقراطية والتعايش المشترك في كنف الأمن والاستقرار السياسي الذي تحتاج إليه القارة السمراء».

وخلص امبارك إلى أنه على الدول الأفريقية أن تتعامل مع «متغيرات أصبحت تفرض نفسها، وتجتاح المنتظم الأفريقي منذ بعض الوقت، ولا مناص من التعامل معها بفعل الأمر الواقع».

صراع دولي

لا يمكن عزل موجة الانقلابات التي تجتاح الدول الأفريقية منذ سنوات، عن الأوضاع الدولية المضطربة، ولا عن الصراع الدولي المحتدم على النفوذ في أفريقيا، وهو صراع لم يعد سراً ولا خافياً على أحد، ما بين دول الغرب من جهة، وهي صاحبة النفوذ التقليدي في أفريقيا، خصوصاً فرنسا والولايات المتحدة. وفي الجهة المقابلة، نجد القوى الصاعدة المتمثلة في الصين وروسيا، التي حققت مكاسب كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت دائرة نفوذها تتسع بشكل لافت، وكانت الانقلابات العسكرية العامل الحاسم في ذلك التوسع.

مظاهرة نسائية خارج القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي (إ.ب.أ)

على سبيل المثال، مالي وبوركينا فاسو توجَّهتا نحو عقد شراكة استراتيجية مع روسيا على حساب الغرب، بينما قطعت النيجر خطوات في الاتجاه ذاته. وتسعى هذه الدول إلى الحصول على أسلحة روسية أصبحت مطلوبة في الأسواق الأفريقية، علماً بأن السلاح الروسي يأتي لهذه الدول دون أن يكون مُرفَقاً بأي شروط مسبقة، على غرار الاستثمارات والقروض التي تُعد سلاح الصين للتغلغل في القارة السمراء.

في هذا السياق، رفض امبارك أن تختزل هذه الانقلابات في الصراع الدولي. وقال إن «العوامل الداخلية لهذه البلدان المحرك الأساسي لعملية التغيير غير الدستوري؛ فهي في الأصل نتيجة تردي الأوضاع في عمومها، وتراجع الأنظمة عن تعهداتها، وعدم التزامها بمقومات اللعبة الديمقراطية المتمثلة في التناوب السلمي الذي يرفضه النظام العائلي في الغابون على سبيل المثال، من خلال تمسكه بمأمورية رئاسية ثالثة».

ولكن امبارك عاد ليؤكد أن هناك تأثيراً واضحاً لما قال إنه «مناخ دولي يعرف متغيرات عميقة في موازين القوى العالمية، وكذلك الترتيبات الانتقالية في معادلة القطبية الدولية، عبر تباين المواقف والتحالفات المتنوعة والمتجددة التي أصبحت تملي قواعدها على الخريطة السياسية الوليدة».

عدوى الانقلابات

بعضُ المراقبين وصف الأنظمة الحاكمة في أفريقيا بأحجار الدومينو التي بدأت تتساقط واحداً تلو الآخر، فإن اختلفت بعض التفاصيل تبقى الصورة العامة متشابهة جداً. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان حقبة سبعينات القرن الماضي، حين كان العالم يعيش أجواء الحرب الباردة، وكانت أفريقيا تعيش موجة انقلابات بالكاد سلم منها أي بلد، واستمرت حتى مطلع التسعينات.

هنا قال عبد الصمد امبارك: «يبدو أن رياح التغيير تجتاح المنتظم الأفريقي نتيجة تعثر العملية السياسية وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عموم هذه البلدان، زيادة على عجز القيادات في فرض الإصلاحات الضرورية لتنمية البلدان الأفريقية التي تعاني تحديات أمنية وتنموية متعددة».

دول أفريقية أخرى أصبحت في دائرة الإعصار؛ فالأنظمة التي تحكمها هشة ومتقادمة، وليس من المستغرب أن تكون هي أحجار الدومينو التي ستسقط. من هذه الدول الكاميرون المجاورة للغابون، التي يحكمها بول بيا منذ 1982، وهو البالغ من العمر 90 عاماً، وقد أصبح حكمه مترهلاً، ويواجه كثيراً من الأزمات، ثم غينيا الاستوائية المجاورة أيضاً للغابون، التي يحكمها تيودور أوبيانغ نغويما منذ 1979، وهو البالغ من العمر 81 عاماً.

سيناريو غرب أفريقيا

ويبقى مستقبل أنظمة هذه الدول الهشة في وسط أفريقيا مرتبطاً بمستقبل الانقلاب في الغابون، كما حدث في غرب أفريقيا حين انتقلت عدوى الانقلاب من مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين لها؛ فهل يتكرر سيناريو غرب أفريقيا في وسطها؟ أم أن المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (إيكاس)، ستكون أكثر حزماً من نظيرتها في غرب أفريقيا (إيكواس)، التي حتى الآن لم تنجح في كبح جماح العسكريين المتعطشين للحكم.

دورية لرجال الشرطة النيجرية خارج مقر السفارة الفرنسية بنيامي (أ.ف.ب)

المفارقة أن الغابون عاصمة المنظمة الإقليمية (إيكاس)؛ فمقرها المركزي يوجد في العاصمة ليبريفيل، وذلك ما دفع عبد الصمد امبارك إلى القول إن «التعامل مع انقلاب الغابون لن يخرج عن سياق ودلالات التغييرات التي عرفتها القارة الأفريقية، والتي تخضع لخصوصيات هذه البلدان، لا سيما أن الغابون توجد على رأس منظمة دول وسط أفريقيا، وهي تجمع إقليمي منوط أصلاً بالتنمية الاقتصادية والتعاون متعدد الأطراف وتحقيق الاندماج الإقليمي، دون أن تكون هذه المنظمة مؤهلة لخطط الدفاع المشترك».

وخلص رئيس مركز «الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» إلى أن المنظمة الإقليمية «عاجزة عن مواجهة التغييرات غير الدستورية بفاعلية أكثر من الإدانة والرفض المبدئي، نتيجة تعارض التغيير العسكري مع بروتوكول مجلس الأمن والسلم الأفريقي من جهة، وتعارضه كذلك مع ميثاق الاتحاد الأفريقي».


مقالات ذات صلة

تبون: أرسلنا طائرات إلى النيجر لمواجهة انقلاب

شمال افريقيا الرئيس تبون خلال مقابلة بثها التلفزيون الرسمي (الرئاسة الجزائرية)

تبون: أرسلنا طائرات إلى النيجر لمواجهة انقلاب

قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن بلاده تحركت عسكرياً لمنع الإطاحة برئيس النيجر عبد الرحمن تشياني في أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
تحليل إخباري لقطة عامة لقاعدة «نيامي 101» العسكرية بعاصمة النيجر (أ.ف.ب)

تحليل إخباري هكذا أحبطت القوات الروسية تمرد النيجر

التمرد العسكري في النيجر انتهى باعتقال ومقتل أغلب المشاركين فيه، بعد أن تدخلت قوات روسية مرابطة في النيجر منذ ثلاث سنوات.

الشيخ محمد ( نواكشوط)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …


مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.