الجزائر تؤكد وفرنسا تنفي طلب عبور الأجواء لمهاجمة النيجر

مؤشرات لتصعيد جديد بين الدولتين وتضارب السياسات في منطقة الساحل

دورة للشرطة في أحد شوارع نيامي الاثنين الماضي (أ.ف.ب)
دورة للشرطة في أحد شوارع نيامي الاثنين الماضي (أ.ف.ب)
TT

الجزائر تؤكد وفرنسا تنفي طلب عبور الأجواء لمهاجمة النيجر

دورة للشرطة في أحد شوارع نيامي الاثنين الماضي (أ.ف.ب)
دورة للشرطة في أحد شوارع نيامي الاثنين الماضي (أ.ف.ب)

ثمة روايتان متناقضتان: الأولى تضمنها تقرير إخباري للإذاعة الجزائرية الرسمية بُث في ساعة متأخرة من ليل الاثنين - الثلاثاء، ومفاده أن السلطات الجزائرية رفضت طلباً تقدمت به فرنسا للسماح لطائرات حربية فرنسية بالتحليق في أجواء الجزائر، في إطار عملية عسكرية هدفها إطاحة انقلاب عسكر النيجر، والإفراج عن الرئيس محمد بازوم المحتجز منذ 26 يوليو (تموز) الماضي.

وجاء في التقرير الجزائري أن فرنسا «تستعد لتنفيذ تهديداتها الموجهة إلى المجلس العسكري في النيجر المتعلقة بتدخل عسكري في حال عدم إطلاق سراح الرئيس محمد بازوم. ووفق مصادر مؤكدة فإن التدخل العسكري بات وشيكاً، والترتيبات العسكرية جاهزة». أضاف التقرير أن الجزائر التي «كانت دائماً ضد استعمال القوة، لم تستجب للطلب الفرنسي بعبور الأجواء الجوية الجزائرية من أجل الهجوم على النيجر، وردها كان صارماً وواضحاً».

أكثر من ذلك، أكد التقرير أن باريس، بعد رفض الجزائر، «توجهت إلى المغرب بطلب السماح لطائراتها العسكرية بعبور أجوائه الجوية»، وأن السلطات المغربية «قررت الاستجابة إلى الطلب الفرنسي». واتهم المغرب بـ«خرق القانون الدولي، ودعم التدخل العسكري في بلد حر ومستقل».

عناصر من الحرس الوطني خارج مكاتب الجمارك في نيامي الاثنين الماضي (أ.ب)

الرواية الجزائرية، كونها قد صدرت عن الإذاعة الرسمية واستندت إلى «مصادر مؤكدة»، تعني أنها خرجت بوحي من السلطات الساعية إلى إيصال رسائل إلى الجانب الفرنسي في ظل علاقات تتسم بالتقلب الدائم لا بل بالتشنج، والدليل على ذلك أن زيارة الرئيس عبد المجيد تبون لباريس التي كانت مقررة الربيع الماضي ثم أُجلت إلى يونيو (حزيران) لم تحدث بعد، وثمة من يخمن حدوثها في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. والأمر الثاني والأهم، أنه إذا كانت باريس قد سعت للحصول على رخصة لطائراتها الحربية لعبور الأجواء الجزائرية، فهذا يعني أن هناك نية حقيقية للجوء إلى الخيار العسكري في الملف النيجري، وهو ما تعارضه الجزائر.

وسبق للرئيس تبون أن رأى أن خياراً مثل هذا يعد بمثابة «تهديد مباشر لأمن الجزائر»، وأن من شأنه إشعال كل منطقة الساحل، مضيفاً أن الجزائر «لن تلجأ مطلقاً إلى استخدام القوة» مع جيرانها.

والأمر الثالث أن تضارب المصالح الفرنسية والجزائرية في منطقة الساحل، وقبلها في ليبيا، ما زال متواصلاً، وأن الطرفين، رغم تأكيدات سابقة، لم يتوصلا بعد إلى تنسيق المواقف والسياسات، بينما ترى الجزائر التي لها حدود مشتركة مع النيجر تقارب 1000 كيلومتر أنها الأكثر تأثراً في ما يجري في الجانب المقابل لحدودها، وأنه يتعين على فرنسا (وعلى غيرها) أن تأخذ هذه المصالح في الاعتبار.

والأمر الأخير ودائماً في حال صدقت الرواية الجزائرية يفيد بأن باريس عازمة على التدخل العسكري في النيجر، حيث ترابط قوة لها تربو على 1000 رجل، ولها قوة جوية مشكلة من طائرات حربية وطوافات ومسيرات.

مظاهرة مؤيدة للانقلابيين في نيامي الأحد الماضي (رويترز)

وثمة إجماع في باريس على استبعاد الانفراد بعملية عسكرية سينظر إليها على أنها شكل جديد من أشكال الاستعمار، والتوجه إلى دعم عملية في إطار مجموعة «إيكواس» التي هددت باللجوء إلى الخيار العسكري بوصفه «ملاذاً أخيراً». وأكثر من مرة، أعلنت باريس دعمها قرارات «إيكواس»، ومن بينها تفعيل ونشر «قوة احتياط» مشتركة للتدخل في نيامي.

