النيجر: عقبات تَحول دون التدخل العسكري الأفريقي

صعوبة الحصول على تغطية دولية... ومخاطر مواجهة واسعة مع جبهة الانقلابيين

لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي الخميس (رويترز)
لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي الخميس (رويترز)
TT

النيجر: عقبات تَحول دون التدخل العسكري الأفريقي

لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي الخميس (رويترز)
لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي الخميس (رويترز)

الأحد المقبل، تنتهي مهلة الإنذار الذي وجهه قادة المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) في اجتماعهم يوم 30 يوليو (تموز) في أبوجا، عاصمة نيجيريا، لقادة الانقلاب في النيجر، للتراجع عن خلع الرئيس محمد بازوم والعودة إلى «الانتظام الدستوري»، أي إلى عودة الأخير لممارسة سلطاته الدستورية.

أما في حال امتناع الانقلابيين الذين فرضت عليهم «المجموعة» عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية صارمة، فيتعين على قادة النيجر الجدد أن يواجهوا تدخلاً عسكرياً من أجل إعادة الأمور إلى نصابها في نيامي.

وفي العاصمة النيجيرية، تتواصل اجتماعات رؤساء أركان جيوش 11 دولة منتمية إلى «المجموعة» من أجل التباحث وتنسيق المواقف وترتيب الخطط.

ويبدو، أكثر من أي وقت مضى، أن نيجيريا التي تترأس هذه «المجموعة» في الوقت الحاضر، تلعب الدور الرائد ويدفع رئيسها بولا تينوبو، الذي وصل إلى السلطة نهاية مايو (أيار) الماضي، باتجاه المواقف الأكثر تشددا إزاء الانقلابيين ولا يستبعد التدخل العسكري وإن عدَّه الأفارقة «الخيار الأخير».

بالنظر لاقتراب المهلة الزمنية للإنذار الجماعي من نهايتها، فإن الاتصالات السياسية والدبلوماسية، على المستويين الأفريقي والدولي، تذهب في كل اتجاه.

لجنة رؤساء أركان دول «إيكواس» خلال اجتماعها في أبوجا الأربعاء (أ.ف.ب)

وبالتوازي مع الاجتماعات العسكرية التحضيرية، عمدت «إيكواس» إلى إرسال الرئيس النيجيري الأسبق عبد السلام أبو بكر، على رأس وفد رفيع المستوى إلى نيامي، في مهمة حاسمة هدفها نقل مطالبها إلى قادة النيجر الجدد واستطلاع إمكانية الخروج من الأزمة سلمياً، والطريق الوحيدة، بنظرها، لذلك هي عودة العسكر إلى ثكناتهم وتقديم عروض لهم تتناول على الأرجح مستقبل قادتهم والضمانات التي يطالبون بها.

وحتى اليوم، ما زالت الولايات المتحدة ترى أن هناك «نافذة» لإيجاد حل سياسي. وجاء في بيان صادر عن ماتيو ميلر، الناطق باسم الخارجية الأميركية، أن واشنطن «عازمة على إيجاد تسوية سياسية تتيح للنيجر أن تبقى شريكاً موثوقاً من أجل أمن وتطور المنطقة».

وأشارت كاترين كولونا، وزيرة الخارجية الفرنسية، أكثر من مرة، إلى أن الوضع القائم حالياً في النيجر «ليس نهائياً» بمعنى إمكانية العودة إلى الوضع السابق.

متظاهر يرفع لافتة تقول: «لتحيا الولايات المتحدة الأفريقية: النيجر ومالي وبوركينا فاسو» في نيامي الخميس (إ.ب.أ)

بيد أن هناك مؤشرات تدفع باتجاه اللجوء إلى القوة العسكرية ومنها تصريحات عبد الفتاح موسى، مفوض الشؤون السياسية والأمنية، الذي قال في افتتاح اجتماعات قادة الأركان، أول من أمس، أنه إذا كان الخيار العسكري هو «الملاذ الأخير، إلا أنه يتعين علينا أن نتحضر لهذا الاحتمال».

