باكستان: «بيبي» ضحية أخرى بدعوى «الشرف»... لكن تأبى أن يطويها النسيان

أثارت عملية الإعدام المزدوجة صدمة وأشعلت احتجاجات وإدانات

احتجاجٌ الشهر الماضي في كويتا - باكستان على مقتل بانو بيبي وإحسان الله سمالاني اللذين اتُهما بإقامة علاقة غرامية أمر زعيم قبلي بإعدامهما وفقاً لتقرير الشرطة (أ.ف.ب)
احتجاجٌ الشهر الماضي في كويتا - باكستان على مقتل بانو بيبي وإحسان الله سمالاني اللذين اتُهما بإقامة علاقة غرامية أمر زعيم قبلي بإعدامهما وفقاً لتقرير الشرطة (أ.ف.ب)
TT

باكستان: «بيبي» ضحية أخرى بدعوى «الشرف»... لكن تأبى أن يطويها النسيان

احتجاجٌ الشهر الماضي في كويتا - باكستان على مقتل بانو بيبي وإحسان الله سمالاني اللذين اتُهما بإقامة علاقة غرامية أمر زعيم قبلي بإعدامهما وفقاً لتقرير الشرطة (أ.ف.ب)
احتجاجٌ الشهر الماضي في كويتا - باكستان على مقتل بانو بيبي وإحسان الله سمالاني اللذين اتُهما بإقامة علاقة غرامية أمر زعيم قبلي بإعدامهما وفقاً لتقرير الشرطة (أ.ف.ب)

تسقط النساء في باكستان قتيلات يومياً، تقريباً، بحجة تلويث شرف العائلة، ونادراً ما يجري اعتقال أي شخص على خلفية ذلك، لكن كلمات بانو بيبي الأخيرة والشجاعة سُجِّلت في فيديو.

كانت المرأة تخطو خطواتها الأخيرة على أرض صحراوية مفتوحة في جنوب باكستان، ثم توقفت، وأدارت ظهرها إلى مُنفذ الإعدام، بينما كان يرفع سلاحه. وقالت بانو بيبي (35 عاماً)، وشالها يرفرف في الهواء: «يمكنك أن تطلق النار عليّ، لكن ليس أكثر من ذلك».

وبالفعل، أطلق الرجل ثلاث رصاصات على بيبي، أم لخمسة أطفال، فأرداها قتيلة في الحال، بناءً على اتهامه إياها بإقامة علاقة غرامية. وبعد ذلك، التفت إلى الرجل المتهم بأنه عشيقها، إحسان الله سمالاني (50 عاماً)، وأب لأربعة أبناء، وأرداه قتيلاً هو الآخر، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الأربعاء.

وأثارت عملية الإعدام المزدوجة صدمة واسعة في باكستان، وأشعلت احتجاجات وإدانات من شخصيات سياسية على نطاق واسع.

ولم ينجم الغضب من مجرد أنها جريمة قتل جديدة باسم «الشرف» في باكستان، حيث تُقتل أكثر من امرأة واحدة يومياً، في المتوسط، بدعوى تدنيس شرف العائلة، بل لأن السلطات لم تحرك ساكناً، إلا بعد انتشار فيديو إطلاق النار، بعد أكثر من ستة أسابيع على حادثة القتل.

في هذا الصدد، قالت السيناتورة شيري رحمن، التي قدّمت مشروع قرار يطالب بمحاكمة المسؤولين عن قتل بيبي وسمالاني: «كثير من المجتمعات والعائلات يصرّون على مفهومهم الخاطئ عن (الشرف)، باعتباره يكمن في جسد المرأة وتصرفاتها».

وأضافت: «مرتكبو هذه الجرائم يزدادون جرأة جراء ضعف معدلات المحاكمة. وذلك، نجد كثيراً من المتواطئين عبر المجتمع يساهمون في استمرار هذه العادات البشعة».

