كيف تؤدي المحادثات عبر الإنترنت في باكستان إلى السجن بتهمة التجديف؟

وسيلة بأيدي جماعات إسلاموية لحشد الدعم الشعبي

أفراد عائلات الأشخاص المتهمين بالتجديف عبر الإنترنت خلال مؤتمر صحافي بإسلام آباد في شهر أكتوبر (غيتي)
أفراد عائلات الأشخاص المتهمين بالتجديف عبر الإنترنت خلال مؤتمر صحافي بإسلام آباد في شهر أكتوبر (غيتي)
TT

كيف تؤدي المحادثات عبر الإنترنت في باكستان إلى السجن بتهمة التجديف؟

أفراد عائلات الأشخاص المتهمين بالتجديف عبر الإنترنت خلال مؤتمر صحافي بإسلام آباد في شهر أكتوبر (غيتي)
أفراد عائلات الأشخاص المتهمين بالتجديف عبر الإنترنت خلال مؤتمر صحافي بإسلام آباد في شهر أكتوبر (غيتي)

إنها جريمة نكراء في عيون كثير من الباكستانيين، إلى حدّ أن أدلة الإثبات لا تكون مطلوبة دائماً لإدانة المتهم. وبمجرد انتشار شائعاتٍ عن وقوع هذه الجريمة، تشتعل مظاهرات عنيفة، ويلاحق بعض الأفراد المتهمين، ويُشاد بهم على أنهم أبطال، لما فعلوه.

جماعة إسلامية تحتجّ على اعتقال امرأة بتهمة التجديف عام 2023 في لاهور بباكستان (أ.ب)

والجريمة المشار إليها هنا هي التجديف على الإسلام. وفي باكستان، يُمكن أن تصل العقوبة إلى الإعدام، مع أن البلاد لم يسبق أن أعدمت شخصاً بسببها.

مهمة أقرب إلى المستحيل

ورغم ذلك، فإن تحديد ماهية جريمة التجديف يبدو مهمة أقرب إلى المستحيل، داخل مجتمعٍ يكبت النقاش حول هذا الأمر، باستثناء الإدانة الصريحة. وقد تسببت اتهامات التجديف، في بعض الأحيان، في تحريض وتأليب حشود قاتلة. وبالفعل، سقط سياسيون ومحامون تحدوا قوانين التجديف، قتلى، حسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» الأحد.

عام 2023، شددت باكستان العقوبات على انتهاكات قوانين مكافحة التجديف، التي يعود تاريخ النسخ المبكرة منها إلى حقبة الحكم البريطاني. ومنذ ذلك الحين، ازدادت معدلات الاعتقالات بشكل حاد -من بضع عشرات سنوياً إلى مئات- لا سيما بتهمة التجديف على الإسلام عبر شبكة الإنترنت.

مشتبه به بالتجديف في كراتشي أكتوبر (إ.ب.أ)

من جهتهم، اشتكى كثير من المتهمين من أنهم وقعوا في فخ عناصر رديئة على الإنترنت، سعت لابتزازهم أو تضخيم عدد الاعتقالات بتهمة التجديف. في السياق ذاته، أعرب خبراء معنيون بحقوق الإنسان عن اعتقادهم بأن موجة اتهامات التجديف المتصاعدة -سواء أكانت مصطنعة أم لا- تعد وسيلة أكيدة في أيدي جماعات إسلاموية، لحشد الدعم الشعبي وجذب التمويل بذريعة الدفاع عن الحرمات الدينية.

وكشفت مقابلات أُجريت مع عائلات المتهمين وخبراء قانونيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وبعض المسؤولين، بالإضافة إلى مراجعات التقارير الحكومية، عن وجود نمط من الانتهاكات. وأشار هؤلاء إلى إن قوانين التجديف الصارمة تتعرض لإساءة الاستغلال، بغية استهداف الفئات الضعيفة.

من جهتها، كانت شهيدة بيبي، التي تعيش في العاصمة إسلام آباد، تستعد لإنهاء صلاتها في إحدى ليالي عام 2023 عندما طرق أربعة رجال بابها. في البداية، زعموا أنهم أصدقاء ابنها، لكن الأسئلة التي ألقوها عليها جعلها تشعر بالتوتر.