كذلك، فإن قادة جيوش 11 دولة عضواً في المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا اتفقوا في اجتماعاتهم في أكرا (عاصمة غانا) يومي الخميس والجمعة الماضية على تفاصيل العملية العسكرية، لا بل حددوا زمنها، بيد أن الرواية الفرنسية مختلفة تماماً، وتنقض تأكيدات الإذاعة الجزائرية ومصادرها.

وقد أعلن مصدر في الجيش الفرنسي، في تصريح مختصر أن «قيادة أركان الجيوش المشتركة الفرنسية تنفي أنها تقدمت بطلب إلى الجزائر من أجل استخدام مجالها الجوي» لتنفيذ عملية عسكرية في النيجر. ومنذ حدوث الانقلاب، لم تقل فرنسا قط إنها تنوي التدخل العسكري في النيجر. وطلبت «الشرق الأوسط» توضيحاً من وزارة الخارجية الفرنسية حول هذا الأمر، إلا أنها لم تحصل على رد حتى كتابة هذه السطور.

وكانت صحيفة «لو موند» المستقلة قد كشفت في عددها الصادر يوم 19 أغسطس (آب) الحالي نقلاً عن مصادر «رفيعة» معلومات جديدة يفيد جانب منها بأن عسكريين نيجريين كانوا يحضرون لعملية لتحرير بازوم. والجانب الآخر يفيد بأن شخصيات نيجرية رئيسية من بينها وزير الخارجية (المعزول) حسومي مسعودو ومسؤولون عسكريون كبار عقدوا سريعاً، بعد الانقلاب، لقاءات مع ضباط فرنسيين من القوة الفرنسية المرابطة في النيجر، وطلبوا منها التدخل من أجل تحرير الرئيس المحتجز، وأن الجانب الفرنسي أصر على الحصول على طلب مكتوب للتدخل. وتضيف معلومات الصحيفة أن طلباً رسمياً قُدم لفرنسا يجيز لها التدخل العسكري واستهداف القصر الرئاسي حيث يحتجز بازوم. كذلك حُرر نص آخر، في الاتجاه نفسه، وقع نيابة عن رئيس أركان القوات المسلحة. وأفادت الصحيفة بأن قوة فرنسية وصلت إلى موقع الاجتماع، وأن طوافات عدة كانت جاهزة للتدخل. وأكد العسكريون الفرنسيون أنهم «قادرون» على القيام بالعملية من دون إلحاق الأذى بالرئيس المحتجز، إلا أن العملية لم تحدث لسببين: الأول، أن بازوم نفسه رفضها. والثاني، التغير الذي حل سريعاً في نيامي عندما التحقت القوات المسلحة بالانقلابيين، واشتراط باريس أن تكون مهمة قوتها فقط دعم ومساعدة قوة نيجرية وليس الانفراد بالعملية.

شعار الاتحاد الأفريقي على مدخل مقره الرئيسي في أديس أبابا (أ.ف.ب)

من يصدق؟ من يختلق؟ السؤال مطروح. لكن الثابت أن انقلاب النيجر يطيح الاستراتيجية الفرنسية التي جعلت هذا البلد محوراً رئيسياً لسياستها ولإمكاناتها في الاستمرار في محاربة التنظيمات المتطرفة والإرهابية في المنطقة بعد أن اضطُرت لترحيل قواتها تباعاً من مالي ثم من بوركينا فاسو بعد انقلابين متعاقبين حدثا في هذين البلدين، وأوصلا العسكر إلى السلطة. ومنذ اليوم، يغمُض مصير القوة الفرنسية في النيجر في حال بقي الانقلابيون في السلطة، إذ إنهم سارعوا منذ بداية الشهر الحالي إلى طلب انسحاب القوة الفرنسية، وأمهلوها شهراً واحداً، ونقضوا الاتفاقات الأمنية والدفاعية كافة المبرمة بين باريس ونيامي.

ويرى مراقبون أن استمرار الوجود العسكري الفرنسي سيكون بالغ الصعوبة في ظل تصاعد الشعور المعادي للدولة المستعمرة السابقة. والانقلاب قد جرى من دون إدراك المخابرات الفرنسية العسكرية والمدنية الموجودة محلياً، وقد أطاح الرئيس (محمد بازوم) الذي انتُخب ديمقراطياً وهو مقرب جداً من باريس ومن الرئيس ماكرون، وقد ذهب معارضوه إلى تسميته «رجل فرنسا» في النيجر. ولدى كل مظاهرة، ترفع شعارات تندد بفرنسا، وتطالب بخروج قواتها من البلاد.

وفي سياق ذي صلة، أعلن الاتحاد الأفريقي (الثلاثاء) أنّه علّق عضوية النيجر حتى عودة الحكم المدني في البلاد، مؤكّداً أنه سيدرس انعكاسات أي تدخّل عسكري في الدولة الواقعة في منطقة الساحل. وقال الاتحاد إنّ مجلس السلم والأمن «يطلب من مفوضية الاتحاد دراسة الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لنشر قوة احتياط في النيجر وإبلاغ المجلس بالنتائج». ويأتي إعلان التكتل وسط خلافات شديدة بين أعضائه بهذا الخصوص. وتوافرت معلومات تفيد بخلافات حادة برزت خلال اجتماع مجلس السلم والأمن الأخير بين مؤيد لتدخُل «إيكواس» العسكري في النيجر، وبين معارض له؛ ما أفضى إلى عجز المجلس عن إصدار بيان رسمي بحصيلة مداولاته.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.