مزيد من الجهد لحماية النساء

من جهتهم، لطالما وعد الساسة ومسؤولو إنفاذ القانون، في هذا البلد المسلم، الذي يتجاوز عدد سكانه 240 مليون نسمة، ببذل مزيد من الجهد لحماية النساء. كما وعدوا مراراً باتخاذ إجراءات ضد مرتكبي مثل هذه الجرائم التي تُقترف باسم تقاليد موغلة في القدم تعود لقرون مضت.

كلمات بيبي الشجاعة

إلا أن مقتل بيبي، وكلماتها الأخيرة الشجاعة، وتمكّن القتلة من الإفلات من العقاب لأسابيع طويلة، كلها أعادت التشكيك في قدرة المسؤولين الباكستانيين (أو رغبتهم) على التصدي لأحد أكثر أشكال العنف انتشاراً وصلفاً في البلاد.

في الفيديو، يظهر رجال يشاهدون الواقعة في صمت دون أن يتحركوا أو يتدخلوا، وبعضهم انهمك في تصوير وقائع الإعدام بهواتفهم الجوالة.

أواخر الشهر الماضي، فتحت الشرطة تحقيقاً في الجريمة التي وقعت، مطلع يونيو (حزيران). وخلال أيام، أُلقي القبض على أكثر من 15 شخصاً، بينهم والدة بيبي، التي ظهرت في فيديو قبل اعتقالها تقول فيه إن القتل «كان لا بد منه»، و«ضروري لتطهير شرف العائلة».

من جهتها، علقت شيما كيرماني، راقصة كلاسيكية وناشطة بمجال حقوق المرأة، على الحادث بقولها: «عادة ما يُلقى باللوم على الضحية، ويزعم القاتل أنها (لوَّثَتْ شرف العائلة)... لكن لا شرف في هذه الجرائم، بل هي جرائم قتل مشينة». يُذكر أن كيرماني شاركت في تأسيس «مسيرة أورات»، إحدى أبرز الحركات النسوية في باكستان.

405 ضحايا العام الماضي

وبحسب «لجنة حقوق الإنسان الباكستانية»، منظمة مستقلة، بلغ عدد ضحايا ما يسمى «جرائم الشرف»، 405 امرأة في العام الماضي وحده.

وغالباً ما تقع هذه الجرائم في المناطق الريفية، حيث تسود معتقدات أبوية راسخة، تستغل لتبرير العنف ضد النساء. وقد وقعت جريمة قتل بيبي وسمالاني في ضواحي مدينة كويته، عاصمة إقليم بلوشستان الجنوبي.

قالت جول جان بيبي والدة بانو بيبي في مقطع فيديو إن مقتل ابنتها «كان ضرورياً لتطهير شرف عائلتنا» (رويترز)

اللافت أن هذا النوع من الجرائم لا يقتصر على طبقة اقتصادية معينة، بل يحدث في كل أنحاء البلاد، بما في ذلك المدن الكبرى، وحتى بين الجاليات الباكستانية في الخارج. على سبيل المثال، في يناير (كانون الثاني) الماضي، استدرج رجل ابنته البالغة 14 عاماً، التي كانت تعيش في نيويورك، وأعادها إلى باكستان، وقتلها بسبب أسلوب حياتها، بما في ذلك طريقة لباسها.

ورغم وجود عدة قوانين تجرّم العنف القائم على النوع الاجتماعي في باكستان، فإن مثل هذه الجرائم غالباً ما تمر دون إبلاغ أو عقاب، في ظل طغيان الأعراف القبلية التي تعود لقرون، على القانون المدني في مناطق واسعة من البلاد.

وفي مثل هذه الحالات، تكون قرارات مجالس القرى المحلية، المعروفة باسم «الجيرغا»، هي الحاكمة، وليس المحاكم. وفي الغالب يكون القاتل أحد أقارب الضحية (والدها، أو شقيقها، أو عمها) الذي يقدم على جريمته بسبب رفض المرأة الزواج القسري، أو طلب الطلاق، أو إقامة علاقة يعتبرها مخالفة لقيم الثقافة السائدة.