بعد بعض الجدل، قالت السيدة بيبي: «اعترف أحدهم أخيراً بالحقيقة: كانوا ضباطاً من وكالة التحقيقات الفيدرالية، التي كانت آنذاك السلطة الرئيسية في باكستان للتحقيق في الجرائم الإلكترونية»، وكان ابنها قد أُلقي القبض عليه للتوِّ بتهمة التجديف على الإنترنت.

وقالت بيبي في مقابلة حديثة بصوت مرتجف: «شعرتُ كأن الأرض انزلقت من تحت قدميّ».

جاءت الرواية التي سردها ابنها، في وقت لاحق من خلف القضبان، مع نمط يقول خبراء في مجال حقوق الإنسان إنه أصبح شائعاً.

في العادة، تبدأ القصة بمحادثة عبر الإنترنت تبدو بريئة.

في حالة ابن بيبي، كان الأمر في إحدى مجموعات «واتساب» الكثيرة للباحثين عن عمل، التي انضم إليها. وقالت بيبي إن امرأة راسلته بشكل خاص، وعرضت عليه ما بدت أنها فرصة واعدة.

وقالت بيبي إن ابنها أخبرها: «كانت لطيفة وتتحدث معي بانتظام».

وبعد فترة، حدث أمر غريب. خلال محادثتهما التي كانت تبدو مهنية، أرسلت إليه المرأة صورة جنسية فاضحة مُرفقة بآيات قرآنية. انزعج ابنها، وسألها. تجاهلت المرأة الأمر وعدّته خطأً، وادّعت أنها غير متأكدة مما أرسلته. أصرت على إرسال نسخة من الرسالة لتتمكن من التحقق منها.

كان ابن بيبي متشككاً في الأمر، كما أخبر والدته في وقت لاحق، لكنه كان بحاجة ماسة إلى وظيفة. ولذلك، وافق على طلب المرأة بعد تردد.

بعد بضعة أيام، دعته المرأة لمقابلتها قرب محطة حافلات، ووعدته بأخذه إلى مكتب صاحب العمل، على حد قول بيبي. إلا أنه بدلاً من ذلك، فوجئ بأربعة رجال في انتظاره. واعتدوا عليه بالضرب، واستولوا على هاتفه، واحتجزوه.

وأضافت بيبي أن تلك الصورة الوحيدة التي أُرسلت إلى هاتف ابنها، أصبحت أساساً لتهمة التجديف.

مركز شرطة باكستاني تعرض لأضرار بعد احتجاجات ضد شخص متهم بإهانة القرآن الكريم خلال نوفمبر في بيشاور (إ.ب.أ)

ولم يتسنَّ التحقق من رواية السيدة بيبي بشكل مستقل، إذ لم تُنشر الأدلة في قضية ابنها، علاوة على أن النظام القضائي في باكستان لا يتسم بالشفافية. من جهتهم، رفض مسؤولون حكوميون التعليق على القضية، مشيرين إلى حساسية النقاش حول التجديف.

من ناحيتها، اطلعت صحيفة «نيويورك تايمز» على وثائق محكمة تتضمن نصوصاً لعدة محادثات عبر «واتساب» بين أشخاص متهمين بالتجديف، وأولئك الذين يبدو أنهم أوقعوا بهم في الفخ. وتضمنت النصوص الحوار بين ابن بيبي والمرأة.

اليوم، يقبع ابن بيبي، البالغ 26 عاماً، في السجن منذ أكثر من عامين في انتظار الحكم في قضيته. ويعد واحداً من مئات الأشخاص، الذين احتُجزوا بتهمة التجديف الإلكتروني خلال تلك الفترة. (نظراً لخطر تعرضهم إلى عنف، حرصت الصحيفة على عدم ذكر اسم ابن بيبي أو غيره من المسجونين بتهم التجديف).

اعتقالات بتهمة التجديف

ووثَّق تقريرٌ نشرته هيئةٌ حكوميةٌ لحقوق الإنسان في أكتوبر (تشرين الأول)، الارتفاعَ الحادَّ في الاعتقالات بتهمة التجديف الإلكتروني، وحدّد 11 حالة عام 2020، و9 عام 2021، و64 حالة عام 2022. بعد ذلك، جرى تعديل العقوبات على التجديف، لأسباب منها الغضب الشعبيّ إزاء أمثلة مُتصوَّرة على هذه الجريمة. وعليه، ارتفعت الاعتقالات بشكل حاد، لتصل إلى 213 حالةً عام 2023، ثم وصلت حداً هائلاً بلغ 767 حالةً خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024.

