بوتين متمسك بالحوار مع واشنطن... وبلاده لا تخشى تصعيد سباق التسلح

«الرابطة المستقلة» تطلق مساراً للتوسع وتضع أساساً جديداً للتعاون في أمن الطاقة

الرئيس القرغيزي صادر جاباروف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن يحضرون حفل استقبال قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)
الرئيس القرغيزي صادر جاباروف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن يحضرون حفل استقبال قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

بوتين متمسك بالحوار مع واشنطن... وبلاده لا تخشى تصعيد سباق التسلح

الرئيس القرغيزي صادر جاباروف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن يحضرون حفل استقبال قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)
الرئيس القرغيزي صادر جاباروف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن يحضرون حفل استقبال قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسائل عدة إلى الولايات المتحدة والغرب عموماً، وإلى شركاء بلاده في الفضاء السوفياتي السابق، في ختام أعمال قمتين إقليميتين توليهما موسكو أهمية كبرى.

وفي اليوم الثاني لنشاط سياسي مكثف شهدته عاصمة طاجكستان دوشانباي، عقد رؤساء رابطة الدول المستقلة اجتماعاً شكّل نقطة انطلاق جديدة للرابطة التي شهدت ترهّلاً على مدى سنوات، وتقلصت أهميتها بسبب الخلافات وتباين الأولويات بين أعضائها من الجمهوريات السوفياتية السابقة. وبدا أن الاجتماع كُرّس لضخّ دماء جديدة في آليات عمل الرابطة. وكان القادة المجتمعون في دوشانباي عقدوا في اليوم السابق قمة لا تقل أهمية جمعت رؤساء روسيا وبلدان منطقة آسيا الوسطى.

وشكلت قمة «روسيا - آسيا الوسطى» حدثاً بارزاً وفريداً، كونها ركزت للمرة الأولى على علاقات روسيا مع التكتل، ليس في إطار المنظمات الإقليمية التقليدية مثل «شانغهاي» و«بريكس»، بل في إطار منفصل يُقرّ عملياً بتنامي دور هذه المجموعة، وتصاعد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في المنطقة.

وفي ختام القمتين، وجّه بوتين رسائل مهمة، كان أبرزها إلى الولايات المتحدة، التي تجاهل في حديثه عنها أي إشارة إلى الخلافات ولهجة التحذير والتهديدات الصادرة من إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى بلاده، وركّز بدلاً من ذلك على التزام بلاده بالتوافقات التي تم التوصل إليها في القمة الوحيدة التي جمعته بترمب في ألاسكا قبل أسابيع.

العلاقة مع واشنطن

قال بوتين إن بلاده والولايات المتحدة «لا تزالان ملتزمتين باتفاقيات ألاسكا». وأكد بوتين أن الطرفين «يدركان الاتجاه الذي يتعين عليهما اتباعه لإنهاء النزاع (الأوكراني) سلمياً».

الرئيس الأميركي ونظيره الروسي خلال مؤتمر صحافي بقاعدة «إلمندورف ريتشاردسون» المشتركة في أنكوريج بألاسكا 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وفي تجاهل كامل للتطورات التي أعقبت تصاعد ما وُصف بأنه «خيبة أمل» أميركية تجاه بوتين، قال الرئيس الروسي: «ربما سنتمكن من تحقيق الكثير بناءً على الاتفاق والمناقشات في أنكوريج». وأقرّ بوتين بأن الطرفين «لم يكشفا بشكل كامل عن المواضيع التي نوقشت في قمة ألاسكا»، لكنه أضاف أن «ترمب ملتزم التزاماً صادقاً بحل الأزمة في أوكرانيا».

وعلّق بوتين أيضاً على حفل توزيع جائزة نوبل للسلام. وأكّد أنه ليس من حقه أن يقرر ما إذا كان الزعيم الأميركي يستحق الجائزة، لكنه أشار إلى أن «ترمب يبذل الكثير من الجهود لحل الأزمات المعقدة وطويلة الأمد».

وأضاف بوتين: «كانت هناك حالات منحت فيها اللجنة جائزة نوبل للسلام لأشخاص لم يفعلوا شيئاً من أجل السلام. برأيي، أضرت هذه القرارات بشكل كبير بمكانة هذه الجائزة».

الأمن الاستراتيجي

مع هذه اللهجة الهادئة تجاه واشنطن وترمب، تطرّق الرئيس الروسي إلى نقطة خلافية حاسمة على خلفية معطيات عن توجه أميركي لتسليم أوكرانيا أنظمة صاروخية قادرة على الوصول إلى العمق الروسي من طراز «توماهوك».