وبحسب «منظمة التنمية الاجتماعية المستدامة» (مؤسسة غير ربحية باكستانية)، فإن الإدانات الجنائية في هذه القضايا لم تتجاوز 0.5 في المائة من إجمالي الحالات المبلغ عنها، العام الماضي.

عام 2016، جرى سن قانون يهدف إلى معاقبة الجناة بشكل أكثر فاعلية، عبر منع عائلات الضحايا من العفو عن القتلة، إلى جانب تدابير أخرى. ومع ذلك، استمرت أعمال القتل، بل وازدادت، بحسب فرح ضياء، مديرة «المفوضية الباكستانية لحقوق الإنسان»، التي تعتمد على بيانات الشرطة. وأضافت أن العدد الحقيقي من الضحايا، ربما يكون أعلى بكثير.

وأقرت ضياء بأن «القانون لم ينقذ الضحايا، ولم يخفف من هذه الجرائم. من وقت لآخر، تثير بعض الحوادث ضجة إعلامية، لكنها تستمر بشكل مخزٍ».

وفي الأسابيع الأخيرة، ألقت الشرطة القبض على والد وشقيق فتاة تبلغ 18 عاماً، عُثِر عليها مقتولة، بعد أن هربت من زواج قسري في روالبندي، على بُعد 20 ميلاً من العاصمة إسلام آباد. وفي جنوب باكستان، اعترف رجل يبلغ 80 عاماً بقتل حفيدته البالغة 23 عاماً بمساعدة ابنه وشقيقه، بدعوى «الشرف»، لأنها غادرت المنزل بعد رفضها زواجاً مرتباً.

أمام زعيم قبلي محلي

وفي أوائل يونيو، مثلت بيبي وسمالاني أمام زعيم قبلي محلي في بلوشستان، اعتبر أنهما ارتكبا عملاً مخزياً، وأمر بإعدامهما، بحسب تقرير للشرطة اطّلعت عليه صحيفة «نيويورك تايمز».

ومنذ ذلك الحين، وجهت السلطات اتهامات بالقتل العمد إلى الزعيم القبلي و15 آخرين. كما وُجّهت لهم تهم بالإرهاب، بسبب محاولتهم إثارة الذعر والخوف عبر نشر الفيديو.

أما الرجل الذي يظهر في الفيديو وهو يطلق النار على بيبي وسمالاني، فلا يزال طليقاً حتى الثلاثاء. وكذلك شقيق بيبي، الذي يظهر في الفيديو بين الحضور.

من جهتها، قالت الناشطة كيرماني: «هذا الفيديو يبعث رسالة مرعبة مفادها: (على كل امرأة الامتناع عن اتخاذ قرارات بشأن حياتها، لأن هذا ما سنفعله بها)».


مقالات ذات صلة

الشرطة تبحث عن مشتبه ثانٍ في حادث إطلاق النار بجامعة براون الأميركية

الولايات المتحدة​ لقطة من مقطع فيديو نشرته شرطة بروفيدنس تُظهر شخصاً قد يكون مشتيهاً به في إطار التحقيق بإطلاق النار في جامعة براون (رويترز)

الشرطة تبحث عن مشتبه ثانٍ في حادث إطلاق النار بجامعة براون الأميركية

تبحث السلطات الأميركية عن شخص ثانٍ، في إطار التحقيق في عملية إطلاق نار أوقعت، السبت، قتيلين وتسعة جرحى في جامعة براون، وفق ما أعلنت الشرطة المحلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا الميليشياوي أحمد الدباشي (العمو) (حسابات ليبية موثوثة)

ليبيا: اشتباكات واسعة في صبراتة تنهي أسطورة «العمو»