في الغالب، يقضي المحتجزون بتهمة التجديف في السجن أشهراً، قبل أن تصل قضاياهم إلى المحاكمة. داخل قاعات المحاكم، لا تقوم الدولة بمتابعة معظم قضايا التجديف، بل مجموعات خاصة، يقودها عادةً محامون وتدعمها شبكات من المتطوعين، الذين يراقبون وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن المخالفين المحتملين.

من جهته، قال بيتر جاكوب، المدير التنفيذي لمركز العدالة الاجتماعية في باكستان، منظمة حقوقية، إن الجهود الحثيثة لرصد القضايا وإدانتها، تعكس «تسييساً متزايداً لقوانين التجديف».

وأضاف: «لقد جعلوا من معاقبة أي فعل إهانة محتمل لما يقدسونه، قضيتهم الأولى».

في المقابل، نفت جماعات مثل اللجنة القانونية المعنية بمحاربة التجديف في باكستان، التي تابعت عشرات قضايا التجديف على الإنترنت، أن تكون التهم مُلفّقة في بعض الأحيان. وأكدت أن هناك زيادة غير مسبوقة في قضايا التجديف الحقيقية على الإنترنت.

في هذا السياق، قال راو عبد الرحيم، المحامي الذي يمثل الجماعة، في خطاب ألقاه حديثاً: «لم نشهد من قبل مثل هذه الإهانة الدنيئة للإسلام والقرآن الكريم والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وشخصيات أخرى مُبجّلة».

يذكر أنه في مارس (آذار)، قضت محكمة محلية في روالبندي، مدينة في إقليم البنجاب، على خمسة رجال بالإعدام بتهمة التجديف على الإنترنت. ورغم عدم تنفيذ الأحكام، فإنه حتى مجرد الاتهامات بالتورط في هذه الجريمة قد أدت أحياناً إلى عنف مميت.

وحسب مركز العدالة الاجتماعية الباكستاني، قُتل ما لا يقل عن 10 أشخاص متهمين بالتجديف العام الماضي، في أعمال عنف جماعية أو عنف من قِبل لجان أهلية.

علاوة على ذلك، فإنه يمكن أن تُشكل اتهامات التجديف وسيلة ضغط قوية في مخططات الابتزاز. وكشف تقرير للشرطة صدر العام الماضي، بعنوان «مجموعة أعمال التجديف»، عن شبكة إجرامية حصلت على رشى من خلال تهديد الناس بتهم تجديف ملفقة، غالباً بتواطؤ من مسؤولين في وكالة التحقيقات الفيدرالية.

ورداً على ذلك، أعادت الحكومة قريباً هيكلة جناح الجرائم الإلكترونية التابع لوكالة التحقيقات الفيدرالية، وأنشأت قسماً منفصلاً -الوكالة الوطنية للتحقيق في الجرائم الإلكترونية- يركز حصرياً على التحقيق في الجرائم الرقمية، بما في ذلك التجديف عبر الإنترنت.

في يوليو (تموز)، منح تعديلٌ آخَر بيبي الأمل في أن تنتهي مشكلات ابنها القانونية قريباً، بعد أن دعت محكمة باكستانية، رداً على التماس قدمته عائلات عدة أشخاص اعتُقلوا بتهم التجديف، إلى تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في احتمال إساءة استخدام قانون التجديف. ولوهلة، شعرت بيبي بالأمل يراودها.

إلا أنه بعد أسبوع فقط، علّقت محكمة أعلى الأمر. ومن جديد، شعرت بيبي كأن الأرض قد انزلقت تحتها. وقالت: «لا أطمح سوى لعودة ابني البريء إلى المنزل».