ووصف بوتين الحديث عن هذه الصواريخ بأنه «استعراض»، وأكد أن «ردّنا هو تعزيز نظام الدفاع الجوي للاتحاد الروسي».

الرئيس القرغيزي صادر جاباروف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن يحضرون حفل استقبال قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي، يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما تطرّق إلى ملفات الأمن الاستراتيجي وتقليص التسلح التي تشكل بدورها أساساً لخلافات عميقة مع واشنطن. وفي إشارة لافتة، قال بوتين إن «سباق التسلح قائم بالفعل في العالم». وزاد أن «بلداناً عدة تدرس، بل تستعد، لإجراء تجارب نووية... وروسيا لديها معلومات ذات صلة وقادرة على اتخاذ خطوات جوابية رادعة ومتكافئة».

وأشار إلى المبادرة التي أطلقها قبل أسبوعين لتمديد العمل بمعاهدة «ستارت» التي تنظم تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية لمدة عام بعد انقضاء مدتها في فبراير (شباط) المقبل. وسأل بوتين: «هل ستكون هذه الأشهر القليلة كافية لاتخاذ قرار بشأن التمديد؟ أعتقد أنها ستكون كافية إذا توافرت حسن النية لتمديد هذه الاتفاقيات». وأكد أن رفض الولايات المتحدة للمبادرة الروسية «لن يكون تطوراً حاسماً، مع أن مثل هذا القرار سيكون مؤسفاً».

قادة أذربيجان (من اليسار إلى اليمين) وكزاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

وقال بوتين: «نحن مستعدون للتفاوض إذا كان ذلك مقبولاً ومفيداً للجانب الأميركي. وإن لم يكن كذلك، فلا بأس. لكن سيكون من المؤسف؛ لأنه حينها لن يتبقى شيء من حيث الردع في مجال الأسلحة الاستراتيجية الهجومية».

وجدّد التلويح بقدرات الردع النووي الروسي في مواجهة احتمالات تفاقم الوضع، وقال بوتين إن «الردع النووي الروسي أكثر ابتكاراً من ردع الدول الأخرى. علاوة على ذلك، تجري تجارب أسلحة جديدة بنجاح». وأضاف: «نحن بصدد وضع اللمسات الأخيرة، وأعتقد أننا سنتمكن قريباً من الإعلان عن الأسلحة الجديدة التي أعلنّا عنها سابقاً».

العلاقات مع الفضاء السوفياتي

في الملفات الأخرى، أعرب بوتين عن ارتياح واسع بسبب نجاح لقائه مع نظيره الأذري إلهام علييف على هامش أعمال القمة بكسر الجمود وإعادة تطبيع العلاقات بين موسكو وباكو، بعد عام من التوتر المتفاقم بين البلدين. وأشاد بعلاقات بلاده مع بلدان الرابطة المستقلة، وتحدّث خصوصاً عن طاجكستان التي تستضيف اللقاءات، ووصفها بأنها «شريك مهم للغاية في آسيا الوسطى». علماً بأن هذا البلد هو الوحيد حالياً في المنطقة الذي يمنح روسيا وجوداً عسكرياً في قاعدة ضخمة، في مقابل تنفيذ موسكو برنامجاً شاملاً لتحديث وتسليح الجيش الطاجيكي.

صورة جماعية وُزّعت من وكالة «سبوتنيك» الروسية تُظهر قادة أذربيجان وأرمينيا وبيلاروسيا وكزاخستان وروسيا وطاجيكستان وقرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان خلال الجلسة الموسعة لمجلس رؤساء دول الرابطة في قصر الأمة بدوشانباي، يوم 10 أكتوبر (أ.ف.ب)

وأكّد بوتين أن الحفاظ على رابطة الدول المستقلة وتعزيزها «أمر بالغ الأهمية لمستقبلنا». وأكد أن الرابطة لم تفقد أهميتها، بما في ذلك أثرها الإنساني. ونبّه إلى أنه «من المهم لروسيا ودول آسيا الوسطى ألا تنفصلان عن بعضها؛ فموسكو والمنطقة تشتركان في العديد من المصالح المشتركة».