والأهم من ذلك، قيام الولايات المتحدة بترحيل الدبلوماسيين غير الرئيسيين في سفارتها في نيامي، وهو ما فعلته بريطانيا أيضاً. يضاف إلى ذلك أن فرنسا وإيطاليا وألمانيا ودول أوروبية أخرى عمدت إلى إجلاء غالبية رعاياها من النيجر بسبب الأوضاع الأمنية ولكن أيضاً بسبب التخوف من الاحتكام إلى قوة السلاح.

وفي هذا السياق، تندرج الزيارة التي قام بها الجنرال مودي، رئيس الأركان النيجري السابق والرجل الثاني في الانقلاب، إلى باماكو وبوركينا فاسو من أجل تشكيل جبهة «انقلابية» تنضم إليها غينيا، بمواجهة جبهة «المجموعة». لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتناول مدى قدرة «المجموعة» على حسم الأزمة عسكرياً وإعادة «الانتظام الدستوري» بقوة السلاح إلى النيجر.

في الاجتماع الذي عقده قادة «المجموعة» في أبوجا، بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تقرر إنشاء قوة إقليمية مشتركة لهدفين محددين: الأول، محاربة التنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تضرب في أكثر من دولة عضو فيها، والآخر هو الحيلولة دون قيام أنظمة جديدة عن طريق الانقلابات العسكرية. وجاء ذلك بعد ثلاثة انقلابات جرت ما بين عامي 2020 و2022 وأطاحت بالحكومات المنتخبة في غينيا ومالي وبوركينا فاسو.

رفع لافتة ضد المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) خلال مظاهرة في نيامي الخميس (أ.ف.ب)

وقال عمر توراي، مفوض المجموعة وقتها، إن دول المجموعة «عازمة على إنشاء قوة إقليمية تتدخل عند الحاجة، لتوفير الأمن ومواجهة الإرهاب أو لإعادة الانتظام الدستوري في الدول الأعضاء». لكن منذ نهاية العام الماضي حتى اليوم، لم ترَ هذه القوة الموعودة النور.

من هنا، فإن اجتماعات أبوجا العسكرية تهدف كذلك إلى النظر في كيفية تشكيل هذه القوة الموعودة وهوية الدول القادرة على المساهمة بها.

وفي أي حال، فإن نيجيريا التي لها حدود مشتركة مع النيجر بطول 1600 كيلومتر، ولكونها الدولة الكبرى والأغنى والأكثر تسلحاً في غرب أفريقيا، ستشكل العمود الفقري لأي عمل عسكري. وما يدفع بهذا الاتجاه أن رئيسها الجديد أكد أكثر من مرة ضرورة الانتهاء من عصر الانقلابات، ولأن فشل المجموعة في النيجر سيحوّلها إلى كيان فارغ عديم الفائدة فيما تتواصل الحركات الانقلابية في غرب أفريقيا حيث إن أربعة من أعضائها الـ15 تحكمهم مجالس عسكرية وعضوياتهم معلقة.

أُنشئت «المجموعة» في عام 1975 في لاغوس (نيجيريا). وبعد 15 عاماً على إطلاقها (1990)، تدخلت عسكرياً للمرة الأولى في الحرب الأهلية المشتعلة في ليبيريا عن طريق إرسال «قوة سلام» هدفها الوقوف بين الطرفين المتنازعين. وحسب المحامي عمر بيرتيه، المتخصص في القانون الدستوري، وصاحب كتاب «المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا بمواجهة التغيرات غير الدستورية»، فإن التدخل المذكور «افتقر للغطاء الشرعي» لأنه لم يتم بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن. ومن جهة ثانية، لم يكن فاعلاً، لأن الحرب الأهلية أوقعت 150 ألف ضحية. وبعد ذلك بثماني سنوات، تدخلت قوة تابعة لـ«المجموعة» في غينيا بيساو في ظروف غامضة، حيث تراجع الانقلابيون قبل أن يصوّت مجلس الأمن على قانون يُجيز تدخل «المجموعة» في غينيا بيساو.