طوت ليبيا صفحة أسطورة الميليشياوي أحمد الدباشي، المعروف بـ«العمو»، والمطلوب دولياً في قضايا اتجار بالبشر والمخدرات، بعد إعلان مقتله إثر اشتباكات واسعة.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا عنصر من الشرطة البريطانية (رويترز)

بريطانيا: إطلاق سراح 12 سجيناً إضافياً «عن طريق الخطأ»

صرح وزير العدل البريطاني ديفيد لامي، بأنه تم إطلاق سراح 12 سجيناً عن طريق الخطأ خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، لا يزال اثنان منهم طليقين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا سيارة إطفاء متوقفة بالقرب من موقع الحادث الذي اصطدمت فيه سيارة بحشد من مشجعي ليفربول أثناء مسيرة للاحتفال بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم في وسط ليفربول - بريطانيا 28 مايو 2025 (رويترز) play-circle

بريطاني يقر بالذنب في دهس حشد خلال احتفال نادي ليفربول بالفوز بالدوري الإنجليزي

أقر بريطاني، الأربعاء، بالذنب في قضية دهس حشد خلال احتفال نادي ليفربول بلقب الدوري الإنكليزي الممتاز في كرة القدم في مايو (أيار)، في تطور بالقضية.

«الشرق الأوسط» (ليفربول)
أوروبا أفراد من الشرطة الفرنسية يقفون بجوار مصعد استخدمه اللصوص لدخول متحف اللوفر على رصيف فرنسوا ميتران في باريس... 19 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

الادعاء الفرنسي يوقف 4 أشخاص على صلة بسرقة متحف اللوفر

أوقفت السلطات الفرنسية، الثلاثاء، 4 أشخاص آخرين، على خلفية التحقيق بشأن سرقة مجوهرات من التاج الملكي الفرنسي من متحف اللوفر الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (باريس)

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.


حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
TT

حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)

قالت هيئة تنظيم الإنترنت في أستراليا إن الشركات التي تدير منصات ​التواصل الاجتماعي حظرت مجتمعة نحو 5 ملايين حساب لمراهقين في البلاد بعد شهر واحد فقط من بدء سريان أول حظر من نوعه عالمياً على من هم دون سن 16 عاماً، ما يعكس ‌التأثير السريع والواسع ‌للإجراء.

وذكرت ⁠الهيئة ​المعنية ‌بالسلامة الإلكترونية على الإنترنت في أستراليا «إي سيفتي» أن المنصات أزالت حتى الآن نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين تقل أعمارهم عن 16 عاماً امتثالاً لقانون دخل حيز ⁠التنفيذ في 10 ديسمبر (كانون الأول). ‌وأكدت بعض المنصات أنها ‍ستبدأ إزالة ‍الحسابات التي تنطبق عليها شروط ‍الحظر خلال الأسابيع التي تسبق الموعد النهائي.

«لوغو» لمنصات مملوكة لشركة «ميتا» وهي من اليمين «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام» (د.ب.أ)

وتمثل هذه الأرقام أول بيانات حكومية حول الامتثال. وتشير إلى أن المنصات تتخذ ​خطوات مهمة للالتزام بالقانون، الذي ربما يعرضها لغرامة تصل إلى 49.⁠5 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار) في حالة عدم الالتزام به، لكنه لا يحمل الأطفال أو آباءهم المسؤولية.

وفاق هذا العدد التقديرات التي أوردتها تقارير قبل صدور القانون استناداً إلى بيانات السكان. وقالت «ميتا» في وقت سابق إنها أزالت نحو 550 ألف حساب ‌لقاصرين من «إنستغرام» و«فيسبوك» و«ثريدز».