وزاد أنه «يجب ألا نكتفي بالعيش في ظل هذه الظروف، بل أن نفكر أيضاً في كيفية تطوير هذه المساحة، والمضي قدماً، مع الحفاظ على المزايا التنافسية التي نشأت نتيجةً لإنشاء رابطة الدول المستقلة في الاتحاد السوفياتي السابق. لوجيستيات وتعاون صناعي موحد، وثقافة موحدة، على الرغم من التنوع الثقافي لشعوب الاتحاد السوفياتي. صُممت رابطة الدول المستقلة للحفاظ على كل هذا».

وخلص إلى أن «الغالبية العظمى من الناس لم تدرك مباشرة عواقب انهيار الاتحاد السوفياتي، وإنشاء رابطة الدول المستقلة».

وتطرق إلى الوضع في أفغانستان المجاورة. وأشار إلى أن الحكومة الحالية تبذل قصارى جهدها لتطبيع الوضع في البلاد، لكن لا تزال هناك مشاكل عديدة. وأكد الرئيس الروسي ضرورة تأمين الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان. كما تطرق إلى ملف غزة، مؤكداً دعم روسيا للخطة الأميركية للتسوية. وقال إنه «إذا اكتمل ما بدأ، فسيكون حدثاً تاريخياً».

تطوير الرابطة

صورة جماعية لقادة دول الرابطة المستقلة في قصر الأمة بدوشانباي، يوم 10 أكتوبر (سبوتنيك - رويترز)

عقب اجتماع مجلس رؤساء الدول في دوشانباي، وقّع قادة دول رابطة الدول المستقلة حزمةً من الوثائق المتعلقة بالتعاون الاقتصادي والأمني، شملت قراراً بإنشاء صيغة «رابطة الدول المستقلة بلس»، في خطوة تسمح بتوسيع الرابطة مستقبلاً. وتم منح منظمة «شنغهاي» للتعاون صفة عضو مراقب فيها.

كما وقع القادة وثيقة تنص على إطلاق آليات لـ«التعاون العسكري المنفتح، وغير منحاز، وغير موجه ضد دول ثالثة». واشتملت وثيقة أخرى على برنامج للتعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف؛ كما وقع الزعماء إعلاناً بشأن التعاون في أمن الطاقة الإقليمي.


مقالات ذات صلة

أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

الولايات المتحدة​ صورة التُقطت في 28 يناير الماضي للباحث في جامعة ستانفورد هربرت لين والرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس والأستاذ الفخري بجامعة برينستون روبرت سوكولو ومديرة قسم علوم الحياة في شركة «ستيرلينغ باي» سوزيت ماكيني وهم يشاركون في إعلان «ساعة القيامة» لعام 2025 التي ضُبطت على 89 ثانية قبل منتصف الليل في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

طلبت إدارة الرئيس دونالد ترمب انضمام الصين إلى محادثات مع روسيا حول الحد من الترسانات النووية بعد انتهاء صلاحية معاهدة «نيو ستارت»، وهذا ما رفضته بكين.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وخلفه الرئيس دونالد ترمب (رويترز)

واشنطن تدعو إلى مفاوضات تشمل موسكو وبكين للحد من الأسلحة النووية

دعت الولايات المتحدة إلى إطلاق مفاوضات متعددة الأطراف تشمل الصين لوضع قيود جديدة على الأسلحة النووية، وذلك غداة انتهاء مفاعيل معاهدة «نيو ستارت».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتحدث على هامش مؤتمر صحافي للرئيس دونالد ترمب بالبيت الأبيض 29 يناير (أ.ف.ب) p-circle

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش... وموسكو تتشدد حيال «دعاة الحرب» الأوروبيين... بينما يضيق الخناق على نفطها

إيلي يوسف (واشنطن) رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يوقع مع دميتري ميدفيديف الرئيس الروسي السابق معاهدة «ستارت III» (رويترز)

موسكو «تسترشد بمصالحها» بعد انتهاء صلاحية معاهدة «ستارت» النووية

روسيا «تسترشد بمصالحها» بعد انتهاء صلاحية معاهدة «ستارت» النووية، وتتفق مع واشنطن على استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى.

رائد جبر (موسكو )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب (أ.ف.ب)

ميلانيا ترمب: المحادثات تتواصل مع فريق بوتين لإعادة أطفال أوكرانيين

ذكرت للصحفيين في البيت الأبيض «أعمل على الأمر... وآمل أن نحقق نجاحا قريبا». ولم تكشف عن تفاصيل المحادثات بين ممثليها وفريق بوتين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)
تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)
TT

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)
تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

وقال ⁠مسؤولون من ‌الشرطة ‍والحكومة ‍إن تفجيراً ‍انتحارياً أودى بحياة 31 على الأقل ​وأصاب قرابة 170 وقت صلاة الجمعة في المسجد الواقع في منطقة ترلاي على أطراف إسلام آباد.