أما المهمة الناجحة فعلاً التي أنجزتها قوة عسكرية مشتركة تابعة لـ«المجموعة» فقد حصلت في عام 2016 في غامبيا وبتغطية من مجلس الأمن. ولعب الجيش السنغالي، كما في حالة غينيا بيساو، الدور الأول.

ثمة عقبة أولى تجعل التدخل العسكري صعب الحصول، وهي حصول الأفارقة على تفويض من مجلس الأمن الدولي باعتبار أن روسيا ستقف حكماً ضد صدوره نظراً لاستفادتها من التطورات الجارية في النيجر.

رجال أمن بمواجهة متظاهرين مؤيدين للانقلابيين خارج السفارة الفرنسية في نيامي 30 يوليو الماضي (رويترز)

فبسبب الانقلاب في مالي، دخلت مجموعة «فاغنر» إلى البلاد لتحل محل القوة الفرنسية وتحمي النظام الانقلابي.

أما بوركينا فاسو التي شارك رئيسها في القمة الروسية - الأفريقية في مدينة سان بطرسبرغ أواخر الشهر الماضي، فإنها سائرة على الدرب نفسها.

ولذا، فإن أي تدخل عسكري من غير غطاء دولي سيكون مشكوكاً في شرعيته وسيُضعف بالنتيجة «المجموعة» سياسياً، وستُتهم الدول المشاركة بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، لا بل، كما يقول المحامي عمر بيرتيه، بممارسة «سياسة إمبريالية».

وللتغلب على هذه العقبة القانونية الكأداء، ثمة مَخرج وحيد هو أن يتم التدخل بطلب مباشر من الرئيس محمد بازوم الذي ما زال، في نظر الأسرة الدولية، الرئيس الشرعي للنيجر. لكنّ مشكلة بازوم أنه وقع بيد الانقلابيين الذين لن يتيحوا له بأي شكل أن يقدم للأفارقة طلباً بهذا المعنى.

وفي أي حال، يتساءل كثيرون عن الدوافع التي جعلت «المجموعة» تكتفي بالعقوبات الاقتصادية والحجْر السياسي على الانقلابيين في غينيا ومالي وبوركينا فاسو، فيما تهدد بالتدخل العسكري في النيجر. وبالتوازي، فإن سؤالاً آخر يُطرح حول مهلة الأسبوع القصيرة جداً التي أُعطيت للانقلابيين بحيث لم يُترك للعقوبات المشددة الوقت الكافي لتؤتي أُكلها، خصوصاً أن النيجر بلد فقير ويعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، التي جمّدت كلها (أفريقياً وأوروبياً ومن البنك الدولي)، وقد بدأت الصعوبات اليومية مع قرار نيجيريا وقف إمداد جارتها النيجر بالطاقة الكهربائية.

يبقى أن تدخلاً عسكرياً سيعني الحرب ويعني سقوط الضحايا وإلهاء الجيوش المتدخلة عن مهمة محاربة التنظيمات الجهادية والإرهابية وعلى رأسها «داعش» الناشط في بلدان الساحل نزولاً إلى دول خليج غينيا. ولا بد من الإشارة إلى أن الانقلابيين يحظون في النيجر بدعم شعبي واضح، وبالتالي فإن التدخل العسكري يعني مواجهة مع السكان أو على الأقل نزوع الجيش النيجري للاحتماء بالمدنيين. أما إذا نجح الانقلابيون في تشكيل جبهة محاربة (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا)، الأمر الذي يسعون راهناً إليه، فهذا سيُفضي إلى حرب حقيقية في منطقة هي الأفقر في العالم.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.