مقالات ذات صلة

السلطات المغربية تنجح في تفكيك خلية مُوالية لـ«داعش»

شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (متداولة)

السلطات المغربية تنجح في تفكيك خلية مُوالية لـ«داعش»

تمكّن الأمن المغربي، في عملية متزامنة ومشتركة مع نظيره الإسباني، اليوم الأربعاء، من تفكيك خلية إرهابية مُوالية لتنظيم «داعش» الإرهابي.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
شؤون إقليمية اعتقلت السلطات التركية عشرات من بين آلاف المشاركين في الاحتفال بعيد نوروز في إسطنبول الأحد الماضي لرفعهم صوراً ولافتات تروج لحزب «العمال الكردستاني» (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - إكس)

تركيا: صدام بين القوميين حول «السلام» مع الأكراد

تصاعد جدل جديد بشأن إقرار اللوائح القانونية والإصلاحات الديمقراطية المطلوبة لإتمام «عملية السلام» في تركيا التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مقر السفارة الأميركية في نواكشوط (السفارة)

أميركا تحذر من «هجوم إرهابي» محتمل ضد سفارتها في نواكشوط

أصدرت الولايات المتحدة الأميركية، مساء الاثنين، تحذيراً من «هجوم إرهابي محتمل» ضد مقر السفارة الأميركية في موريتانيا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية)

نيجيريا: قتلى ومختطفون في هجمات إرهابية متفرقة

تتواصل الهجمات الإرهابية في نيجيريا مُوقعةً قتلى وجرحى.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جنود من جيش مالي خلال إنزال لمطاردة مسلحين من «القاعدة» في إحدى الغابات (أرشيفية - إعلام محلي)

توتر جديد بعد مقتل مواطنين موريتانيين في عملية عسكرية لجيش مالي

تأتي الحادثة وسط تصعيد وتوتر بين البلدين، خصوصا في الشريط الحدودي المحاذي لغابة (واغادو)، غربي مالي، حيث توجد معاقل «جبهة تحرير ماسينا» التابعة لتنظيم «القاعدة»

الشيخ محمد (نواكشوط)

الصين تدعو لوقف الحرب على إيران وتحث على إطلاق محادثات سلام

أفراد من فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)
أفراد من فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)
TT

الصين تدعو لوقف الحرب على إيران وتحث على إطلاق محادثات سلام

أفراد من فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)
أفراد من فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)

دعت الصين، اليوم (الخميس)، إلى تكثيف الجهود الدولية لوقف التصعيد العسكري وتهيئة الأرضية لمحادثات سلام، على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مؤكدة ضرورة تغليب الحلول السياسية عبر الحوار.

وقال لين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، خلال مؤتمر صحافي دوري: «على جميع الأطراف العمل نحو هدف مشترك يتمثل في تهيئة الظروف لبدء محادثات سلام جادة وصادقة»، وذلك رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت بكين على علم بأي مفاوضات جارية بين إيران والولايات المتحدة.

وأضاف أن «الأولوية الملحة هي العمل بنشاط على تعزيز محادثات السلام، واغتنام فرصة السلام، والتحرك لوقف الحرب».

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية جيانغ بين، في إفادة صحافية في بكين، إن بلاده «تدعو جميع الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية» في الحرب الدائرة، مشدداً على ضرورة تجنب مزيد من التصعيد.

وأوضح أن الصين «تحث على بذل كل جهد ممكن لحل الصراع عبر الحوار والطرق السياسية، بما يسهم في تهدئة الأوضاع».


مقتل 24 شخصاً جراء غرق حافلة في نهر ببنغلاديش

الحافلة كانت تقل نحو 40 راكباً قبل سقوطها في النهر في العاصمة دكا (إ.ب.أ)
الحافلة كانت تقل نحو 40 راكباً قبل سقوطها في النهر في العاصمة دكا (إ.ب.أ)
TT

مقتل 24 شخصاً جراء غرق حافلة في نهر ببنغلاديش

الحافلة كانت تقل نحو 40 راكباً قبل سقوطها في النهر في العاصمة دكا (إ.ب.أ)
الحافلة كانت تقل نحو 40 راكباً قبل سقوطها في النهر في العاصمة دكا (إ.ب.أ)

قال مسؤولون في بنغلاديش، اليوم (الخميس)، إن 24 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم بعد سقوط حافلة ركاب تقل نحو 40 راكباً في نهر بادما في أثناء محاولتها الصعود إلى متن عبارة.