وقال مصدر أمني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «المهاجم توقف عند البوابة وفجّر نفسه».

وهذا أعنف هجوم من حيث حصيلة القتلى في العاصمة الباكستانية منذ سبتمبر (أيلول) 2008، حين قُتل 60 شخصاً في تفجير انتحاري بشاحنة مفخخة دمّر جزءاً من فندق فخم.


31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

نقل الجرحى بسيارات إسعاف إلى المستشفيات القريبة (إ.ب.أ)
نقل الجرحى بسيارات إسعاف إلى المستشفيات القريبة (إ.ب.أ)
TT

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

نقل الجرحى بسيارات إسعاف إلى المستشفيات القريبة (إ.ب.أ)
نقل الجرحى بسيارات إسعاف إلى المستشفيات القريبة (إ.ب.أ)

ارتفعت حصيلة ضحايا الانفجار الذي وقع في مسجد شيعي في منطقة ترلاي على أطراف العاصمة إسلام آباد إلى 31 قتيلاً و169 مصاباً، بناء على ما أدلى به مسؤول رفيع بالشرطة الباكستانية، مضيفاً أن الهجوم وقع بُعيد صلاة الجمعة. وذكرت الشرطة في إسلام آباد أن الانفجار في المسجد الواسع المساحة وقع نتيجة هجوم انتحاري، وأنه يجري التحقيق بشأنه.

أشخاص ينقلون رجلاً مصاباً إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وقال نائب مفوض إسلام آباد عرفان ميمون، في بيان: «ارتفع عدد القتلى في الانفجار. فقد 31 شخصاً حياتهم. وزاد عدد الجرحى المنقولين إلى المستشفيات إلى 169».

وأظهرت لقطات تلفزيونية ومقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي الشرطة والسكان وهم ينقلون المصابين إلى مستشفيات قريبة كما أظهرت التسجيلات المصوّرة جثثاً ملقاة قرب البوابة الأمامية للمسجد، بينما تناثرت غيرها، إضافة إلى الأنقاض والركام، في قاعة الصلاة. وكان عشرات الجرحى الآخرين يستلقون في الحديقة الخارجية للمسجد الواقع على مشارف إسلام آباد، بينما كان الناس يستغيثون طلباً للمساعدة.

وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للتفجير الإرهابي الذي استهدف مسجداً في عاصمة جمهورية باكستان الإسلامية، إسلام آباد، وأدى لسقوط عدد من القتلى والجرحى.

وشدد بيان وزارة الخارجية على موقف المملكة الرافض لاستهداف دور العبادة وترويع الآمنين وسفك دماء الأبرياء، مؤكداً وقوف المملكة إلى جانب جمهورية باكستان الإسلامية الشقيقة ضد جميع أشكال العنف والتطرف والإرهاب.

وقدمت الوزارة العزاء والمواساة لذوي الضحايا وللحكومة والشعب الباكستاني الشقيق، مع التمنيات للمصابين بالشفاء العاجل.

عناصر الأمن الباكستاني يبعدون الناس عن موقع الانفجار في إسلام آباد الجمعة (أ.ب)

والتفجيرات نادرة في العاصمة التي تخضع لإجراءات أمنية مشددة، رغم أن باكستان شهدت خلال السنوات القليلة الماضية موجة متصاعدة من أعمال العنف المسلح.

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجير على الفور، لكن من المرجح أن تحوم الشبهات حول جماعات مسلحة مثل حركة «طالبان» باكستان وتنظيم «داعش»، اللذين نسبت إليهما مسؤولية تنفيذ هجمات سابقة استهدفت مصلين من الشيعة. وقال مصدر أمني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «المهاجم أوقف عند البوابة وفجّر نفسه».

نقل الجرحى من مكان الانفجار قريباً من الجامع الشيعي (إ.ب.أ)

ورأى مراسلون عند مستشفى «المعهد الباكستاني للعلوم الطبية» عدداً من النساء والأطفال يُنقلون إلى المنشأة. وتولى مسعفون وأشخاص آخرون نقل الضحايا المضرجين بدمائهم من سيارات الإسعاف ومركبات أخرى. وعلت صرخات أصدقاء وأقارب الجرحى لدى وصولهم إلى قسم الطوارئ في المستشفى، حيث فرضت إجراءات أمنية مشددة.