تقرير: خلافات مكتومة داخل «طالبان» تطفو على السطح بعد قرار قطع الإنترنت

صورة أرشيفية لمُقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية تُوزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية بكابل السبت 30 أبريل 2022 (أ.ب)
صورة أرشيفية لمُقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية تُوزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية بكابل السبت 30 أبريل 2022 (أ.ب)
TT

تقرير: خلافات مكتومة داخل «طالبان» تطفو على السطح بعد قرار قطع الإنترنت

صورة أرشيفية لمُقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية تُوزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية بكابل السبت 30 أبريل 2022 (أ.ب)
صورة أرشيفية لمُقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية تُوزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية بكابل السبت 30 أبريل 2022 (أ.ب)

كشفت تحقيقات لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن تصدعات لافتة داخل قيادة حركة «طالبان»، بعد أن تجاهل مسؤولون كبار قراراً أصدره الزعيم الأعلى للحركة، هبة الله أخوند زاده، يقضي بقطع خدمة الإنترنت عن أفغانستان، قبل أن يُعاد تشغيلها بعد أيام قليلة دون إعلان رسمي.

ويستند التحقيق إلى تسجيل صوتي مسرَّب يعود إلى يناير (كانون الثاني) 2025، حذّر فيه أخوند زاده من أن الخلافات الداخلية المتصاعدة قد تقود إلى انهيار حكومة «طالبان»؛ في إشارة نادرة إلى صراع مكتوم داخل هرم السلطة في الحركة.

ووفق التحقيق، يتمحور الخلاف حول جناحين رئيسيين داخل «طالبان»: جناح يتمركز في قندهار، يدين بالولاء المطلق لأخوند زاده، ويدفع باتجاه حكم ديني متشدد، منغلق على العالم الخارجي، وآخر في كابل، يضم وزراء وشخصيات نافذة تتبنى نهجاً أكثر براغماتية، يقوم على انفتاح محدود على المجتمع الدولي، ومحاولات لإنعاش الاقتصاد، إلى جانب تخفيف القيود المفروضة على تعليم النساء والفتيات.

دعت «الأمم المتحدة» الأحد سلطات «طالبان» إلى رفع حظر تفرضه منذ 3 أشهر على عمل موظفاتها الأفغانيات في مقارّها بأفغانستان (أ.ف.ب)

ورغم نفي «طالبان» المتكرر وجود أي انقسام في قيادتها، فإن قرار قطع الإنترنت، في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، شكّل، وفق مصادر مطلعة، نقطة تحوّل مفصلية. فبعد ثلاثة أيام فقط، عادت الخدمة إلى مختلف أنحاء البلاد، في خطوةٍ كشفت لاحقاً أن وزراء نافذين في كابل تحركوا لإلغاء القرار، فيما عُدّ تحدياً غير مسبوق لسلطة الزعيم الأعلى.

ويرى محللون أن دلالة هذه الخطوة لا تكمن في مسألة الإنترنت بحد ذاتها، بل في كسر مبدأ «الطاعة المطلقة» الذي حكم سلوك «طالبان» تاريخياً، إذ يُنظر إلى أخوند زاده بوصفه المرجعية العليا غير القابلة للمساءلة داخل الحركة.

ويشير التحقيق إلى أن تركز السلطة في قندهار، وفرض قيود صارمة على النساء، ومنع التعليم والعمل، شكّلت عوامل رئيسية في تعميق التوتر بين الجناحين، وسط مخاوف متزايدة لدى تيار كابل من أن استمرار العزلة الدولية سيقود أفغانستان إلى طريق مسدود.

وعلى الرغم من استمرار الخطاب الرسمي الذي ينفي وجود أي شرخ داخلي، فإن لهجة التصريحات المتبادلة، خلال الأسابيع الأخيرة، تعكس، وفق مراقبين، عمق الخلاف داخل «طالبان»، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل حكم الحركة، وما إذا كانت هذه الانقسامات ستظل في إطارها السياسي الضيق، أم ستتطور إلى صراع أوسع قد يعيد رسم ملامح السلطة في أفغانستان.