ووقع الحادث، أمس (الأربعاء)، عندما فقد السائق السيطرة على الحافلة خلال الاقتراب من العبارة في داولتديا بمقاطعة راجباري، على بُعد نحو 100 كيلومتر من داكا.

جثث ضحايا حادث الحافلة خلال نقلها إلى مستشفى راجباري الحكومي في العاصمة دكا (إ.ب.أ)

وقالت الشرطة وإدارة الإطفاء والدفاع المدني إن الحافلة انقلبت وغرقت على عمق 9 أمتار تقريباً في النهر.

تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث عن الضحايا بعد يوم من سقوط حافلة في نهر بادما أثناء صعود ركابها إلى عبّارة في منطقة راجباري على بُعد 84 كيلومتراً من دكا (إ.ب.أ)

وذكر مسؤول في خدمة الإطفاء أن فرق الإنقاذ انتشلت 22 جثة من داخل الحافلة الغارقة، بينهم 6 رجال و11 امرأة و5 أطفال.

لا يزال عدد من الأشخاص في عداد المفقودين في حين تتواصل عمليات البحث والإنقاذ عن الحافلة المتجهة إلى دكا بعد سقوطها في النهر (إ.ب.أ)

وأضاف أنه تم تأكيد وفاة 24 شخصاً حتى الآن، من بينهم امرأتان توفيتا بعد إنقاذهما.

يحاول الناس التعرف على أقاربهم المتوفين في مستشفى راجباري الحكومي في اليوم التالي لسقوط حافلة ركاب في نهر بادما (أ.ب)

ويخشى المسؤولون وجود آخرين في عداد المفقودين. ويلقى المئات حتفهم كل عام في حوادث الطرق والعبارات في بنغلاديش.


استحمام مرة بالسنة ومعاناة «تفوق الماشية»... ظروف قاسية لعمال كوريين شماليين في روسيا

عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب)
عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب)
TT

استحمام مرة بالسنة ومعاناة «تفوق الماشية»... ظروف قاسية لعمال كوريين شماليين في روسيا

عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب)
عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب)

في ظل تقارير متزايدة عن استغلال العمالة العابرة للحدود، يكشف تحقيق جديد عن واقع صادم يعيشه آلاف العمال الكوريين الشماليين في الخارج، حيث تتقاطع ظروف العمل القاسية مع قيود صارمة وانتهاكات ممنهجة. وتسلّط هذه الشهادات الضوء على جانب خفي من برامج تصدير العمالة، الذي يُروَّج له رسمياً بوصفه فرصة اقتصادية، بينما يختبر المشاركون فيه معاناة يومية قاسية.

لا يستطيع غيم هيوك كيم أن يتذكّر آخر مرة حظي فيها بحمامٍ لائق. فحين أُرسل هذا العامل الكوري الشمالي إلى روسيا ضمن برنامج أطلقه الزعيم كيم جونغ أون لتصدير العمالة، لم يكن يتوقع أن ينتهي به المطاف إلى العيش داخل حاوية شحن، في ظروف يغلب عليها البؤس والقذارة، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «إندبندنت».

ويكشف التحقيق أن كيم ليس حالة فردية، بل هو واحد من بين ما لا يقل عن 100 ألف عامل كوري شمالي يُرسلون إلى الخارج ضمن هذا البرنامج، حيث يُجبرون على العمل والعيش في ظروف تنطوي على انتهاكات جسيمة. وتشمل هذه الانتهاكات تقييد حرية التنقل، ومصادرة الوثائق الشخصية، والتعرض للعنف الجسدي والجنسي، فضلاً عن الترهيب المستمر والتهديدات.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (د.ب.أ)

ويقول الشاب البالغ من العمر 29 عاماً، والمنحدر من العاصمة بيونغ يانغ: «لا توجد أي مرافق للاستحمام هنا، لذلك نكتفي بغسل وجوهنا من الصنبور». وقد أُرسل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية عام 2024 للعمل في مشروع بناء أحد الملاعب. ويقيم حالياً على بُعد نحو 200 متر فقط من موقع العمل، حيث يتشارك غرفة ضيقة داخل حاوية شحن مع 20 عاملاً آخر من أبناء بلده.