وفُرض طوق أمني في محيط المنطقة، حيث تناثرت الملابس والأحذية والزجاج المحطم.

ودان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الاعتداء، متعهّداً بالعثور على منفذيه وسوقهم إلى العدالة. وأمر شريف بفتح تحقيق شامل، وقال: «لا بد من تحديد هوية المسؤولين ومعاقبتهم».

كما دان وزير الداخلية محسن نقوي أيضاً الهجوم، وطلب من السلطات توفير أفضل رعاية طبية للجرحى الذين تم نقلهم لمستشفيات مختلفة بالمدينة. ووقع الهجوم اليوم بينما كان الرئيس الأوزبكي شوكت مرضيايف، الذي يقوم بزيارة رسمية للبلاد لمدة يومين، يشارك في إحدى الفعاليات مع شريف. وكان موقع الفعالية يبعد عدة كيلومترات عن موقع الانفجار.

جموع من الناس قريباً من مكان الحادث (رويترز)

ووصف نائب رئيس الوزراء إسحاق دار الهجوم بأنه «جريمة شنيعة ضد الإنسانية، وانتهاك صارخ للمبادئ الإسلامية». وأضاف في منشور على «إكس» أن «باكستان تقف صفّاً واحداً ضد الإرهاب بكافة أشكاله».

ولم تعلن أي جهة بعدُ مسؤوليتها عن التفجير الذي يأتي في وقت تواجه فيه قوات الأمن الباكستانية حركات تمرّد تزداد حدة في المناطق الجنوبية والشمالية المحاذية لأفغانستان.

واتّهمت إسلام آباد في الماضي مجموعات انفصالية مسلّحة في إقليم بلوشستان (جنوب) وحركة «طالبان» الباكستانية وغيرها من الجماعات الإسلامية في إقليم خيبر بختونخوا (شمال) باستخدام الأراضي الأفغانية منطلقاً لشنّ هجمات.

ونفت حكومة «طالبان» في أفغانستان مراراً الاتهامات الباكستانية. إلا أن العلاقات بين البلدين تدهورت في الآونة الأخيرة، بينما تدور مواجهات متكررة بين قواتهما عند الحدود.

وشهدت باكستان زيادة في عنف الجماعات المسلحة في الأشهر القليلة الماضية، التي تم إلقاء اللائمة فيها على جماعات انفصالية من بلوشستان وحركة «طالبان باكستان». وتنشط في البلاد أيضاً جماعة مرتبطة بتنظيم «داعش».

نقل الجرحى من مكان الانفجار قريباً من الجامع الشيعي (إ.ب.أ)

ويشكّل المسلمون الشيعة ما بين 10 و15 في المائة من سكان باكستان ذات الغالبية من المسلمين السنّة، وسبق أن استُهدفوا بهجمات في أنحاء مختلفة في الماضي.

وأعلن الجيش الباكستاني، الجمعة، أن وحدات الكوماندوز قتلت 24 مسلحاً إرهابياً على الأقل في عمليات بالقرب من الحدود الأفغانية، بعد يوم من وصول حصيلة الوفيات جراء عملية استمرت أسبوعاً في جنوب غربي البلاد إلى 250 قتيلاً.

وأوضح بيان عسكري أن الجنود المدعومين من المروحيات الحربية اقتحموا مخابئ المسلحين من «طالبان» باكستان في موقعين في إقليم خيبر بختونخوا بشمال غربي البلاد. وأضاف البيان، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية»: «تأكدت وفاة 24 عدواً على الأقل في تبادل لإطلاق النار في الموقعين».

ولدى «طالبان» باكستان هيكل تنظيمي مختلف عن نظيرتها الأفغانية التي تحكم الآن كابل، ولكنّ كلتيهما تعتنق نفس التفسير المتشدد للإسلام. وتريد المجموعة التي تفيد المزاعم بأنها تعمل من المناطق الحدودية الأفغانية، تكرار الحكم الإسلامي لأفغانستان في باكستان المسلحة نووياً.

وكان الجيش الباكستاني قد دفع بـ«طالبان» باكستان إلى أفغانستان في سلسلة من الهجمات من 2014، ولكنها ظهرت مجدداً في باكستان بعد سقوط كابل في يد «طالبان» أفغانستان.

وتأتي العملية بعد يوم من إعلان إدارة العلاقات العامة بالجيش الباكستاني أن القوات الأمنية اختتمت بنجاح عملية «رد الفتنة 1»؛ إذ قضت على 216 إرهابياً في عدة اشتباكات وعمليات تطهير. ومن ناحية أخرى، لقي 36 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، بالإضافة إلى 22 من أفراد قوات الأمن، حتفهم في هذه العمليات.

وقال الجيش الباكستاني، الخميس، إنه أنهى عملية أمنية استمرت أسبوعاً في إقليم بلوشستان ضد جماعة انفصالية اقتحم عناصرها أكثر من 12 موقعاً، واحتجزوا رهائن وفجروا قنابل وخاضوا اشتباكات مسلحة مع قوات الأمن. وتعطلت الحياة في بلوشستان، أكبر أقاليم باكستان وأفقرها، السبت، عندما شنت جماعة «جيش تحرير بلوشستان» الانفصالية هجمات منسقة في الساعات الأولى من الصباح على مدارس وبنوك وأسواق ومنشآت أمنية في أنحاء الإقليم، في واحدة من أكبر عملياتها على الإطلاق.

سيارات الإسعاف تنقل الضحايا من مكان الانفجار (رويترز)

وظهر في صور من كويتا، عاصمة الإقليم، وغيرها من المناطق مبانٍ مدمرة سُوّي بعضها بالأرض، وتناثر الطوب والخرسانة المتفحمة في الشوارع.

وقال الجيش إنه «أنهى بنجاح» عملية «رد الفتنة 1»، وإن قواته تمكنت من إحباط هجمات الانفصاليين وتفكيك خلايا نائمة ومصادرة أسلحة.

ورغم ذلك، قال «جيش تحرير بلوشستان» في بيان، إنه يعتبر العملية التي أطلق عليها اسم «هيروف» أو (العاصفة السوداء) مستمرة، ونفى ما أشار إليه الجيش بشأن انتهاء العملية، ووصف الأمر بأنه «دعاية مضللة».

ودعا «جيش تحرير بلوشستان» سكان الإقليم إلى دعم الجماعة، مضيفاً، في بيان، نقلت عنه «رويترز» أن عناصره قتلت 310 جنود خلال عمليته، لكن دون تقديم أي دليل.

وقال مسؤولون أمنيون وشهود إن الانفصاليين سيطروا على مبان حكومية ومراكز شرطة في عدة مواقع، بما في ذلك السيطرة على بلدة نوشكي الصحراوية لمدة ثلاثة أيام قبل طردهم.

وأضاف المسؤولون أن طائرات هليكوبتر وطائرات مسيرة جرى نشرها في نوشكي لإخراجهم.

ووجهت باكستان اتهامات للهند بالوقوف وراء الهجمات، لكنها لم تقدم أدلة على هذه الاتهامات التي ربما تؤدي إلى تصعيد حدة التوتر بين الجارتين المسلحتين نووياً، واللتين خاضتا أسوأ صراع مسلح بينهما منذ عقود في مايو (أيار) الماضي.

قوات الجيش الباكستاني تقوم بدوريات في شامان ببلوشستان (إ.ب.أ)

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الجمعة: «صعّدت الهند مرة أخرى أعمال الإرهاب في باكستان عبر وكلائها». وتنفي وزارة الخارجية في نيودلهي هذه الاتهامات، وشددت على ضرورة تركيز إسلام آباد على تلبية «المطالب القديمة لشعبها في المنطقة».


قتلى وجرحى بانفجار في مسجد بباكستان

أشخاص يقومون بنقل رجل مصاب إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يقومون بنقل رجل مصاب إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

قتلى وجرحى بانفجار في مسجد بباكستان

أشخاص يقومون بنقل رجل مصاب إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يقومون بنقل رجل مصاب إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قالت الشرطة الباكستانية إن انفجاراً استهدف مسجداً للشيعة في العاصمة إسلام آباد، اليوم (الجمعة)، أدى إلى مقتل عدد من المصلين.

وحسب السلطات المحلية، ارتفعت حصيلة الجرحى جراء انفجار المسجد في إسلام آباد إلى أكثر من 80.

وقال ظفر إقبال المسؤول بالشرطة إن الانفجار وقع أثناء صلاة الجمعة. وأضاف: «نقلنا عدداً من الأشخاص إلى المستشفيات. لا أستطيع تحديد عدد القتلى في هذه اللحظة، لكن نعم، توجد وفيات».

وكان مصدر أمني رفيع المستوى أوضح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، شريطة عدم الكشف عن هويته: «حتى الآن، استشهد 11 شخصاً وأصيب 20 آخرون».

وذكر متحدث باسم الشرطة أن طبيعة الانفجار لم تتضح بعد.