ويضيف: «نعاني من حرمان مزمن من النوم بسبب ساعات العمل الطويلة وظروف المعيشة القاسية؛ فالحاويات تعج بالصراصير وبقّ الفراش». وبحسب تحقيق أجرته مؤسسة القانون الدولي Global Rights Compliance، التي تتخذ من لاهاي مقراً لها، فإن الاستحمام يقتصر في بعض الحالات على مرة أو مرتين فقط في السنة.

ويشير الخبراء إلى أن هذا البرنامج يشمل إرسال نحو 100 ألف كوري شمالي إلى الخارج للعمل في قطاعات البناء والمصانع والمزارع، لا سيما في روسيا والصين وبعض الدول الأفريقية.

ورغم الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تشغيل العمالة الكورية الشمالية في الخارج، تشير التقارير إلى أن البرنامج لا يزال نشطاً، بل اكتسب زخماً في بعض المدن الروسية. فقد دعا قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2017 جميع الدول إلى إعادة العمال الكوريين الشماليين إلى بلادهم بحلول 22 ديسمبر (كانون الأول) 2019، وذلك لمنع تدفق العملات الأجنبية التي قد تُستخدم في تمويل برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية.

ويؤكد الخبراء أن كثيراً من الكوريين الشماليين يقبلون بهذه الوظائف أملاً في الهروب من أوضاعهم داخل البلاد، التي وُصفت بأنها «أكبر سجن على وجه الأرض».

وبحسب نتائج التحقيق، أكد ما لا يقل عن 21 مواطناً كورياً شمالياً أنهم يعملون في ظروف خطيرة ومهددة للحياة، ويُجبرون على الوفاء بحصص إنتاج شهرية محددة «مهما كلف الأمر... أحياءً كانوا أم أمواتاً». وتهدف هذه الحصص، التي تفرضها الحكومة، إلى ضمان تحويل أكبر قدر ممكن من العملات الأجنبية إلى الدولة.

وأشار العمال إلى أنهم لم يتلقوا أي معلومات مسبقة عن طبيعة هذه الظروف قبل إرسالهم إلى روسيا، حيث صُوِّرت لهم هذه الوظائف على أنها «مرموقة ومرغوبة». بل إن بعضهم اضطر إلى دفع رشى لوسطاء للحصول على هذه الفرص، ما أدى إلى وقوعهم لاحقاً في فخ الديون.

ووفقاً لنتائج التحقيق التي شاركت بها صحيفة «إندبندنت»، يُجبر العمال على العمل لساعات تصل إلى 16 ساعة يومياً — من السابعة صباحاً وحتى منتصف الليل — ولمدة تصل إلى 364 يوماً في السنة، مقابل أجر شهري لا يتجاوز 10 دولارات (7.4 جنيه استرليني).

ويقول أحد العمال: «في كل فترة بعد الظهر، أجد نفسي مشغولاً بحساب ما إذا كنت سأتمكن من تحقيق الحصة المطلوبة لهذا الشهر».

وتُعد هذه الحصة الإلزامية، المعروفة محلياً باسم «غوكغا غيويك-بون» (Gukga Gyehoekbun)، محوراً أساسياً في حياة العمال الكوريين الشماليين في الخارج. ويشير هذا المصطلح إلى نظام تفرضه بيونغ يانغ على عمالها لضمان تحقيق أهداف مالية محددة. اللافت أن معظم العمال لم يكونوا على دراية بوجود هذا النظام قبل مغادرتهم بلادهم.

ويقول أحدهم: «غادرت بلادي دون أن أعرف كم سأكسب. كنت أظن فقط أنني سأذهب إلى روسيا لجني المال، ولم أكن أعلم بوجود شيء يُسمى حصة الدولة».

وفي شهادة أخرى، وصف أحد العمال ظروفهم بأنها «أسوأ من حياة الماشية»، موضحاً أنهم كانوا يُجبرون على التوجه إلى مواقع العمل حتى في أقسى ظروف الشتاء الروسي، من دون أي معدات حماية مناسبة.

وأضاف العمال أن المشكلات الصحية، سواء كانت إصابات أو أمراضاً، لا تُقابل بالإهمال فحسب، بل تُعتبر أيضاً «عوائق تعرقل سير العمل»، ما يزيد من معاناتهم اليومية في بيئة تفتقر إلى أبسط معايير السلامة والإنسانية.